النص المفهرس

صفحات 301-320

وقال الآخر : أما أنا فلا أتزوج النساء ، فقال صلى الله عليه وسلم
(( ما بال رجال يقول أحدهم كيت وكيت ، لكني أصوم وأفطر، وأقوم
وأنام، وأتزوج النساء ، وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس
مني )) فبين صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا الزهد الفاسد، والعبادة
الفاسدة ليست من سنته ، فمن رغب فيها عن سنته فرآها خيراً من
سنته فليس منه .
وقد قال أبي بن كعب: ((عليكم بالسبيل والسنة . فإنه ما من
عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا فاقشعر جلده من خشية الله،
إلا تحانت عنه خطاياه ، كما يتحات الورق اليابس عن الشجر ، وما من
عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه من خشية الله
إلا لم تمسه النار أبداً، وإن اقتصاداً فى سبيل وسنة خير من اجتهاد فى
خلاف سبيل وسنة ، فاحرصوا أن تكون أعمالكم إن كانت اجتهاداً أو
اقتصاداً على منهاج الأنبياء وسنتهم )) وكذلك قال عبد الله بن مسعود :
اقتصاد فى سنة خير من اجتهاد في بدعة .
وقد تنازع العلماء فى سرد الصوم : إذا أفطر يومي العيدين ،
وأيام منى. فاستحب ذلك طائفة من الفقهاء والعباد، فرأوه أفضل
من صوم يوم ، وفطر يوم . وطائفة أخرى لم يروه أفضل ، بل جعلوه
سائغاً بلا كراهة ، وجعلوا صوم شطر الدهر أفضل منه ، وحملوا
ما ورد فى ترك صوم الدهر على من صام أيام النهي . والقول الثالث :
٣٠١

وهو الصواب قول من جعل ذلك تركاً للأولى ، أو كره ذلك . فإن
الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم كنهيه لعبد الله بن عمرو
عن ذلك، وقوله: ((من صام الدهر فلا صام ، ولا أفطر )) وغيرها
صريحة فى أن هذا ليس بمشروع .
ومن حمل ذلك على أن المراد صوم الأيام الخمسة فقد غلط ، فإن
صوم الدهر لا يراد به صوم خمسة أيام فقط ، وتلك الخمسة صومها
محرم ، ولو أفطر غيرها فلم ينه عنها لكون ذلك صوماً للدهر، ولا يجوز
أن ينهي عن صوم أكثر من ثلاثمائة يوم ، والمراد خمسة ، بل مثال
هذا مثال من قال : انتني بكل من فى الجامع ، وأراد به خمسة منهم ،
وأيضاً فإنه علل ذلك بأنك إذا فعلت ذلك : مجمت له العين ، ونفهت له
النفس ، وهذا إنما يكون فى سرد الصوم ، لا فى صوم الخمسة .
وأيضاً فإن فى الصحيح (( أن سائلا سأله عن صوم الدهر . فقال
من صام الدهر فلا صام ولا أفطر ، قال : فمن بصوم يومين ويفطر
يوما ، فقال : ومن يطيق ذلك ؟ ! قال : فمن يصوم يوماً ، ويفطر
يومين ، فقال : وددت أنى طوقت ذلك ، فقال : فمن يصوم يوما
ويفطر يوما ، فقال: ذلك أفضل الصوم ، فسألوه عن صوم الدهر ، ثم
عن صوم ثلثيه ، ثم عن صوم ثلثه ، ثم عن صوم شطره .
٣٠٢

