النص المفهرس

صفحات 521-540

النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله ملائكة سياحين فى
الأرض ، فإذا مروا بقوم يذكرون الله، تنادوا هلموا إلى حاجتكم))
وذكر الحديث، وفيه ((وجدنام يسبحونك ويحمدونك)) لكن ينبغي
أن يكون هذا أحياناً فى بعض الأوقات ، والأمكنة ، فلا يجعل سنة
رانبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم المداومة
عليه فى الجماعات ؟ من الصلوات الخمس فى الجماعات ، ومن الجمعات ،
والأعياد ، ونحو ذلك .
وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة ، أو القراءة، أو
الذكر ، أو الدعاء ، طرفى النهار وزلفاً من الليل ، وغير ذلك : فهذا
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباد الله قديماً
وحديثاً ، فما سن عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات : فعل كذلك ،
وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك ، كما
كان الصحابة - رضي الله عنهم ــ يجتمعون أحياناً: يأمرون أحدم
يقرأ، والباقون يستمعون . وكان عمر بن الخطاب يقول : يا أبا موسى
ذكرنا ربنا، فيقرأ وم يستمعون ، وكان من الصحابة من يقول :
اجلسوا بنا نؤمن ساعة. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه
التطوع فى جماعة مرات ، وخرج على الصحابة من أهل الصفة ، وفيهم
قارئ يقرأ ، فجلس معهم يستمع .
٥٢١

وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب، ودمع العين
واقشعرار الجسوم، فهذا أفضل الأحوال التى نطق بها الكتاب والسنة .
وأما الاضطراب الشديد ، والغشى والموت والصيحات ، فهذا إن
كان صاحبه مغلوبا عليه ، لم يلم عليه ، كما قد كان يكون في التابعين
ومن بعده ، فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب،
والقوة والتمكن أفضل ، كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة،
وأما السكون قسوة ، وجفاء فهذا مذموم لاخير فيه .
وأما ما ذكر من السماع : فالمشروع الذي تصلح به القلوب ،
ويكون وسيلتها إلى ربها بصلة ما بينه وبينها : هو سماع كتاب الله الذي
هو سماع خيار هذه الأمة ، لاسيما وقد قال صلى الله عليه وسلم:
(((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) وقال: ((زينوا القرآن بأصواتكم)
وهو السماع الممدوح فى الكتاب والسنة . لكن لما نسي بعض الأمة
حظاً من هذا السماع الذي ذكروا به ، ألقى بينهم العداوة والبغضاء ،
فأحدث قوم سماع القصائد والتصفيق والغناء مضاهاة لما ذمه الله من
المكاء والتصدية ، والمشابهة لما ابتدعه النصارى . وقابلهم قوم قست
قلوبهم عن ذكر الله ، وما نزل من الحق ، وقست قلوبهم فهي
كالحجارة أو أشد قسوة: مضاهاة لما عابه الله على اليهود. والدين
الوسط هو ما عليه خيار هذه الأمة قديماً وحديثاً، والله أعلم
٥٢٢

وسئل رحمه اللّه
عن عوام فقراء يجتمعون فى مسجد يذكرون ، ويقرأون شيئاً
من القرآن ، ثم يدعون ويكشفون رؤوسهم وييكون ويتضرعون،
وليس قصدم من ذلك رياء ولا سمعة ، بل يفعلونه على وجه التقرب
إلى الله تعالى ، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب: الحمد للّه . الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن
مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة - كالاجتماعات المشروعة -
ولا اقترن به بدعة منكرة ، وأما كشف الرأس مع ذلك فمكروه ،
لاسيما إذا اتخذ على أنه عبادة، فإنه حينئذ يكون منكراً، ولا يجوز
التعبد بذلك ، والله أعلم .
وسئل
عن رجل إذا صلى ذكر فى جوفه : ( بسم اللّه ) بابنا (تبارك )
حيطاتنا، ( بسَ ) سقفنا. فقال رجل: هذا كفر، أعوذ بالله
٥٢٣

