النص المفهرس
صفحات 241-260
تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّ كَلْأَنْعَّ بَلْ هُمْأَضَلُّ سَبِيلًا) وقال تعالى: (فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوأَسْلِيمًا ). وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواء تبعاً لما جئت به)). قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَرْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلًا بَعِيدًا * وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) وقال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ اُلْدِيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) وقال تعالى: (الَّمَصّ * كِتَبُّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْفِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءٌ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) وقال تعالى: ( وَلَوِ أَنَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنِفِيهِنَّ) وأمثال هذا فى القرآن كثير. فتبين أن على العبد أن يتبع الحق الذي بعث الله به رسوله، ولا يجعل دينه تبعاً لهواء ، والله أعلم. ٢٤١ وسل عن رجلين تنازعا فى ((النية)) فقال أحدهما : لا تدخل الصلاة إلا بالنية، واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لكل امرئ ما نوى)» وقال الآخر : يجوز بلا نية ، أفتونا مأجورين؟ فأجاب : الحمد لله ، الصلاة لا يجوز إلا بنية ؛ لكن محل النية القلب باتفاق المسلمين . وهي القصد والإرادة. فإن نوى بقلبه خلاف ما نطق بلسانه كان الاعتبار بما قصد بقلبه . وتنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بما نواه ؟ على قولين. واتفقوا على أنه لا يستحب الجهر بالنية ، ولا تكرير التكلم بها : بل ذلك منهي عنه باتفاق الأئمة ، ولو لم يتكلم بالنية صحت صلاته عند الأئمة الأربعة ، وغيرهم . ولم يخالف إلا بعض شذوذ المتأخرين . ٢٤٢ وسئل رحمه اللّه عن قوله صلى الله عليه وسلم ((نية المرء أبلغ من عمله)). فأجاب : هذا الكلام قاله غير واحد ، وبعضهم يذكره مرفوعا، وبيانه من وجوه : ( أحدها ) أن النية المجردة من العمل يثاب عليها ، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه ، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص لله لم يقبل منه ذلك . وقد ثبت فى الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة)). ( الثاني ) أن من نوى الخير ، وعمل منه مقدوره ، وعجز عن إكماله كان له أجر عامل . كما فى الصحيحين عن النى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا : وهم بالمدينة ! قال : وهم بالمدينة ، حبسهم العذر)). وقد صحح الترمذي حديث أبى كبشة الأماري عن النبى ٢٤٣ صلى الله عليه وسلم (( أنه ذكر أربعة رجال: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل فيه بطاعة الله . ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا . فقال : لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان . قال : فها فى الأجر سواء ، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يعمل فيه بمعصية الله، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان ، قال : فها فى الوزر سواء )» . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه ، من غير أن ينقص من أوزارم شيء)) وفى الصحيحين عنه أنه قال: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم )» وشواهد هذا كثيرة . ( الثالث ) أن القلب ملك البدن ، والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك خبثت جنوده ، والنية عمل الملك ، بخلاف الأعمال الظاهرة فإنها عمل الجنود . ( الرابع) أن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة . ٢٤٤ كتوبة المجبوب عن الزنا ، وكتوبة المقطوع اللسان عن القذف، وغيره. وأصل التوبة عزم القلب ، وهذا حاصل مع العجز . ( الخامس ) أن النية لا يدخلها فساد ، بخلاف الأعمال الظاهرة ، فإن النية أصلها حب الله ورسوله ، وإرادة وجهه ، وهذا هو بنفسه محبوب الله ورسوله ، مرضى لله ورسوله ، والأعمال الظاهرة تدخلها آفات كثيرة ، وما لم تسلم منها لم تكن مقبولة؛ ولهذا كانت أعمال القلب المجردة أفضل من أعمال البدن المجردة . كما قال بعض السلف : قوة المؤمن في قلبه ، وضعفه في جسمه ، وقوة المنافق فى جسمه ، وضعفه فى قلبه ، وتفصيل هذا يطول . والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل حنفي صلى في جماعة ، وأسر نيته ، ثم رفع يديه فی کل تكبيرة ، فأنكر عليه فقيه الجماعة ، وقال له : هذا لا يجوز فى مذهبك وأنت مبتدع فيه، وأنت مذبذب ، لا بإمامك اقتديت ، ولا