وأما قوله: (( صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر)»
وقوله: (( من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال ، فكأنما صام
الدهر . الحسنة بعشر أمثالها )) ونحو ذلك . فمراده أن من فعل هذا
يحصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر ، من غير حصول المفسدة ،
فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر حصل له أجر صوم الدهر بدون شهر
رمضان . وإذا صام رمضان وستا من شوال حصل بالمجموع أجر صوم
الدهر ، وكان القياس أن يكون استغراق الزمان بالصوم عبادة ، لولا
ما فى ذلك من المعارض الراجح ، وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم
الراجح ، وهو إضاعة ما هو أولى من الصوم ، وحصول المفسدة راجحة
فيكون قد فوت مصلحة راجحة واجبة أو مستحبة ، مع حصول مفسدة
راجحة على مصلحة الصوم .
وقد بين صلى الله عليه وسلم حكمة النهى، فقال: (( من صام
الدهر فلا صام ولا أفطر)) فإنه يصير الصيام له عدة ، كصيام الليل ،
فلا ينتفع بهذا الصوم ، ولا يكون صام ، ولا هو أيضاً أفطر .
ومن نقل عن الصحابة أنه سرد الصوم فقد ذهب إلى أحد هذه
الأقوال ، وكذلك من نقل عنه أنه كان يقوم جميع الليل دائماً ، أو أنه
يصلي الصبح بوضوء العشاء الآخرة ، كذا كذا سنة ، مع أن كثيراً من
المنقول من ذلك ضعيف. وقال عبد الله بن مسعود لأصحابه: أنتم
٣٠٣

أكثر صوماً وصلاة من أصحاب محمد ، وهم كانوا خيراً منكم . قالوا :
لم يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : لأنهم كانوا أزهد فى الدنيا ، وأرغب
فى الآخرة .
فأما سرد الصوم بعض العام ، فهذا قد كان النى صلى الله عليه
وسلم يفعله ، قد كان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر . ويفطر حتى
يقول القائل لا يصوم .
وكذلك قيام بعض الليالي جميعها . كالعشر الأخير من رمضان ،
أو قيام غيرها أحياناً ، فهذا مما جاءت به السنن . وقد كان الصحابة
يفعلونه، فثبت فى الصحيح (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا
دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر ، وأيقظ أهله ، وأحيا
ليله كله )).
وفي السنن أنه قام بآية ليلة حتى أصبح: (إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُلٌ وَإِن
تَغْفِرْلَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
ولکن غالب قيامه كان جوف
الليل ، وكان يصلي بمن حضر عنده، كما صلى ليلة بابن عباس ، وليلة
بابن مسعود ، وليلة بحذيفة بن اليمان ، وقد كان أحياناً يقرأ فى الركعة
بالبقرة والنساء وآل عمران ، ويركع نحواً من قيامه ، بقول فى ركوعه
(( سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم)) ويرفع نحواً من ركوعه،
٣٠٤

يقول: ((لربي الحمد، لربى الحمد)) ويسجد نحواً من قيامه يقول:
((سبحان ربي الأعلى، سبحان ربى الأعلى)) ويجلس نحواً من سجوده
يقول: ((رب اغفر لي، رب اغفر لي)) ويسجد.
وأما (( الوصال في الصيام)) فقد ثبت أنه نهى عنه أصحابه، ولم
يرخص لهم إلا فى الوصال إلى السحر ، وأخبر أنه ليس كأحدم . وقد
كان طائفة من المجتهدين في العبادة يواصلون ، منهم من يبقى شهراً
لا يأكل ولا يشرب ، ومنهم من يبقى شهرين وأكثر وأقل ، ولكن
كثير من هؤلاء ندم على ما فعل ، وظهر ذلك فى بعضهم ؛ فإن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أعلى الخلق بطريق الله، وأنصح الخلق لعباد
الله، وأفضل الخلق ، وأطوعهم له، وأتبعهم لسنته .
والأحوال التى تحصل عن أعمال فيها مخالفة السنة أحوال غير
محمودة ، وإن كان فيها مكاشفات ، وفيها تأثيرات ، فمن كان خبيراً
بهذا الباب على أن الأحوال الحاصلة عن عبادات غير مشروعة كالأموال
المكسوبة بطريق غير شرعى ، والملك الحاصل بطريق غير شرعى : فإن
لم يتدارك الله عبده بتوبة ، يتبع بها الطريق الشرعية ، وإلا كانت
تلك الأمور سبباً لضرر يحصل له ، ثم قد يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً
له خطؤه ، وقد يكون مذنباً ذنبا مغفوراً لحسنات ماحية ، وقد
يكون مبتلى بمصائب تكفر عنه ، وقد يعاقب بسلب تلك الأحوال ،
٣٠٥