من هذا القول . فهل يجب على ما قال هذا المنكر رد ؟ وإذا لم يجب
عليه فما حكم هذا القول ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . ليس هذا كفرا، فإن هذا الدعاء
وأمثاله يقصد به التحصن والتحرز بهذه الكلمات ، فيتقي بها من الشر
كما يتقى ساكن البيت بالبيت من الشر والحر والبرد والعدو .
وهذا كما جاء فى الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم
في الكلمات الخمس التى قام يحيى بن زكريا فى بني إسرائيل قال :
((أوصيكم بذكر الله ، فإن مثل ذلك مثل رجل طلبه العدو فدخل
حصناً ، فامتنع به من العدو ، فكذلك ذكر الله، هو حصن ابن آدم
من الشيطان)) أو كما قال. فشبه ذكر الله فى امتناع الإنسان به من
الشيطان بالحصن الذي يمتنع به من العدو .
والحصن له باب وسقف وحيطان . ونحو هذا: أن الأعمال الصالحة
من ذكر الله وغيره تسمى جنة ولباساً. كما قال تعالى: (وَلِبَاسُ
النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) في أشهر القولين. وكما قال فى الحديث: (( خذوا
جنتكم ، قالوا : يا رسول الله ! من عدو حضر ، قال : لا ، ولكن
جنتكم من النار : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله
أكبر)) ومنه قول الخطيب : فتدرعوا جنن التقوى ، قبل جنن
٥٢٤

السابري . وفوقوا سهام الدعاء قبل سهام القسي . ومثل هذا كثير
يسمى سوراً وحيطاناً ودرعاً وجنة ، ونحو ذلك .
ولكن هذا الدعاء المسئول عنه ليس بمأثور ، والمشروع للإنسان
أن يدعو بالأدعية المأثورة ؛ فإن الدعاء من أفضل العبادات ، وقد
نهانا الله عن الاعتداء فيه ، فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شرع ، وسن ،
كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات ، والذي يعدل عن
الدعاء المشروع إلى غيره - وإن كان من أحزاب بعض المشايخ -
الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل ، وهي الأدعية النبوية ، فإنها
أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التى ليست كذلك ، وإن
قالها بعض الشيوخ فكيف [وقد](١) يكون فى عين الأدعية ما هو خطأ
أو إنم أو غير ذلك .
ومن أشد الناس عيباً من يتخذ حزبا ليس بمأثور عن النبى
صلى الله عليه وسلم، وإن كان حزبا لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب
النبوية التى كان يقولها سيد بنى آدم ، وإمام الخلق، وحجة اللّه على
عباده، والله أعلم.
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٥٢٥

باب ما يكره في الصلاة
وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
فى بيان ما أمر الله به ورسوله من إقام الصلاة وإتمامها والطمأنينة فيها .
قال الله تعالى : فى غير موضع من كتابه: (وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَ اتُواْ
الزَّكَوَةَ ). وقال تعالى: (إِنَّاُلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوْعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا *
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِينَ ) وقال تعالى:
(قَدْ أَفَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِلَّكَوَةِ فَعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ * إِلَّ عَلَ أَزْوَجِهِمْ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِ هِمْ رَعُونَ * وَالَّذينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِقُونَ)
*
وقال تعالى: (وَأَسْتَعِينُواْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةٍ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِعِينَ)
وقال تعالى (َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفَّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)
وقال تعالى :
﴿فَإِذَا أَطْمَأْنَنتُمْ فَقِيمُواْالصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا)
وقال تعالى: (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْلِلَّهِ قَانِتِينَ)
٥٢٦

وسيأتي بيان الدلالة في هذه الآيات .
وقد أخرج البخاري ومسلم فى الصحيحين وأخرج أصحاب السنن
- أبو داود والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه - وأصحاب المسانيد:
كمسند أحمد وغير ذلك من أصول الإسلام عن أبى هريرة رضي
الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل
رجل ، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. فرد رسول الله
صلى الله عليه وسلم عليه السلام . وقال : ارجع فصل ، فإنك لم
تصل . فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ، ثم سلم عليه . فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ثم قال: ارجع فصل.
فإنك لم تصل ، حتى فعل ذلك ثلاث مرات . فقال الرجل : والذي
بعثك بالحق ما أحسن غير هذا ، فعلمنى . قال : إذا قمت إلى الصلاة
فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركح حتى تطمئن راكماً
ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم اجلس
حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك فى صلاتك كلها » وفى رواية
للبخاري: (( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة
فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن ، ثم اركح حتى تطمئن راكما
ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ،
ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً
٥٢٧

