النص المفهرس
صفحات 1-20
عِمُونَ فَتَاوى ٠٠٠. شيخ الإسلام أحمد بن يميّة ((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ)) جَمَعْوَتَتِبُ عبد الرحمن بنْمُحَمَّدَ برْقَاسْم ((رَحَمَهُ الَه) وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه)» المجلد الثالث والعشرون طُبعَ بِأمْر خَادِ الجرّهَيْ الشِِّفَيْ الملِكِ فَهَدِرْ عَبْلِ الْعَز ◌َلْسُود أَجْزَلِ اللَّهَ مَثُوُبتَه طبعَت هذه الفتَاوى في ◌ُجَمِعْ لَكِ فَهَذِ لُطبَاعَة المُصَحِفِ الشَّرِيف في المدينَةِ المنوّرة تحت إشراف وَزَارَة الشُُّؤُوْنُ الإسْلامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّهُوَمَ وَالأَرْشَادِ بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م ٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه . ٤٤٠ ص : ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة) ٥-٤٣-٧٧٠-٩٩٦٠ (ج ٢٣ ) ١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان ١٥/٢٠٠٩ دیوي ٢٥٨,٤ رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩ ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) ٥-٤٣- ٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٣ ) كتب الفقه ـ - الجزء الثالث من سجود السهو إلى صلاة أهل الأعذار ◌ِاللّهِالرَِّ الرَّحَمِ ١٠٠ باب سجود السهو قال الشيخ / حمد الله الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً . فصل في سجود السهو والمهم منه أمور : منها مسائل الشك ، ومنها محله ، هل هو قبل السلام أو بعده ؟ ومنها وجوبه . فنقول : ولا حول ولا قوة إلا بالله . أما الشك ففيه عن النبى صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة، وهي كلها متفقة - ولله الحمد - وإنما تنازع الناس لكون بعضهم لم يفهم مراده ، ففي الصحيحين عن أبي ٥ هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان : فلبس عليه ، حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك ، فليسجد سجدتين ، وهو جالس )). وفى الصحيحين أيضاً عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمح الأذان ، فإذا قضى الأذان أقبل ، فإذا ثوب بها أدبر ، فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى ، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس)). وفي لفظ للبخاري ((فإذا لم يدر أحدكم كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليسجد سجدتين وهو جالس)) وفى لفظ: (( يسجد سجدتى السهو)). ففي هذا الحديث الصحيح الأمر بسجدتي السهو إذا لم يدركم صلى، وهو يقتضي وجوب السجود ، كقول الجمهور ، وفيه أنه سماهما سجدتى السهو ، فدل على أنهما لا يشرعان إلا للسهو ، كقول الجمهور . وقوله: ((فليسجد سجدتين وهو جالس)) مطلق لم يعين فيه لا قبل السلام ، ولا بعده ، لكن أمر بها قبل قيامه، ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى ثلاثاً ، أم أربعاً، ٦ فليطرح الشك وليين على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته ، وإن كان صلى تماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)). ففي هذا الحديث أنه إذا شك فلم يدر فليطرح الشك، وفيه الأمر بسجدتين قبل السلام. وقوله: ((إذا شك)) هو موضع اختلاف فهم الناس . منهم من فهم أن كل من لم يقطع فهو شاك ، وإن كان أحد الجانبين راجحاً عنده ، فجعلوا من غلب على ظنه وإن وافقه المأمومون شاكاً ، وأمروه أن يطرح ما شك فيه ، ويبنى على ما استيقن ، وقالوا الأصل عدم ما شك فيه ، فرجحوا استصحاب الحال مطلقاً ، وإن قامت الشواهد والدلائل بخلافه ، ولم يعتبروا التحري بحال . ومنهم : من فسر قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر ((فليتحر)) أنه البناء على اليقين . ومنهم طائفة قالوا : إن كان إماماً فالمراد به الشك المتساوي ، وإن كان منفرداً فالمراد به ما قاله أولئك. وقالت طائفة ثالثة : بل المراد بالشك ما استوى فيه الطرفان ، أو تقاربا، وأما