وإذا أصر على ترك ما أمر به من السنة ، وفعل ما نهى عنه ، فقد
يعاقب بسلب فعل الواجبات ، حتى قد يصير فاسقا أو داعيا إلى بدعة
وإن أصر على الكباثر ، فقد يخاف عليه أن يسلب الإيمان ، فإن
البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير، حتى تخرجه إلى
الإلحاد والزندقة، كما وقع هذا لغير واحد ممن كان لهم أحوال
من المكاشفات والتأثيرات ، وقد عرفنا من هذا ما ليس هذا
موضع ذكره .
فالسنة مثال سفينة نوح : من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق .
قال الزهري : كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة
وعامة من تجد له حالا من مكاشفة أو تأثير أعان به الكفار أو الفجار
أو استعمله فى غير ذلك من معصية ، فإنما ذاك نتيجة عبادات غير
شرعية، كمن اكتسب أموالا محرمة فلا يكاد ينفقها إلا فى معصية الله.
والبدع نوعان : نوع فى الأقوال والاعتقادات ، ونوع فى الأفعال
والعبادات . وهذا الثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثانى .
فالمنتسبون إلى العلم والنظر وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم
يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الأول . والمنتسبون إلى العبادة
والنظر والإرادة وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب
٣٠٦

والسنة من القسم الثانى . وقد أمرنا الله أن نقول فى كل صلاة :
(أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِيْنَ أَنْعَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
آمين. وصح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
وَلَا الضَّآلِينَ )
قال: ((اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)) قال سفيان بن
عيينة : كانوا يقولون من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود ، ومن
فسد من العباد ففيه شبه من النصارى ، وكان السلف يقولون :
احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل : فإن فتنتها فتنة لكل
مفتون ، فطالب العلم إن لم يقترن بطلبه فعل ما يجب عليه ، وترك
ما يحرم عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة ، وإلا وقع فى الضلال .
وأهل الإرادة إن لم يقترن بإرادتهم طلب العلم الواجب عليهم
الاعتصام بالكتاب والسنة ، وإلا وقعوا في الضلال والبغي ، ولو اعتصم
رجل بالعلم الشرعى من غير عمل بالواجب . كان غاويا ، وإذا اعتصم
بالعبادة الشرعية من غير علم بالواجب كان ضالا ، والضلال سمة
النصارى ، والبغي سمة اليهود ، مع أن كلا من الأمتين فيها الضلال
والبغي ، ولهذا تجد من انحرف عن الشريعة في الأمر والنهي من أهل
الإرادة والعبادة والسلوك والطريق ينتهون إلى الفناء الذي لا يميزون
فيه بين المأمور والمحظور ، فيكونون فيه متبعين أهواءهم .
وإنما الفناء الشرعى أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه ،
٣٠٧

وبطاعته عن طاعة ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه .
وبسؤاله عن سؤال ما سواه ، وبخوفه عن خوف ما سواه ، وهذا هو
إخلاص الدين الله وعبادته وحده لا شريك له ، وهو دين الإسلام
الذي أرسل الله به الرسل ، وأنزل به الكتب .
وتجد أيضا من انحرف عن الشريعة من الجبر والنفي والإثبات من
أهل العلم والنظر والكلام والبحث ينتهي أمرهم إلى الشك والحيرة،
كما ينتهي الأولون إلى الشطح والطامات ، فهؤلاء لا يصدقون بالحق ،
وأولئك يصدقون بالباطل . وإنما يتحقق الدين بتصديق الرسول فى كل
ما أخبر ، وطاعته فى كل ما أمر باطنا وظاهراً، من المعارف والأحوال
القلبية ، وفي الأقوال والأعمال الظاهرة .
ومن عظم مطلق السهر والجوع وأمر بها مطلقا فهو مخطئ ، بل
المحمود السهر الشرعي ، والجوع الشرعي ، فالسهر الشرعي كما تقدم
من صلاة أو ذكر أو قراءة أو كتابة علم أو نظر فيه أو درسه أو غير
ذلك من العبادات ، والأفضل يتنوع بتنوع الناس ، فبعض العلماء
يقول : كتابة الحديث أفضل من صلاة النافلة ، وبعض الشيوخ يقول :
ركعتان أصليها بالليل حيث لا يراني أحد أفضل من كتابة مائة حديث .
وآخر من الأئمة يقول : بل الأفضل فعل هذا وهذا، والأفضل يتنوع
بتنوع أحوال الناس ، فمن الأعمال ما يكون جنسه أفضل ، ثم يكون
٣٠٨