ثم ارفع حتى تستوى قائما ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )،
وفي رواية له: (( ثم اركح حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى
تستوي قائماً)) وباقيه مثله. وفي رواية: ((وإذا فعلت هذا فقد تمت
صلاتك . وما انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك)).
وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه: (( أن رجلا دخل المسجد
- فذكر الحديث وقال فيه -: فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ، فيضع الوضوء مواضعه،
ثم يكبر ويحمد الله عز وجل، ويشى عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن
ثم يقول : الله أكبر، ثم يركع حتى يطمئن راكعا، ثم يقول:
الله أكبر، ثم يرفع رأسه حتى يستوي قائما، ثم يسجد حتى يطمئن
ساجداً ، ثم يقول : الله أكبر . ثم يرفع رأسه حتى يستوي قاعداً
ثم يقول : الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع
رأسه فيكبر . فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته)) وفى رواية: ((إنها
لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمر الله عز وجل، فيغسل
وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين . ثم
يكبر الله ويحمده، ثم يقرأ من القرآن ما أذن له وتيسر - وذكر
نحو اللفظ الأول ، وقال - : ثم يكبر . فيسجد ، فيمكن وجهه
وربما قال : جبهته - من الأرض ، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ،
٥٢٨

ثم يكبر فيستوى قاعداً على مقعدته ويقيم صلبه - فوصف الصلاة
هكذا أربع ركعات حتى فرغ، ثم قال -: لا تتم صلاة لأحدكم حتى
يفعل ذلك)) رواه أهل السنن : أبو داود والنسائى وابن ماجه
والترمذي . وقال : حديث حسن . والروايتان : لفظ أبى داود .
وفى رواية ثالثة له: (( قال : إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ،
ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ. فإذا ركعت فضع راحتك
على ركبتيك وامدد ظهرك . وقال : إذا سجدت فمكن لسجودك . فإذا
رفعت فاقعد على غذك اليسرى)) وفى رواية أخرى: قال: ((إذا
أنت قمت فى صلاتك فكبر الله عز وجل ، ثم اقرأ ما تيسر عليك
من القرآن)) وقال فيه: ((فإذا جلست فى وسط الصلاة فاطمئن وافترش
فخذك اليسرى ثم تشهد ، ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من
صلانك)) وفى رواية أخرى: ((قال: فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد
فأتم ، ثم كبر . فإن كان معك قرآن فاقراً به . وإلا فاحمد الله عن
وجل وكبره وهلله)). وقال فيه «وإن انتقصت منه شيئاً انتقصت
من صلاتك )).
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر ذلك المسيء فى صلاته بأن يعيد
الصلاة . وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب ، وأمره
٥٢٩

إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة كما أمره بالركوع والسجود . وأمره المطلق
على الإيجاب .
وأيضاً قال له «فإنك لم تصل)) فنفى أن يكون عمله الأول صلاة
والعمل لا يكون منفياً إلا إذا انتفى شيء من واجباته . فأما إذا فعل كما
أوجبه الله عز وجل فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التى
ليست بواجبة .
وأما ما يقوله بعض الناس : إن هذا نفي للكمال . كقوله :
((لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)) فيقال له: نعم هو لنفي
الكمال ، لكن لنفي كمال الواجبات أو لنفي كمال المستحبات ؟ فأما الأول
فحق . وأما الثانى : فباطل ، لا يوجد مثل ذلك فى كلام الله عز وجل
ولا فى كلام رسوله قط ، وليس بحق . فإن الشىء إذا كملت واجباته
فكيف يصح نفيه ؟؟
وأيضاً فلو جاز الجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين ، لأن كمال
المستحبات من أندر الأمور .
وعلى هذا : فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو
لانتفاء بعض واجباته . كقوله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
٥٣٠

يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجَامِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوْ أ ◌َسْلِيمًا) وقوله تعالى (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّيَنَّوَلَّى
فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ )
وقوله
تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ) الآية
وقوله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْمَعَهُ, عَلَى أَمْيٍ جَامِعِ لَّمْ
يَذْهَبُواحَتَّ يَسْتَذِنُوهُ) الآية ونظائر ذلك كثيرة .
ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا إيمان لمن لا أمانة
له)) و ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) و((لا صلاة إلا بوضوء)).
وأما قوله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)): فهذا
اللفظ قد قيل : إنه لا يحفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم . وذكر
عبد الحق الاشبيلي : أنه رواء بإسناد كلهم ثقات ، وبكل حال : فهو
مأثور عن علي رضي الله عنه، ولكن نظيره في السنن عن النبى صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((من سمع النداء ثم لم يجب من غير
عذر فلا صلاة له )).
ولا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي، والصلاة فى
جماعة: من الواجبات ، كما ثبت في الصحيح : أن ابن أم مكتوم قال :
٥٣١

