النص المفهرس

صفحات 541-560

القَلَوةَ ) وإقامتها : تتضمن إتمامها بحسب الإمكان ، كما سيأتى في حديث
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((أقيموا الركوع والسجود ، فإنى
أراكم من بعد ظهري))، وفي رواية. ((أتموا الركوع والسجود))
وسيأتي تقرير دلالة ذلك .
والدليل على ذلك من القرآن : أنه سبحانه وتعالى قال :
( وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُ واْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ
فأباح اللّه القصر من عددها، والقصر من
كَفَرُوَّا )
صفتها ؛ ولهذا علقه بشرطين السفر والخوف . فالسفر : يبيح قصر
العدد فقط. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ((إن الله وضع عن
المسافر الصوم وشطر الصلاة )) ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم المتواترة عنه، التى انفقت الأمة على نقلها عنه ((أنه كان يصلي
الرباعية فى السفر ركعتين ، ولم يصلها فى السفر أربعاً قط ، ولا أبو
بكر ولا عمر رضي الله عنهما، لا فى الحج ولا فى العمرة ، ولا فى
الجهاد . والخوف يبيح قصر صفتها كما قال الله في تمام الكلام :
(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم ◌َّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ
أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُ واْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ
فذكر صلاة الخوف
فَلْيُصَلُواْمَعَكَ وَلْيَأْخُذُ واْحِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ )
وهي صلاة ذات الرقاع ، إذ كان العدو فى جهة القبلة . وكان فيها
٥٤١

(( أنهم كانوا يصلون خلفه. فإذا قام إلى الثانية فارقوه وأتموا لأنفسهم
الركعة الثانية، ثم ذهبوا إلى مصاف أصحابهم، كما قال: (فَإِذَا سَجَدُواْ
فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ) فجعل السجود لهم خاصة. فعلم أنهم يفعلونه
منفردين، ثم قال: ( وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ )
فعلم أنهم يفعلونه .
وفى هذه الصلاة تفريق المأمومين ومفارقة الأولين للإمام . وقيام
الآخرين قبل سلام الإمام ، ويتمون لأنفسهم ركعة . ثم قال تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْاللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأَ نَنْتُمْ
فأمرهم بعد الأمن بإقامة الصلاة . وذلك يتضمن
فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ)
الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف والسفر. فعلم أن الأمر
بالإقامة يتضمن الأمر بإتمامها بحسب الإمكان .
وأما قوله فى صلاة الخوف: ( فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ) فتلك إقامة
وإتمام فى حال الخوف . كما أن الركعتين فى السفر إقامة وإتمام . كما
ثبت فى الصحيح عن عمر بن الخطاب رضى عنه قال: ((صلاة السفر ركعتان
وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمام غير قصر، على
لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم)). وهذا يبين ما رواه مسلم وأهل
السنن عن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :
((إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله عز وجل: (إِنْ خِفْتُمُ
٥٤٢

وقد ذهب ذلك اليوم ؟ فقال : عجبت مما
أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ )
عجبت منه ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة
تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)) فإن المتعجب ظن أن القصر
مطلقاً مشروط بعدم الأمن ، فبينت السنة أن القصر نوعان كل
نوع له شرط .
وثبتت السنة أن الصلاة مشروعة فى السفر تامة . لأنه بذلك أمر
الناس ، ليست مقصورة في الأجر والثواب . وإن كانت مقصورة فى
الصفة والعمل ، إذ المصلي يؤمر بالإطالة تارة ، ويؤمر بالاقتصار تارة .
(فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
وأيضاً : فإن الله تعالى قال :
إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَوْقُوتًا ) والموقوت : قد فسره
السلف بالمفروض وفسروه بماله وقت . والمفروض : هو المقدر المحدد.
فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض: ألفاظ متقاربة . وذلك يوجب
أن الصلاة مقدرة محددة مفروضة موقوتة . وذلك فى زمانها، وأفعالها،
وكما أن زمانها محدود: فأفعالها أولى أن تكون محدودة موقوتة .
وهو يتناول تقدير عددها : بأن جعله خمساً ، وجعل بعضها أربعا فى
الحضر واثنتين فى السفر ، وبعضها ثلاثاً، وبعضها اثنتين في الحضر
والسفر . وتقدير عملها أيضاً . ولهذا يجوز عند العذر الجمع المتضمن
النوع من التقديم والتأخير فى الزمان، كما يجوز أيضاً القصر من عددها
٥٤٣