تارة مرجوحا أو منهيا عنه . كالصلاة ؛ فإنها أفضل من قراءة القرآن ،
وقراءة القرآن أفضل من الذكر ، والذكر أفضل من الدعاء ، ثم الصلاة
فى أوقات النهي - كما بعد الفجر والعصر ووقت الخطبة - منهى عنها
والاشتغال حينئذ إما بقراءة أو ذكر أو دعاء أو استماع أفضل من ذلك.
وكذلك قراءة القرآن أفضل من الذكر ، ثم الذكر فى الركوع
والسجود هو المشروع . دون قراءة القرآن، وكذلك الدعاء فى آخر
الصلاة هو المشروع دون القراءة والذكر ، وقد يكون الشخص يصلح
دينه على العمل المفضول دون الأفضل ، فيكون أفضل فى حقه ، كما أن
الحج في حق النساء أفضل من الجهاد .
ومن الناس من تكون القراءة أنفع له من الصلاة ، ومنهم من
يكون الذكر أنفع له من القراءة ، ومنهم من يكون اجتهاده في الدعاء
لكمال ضرورته أفضل له من ذكر هو فيه غافل ، والشخص الواحد
يكون نارة هذا أفضل له ، وتارة هذا أفضل له ، ومعرفة حال كل
شخص شخص ، وبيان الأفضل له لا يمكن ذكره فى كتاب ، بل لابد
من هداية يهدي الله بها عبده إلى ما هو أصلح، وما صدق الله عبد
إلا صنع له .
وفى الصحيح (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل
٣٠٩

يقول : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض
عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون .
اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى
صراط مستقيم)).
فصل
وأما الأكل واللباس: غير الهدى هدى محمد صلى الله عليه
وسلم، وكان خلقه فى الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاء ، ولا
يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، فكان إن حضر خبز ولحم أكله.
وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله ، وإن حضر تمر وحده أو خبز
وحده أكله ، وإن حضر حلو أو عسل طعمه أيضا، وكان أحب الشراب
إليه الحلو البارد ، وكان يأكل القثاء بالرطب ، فلم يكن إذا حضر
لونان من الطعام يقول : لا آكل لونين ، ولا يمتنع من طعام لما فيه
من اللذة والحلاوة.
وكان أحيانا يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد فى بيته نار ، ولا
يأكلون إلا التمر والماء ، وأحيانا يربط على بطنه الحجر من الجوع ،
وكان لا يعيب طعاما، فإن اشتهاه أكله ، وإلا تركه . وأكل على
٣١٠

مائدته لحم ضب فامتنع من أكله، وقال: ((إنه ليس بحرام ، ولكن لم
يكن بأرض قومي فأجدنى أعافه ».
وكذلك اللباس كان يلبس القميص والعمامة، ويلبس الإزار والرداء
ويلبس الجبة والفروج ، وكان يلبس من القطن والصوف ، وغير ذلك.
لبس فى السفر جبة صوف ، وكان يلبس مما يجلب من اليمن وغيرها،
وغالب ذلك مصنوع من القطن ، وكانوا يلبسون من قباطي مصر ، وهي
منسوجة من الكتان . فسنته فى ذلك تقتضي أن يلبس الرجل ويطعم مما
يسره الله ببلده، من الطعام واللباس . وهذا يتنوع بتنوع الأمصار .
وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل اللحم
ونحوه ، وعلى الامتناع من تزوج النساء ، فأنزل الله تعالى :
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّ مُواْ طَّيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُ وَأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اُلْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَثَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ)
وفى الصحيحين عنه أنه بلغه أن رحالا قال أحدهم :
أما أنا فأصوم لا أفطر . وقال الآخر : أما أنا فأقوم لا أنام ، وقال
الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل
اللحم. فقال: (( لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء ،
وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )) وقد قال الله تعالى:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَّكُمْ وَاشْكُرُو ◌ْلِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ
٣١١