(( يا رسول الله، إنى رجل شاسع الدار ، ولي قائد لا يلائمني . فهل
تجد لي رخصة أن أصلي فى بيتى ؟ قال : هل تسمع النداء ؟ قال :
نعم، قال: ما أجد لك رخصة )) ؛ لكن إذا ترك هذا الواجب فهل
يعاقب عليه ، ويثاب على ما فعله من الصلاة ، أم يقال : إن الصلاة
باطلة عليه إعادتها كأنه لم يفعلها ؟ . هذا فيه نزاع بين العلماء . وعلى
هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك،
وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك)).
فقد بين أن الكمال الذي نفي هو هذا التام الذي ذكره النبي
صلى الله عليه وسلم. فإن التارك لبعض ذلك قد انتقص من صلاته
بعض ما أوجبه الله فيها. وكذلك قوله فى الحديث الآخر: ((فإذا فعل
هذا فقد تمت صلاته)).
ويؤيد هذا : أنه أمره بأن يعيد الصلاة . ولو كان المتروك
مستحباً لم يأمره بالإعادة . ولهذا يؤمر مثل هذا المسيء بالإعادة . كما
أمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا لكن لو لم يعد وفعلها ناقصة ،
فهل يقال : إن وجودها كعدمها ، بحيث يعاقب على تركها ؟ أو يقال
إنه يثاب على ما فعله ، ويعاقب على ما تركه ، بحيث يجبر ما تركه من
الواجبات بما فعله من التطوع؟ . هذا فيه نزاع. والثانى: أظهر. لما
روى أبو داود وابن ماجه عن أنس بن حكيم الضى قال: ((خاف
٥٣٢

رجل من زياد - أو ابن زياد - فأتى المدينة ، فلقى أبا هريرة رضي
اللّه عنه قال: فنسبني فانتسبت له، فقال: يافتى. ألا أحدثك حديثاً
قال: قلت : بلى يرحمك الله - قال يونس: فأحسبه ذكره عن
النبى صلى الله عليه وسلم - قال: إن أول ما يحاسب الناس به يوم
القيامة من أعمالهم : الصلاة . قال : يقول ربنا عز وجل لملائكته ،
وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي ، أمها أم نقصها ؟ فإن كانت تامة
كتبت له تامة . وإن كان انتقص منها شيئاً قال : انظروا ، هل لعبدي
من تطوع ؟ فإن كان له تطوع قال : أنتموها من تطوعه ، ثم تؤخذ
الأعمال على ذلكم)، وفى لفظ عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن أول ما يحاسب به العبد يوم
القيامة من عمله : صلاته . فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت
فقد خاب وخسر . فإن انتقص من فريضته شيئاً قال الرب : انظروا ،
هل لعبدي من تطوع ؟ فكمل به ما انتقص من الفريضة . ثم يكون
سائر أعماله على هذا)) رواه الترمذي وقال : حديث حسن .
وروى أيضاً أبو داود وابن ماجه عن تميم الداري رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى قال: (( ثم الزكاة مثل ذلك
ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك )) .
وأيضاً فعن أبي مسعود البدري رضى الله عنه قال : قال رسول
٥٣٣

الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزئ صلاة الرجل حتى بقيم ظهره في
الركوع والسجود)) رواه أهل السنن الأربعة . وقال الترمذي: حديث
حسن صحيح. فهذا صريح فى أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل
من الركوع وينتصب من السجود . فهذا يدل على إيجاب الاعتدال فى
الركوع والسجود .
وهذه المسألة - وإن لم تكن هي مسألة الطمأنينة - : فهي
تناسبها وتلازمها . وذلك : أن هذا الحديث نص صريح في وجوب
الاعتدال . فإذا وجب الاعتدال لإتمام الركوع والسجود . فالطمأنينة
فيها أوجب .
وذلك: أن قوله ((يقيم ظهره فى الركوع والسجود)) أي عند
رفعه رأسه منها . فإن إقامة الظهر تكون من تمام الركوع والسجود .
لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ينحني إلى أن يعود فيعتدل ،
ويكون السجود من حين الخرور من القيام أو القعود إلى حين يعود
فيعتدل . فالخفض والرفع : هما طرفا الركوع والسجود وتمامها . فلهذا
قال: ((يقيم صلبه فى الركوع والسجود)).
ويبين ذلك أن وجوب هذا من الاعتدالين كوجوب إتمام الركوع
والسجود. وهذا كقوله فى الحديث المتقدم: (( ثم يكبر فيسجد،
٥٣٤