ومن صفتها ، بحسب ما جاءت به الشريعة . وذلك أيضاً مقدر عند
العذر ، كما هو مقدر عند غير العذر . ولهذا فليس للجامع بين الصلاتين
أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل ، أو صلاة الليل إلى النهار ، وصلانا
النهار: الظهر والعصر ، وصلاتا الليل : المغرب والعشاء . وكذلك
أصحاب الأعذار الذين ينقصون من عددها وصفتها ، وهو موقوت
محدود. ولا بد أن تكون الأفعال محدودة الابتداء والانتهاء .
فالقيام محدود بالانتصاب ، بحيث لو خرج عن حد المنتصب إلى حد
المنحنى الراكع باختياره : لم يكن قد أتى بحمد القيام .
ومن المعلوم : أن ذكر القيام - الذي هو القراءة - أفضل
من ذكر الركوع والسجود ؛ ولكن نفس عمل الركوع والسجود أفضل
من عمل القيام ؛ ولهذا كان عبادة بنفسه . ولم يصح فى شرعنا
إلا الله بوجه من الوجوه ، وغير ذلك من الأدلة المذكورة فى غير
هذا الموضع
وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن هذه الأفعال مقدرة محدودة
بقدر التمكن منها . فالساجد : عليه أن يصل إلى الأرض ، وهو غاية
التمكن ، ليس له غاية دون ذلك إلا لعذر ، وهو من حين انحنائه أخذ
فى السجود ، سواء سجد من قيام أو من قعود . فينبغي أن يكون
ابتداء السجود مقدراً بذلك ، بحيث يسجد من قيام أو قعود ، لا
٥٤٤

يكون سجوده من انحناء . فإن ذلك يمنع كونه مقدراً محدوداً بحسب
الإمكان. ومتى وجب ذلك وجب الاعتدال فى الركوع وبين السجدتين .
وأيضاً : ففي ذلك إتمام الركوع والسجود .
وأيضاً : فأفعال الصلاة إذا كانت مقدرة وجب أن يكون لما قدر.
وذلك هو الطمأنينة . فإن من نقر نقر الغراب لم يكن لفعله قدر
أصلا . فإن قدر الشيء ومقداره فيه زيادة على أصل وجوده . ولهذا
يقال للشيء الدائم : ليس له قدر ، فإن القدر لا يكون لأدنى حركة ،
بل لحركة ذات امتداد .
وأيضاً : فإن الله عز وجل أمرنا بإقامتها، والإقامة : أن تجعل
قائمة ، والشيء القائم : هو المستقيم المعتدل ، فلا بد أن تكون أفعال
الصلاة مستقرة معتدلة . وذلك إنما يكون بثبوت أبعاضها واستقرارها .
وهذا يتضمن الطمأنينة . فإن من نقر نقر الغراب لم يقم السجود ، ولا
يتم سجوده إذا لم يثبت ولم يستقر . وكذلك الراكع .
يبين ذلك : ما جاء فى الصحيحين عن قتادة ، عن أنس بن مالك
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سووا
صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة )) وأخرجاه من حديث
٥٤٥

عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتموا الصفوف فإني أراكم من خلف
ظهري )) وفى لفظ (( أقيموا الصفوف)) وروى البخاري من حديث
حميد عن أنس ، قال: أقيمت الصلاة ، فأقبل علينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا ، فإني أراكم من
وراء ظهري . وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه ، وبدنه ببدنه)).
فإذا كان تقويم الصف وتعديله من تمامها وإقامتها ، بحيث لو
خرجوا عن الاستواء والاعتدال بالكلية حتى يكون رأس هذا عند
النصف الأسفل من هذا لم يكونوا مصطفين، ولكانوا يؤمرون بالإعادة
وهم بذلك أولى من الذي صلى خلف الصف وحده ، فأمره النبى
صلى الله عليه وسلم أن يعيد صلاته، فكيف بتقويم أفعالها وتعديلها ،
بحيث لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود .
وبدل على ذلك - وهو دليل مستقل فى المسألة - ما أخرجاه
فى الصحيحين عن شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبى
صلى الله عليه وسلم، قال: أقيموا الركوع والسجود ، فوالله
إنى لأراكم من بعدي - وفي رواية : من بعد ظهري - إذا ركعتم
وسجدتم)» وفي رواية للبخاري عن همام عن قتادة عن أنس رضي الله
عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أتموا الركوع
٥٤٦