تَعْبُدُونَ ) فأمر بأكل الطيبات ، والشكر لله ، فمن حرم الطيبات
كان معتديا، ومن لم يشكر كان مفرطاً مضيعاً لحق الله. وفى صحيح
مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله ليرضى عن
العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ، ويشرب الشربة فيحمده
عليها)). وفى الترمذي وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الطاعم
الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)).
فهذه الطريق التى كان عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
هي أعدل الطرق وأقومها . والانحراف عنها إلى وجهين :
قوم بسرفون فى تناول الشهوات ، مع إعراضهم عن القيام بالواجبات
وقد قال تعالى: (وَكُلُواْوَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
وقال تعالى: (فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُواْالشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ
غَيًّا ).
وقوم يحرمون الطيبات ، ويبتدعون رهبانية ، لم يشرعها الله تعالى،
ولا رهبانية فى الإسلام. وقد قال تعالى: (لَا تُحَرِّ مُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ
وقال تعالى: ( يَأَيُّهَا
لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُوَأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )
وفی
الرُّسُلُ كُلُوْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله أمر المؤمنين
٣١٢

(يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُوْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ
بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى :
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوأُكُلُوا مِن طَيِّبَتِ
صَلِحًا)
مَارَزَقْنَكُمْ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء
يا رب ! يارب ! ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي
بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك )» وكل حلال طيب ، وكل طيب حلال،
فإن الله أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، لكن جهة طيبه كونه
نافعاً لذيذاً .
والله حرم علينا كل ما يضرنا، وأباح لناكل ما ينفعنا بخلاف
أهل الكتاب فإنه بظلم منهم : حرم عليهم طيبات أحلت لهم ، فحرم
عليهم طيبات عقوبة لهم ، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يحرم علينا
شيئاً من الطيبات ، والناس تتنوع أحوالهم فى الطعام واللباس والجوع
والشبع ، والشخص الواحد يتنوع حاله ، ولكن خير الأعمال ما كان
لله أطوع، ولصاحبه أنفع ، وقد يكون ذلك أيسر العملين ، وقد يكون
أشدهما ، فليس كل شديد فاضلا ، ولا كل يسير مفضولا . بل الشرع
إذا أمرنا بأمر شديد ، فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة ، لا لمجرد تعذيب
النفس. كالجهاد الذي قال فيه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزْهُ لَّكُمْ
وَعَسَىّ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَشَرِّلَّكُمْ ).
٣١٣

والحج هو الجهاد الصغير ؛ ولهذا قال النى صلى الله عليه وسلم
لعائشة رضى الله عنها في العمرة: ((أجرك على قدر نصبك)) وقال
تعالى في الجهاد : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاً وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْنًا يَغِيَظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُ وِّ نَّيْلًا إِلََّ كُتِبَ
لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِّحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة ، فليس
هذا مشروعا لنا ؛ بل أمرنا الله بما ينفعنا، ونهانا عما يضرنا. وقد
قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (( إنما بعثتم ميسرين
ولم تبعثوا معسرين)) وقال لمعاذ وأبى موسى لما بعثهما إلى اليمن: ((يسرا
ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) وقال «هذا الدين بسر ، ولن يشاد
الدين أحد إلا غلبه ، فاستعينوا بالغدوة والروحة ، وشيء من الدلجة ،
والقصد القصد تبلغوا)) وروى عنه أنه قال: ((أحب الدين إلى الله
الحنيفية السمحة)) .
فالإنسان إذا أصابه فى الجهاد والحج أو غير ذلك حر أو برد أو
جوع، ونحو ذلك. فهو مما يحمد عليه، قال الله تعالى: (وَقَالُوْ لَ نَنْفِرُواْ فِي
اْخَرَّقُلْ نَارُجَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّا لَّوْكَانُوا يَفْقَهُونَ ) .
وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: « الكفارات: إسباغ الوضوء
٣١٤