فيمكن وجهه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ، ثم يكبر فيستوى قاعداً
على مقعدته ويقيم صلبه)) . فأخبر أن إقامة الصلب فى الرفع من
السجود لا في حال الخفض .
والحديثان المتقدمان بين فيها وجوب هذين الاعتدالين ووجوب
الطمأنينة؛ لكن قال فى الركوع والسجود والقعود ((حتى تطمئن
راكعاً، وحتى تطمئن ساجداً، وحتى نطمئن جالساً)). وقال فى
الرفع من الركوع (( حتى تعتدل قائماً، وحتى تستوي قائماً ) لأن القائم
يعتدل ويستوي . وذلك مستلزم للطمأنينة .
وأما الراكع والساجد فليسا منتصبين . وذلك الجالس لا يوصف
بتمام الاعتدال والاستواء . فإنه قد يكون فيه انحناء إما إلى أحد الشقين
ولا سيما عند التورك، وإما إلى أمامه . لأن أعضاءه التى يجلس عليها
منحنية غير مستوية ومعتدلة. مع أنه قد روى ابن ماجه: أنه صلى الله
عليه وسلم قال فى الرفع من الركوع (( حتى تطمئن قائماً)).
وعن علي بن شيبان الحنفي قال (( خرجنا حتى قدمنا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه وصلينا خلفه، فلمح بمؤخر عينه
رجلا لا يقيم صلانه - يعنى صلبه فى الركوع والسجود - فلما قضى
النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: يا معشر المسلمين، لا صلاة
٥٣٥

لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود )) رواه الإمام أحمد وابن ماجه
وفى رواية للإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
(( لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده)).
وهذا يبين أن إقامة الصلب : هى الاعتدال فى الركوع، كما بينا.،
وإن كان طائفة من العلماء من أصحابنا وغيرهم فسروا ذلك بنفس
الطمأنينة . واحتجوا بهذا الحديث على ذلك وحده ، لا على الاعتدالين
وعلى ما ذ کرناه : فإنه يدل عليها .
وروى الإمام أحمد فى المسند عن أبي قتادة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أسوأ الناس سرقة الذي يسرق
من صلاته . قالوا : يا رسول الله ، كيف يسرق من صلاته ؟ قال :
لا يتم ركوعها ولا سجودها)) أو قال ((لا يقيم صلبه فى الركوع
والسجود)) وهذا التردد في اللفظ ظاهره : أن المعنى المقصود من
اللفظين واحد ، وإنما شك فى اللفظ . كما فى نظائر ذلك .
وأيضاً : فعن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال: ((نهى
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن نقر الغراب وافتراش السبع،
وأن يوطن الرجل المكان فى المسجد ، كما يوطن البعير )) أخرجه أبو
داود والنسائى وابن ماجه .
٥٣٦

وإنما جمع بين الأفعال الثلاثة - وإن كانت مختلفة الأجناس -
لأنه يجمعها مشابهة البهائم في الصلاة ، فنهى عن مشابهة فعل الغراب ،
وعما يشبه فعل السبع، وعما يشبه فعل البعير ، وإن كان نقر الغراب
أشد من ذينك الأمرين ، لما فيه من أحاديث أخر . وفى الصحيحين عن
قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((اعتدلوا في الركوع والسجود ، ولا يبسطن أحدكم ذراعيه انبساط
الكلب)) لاسيما وقد بين فى حديث آخر: ((أنه من صلاة المنافقين))
والله تعالى أخبر في كتابه أنه لن يقبل عمل المنافقين .
فروى مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( تلك صلاة المنافق . مهل حتى إذا كانت الشمس
بين قرنى شيطان قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلا))
فأخبر أن المنافق يضيع وقت الصلاة المفروضة ، ويضيع فعلها وينقرها ،
فدل ذلك على ذم هذا وهذا ، وإن كان كلاهما تاركا للواجب .
وذلك حجة واضحة فى أن نقر الصلاة غير جائز، وأنه من فعل
من فيه نفاق . والنفاق كله حرام . وهذا الحديث حجة مستقلة بنفسها .
وهو مفسر لحديث قبله . وقال الله تعالى:
(إِنَّ اُلْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ
النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّ قَلِيلًا ) وهذا وعيد شديد لمن ينقر في صلاته.
٥٣٧