إذا ترجح أحدهما فإنه يعمل بالراجح ، وهو التحري ، وعن الإمام أحمد ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة . والأول: هو قول مالك والشافعى ، واختيار كثير من أصحاب أحمد. ٧ والثاني: قول الخرقي وأبي محمد ، وقال: إنه المشهور عن أحمد . والثالث : قول كثير من السلف والخلف ، ويروى عن علي وابن مسعود وغيرهما ، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه فيما إذا تكرر السهو ، قال أحمد فى رواية الأثرم : بين التحري واليقين فرق ، أما حديث عبد الرحمن بن عوف فيقول: (( إذا لم يدر أثلاثاً على أو اثنتين ؟ جعلها اثنتين)). قال : فهذا عمل على اليقين فبنى عليه ، والذي يتحرى يكون قد صلى ثلاثاً ، فيدخل قلبه شك أنه إنما صلى اثنتين إلا أن أكثر ما فى نفسي أنه قد صلى ثلاثاً ، وقد دخل قلبه شيء ، فهذا يتحرى أصوب ذلك ، ويسجد بعد السلام ، قال : فبينهما فرق . قلت : حديث عبد الرحمن بن عوف الذي ذكره أحمد هو نظير حديث أبى سعيد ، وهو فى السنن ، وقد صححها الترمذي ، وغيره . وعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص ، فإن كان شك في الواحدة والثنتين ، فليجعلهما واحدة . فإن لم يدر أثنتين صلى أو ثلاثا، فليجعلها اثنتين ، فإن لم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً ، حتى يكون الشك فى الزيادة ، ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ، ثم يسلم)). ٨ ومن أصح أحاديث الباب حديث ابن مسعود في التحري فإنه أخرجاه فى الصحيحين ، وحديث أبى سعيد انفرد به مسلم ؛ لكن حديث عبد الرحمن بن عوف شاهد له ، فهما نظير حديث ابن مسعود فى الصحيحين عن إبراهيم ، عن علقمة . عن عبد الله بن مسعود قال : ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال. إبراهيم: زاد أو نقص، فلما سلم قيل له : يا رسول الله! أحدث فى الصلاة شيء، قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت كذا وكذا ، قال : فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم أقبل علينا بوجهه فقال : إنه لو حدث فى الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. فإذا نسيت فذكرونى ، وإذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين )). وللبخاري في بعض طرقه (( قيل: يا رسول اللّه أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا: صليت كذا وكذا ، قال : فسجد بهم سجدتين ، ثم قال : هاتان السجدتان لمن لا يدري زاد في صلاته أو نقص فيتحرى الصواب فيتم عليه ، ثم يسجد سجدتين )) وفى رواية له « فليتم عليه ، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)) وفى رواية لمسلم ((فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب)) وفى رواية له ((فليتحر الذي يرى أنه صواب)) وفى رواية ((فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب)). ٩ وفى الصحيحين عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: ((صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإما زاد أو نقص . قال إبراهيم: وأيم الله ما ذاك إلا من قبلي، فقلنا : يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء ؟ فقال : لا . فقلنا له الذي صنع ، فقال: إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين ، قال : ثم سجد سجدتين )) وقد تأوله بعض أهل القول على أن التحري هو طرح المشكوك فيه ، والبناء على اليقين وهذا ضعيف لوجوه : منها : أن في سنن أبى داود والمسند وغيرهما ((إذا كنت فى صلاة فشكيت في ثلاث وأربع وأكثر من أربع تشهدت ثم سجدت ، وأنت جالس )» . ومنها : أن الألفاظ صريحة فى أنه يتحرى ما يرى أنه الصواب ، سواء كان هو الزائد أو الناقص ، ولو كان مأموراً مطلقاً بطرح المشكوك فيه لم يكن هناك تحرى للصواب . ومنها أن ابن مسعود هو راوي الحديث ، وبذلك فسره ، وعنه أخذ ذلك أهل الكوفة قرناً بعد قرن، كإبراهيم وأتباعه . وعنه أخذ ذلك أبو حنيفة، وأصحابه. ومنها : أنه هنا أمر بالسجدتين بعد السلام . وفى حديث أبى ١٠ سعيد أمر بالسجدتين قبل السلام . ومنها : أنه قال هناك (( إن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته ، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)) . فتبين أنه ينى على اليقين ، وهو شاك هل زاد أو نقص ؟ هل صلى أربعاً أو خمساً وبين مصلحة السجدتين على تقدير النقيضين . وفى حديث ابن مسعود قال: ((فيتحرى الصواب فيتم عليه ، ثم يسجد سجدتين)) وفي لفظ ((فيتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)) فجعل ما فعله بعد التحري تماماً لصلاته ، وجعله هنا متماً لصلاته ، ليس شاكا فيها ؛ لكن لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين ، وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه، حتى قد قيل فى قوله: (( نحن أحق بالشك من إبراهيم )» أنه جعل ما دون طمأنينة القلب التى طلبها إبراهيم شكا، وإن كان إبراهيم موقنا ليس عنده شك يقدح فى يقينه ، ولهذا لما قال له ربه : ( أَوَلَمْ تُؤْمِنَّ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِى ) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ ). فإذا كان قد سمى مثل هذا شكا فى قوله: (( نحن أحق بالشك من إبراهيم)، فكيف بمن لا يقين عنده ؟ فمن عمل بأقوى الدليلين ١١ فقد عمل بعلم لم يعمل بظن ولا شك ؟ وإن كان لا يوقن أن ليس هناك دليل أقوى من الدليل الذي عمل به ؟ واجتهاد العلماء من هذا الباب ، والحاكم إذا حكم بشهادة العدلين حكم بعلم . لا بظن وجهل ، وكذلك إذا حكم بإقرار المقر وهو شهادته على نفسه ، ومع هذا فيجوز أن يكون الباطن بخلاف ما ظهر ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( إنكم تختصمون إلى ، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض ، وإنما أقضى بنحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)). وإذا كان لديك معلوم أن مثل هذا الشك لم يرده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( إذا شك أحدكم)، بل أكثر الخلق لا يجزمون جزما يقينيا لا يحتمل الشك بعد لكل صلاة صلاها ، ولكن يعتقدون عدد الصلاة اعتقاداً راجحا ، وهذا ليس بشك ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا شك أحدكم، إنما هو حال من ليس له اعتقاد راجح ، وظن غالب ، فهذا إذا تحرى وارتأى وتأمل فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين ، فلا يبقى شاكا ، وهو المذكور في حديث ابن مسعود ، فإنه كان شاكا قبل التحري، وبعد التحري ما بقي شاكا مثل سائر مواضع التحري ، كما إذا شك فى القبلة فتحرى حتى ترجح عنده أحد الجهات ؛ فإنه لم يبق شاكا. وكذلك العالم المجتهد والناسى ، إذا ذكر وغير ذلك . ١٢ وقوله فى حديث أبى سعيد: ((إذا شك أحدكم)) خطاب لمن استمر الشك فى حقه ، بأن لا يكون قادراً على التحري ؛ إذ ليس عنده أمارة ودلالة ترجح أحد الأمرين . أو تحرى ، وارتأى : فلم يترجح عنده شيء ، ومن قال : ليس هنا دلالة تبين أحد الأمرين غلط ، فقد يستدل على ذلك بموافقة المأمومين ، إذا كان إماما ، وقد يستدل بمخبر يخبره ، وإن لم يكن معه فى الصلاة فيحصل له بذلك اعتقاد راجح . وقد يتذكر ما قرأ به فى الصلاة فيذكر أنه قرأ بسورتين فى ركعتين ، فيعلم أنه صلى ركعتين لا ركعة ، وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول ، فيعلم أنه صلى ثنتين لا واحدة ، وأنه صلى ثلاثا لا اثنتين، وقد يذكر أنه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة ثم فى ركعة فيعلم أنه صلى أربعا لا ثلاثا، وقد يذكر أنه صلى بعد التشهد الأول ركعتين فيعلم أنه صلى أربعا لا ثلاثا ، واثنتين لا واحدة ، وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول ، والشك بعده فى ركعة فيعلم أنه صلى ثلاثا لا اثنتين . ومنها : أنه قد يعرض له فى بعض الركعات : إما من دعاء وخشوع وإما من سعال ونحوه ، وإما من غير ذلك ، ما يعرف به تلك الركعة ، ويعلم أنه قد صلى قبلها واحدة أو اثنتين ، أو ثلاثاً ، فيزول الشك ، وهذا باب لا ينضبط ، فإن الناس دائماً يشكون فى أمور : هل كانت أم لم تكن؟ ثم يتذكرون، ويستدلون بأمور على أنها كانت، فيزول ١٣ الشك ، فإذا تحرى الذي هو أقرب للصواب ، أزال الشك . ولا فرق فى هذا بين أن يكون إماما أو منفرداً . ثم إذا تحرى الصواب ورأى أنه صلى أربعاً كان إذا صلى خامسة قد صلى فى اعتقاد. خمس ركعات ، وهو لم يؤمر بذلك، بخلاف الشك المتساوي ، فإنه لابد معه من الشك فى الزيادة والنقص ، والشك فى الزيادة أولى ، فإن ما زاده مع الشك مثل ما زاده سهواً، وذلك لا يبطل صلاته . وأما إذا شك في النقص فهو شاك في فعل ما أمر به ، فلم تبرأ ذمته منه . وأيضاً فالأقوال الممكنة فى هذا الباب : إما أن يقال : يطرح الشك مطلقاً، ولا يتحرى . أو يحمل التحري على طرح الشك ، فهذا مخالفة صريحة لحديث ابن مسعود ، وإما أن يستعمل هذا فى حق الإمام ، وهذا فى حق المنفرد ، ومعلوم أن كلا الحديثين خطاب للمصلين لم يخاطب بأحدهما الأئمة ، وبالآخر المنفردين ، ولا في لفظ واحد من الحديثين مايدل على ذلك ، فجعل هذا هو مراد الرسول ، من غير أن يكون فى كلامه ما يدل عليه نسبة له إلى التدليس والتلبيس ، وهو منزه عن ذلك. وأيضاً فإن حديث أبي سعيد مع تساوى الشك متناول للجميع ١٤ بالاتفاق ، فإخراج الأئمة منه غير باز ، وحديث ابن مسعود متناول لما تناوله حديث أبى سعيد، فلم يبق إلا القسم الثالث : وهو أن كلاهما خطاب للشاك ، فذاك أمر له بالتحري. إذا أمكنه فيزول الشك . والثانى أمر له إذا لم يزل الشك ماذا يصنع . وهذا كما يقال للحاكم: احكم بالبينة ، واحكم بالشهود ، ونحو ذلك فهذا مع الإمكان ، فإذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب ، وهو البراءة . كذلك المصلي الشاك : يعمل بما يبين له الصواب ، فإن تعذر ذلك رجع إلى الاستصحاب، والله أعلم . ولأن العمل بالتحري بقطع وسواس الشيطان ، أو يقلله ؛ بخلاف ما إذا لم يتحر فلا يزال الشيطان يشككه فيما فعله ، أنه لم يفعله . وقد قالوا : إنه لو شك بعد السلام هل ترك واجباً ، لم يلتفت إليه ، وما ذاك إلا لأن الظاهر أنه سلم بعد إتمامها ، فعلم أن الظاهر يقدم على الاستصحاب ، وعلى هذا عامة أمور الشرع . ومثل هذا يقال فى عدد الطواف والسعي ورمي الجمار ، وغير ذلك . ومما يبين ذلك : أن التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقاً، وأدنى دليل يرجح عليه ، كاستصحاب براءة الذمة ١٥ في نفي الإيجاب والتحريم ، فهذا باتفاق الناس أضعف الأدلة ، ولا يجوز المصير إليه باتفاق الناس إلا بعد البحث التام : هل أدلة الشرع ما تقتضي الإيجاب أو التحريم ؟ . ومن الناس من لا يجوز التمسك به فى نفي الحكم ، بل فى دفع الخصم ، ومنعه فيقول: أنا لا أثبت الإيجاب ولا أنفيه ، بل أطالب من يثبته بالدليل ، أو أمنعه ، أو أدفعه عن إثبات إيجاب بلا دليل ، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبى حنيفة . وأما أهل الظاهر فهو عمدتهم ، لكن بعد البحث عن الأدلة الشرعية ولا يجوز الإخبار بانتفاء الأشياء وعدم وجودها : بمجرد هذا الاستصحاب من غير استدلال بما يقتضي عدمها ، ومن فعل ذلك كان كاذبا ، متكلما بلا علم ، وذلك لكثرة ما يوجد فى العالم والإنسان لا يعرفه ، فعدم علمه ليس علماً بالعدم ، ولا مجرد كون الأصل عدم الحوادث يفيد العلم بانتفاء شيء منها إلا بدليل يدل على النفي ؛ لكن الاستصحاب يرجح به عند التعارض ، وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفي ، وهذا هو الصواب الذي أمر المصلي أن يتحراه، فإن مادل على أنه صلى أربعاً من أنواع الأدلة راجح على استصحاب عدم الصلاة ، وهذا حقيقة هذه المسألة . ١٦ فصل وأما (( المسألة الثانية )) وهي محل السجود : هل هو قبل السلام؟ أو بعده ؟ ففي ذلك أقوال مشهورة . قيل : كله قبل السلام ، وقيل: كله بعده ، وقيل : بالفرق بين الزيادة والنقصان . وعلى هذا ففي الشك زاع . وقيل : بأن الأصل أن تسجد قبل السلام ؛ لكن ما جاءت السنة بالسجود فيه بعد السلام سجد بعده ؛ لأجل النص ؛ والباقي على الأصل وهذا هو المشهور عن أحمد . والأول قول الشافعي ، والثاني قول أبى حنيفة ، والثالث قول مالك وأحمد ، واختلف عنه . فروى عنه فيما إذا صلى خمساً هل يسجد قبل السلام أو بعده على روايتين ، وقد حكى عنه رواية بأنه كله قبل السلام ، لكن لم نجد بهذا لفظاً عنه ، وحكى عنه أنه كله بعد السلام ، وهذا غلط محض . والقاضي وغيره يقولون: لم يختلف كلام الإمام أحمد أن بعضه ١٧ قبل السلام ، وبعضه بعده . قال القاضي أبو يعلى : لا يختلف قول أحمد فى هذين الموضعين أن يسجد لهما بعد السلام ، إذا سلم وقد بقي عليه ركعة أو أكثر، وإذا شك وتحرى . قال أحمد فى رواية الأثرم : أنا أقول : كل سهو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السجود يسجد فيه قبل السلام هو أصح في المعني . وذلك أنه من شأن الصلاة فيقضيه قبل أن يسلم ، ثم قال : فسجد النبى صلى الله عليه وسلم فى ثلاثة مواضع بعد السلام ، وفى غيرها قبل السلام . قلت : اشرح المواضع الثلاثة التى بعد السلام . قال : سلم من ركعتين فسجد بعد السلام ، هذا حديث ذي اليدين . وسلم من ثلاث فسجد بعد السلام هذا حديث عمران بن حصين . وحديث ابن مسعود فى التحري سجد بعد السلام . قال أبو محمد : قال القاضى : لا يختلف قول أحمد فى هذين الموضعين أنه يسجد لهما بعد السلام ، قال : واختلف قوله فى من سها فصلى خمساً هل يسجد قبل السلام ؟ أو بعده ؟ على روايتين . وما عدا هذه المواضع الثلاثة بسجد لها قبل السلام ، رواية واحدة . وبهذا قال سليمان بن داود ، وأبو خيثمة. وابن المنذر . قال : وحكى أبو الخطاب روايتين أخريين : ١٨ إحداهما : أن السجود كله قبل السلام، وهو مذهب الشافعي . والثانية : أن ما كان من نقص يسجد له قبل السلام ، لحديث ابن بجينة ، وما كان من زيادة سجد له بعد السلام ، لحديث ذي اليدين ، وحديث ابن مسعود حين صلى خمساً ، وهذا مذهب مالك ، وأبى ثور . وقال أبو حنيفة وأصحابه وطائفة : كله بعد السلام . قلت : أحمد يقول فى الشك إذا طرحه وبنى على اليقين : أنه يسجد له قبل السلام ، كما ثبت فى الحديث الصحيح . فعلى قوله الموافق لمالك ما كان من نقص وشك فقبله ، وما كان من زيادة فبعده وحكى عن مالك أنه يسجد بعد السلام، لأنه يحتمل للزيادة لا للنقص ، والزيادة التى اختلف فيها كلام أحمد هي : ما إذا صلى خمساً ، فقد ثبت فى الصحيح أنه يسجد بعد السلام ، لكن هناك كان قد نسي . وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً ، فلما انفتل شوش القوم بينهم ، فقال : ماشأنكم ؟ قالوا : يا رسول الله! زيد في الصلاة، قال: لا ، قالوا : فإنك قد صليت خمساً ، فانفتل ثم سجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)) وفي رواية أنه قال: ((إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون ، فإذا نسي أحدكم فليسجد ١٩ سجدتين وهو جالس ، ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد سجدتين )) . وللبخاري عن ابن مسعود ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً ، فسجد سجدتين بعد ما سلم )) وفي الصحيحين عن ابن مسعود (( أن النبى صلى الله عليه وسلم سجد سجدتى السهو بعد السلام والكلام )). فهذا الموضع اختلف فيه كلام أحمد : هل يسجد بعد السلام كما سجد النبى صلى الله عليه وسلم ؟ أم يسجد قبله إذا ذكر قبل السلام ؟ والنبى صلى الله عليه وسلم إنما سجد بعد السلام لكونه لم يذكر حتى سلم ، وذكروه على إحدى الروايتين عنده لا يكون السجود بعد السلام مختصاً بمورد النص ، كما قاله الأكثرون كأبى حنيفة ، ومالك ، وغيرهما . كما لا يكون السجود قبل السلام مختصاً بمورد النص . كما قاله الأكثرون : أبو حنيفة، ومالك ، وغيرهما ؛ بل الصواب أن السجود بعضه قبل السلام ، وبعضه بعده ، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة . ومن قال : كله قبل السلام . واحتج بحديث الزهري ، كان آخر الأمرين السجود قبل السلام، فقد ادعى النسخ ، وهو ضعيف فإن السجود بعد السلام فى حديث ذي اليدين ، فمالك والشافعي والجمهور ٢٠