على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ،
فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط )».
وأما مجرد بروز الإنسان للحر والبرد. بلا منفعة شرعية، واحتفاؤ.
وكشف رأسه ، ونحو ذلك مما يظن بعض الناس أنه من مجاهدة النفس،
فهذا إذا لم يكن فيه منفعة للإنسان، [أ](١) وطاعة الله، فلا خير فيه. بل
قد ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائماً في
الشمس، فقال: (( ما هذا ؟ قالوا : هذا أبو إسرائيل ، نذر أن يقوم
في الشمس ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، ويصوم . فقال : مروه
فليجلس ، وليستظل ، وليتكلم ، وليتم صومه)).
ولهذا نهى عن الصمت الدائم ، بل المشروع ما قاله النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو
ليصمت )) فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والسكوت عن الشر
خير من التكلم به .
فصل
والأفضل للإمام أن يتحرى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
التى كان يصليها بأصحابه ، بل هذا هو المشروع الذي يأمر به الأئمة ،
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق.
٣١٥

كما ثبت عنه فى الصحيح أنه قال لمالك بن الحويرث وصاحبه :
((إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، وليؤمكما أحدكما، وصلوا كما
رأيتمونى أصلي » .
وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه كان يقرأ فى الفجر بما بين الستين
آية إلى مائة آية، وهذا بالتقريب نحو ثلث جزء ، إلى نصف جزء ، من
تجزئة ثلاثين ، فكان يقرأ بطوال المفصل، يقرأ بقاف، ويقرأ الم تنزيل
وتبارك ، ويقرأ سورة المؤمنون، ويقرأ الصافات ، ونحو ذلك .
وكان يقرأ في الظهر بأقل من ذلك بنحو ثلاثين آية ، ويقرأ فى
العصر بأقل من ذلك ، ويقرأ فى المغرب بأقل من ذلك ، مثل
قصار المفصل. وفى العشاء الآخرة بنحو: ( وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا) و(وَالَِّلِ
إِذَا يَغْشَى ) ، ونحوهما .
وكان أحياناً يطيل الصلاة ، ويقرأ بأكثر من ذلك ، حتى يقرأ
في المغرب ( بالأعراف) ويقرأ فيها ( بالطور )، ويقرأ فيها (بالمرسلات).
وأبو بكر الصديق قرأ مرة في الفجر بسورة البقرة ، وعمر كان
يقرأ فى الفجر : ( بسورة هود ) ، و ( سورة يوسف ) ، ونحوهما ،
وأحياناً يخفف إما لكونه فى السفر ، أو لغير ذلك . كما قال : صلى
٣١٦

الله عليه وسلم ((إنى لأدخل فى الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع
بكاء الصبي ، فأخفف لما أعلم من وجد أمه به )) حتى روي عنه أنه
قرأ فى الفجر ( سورة التكوير ) و ( سورة الزلزلة ) ؛ فينبغي للإمام
أن يتحرى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان المأمومون لم يعتادوا صلاته ، وربما نفروا عنها درجهم
إليها شيئاً بعد شيء ، فلا يبدوم بما ينفرهم عنها ، بل يتبع السنة بحسب
الإمكان ، وليس للإمام أن يطيل على القدر المشروع ، إلا أن يختاروا
ذلك . كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((من
أم الناس فليخفف بهم، فإن منهم السقيم والكبير، وذا الحاجة)) أخرجاء
في الصحيحين. وقال: ((إذا أم أحدكم الناس فليخفف ، وإذا صلى
لنفسه فليطول ما شاء)). وكان يطيل الركوع والسجود؛ والاعتدالين
كما ثبت عنه في الصحيح ((أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقوم
حتى بقول القائل قد نسى ، وإذا رفع رأسه من السجود يقعد ، حتى
يقول القائل قد نسي )) .
وفى السنن أن أنس بن مالك شبه صلاة عمر بن عبد العزيز بصلاته
وكان عمر يسبح فى الركوع نحو عشر تسبيحات ، وفى السجود نحو
عشر تسبيحات ، فينبغى للإمام أن يفعل فى الغالب ما كان النبى صلى
الله عليه وسلم يفعله فى الغالب ، وإذا اقتضت المصلحة أن يطيل أكثر
٣١٧