والسجود ، فوالذي نفسي بيده إنى لأراكم من بعد ظهري إذا ماركعتم
وإذا ما سجدتم )) ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائى ، وابن أبى
عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((أتموا الركوع والسجود - ولفظ ابن أبى عروبة: أقيموا الركوع
والسجود، فإنى أراكم - وذكره)).
فهذا يبين أن إقامة الركوع والسجود توجب إتمامهما ، كما فى
اللفظ الآخر .
وأيضاً : فأمره لهم بإقامة الركوع والسجود يتضمن السكون فيها ،
إذ من المعلوم أنهم كانوا يأتون بالانحناء في الجملة ؛ بل الأمر بالإقامة
يقتضي أيضاً الاعتدال فيها ، وإتمام طرفيها ، وفى هذا رد على من
زعم أنه لا يجب الرفع فيهما ، وذلك أن هذا أمر للمأمومين خلفه .
ومن المعلوم أنه لم يكن يمكنهم الانصراف قبله .
(حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى
وأيضاً : فقوله تعالى
وَقُومُو ◌ْلِلَّهِ قَكِتِينَ ) أمر بالقنوت فى القيام لله، والقنوت: دوام الطاعة
لله عز وجل ، سواء كان في حال الانتصاب ، أو فى حال السجود ، كما
قال تعالى ( أَمَنْ هُوَ قَنِبُّ ءَانَآءَ الَّيَّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَبَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ )
وقال تعال (فَالضََّلِحَتُ قَنِثَتُ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اَللَّهُ)
٥٤٧

وقال (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّلِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) وقال: (وَلَهُ,مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَنِئُونَ ).
فإذا كان ذلك كذلك فقوله تعالى : (وَقُومُواْلِلَّهِ قَانِتِينَ ) إما أن
( كُونُواْ قَوَّمِينَ
يكون أمراً بإقامة الصلاة مطلقاً، كما فى قوله :
بِاَلْقِسْطِ ) فيعم أفعالها، ويقتضي الدوام في أفعالها، وإما أن يكون
المراد به : القيام المخالف للقعود ، فهذا يعم ما قبل الركوع وما بعده ،
ويقتضي الطول ، وهو القنوت المتضمن للدعاء ، كقنوت النوازل ، وقنوت
الفجر عند من يستحب المداومة عليه .
وإذا ثبت وجوب هذا ثبت وجوب الطمأنينة في سائر الأفعال
بطريق الأولى .
ويقوى الوجه الأول : حديث زيد بن أرقم الذي فى الصحيحين
عنه قال: ((كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه إلى الصلاة ، فنزلت
(وَقُومُوْلِلَّهِ قَانِتِينَ ) قال فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام »
حيث أخبر أنهم كانوا يتكلمون فى الصلاة . ومعلوم أن السكوت عن
خطاب الآدميين واجب في جميع الصلاة فاقتضى ذلك الأمر بالقنوت
فى جميع الصلاة ، ودل الأمر بالقنوت على السكوت عن مخاطبة الناس
لأن القنوت هو دوام الطاعة ، فالمشتغل بمخاطبة العباد نارك للاشتغال
٥٤٨