فلا يتم ركوعه وسجوده بالاعتدال والطمأنينة .
والمثل الذي ضربه النبى صلى الله عليه وسلم من أحسن الأمثال
فإن الصلاة قوت القلوب ، كما أن الغذاء قوت الجسد . فإذا كان
الجسد لا يتغذى باليسير من الأكل فالقلب لا يقتات بالنقر فى الصلاة ،
بل لابد من صلاة تامة تقيت القلوب .
وأما ما يرويه طوائف من العامة : أن عمر بن الخطاب رضي اللّه
عنه (( رأى رجلا ينقر فى صلاته فنهاه عن ذلك . فقال : لو نقر
الخطاب من هذه نقرة لم يدخل النار. فسكت عنه عمر)) فهذا لا أصل
له، ولم يذكره أحد من أهل العلم فيا بلغنى، لا في الصحيح ولا فى
الضعيف . والكذب ظاهر عليه . فإن المنافقين قد نقروا أكثر من ذلك
وم فى الدرك الأسفل من النار .
وأيضاً: فعن أبى عبد الله الأشعري الشامي قال: ((صلى رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم بأصحابه، ثم جلس فى طائفة منهم ، فدخل رجل
فقام يصلي ، فجعل يركع وينقر في سجوده ، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم ينظر إليه . فقال : ترون هذا ؟ لو مات مات على غير ملة
محمد ، ينقر صلاته كما ينقر الغراب الرمة . إنما مثل الذي يصلي ولا
يتم ركوعه وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين ،
٥٣٨

لا تغنيان عنه شيئاً . فأسبغوا الوضوء . ويل للأعقاب من النار ، وأتموا
الركوع والسجود)) قال أبو صالح: فقلت لأبى عبد الله الأشعري: من
حدثك بهذا الحديث ؟ قال : أمراء الأجناد : خالد بن الوليد ، وعمرو
ابن العاص ؛ وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان . كل هؤلاء
يقولون : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو بكر بن
خزيمة في صحيحه بكاله . وروى ابن ماجه بعضه .
وأيضاً : ففي صحيح البخاري عن أبى وائل عن زيد بن وهب :
(( أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا
سجوده . فلما قضى صلانه دعاه ، وقال له حذيفة : ما صليت ، ولو
مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً صلى الله عليه وسلم))
ولفظ أبي وائل « ما صليت - وأحسبه قال: لو مت مت على غير
سنة محمد صلى الله عليه وسلم)).
وهذا الذي لم يتم صلاته إنما ترك الطمأنينة ، أو ترك الاعتدال ،
أو ترك كلاهما. فإنه لابد أن يكون قد ترك بعض ذلك ، إذ نقر الغراب
والفصل بين السجدتين بحد السيف ، والهبوط من الركوع إلى السجود
لا يمكن أن ينقص منه مع الإتيان بما قد يقال: إنه ركوع أو سجود.
وهذا الرجل كان يأتي بما قد يقال له ركوع وسجود ، لكنه لم يتمه .
ومع هذا قال له حذيفة: ((ما صليت)) فنفى عنه الصلاة، ثم قال: ((لو
٥٣٩

مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً صلى الله عليه
وسلم)) و((على غير السنة)) وكلاهما المراد به هنا : الدين والشريعة ؛
ليس المراد به فعل المستحبات ؛ فإن هذا لا يوجب هذا الذم والتهديد.
فلا يكاد أحد يموت على كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من
المستحبات. ولأن لفظ ((الفطرة والسنة)) فى كلامهم : هو الدين
والشريعة. وإن كان بعض الناس اصطلحوا على أن لفظ ((السنة))
يراد به ما ليس بفرض ، إذ قد يراد بها ذلك . كما فى قوله صلى الله
عليه وسلم ((إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه))
فهي تتناول ما سنه من الواجبات أعظم مما سنه من التطوعات . كما فى
الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((إن الله شرع لنبيكم
صلى الله عليه وسلم سنن الهدى. وإن هذه الصلوات فى جماعة من
سنن الهدى ، وإنكم لو صليتم فى بيوتكم ، كما يصلي هذا المتخلف فى بيته
لتركتم سنة نبيكم . ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم . ولقد رأيتنا وما
يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق)) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم
((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها،
وعضوا عليها بالنواجذ )).
ولأن الله سبحانه وتعالى أمر في كتابه بإقامة الصلاة ، وذم المصلين
الساهين عنها المضيعين لها ، فقال تعالى في غير موضع : (وَأَقِيمُواْ
٥٤٠