من ذلك ، أو يقصر عن ذلك فعل ذلك ، كما كان النبى صلى الله عليه
وسلم أحياناً يزيد على ذلك، وأحياناً ينقص عن ذلك.
مل
وأما الوضوء عند كل حدث ففيه حديث بلال المعروف عن بريدة
ابن حصيب ، قال: (( أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا
فقال : يا بلال ! بم سبقتنى إلى الجنة ؟ ! فما دخلت الجنة قط إلا سمعت
خشخشتك أمامي ، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ،
فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب ، فقلت : لمن هذا القصر ؟
فقالوا : لرجل عربي . فقلت : أنا عربى ، لمن هذا القصر ؟ فقالوا:
لرجل من قريش ، قلت : أنا رجل من قريش ، لمن هذا القصر ؟
فقالوا : لرجل من أمة محمد . فقلت أنا محمد ، لمن هذا القصر ؟ فقالوا :
لعمر بن الخطاب ، فقال : بلال يارسول الله ! ما أذنت قط إلا صليت
ركعتين، وما أصابنى حدث قط إلا توضأت عندها، فرأيت أن الله
على ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بهما)) قال
الترمذي هذا حديث حسن صحيح .
وهذا يقتضى استحباب الوضوء عند كل حدث ، ولا يعارض ذلك
٣١٨

الحديث الذي فى الصحيح عن ابن عباس قال: ((كنا عند النى صلى
الله عليه وسلم، فجاء من الغائط فأتى بطعام ، فقيل له : ألا تتوضأ؟
قال: لم أصل، فأتوضأ )) فإن هذا ينفي وجوب الوضوء ، وينفي أن
يكون مأموراً بالوضوء لأجل مجرد الأكل ، ولم نعلم أحداً استحب
الوضوء للأكل إلا إذا كان جنباً ، وتنازع العلماء فى غسل اليدين
قبل الأكل هل يكره أو يستحب على قولين ، هما روايتان عن أحمد.
فمن استحب ذلك احتج بحديث سلمان أنه قال للنبي صلى الله
عليه وسلم: (( قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله ،
والوضوء بعده )) ومن كرهه قال : لأن هذا خلاف سنة المسلمين ، فإنهم
لم يكونوا يتوضؤون قبل الأكل، وإنما كان هذا من فعل اليهود،
فيكره التشبه بهم .
وأما حديث سلمان فقد ضعفه بعضهم، وقد يقال : كان هذا فى أول الإِسلام
لما كان النبى صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه
بشىء ؛ ولهذا كان يسدل شعره موافقة، ثم فرق بعد ذلك، ولهذا صام عاشوراء
لما قدم المدينة ، ثم إنه قال قبل موته: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن
التاسع )» يعنى مع العاشر؛ لأجل مخالفة اليهود .
٣١٩

فصل
وأما سؤال السائل عن المواظبة على ما واظب عليه النبى صلى الله
عليه وسلم فى عبادته وعادته هل هي سنة ؟ أم تختلف باختلاف أحوال
الراتبين؟ فيقال : الذي نحن مأمورون به هو طاعة الله ورسوله ،
فعلينا أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمرنا به ، فإن الله
قد ذكر طاعته فى أكثر من ثلاثين موضعاً من كتابه . فقال تعالى:
وقال : (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
(مَّن يُطِيعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ).
وقد أوجب السعادة لمن أطاعه بقوله : (فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا)
وعلق السعادة والشقاوة بطاعته ومعصيته فى قوله: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
ج
وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ).
وكان صلى الله عليه وسلم يقول فى خطبته: «من يطع الله ورسوله
٣٢٠