بالصلاة التى هي عبادة الله وطاعته ، فلا يكون مداوما على طاعته ،
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم لما سلم عليه ولم يرد ، بعد أن كان
يرد ((إن فى الصلاة لشغلا)) فأخبر أن فى الصلاة ما يشغل المصلى عن مخاطبة
الناس وهذا هو القنوت فيها ، وهو دوام الطاعة . ولهذا جاز عند
جمهور العلماء تنبيه الناسي بما هو مشروع فيها من القراءة والتسبيح،
لأن ذلك لا يشغله عنها . ولا بنافى القنوت فيها .
وأيضاً فإنه سبحانه قال: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا
فأخبر أنه
خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)
لا يكون مؤمناً إلا من سجد إذا ذكر بالآيات وسبح بحمد ربه .
ومعلوم أن قراءة القرآن فى الصلاة هي تذكير بالآيات ، ولذلك
وجب السجود مع ذلك . وقد أوجب خرورم سجداً ، وأوجب
تسبيحهم بحمد ربهم ، وذلك يقتضي وجوب التسبيح فى السجود ،
وهذا يقتضي وجوب الطمأنينة . ولهذا قال طائفة من العلماء ، من
أصحاب أحمد وغيرم : إن مقدار الطمأنينة الواجبة مقدار التسبيح
الواجب عندم .
والثاني : أن الخرور هو السقوط والوقوع ، وهذا إنما يقال فيما
يثبت ويسكن لا فيما لا يوجد منه سكون على الأرض ، ولهذا قال
٥٤٩

الله: (فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا) والوجوب فى الأصل: هو الثبوت
والاستقرار .
وأيضاً: فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ((لما نزلت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(فَسَِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) .
اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت: (سَيِّعَ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) قال : اجعلوها
فى سجودكم )). رواه أبو داود، وابن ماجه. فأمر النبي صلى الله عليه
وسلم بجعل هذين التسبيحين فى الركوع والسجود ؛ وأمره على
الوجوب . وذلك يقتضي وجوب ركوع وسجود تبعاً لهذا التسبيح .
وذلك هو الطمأنينة .
ثم إن من الفقهاء من قد يقول : التسبيح ليس بواجب وهذا القول
يخالف ظاهر الكتاب والسنة . فإن ظاهرها يدل على وجوب الفعل
والقول جميعاً ، فإذا دل دليل على عدم وجوب القول: لم يمنع
وجوب الفعل .
وأما من يقول بوجوب التسبيح : فيستدل لذلك بقوله تعالى :
وهذا أمر
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ).
بالصلاة كلها ، كما ثبت في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي
رضي الله عنه قال: ((كنا جلوساً عند النبى صلى الله عليه وسلم إذا نظر
٥٥٠

إلى القمر ليلة البدر . فقال: إنكم سترون ربكم ، كما ترون هذا القمر
لاتضارون في رؤيته . فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل
طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: (وَسَيِّحْ بِحَمّدِرَبِكَ قَبْلَ
طُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) )).
وإذا كان الله عز وجل قد سمى الصلاة تسبيحاً فقد دل ذلك على
(قُ اَلَيْلَ إِلَّا
وجوب التسبيح . كما أنه لما سماها قياما فى قوله تعالى :
قَلِيلًا ) دل على وجوب القيام . وكذلك لما سماها قرآناً فى قوله
تعالى: (وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ ) دل على وجوب القرآن فيها، ولما سماها
ركوعا وسجوداً فى مواضع دل على وجوب الركوع والسجود فيها .
وذلك: أن تسميتها بهذه الأفعال دليل على أن هذه الأفعال لازمة لها .
فإذا وجدت هذه الأفعال. فتكون من الأبعاض اللازمة ، كما أنهم يسمون
الإنسان بأبعاضه اللازمة له. فيسمونه رقبة ورأساً ووجهاً، ونحو ذلك. كما في
قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ولو جاز وجود الصلاة بدون التسبيح لكان
الأمر بالتسبيح لا يصلح أن يكون أمراً بالصلاة . فإن اللفظ حينئذ لا يكون
دالا على معناه . ولا على ما يستلزم معناه .
وأيضاً : فإن الله عز وجل ذم عموم الإنسان واستثنى المصلين
الذين هم على صلاتهم دائمون. قال تعالى: (إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا
٥٥١

مَسَّةُ الشَّرُّجَزُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى
والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا
صَلَاِهِمْ دَآئِعُونَ)
الدائم على الصلاة بالمحافظ على أوقاتها وبالدائم على أفعالها بالإقبال
عليها . والآية تعم هذا وهذا. فإنه قال: (عَلَى صَلَاتِهِمْ دَآئِعُونَ)
والدائم على الفعل هو المديم له ، الذي يفعله دائماً . فإذا كان هذا فيما
يفعل فى الأوقات المتفرقة : وهو أن يفعله كل يوم ، بحيث لا يفعله
تارة ويتركه أخرى ، وسمى ذلك دواما عليه . فالدوام على الفعل الواحد
المتصل أولى أن يكون دواما ، وأن تتناول الآية ذلك . وذلك بدل
على وجوب إدامة أفعالها ، لأن الله عز وجل ذم عموم الإنسان
واستثنى المداوم على هذه الصفة . فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما
من الشارع ، والشارع لا يذم إلا على ترك واجب ، أو فعل محرم .
وأيضاً : فإنه سبحانه وتعالى قال: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَهُمْ عَلَى
صَلَتِهِمْ دَآئِعُونَ ) فدل ذلك على أن المصلى قد يكون دائماً على صلاته
وقد لا يكون دائماً عليها ، وأن المصلي الذي ليس بدائم مذموم. وهذا
يوجب ذم من لا يديم أفعالها المتصلة والمنفصلة . وإذا وجب دوام
أفعالها فذلك هو نفس الطمأنينة . فإنه يدل على وجوب إدامة الركوع
والسجود وغيرهما ، ولو كان المجزئ أقل مما ذكر من الخفض .. وهو
نقر الغراب - لم يكن ذلك دواماً، ولم يجب الدوام على الركوع
٥٥٢

والسجود وهما أصل أفعال الصلاة .
فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام عليها ، المتضمن للطمأنينة
والسكينة فى أفعالها .
وأيضاً: فقد قال الله تعالى: (وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةً
إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ).
وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين . كقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا اُلْقِبْلَةَ
الَِّى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا
(كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
وقوله تعالى :
عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)
مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) .
فقد دل كتاب الله عز وجل على من كبر عليه ما يحبه الله.
وأنه مذموم بذلك فى الدين ، مسخوط منه ذلك ، والنم أو السخط
لا يكون إلا لترك واجب ، أو فعل محرم، وإذا كان غير الخاشعين
مذمومين ، دل ذلك على وجوب الخشوع .
فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله تعالى: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ
لا بد أن يتضمن الخشوع فى الصلاة . فإنه لو كان
إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ)
المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد المعنى ، إذ لو قيل : إن الصلاة
٥٥٣

لكبيرة إلا على من خشع خارجها ، ولم يخشع فيها : كان يقتضي أنها
لا تكبر على من لم يخشع فيها ، وتكبر على من خشع فيها . وقد
انتفى مدلول الآية . فثبت أن الخشوع واجب فى الصلاة .
ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضاً قوله تعالى: (قَدْأَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *
وَالَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*
وَالَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَنَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ *
أُوْلَهُكَ هُمُ الْوَرِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ آلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
أخبر سبحانه وتعالى أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة .
وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرم . وقد دل هذا على وجوب هذه
الخصال . إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس
تورث بدونها ، لأن الجنة تنال بفعل الواجبات ، دون المستحبات .
ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب . وإذا كان
الخشوع فى الصلاة واجباً ، فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع
جميعاً .
ومنه حديث عمر رضي الله عنه: حيث رأى رجلا يعبث فى
صلاته. فقال ((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)) أي لسكنت
٥٥٤

وخضعت . وقال تعالى: (وَمِنْءَايَتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيَّهَا
فأخبر أنها بعد الخشوع تهتز،
اَلْمَاءَ أُهْتَزَّتْ وَرَبَتْ )
والاهتزاز حركة، وتربو، والربو: الارتفاع. فعلم أن الخشوع فيه
سكون وانخفاض .
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى حال ركوعه ((اللهم
لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت . خشع لك سمعي وبصري
ومخي وعقلي وعصى)). رواه مسلم في صحيحه ، فوصف نفسه بالخشوع
فى حال الركوع ، لأن الراكع ساكن متواضع . وبذلك فسرت
الآية . ففى التفسير المشهور ، الذي يقال له تفسير الوالى عن علي
ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنها - وقد رواه
المصنفون فى التفسير ، كأبى بكر بن المنذر ، ومحمد بن جرير الطبري ،
وغيرهما من حديث أبى صالح عبد الله بن صالح عن معاوية بن أبى
صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - قوله تعالى (فِي صَلَائِهِمْ
خَشِعُونَ ) يقول: ((خائفون ساكنون)) ورووا فى التفاسير المسندة
كتفسير ابن المنذر وغيره من حديث سفيان الثوري عن منصور عن
مجاهد: ((خاشعون)) قال ((السكون فيها)) قال : وكذلك قال الزهري
ومن حديث هشام عن مغيرة عن إبراهيم النخعي . قال : الخشوع فى
القلب ، وقال : ساكنون . قال الضحاك : الخشوع الرهبة الله . وروى
٥٥٥

عن الحسن : خائفون ، وروى ابن المنذر من حديث أبي عبد الرحمن
المقبري . حدثنا المسعودي حدثنا أبو سنان : أنه قال في هذه الآ ية:
قال الخشوع في القلب ، وأن يلين
( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ)
كنفه للمرء المسلم ، وأن لا تلتفت في صلاتك .
وفى تفسير ابن المنذر أيضاً ما في تفسير إسحق بن راهويه عن
روح حدثنا سعيد عن قتادة: ( الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ) قال :
الخشوع في القلب، والخوف وغض البصر فى الصلاة . وعن أبي عبيدة
معمر بن المثنى فى كتابه ((مختار القرآن)) (فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ)
أي لا تطمح أبصارهم ولا يلتفتون. وقد روى الإمام أحمد في (( كتاب
الناسخ والمنسوخ)) من حديث ابن سيرين ، ورواه إسحق بن راهويه
في التفسير ، وابن المنذر أيضا في التفسير الذي له، رواه من حديث
الثوري ، حدثنى خالد عن ابن سيرين ، قال: (( كان النبي صلى الله
عليه وسلم يرفع بصره إلى السماء فأمر بالخشوع ، فرمى ببصره نحو
مسجده )) أي محل سجوده . قال سفيان : وحدثني غيره عن ابن
سيرين ((أن هذه الآية: نزلت فى ذلك (قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ
قال: هو سكون المرء في صلاته)) قال معمر: وقال
فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ )
الحسن ((خائفون)) وقال قتادة: ((الخشوع في القلب)) ومنه خشوع
البصر وخفضه وسكونه ضد تقليبه فى الجهات ، كقوله تعالى: ( فَتَوَلَ عَنْهُمُ
٥٥٦

يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْ ءِ نُِّكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَرُ هُمْيَخْرُجُونَ مِنَ الْأَهْدَاثِ كَنَّهُمْ جَادٌ
مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَسِيرٌ )
( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِن ◌ْأَجْدَاثِ سِرَاءَكَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبِ يُوفِضُونَ * خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ
وقوله تعالى :
تَرْهَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُالَِّ كَانُوْيُعَدُونَ)
وفي
وفى القراءة الأخرى ،
( خاشعا أبصارهم )
هاتين الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة ، حيث لم يصف بالخشوع
إلا أبصارهم ؛ بخلاف آية الصلاة ، فإنه وصف بالخشوع جملة المصلين
بقوله تعالى : ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ) وقوله تعالى: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةً
إِلَّا عَلَى اْخَشِعِينَ)
وقال تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَشِعَةً
أَنْصَرُهُ تَرْهَفُهُمْ ذِلٌَّ ) .
ومن ذلك : خشوع الأصوات . كقوله تعالى (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ
(وَتَرَى الظَّالِمِينَ
لِلرَّحْمَنِ ) وهو انخفاضها وسكونها . وقال تعالى :
لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدِّمِن سَبِيلٍ * وَتَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ
(وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ
وقال تعالى :
مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْطَرْفٍ خَفِيٍّ )
خَاشِعَةُ * عَامِلَةٌ تَصِبَةٌ * تَصْلَى ثَرَّاحَامِيَةٌ * تُتْقَى مِنْ عَيْنٍ،َانِيَةٍ )
وهذا يكون يوم القيامة . وهذا هو الصواب من القولين بلا ريب ،
٥٥٧

كما قال فى القسم الآخر: (وُجُوهٌيُؤَمَِّدٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْبِهَا رَاضِيَةٌ * فِ جَنَّةٍ عَلِيَةٍ )
وقال تعالى (وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلُّأَجَعَلْنَا صَلِحِينَ * وَجَعَلْنَهُمْ
أَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْ حَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوْةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَوة
وَكَانُوْلَنَا عَبِدِينَ ) .
وإذا كان الخشوع فى الصلاة واجبا، وهو متضمن للسكون والخشوع.
فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده. وكذلك من لم يرفع رأسه
من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن ، لأن السكون هو
الطمأنينة بعينها. فمن لم يطمئن لم يسكن ومن لم يسكن لم يخشع
فى ركوعه ولا فى سجوده. ومن لم يخشع كان آثماً عاصياً وهو
الذي بيناه .
ويدل على وجوب الخشوع فى الصلاة : أن النبى صلى الله عليه
وسلم توعد تاركيه كالذي يرفع بصره إلى السماء ، فإنه حركته ورفعه ،
وهو ضد حال الخاشع . فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في
صلاتهم ؟ فاشتد قوله في ذلك . فقال لينتهن عن ذلك أو لتخطفن
أبصارهم)) وعن جابر بن سمرة قال: ((دخل رسول الله صلى الله عليه
وسلم المسجد ، وفيه ناس يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء . فقال:
لينتهين رجال يشخصون أبصارهم إلى السماء، أو لا ترجع إليهم أبصارهم))
٥٥٨

الأول : فى البخاري ، والثانى: فى مسلم . وكلاهما في سنن أبى داود
والنسائى وابن ماجه .
وقال محمد بن سيرين: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *
يرفع بصره في الصلاة . فلما نزلت هذه الآية
لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ )
رواه الإمام أحمد فى ((كتاب الناسخ والمنسوخ)). فلما كان رفع البصر
إلى السماء ينافى الخشوع حرمه النبى صلى الله عليه وسلم وتوعد عليه.
وأما الالتفات لغير حاجة فهو ينقص الخشوع ولا ينافيه . فلهذا
كان ينقص الصلاة ، كما روى البخاري وأبو داود والنسائى من عائشة
رضي الله عنها ، قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
التفات الرجل فى الصلاة؟ فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من
صلاة العبد )). وروى أبو داود والنسائى عن أبى الأحوص، عن أبى
ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال
اللّه مقبلا على العبد، وهو فى صلاته، ما لم يلتفت . فإذا التفت
انصرف عنه » .
وأما لحاجة فلا بأس به ، كما روى أبو داود عن سهل بن الحنظلية
قال: ((ثوب بالصلاة - يعنى صلاة الصبح - فجعل رسول الله صلى
٥٥٩

اللّه عليه وسلم يصلي، وهو يلتفت إلى الشعب)) قال أبو داود ((وكان
أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس)). وهذا كمله أمامة بنت
أبى العاص بن الربيع ، من زينب بنت رسول الله . وفتحه الباب
لعائشة ، ونزوله من المنبر لما صلى بهم يعلمهم ، وتأخره في صلاة
الكسوف ، وإمساكه الشيطان وخنقه لما أراد أن يقطع صلاته ، وأمره
بقتل الحية والعقرب في الصلاة ، وأمره برد المار بين يدي المصلي
ومقاتلته، وأمره النساء بالتصفيق ، وإشارته فى الصلاة ، وغير ذلك
من الأفعال التى تفعل لحاجة ، ولو كانت لغير حاجة كانت من العبث
المنافي للخشوع المنهي عنه فى الصلاة .
ويدل على ذلك أيضاً : ما رواه تميم الطائى عن جابر بن سمرة رضي
الله عنه قال: ((دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس
رافعو أيديهم - قال الراوى - وهو زهير بن معاوية - وأراء
قال في الصلاة - فقال : ما لى أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب
خيل شمس، اسكنوا في الصلاة)). رواه مسلم وأبو داود والنسائى،
ورووا أيضاً عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضي الله عنه
قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلم
أحدنا أشار بيده من عن يمينه ، ومن عن يساره . فلما صلى قال :
ما بال أحدكم بومئ بيده، كأنها أذناب خيل شمس ؟ إنما يكفي أحدكم
٥٦٠