بمذهبك اهتديت . فهل ما فعله نقص في صلاته ومخالفة للسنة ولإمامه أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله . أما الذي أنكر عليه إسراره بالنية فهو جاهل فإن الجهر بالنية لا يجب ولا يستحب ، لا فى مذهب أبي حنيفة، ولا ٢٤٥ أُحد من أئمة المسلمين ؛ بل كلهم متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية ومن جهر بالنية فهو مخطئ ، مخالف للسنة باتفاق أئمة الدين ؛ بل مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائر أئمة المسلمين أنه إذا نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه بالنية لا سراً ولا جهراً كانت صحيحة، ولا يجب التكلم بالنية . لا عند أبى حنيفة، ولا عند أحد من الأئمة ، حتى إن بعض متأخري أصحاب الشافعي لما ذكر وجها مخرجا : أن اللفظ بالنية واجب . غلطه بقية أصحابه ، وقالوا : إنما أوجب الشافعي النطق في أول الصلاة بالتكبير ، لا بالنية. وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يتنازعوا في أن النطق بالنية لا يجب، وكذلك مالك وأصحابه ، وأحمد وأصحابه ؛ بل تنازع العلماء: هل يستحب التلفظ بالنية سراً ؟ على قولين : فقال طائفة من أصحاب أبى حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بالنية ، لا الجهر بها ، ولا يجب التلفظ ، ولا الجهر . وقال طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرم : بل لا يستحب التلفظ بالنية ، لا سراً ولا جهراً، كما لا يجب باتفاق الأمّة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بالنية، لا سراً ولا جهراً وهذا القول هو الصواب الذي جاءت به السنة . ٢٤٦ وأما رفع اليدين فى كل تكبيرة حتى فى السجود ، فليست هي السنة التى كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتاح . وأما رفعها عند الركوع ، والاعتدال من الركوع ، فلم يعرفه أكثر فقهاء الكوفة . كإبراهيم النخعي ، وأبى حنيفة ، والثوري ، وغيرهم. وأما أكثر فقهاء الأمصار، وعلماء الآثار ، فإنهم عرفوا ذلك - لِماَ أنه استفاضت به السنة عن النبى صلى الله عليه وسلم - كالأوزاعى ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وهو إحدى الروايتين عن مالك . فإنه قد ثبت فى الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره ((أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ، ولا يفعل ذلك فى السجود ، ولا كذلك بين السجودين)) وثبت هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم في الصحيح : من حديث مالك بن الحويرث ، ووائل بن حجر ، وأبي حميد الساعدي : فى عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أحدم أبو قتادة ، وهو معروف من حديث علي بن أبى طالب ، وأبى هريرة ، وعدد كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه فى الصلاة حصبه. وقال عقبة ابن عامر : له بكل إشارة عشر حسنات . ٢٤٧ والكوفيون حجتهم أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه .- لم يكن يرفع يديه، وم معذورون قبل أن تبلغهم السنة الصحيحة ؛ فإن عبد الله بن مسعود هو الفقيه الذي بعثه عمر بن الخطاب ليعلم أهل الكوفة السنة ؛ لكن قد حفظ الرفع عن النبى صلى الله عليه وسلم كثير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، وابن مسعود لم يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا أول مرة ؛ لكنهم رأوه يصلي ولا يرفع ، إلا أول مرة . والإنسان قد ينسى ، وقد يذهل ، وقد خفي على ابن مسعود التطبيق في الصلاة ؛ فكان يصلي، وإذا ركع طبق بين يديه ، كما كانوا يفعلون أول الإسلام . ثم إن التطبيق نسخ بعد ذلك ، وأمروا بالركب ، وهذا لم يحفظه ابن مسعود ؛ فإن الرفع المتنازع فيه ليس من نواقض الصلاة ؛ بل يجوز أن يصلى بلا رفع وإذا رفع كان أفضل وأحسن . وإذا كان الرجل متبعاً لأبى حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد : ورأى فى بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن فى ذلك ، ولم يقدح ذلك في دينه . ولا عدالته بلا نزاع ؛ بل هذا أولى بالحق ، وأحب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ممن يتعصب لواحد معين ، غير النبى صلى الله عليه وسلم ، كمن يتعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو أبى حنيفة ، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه، دون قول الإمام الذي خالفه . ٢٤٨ فمن فعل هذا كان جاهلا ضالا ؛ بل قد يكون كافراً ؛ فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأمة دون الإمام الآخر فإنه يجب أن يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . بل غاية ما يقال : إنه بسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي أن يقلد واحداً لا بعينه ، من غير تعيين زيد ولا عمرو . وأما أن يقول قائل : إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان، فهذا لا يقوله مسلم . ومن كان موالياً للأمّة محباً لهم يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو محسن في ذلك . بل هذا أحسن حالا من غيره، ولا يقال لمثل هذا مذبذب على وجه النم . وإنما المذبذب المذموم الذي لا يكون مع المؤمنين ، ولا مع الكفار ، بل يأتى المؤمنين بوجه ، ويأتي الكافرين بوجه ، كما قال تعالى فى حق المنافقين : ( إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ) (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَّجِدَ لَهُ سَبِيلًا). وقال النبى صلى إلى قوله : الله عليه وسلم: (( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تعير إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة)). فهؤلاء المنافقون المذبذبون هم الذين ذمهم الله ورسوله ، وقال فى ٢٤٩ (إِذَا جَآءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ حقهم : اُللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ) وقال تعالى فى (أَلَوْتَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ حقهم : عَلَيْهِم مَّاهُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) فهؤلاء المنافقون الذين يتولون اليهود الذين غضب الله عليهم ، مام من اليهود ، ولاهم منا ، مثل من أظهر الإسلام من اليهود والنصارى والتتر ، وغيرهم ، وقلبه مع طائفته . فلا هو مؤمن محض ، ولا هو كافر ظاهرا وباطناً ، فهؤلاء ثم المذبذبون الذين ذمهم الله ورسوله ، وأوجب على عباده أن يكونوا مؤمنين ، لا كفارا ، ولا منافقين، بل يحبون الله، ويبغضون لله ، ويعطون لله ، ويمنعون الله . قال الله تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَ مَن يَتَوَلَهُمْ مِّنَكُمْ فَإِنَّهُمِنْهُمْ) إلى قوله: (إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَءَامَنُواْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاُلَّذِينَءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) وقال تعالى: (يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُ واْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُ واْبِمَاجَاءَ كُمْ مِّنَ الْحَقِّ) الآية. وقال تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِيُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْكَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْأَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَ تَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهُ) وقال تعالى: (إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوْبَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ) . ٢٥٠ وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )) . وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً - وشبك بين أصابعه -)). وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه )). وفى الصحيحين أنه قال: (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه)). وقال: (( والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحابيتم . أفشوا السلام بينكم)). وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالاجتماع والائتلاف، ونهام عن الافتراق (يَأَيُّهَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْاتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ والاختلاف فقال تعالى : تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّإِلَّ وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ) إلى (لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ) إلى قوله : قوله : (يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدٌ وُجُوهٌ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة . ٢٥١ فأئمة الدين م على منهاج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، والصحابة كانوا مؤتلفين متفقين ، وإن تنازعوا فى بعض فروع الشريعة فى الطهارة أو الصلاة أو الحج أو الطلاق أو الفرائض أو غير ذلك فإجماعهم حجة قاطعة . ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين . كالرافضي الذي يتعصب لعلى دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة . وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي رضي الله عنها . فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون ، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبى حنيفة أو أحمد أو غيرم . ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره فى العلم والدين ، وبقدر الآخرين ، فيكون جاهلا ظالماً، والله يأمر بالعلم والعدل ، وينهى عن الجهل والظلم. قال تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ ) إلى آخر السورة . وهذا أبو يوسف ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة وأعلمهم بقوله ، ٢٥٢ وهما قد خالفاه فى مسائل لا تكاد تحصى ، لما تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما اتباعه ، وهما مع ذلك معظمان لإمامهما . لا يقال فيهما مذبذبان ؛ بل أبو حنيفة وغيره من الأئمة يقول القول ثم تتبين له الحجة فى خلافه فيقول بها ، ولا يقال له مذبذب ؛ فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان . فإذا تبين له من العلم ما كان خافياً عليه اتبعه ، وليس هذا مذبذبا ؛ بل هذا مهتد زاده الله هدى . وقد قال تعالى : (وَقُل رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا) فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين ، وعلماء المؤمنين ، وأن يقصد الحق ويتبعه حيث وجده ، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد منهم فأخطأ فله أجر لاجتهاده ، وخطؤه مغفور له . وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل مايسوغ ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) وسواء رفع يديه أو لم يرفع يديه لا يقدح ذلك فى صلاتهم ، ولا يبطلها ، لا عند أبى حنيفة ولا الشافعي ولا مالك ولا أحمد. ولو رفع الإمام دون المأموم، أو المأموم دون الإمام لم يقدح ذلك فى صلاة واحد منها ، ولو رفع الرجل في بعض الأوقات دون بعض لم يقدح ذلك فى صلاته، وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعارا يوجب اتباعه ، وينهى عن غيره مما جاءت به السنة ؛ بل كل ما جاءت به السنة فهو واسع : مثل الأذان والإقامة . فقد ٢٥٣ ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه أمر بلالا أن يشفع الأذان ، ويوتر الإقامة)) . وثبت عنه فى الصحيحين (( أنه علم أبا محذورة الإقامة شفعاً شفعاً، كالأذان )) فمن شفع الإقامة فقد أحسن ومن أفردها فقد أحسن، ومن أوجب هذا دون هذا فهو مخطئ ضال ، ومن والى من يفعل هذا دون هذا بمجرد ذلك فهو مخطئ ضال . وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التنز عليها كثرة التفرق والفتن بينهم فى المذاهب وغيرها، حتى يجد المنتسب إلى الشافعي يتعصب لمذهبه على مذهب أبى حنيفة حتى يخرج عن الدين ، والمنتسب إلى أبى حنيفة يتعصب لمذهبه على مذهب الشافعي وغيره حتى يخرج عن الدين ، والمنتسب إلى أحمد يتعصب لمذهبه على مذهب هذا أو هذا . وفي المغرب بجد المنتسب إلى مالك يتعصب لمذهبه على هذا أو هذا . وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه . وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل ، المتبعين الظن ، وما تهوى الأنفس المتبعين لأهوائهم بغير هدى من الله ، مستحقون للذم والعقاب . وهذا باب واسع لا يحتمل هذه الفتيا بسطه ؛ فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين ، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية . فكيف يقدح فى الأصل بحفظ الفرع ، وجمهور المتعصبين لا يعرفون من الكتاب ٢٥٤ والسنة إلا ماشاء اللّه، بل يتمسكون بأحاديث ضعيفة، أو آراء فاسدة أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ قد تكون صدقا ، وقد تكون كذبا، وإن كانت صدقا فليس صاحبها معصوماً يتمسكون بنقل غير مصدق ، عن قائل غير معصوم ، ويدعون النقل المصدق عن القائل المعصوم وهو مانقله الثقات الأثبات من أهل العلم ودونوه في الكتب الصحاح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . فإن الناقلين لذلك مصدقون باتفاق أئمة الدين ، والمنقول عنه معصوم لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته واتباعه. قال تعالى: ( فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجَّامِّمًا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) وقال تعالى: (فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ ) . والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، والهدى والنية، والله أعلم. والحمد لله وحده . ٢٥٥ وسئل عن إمام شافعي يقول : الله أكبر ، يكرر التكبير مرات عديدة والناس وقوف خلفه . فأحاب الحمد لله. تكرير اللفظ بالنية، والتكبير ، والجهر بلفظ النية أيضاً منهى عنه عند الشافعي، وسائر أئمة الإسلام ، وفاعل ذلك مسيء . وإن اعتقد ذلك ديناً فقد خرج عن إجماع المسلمين ، ويجب نهيه عن ذلك، وإن عزل عن الإمامة إذا لم ينته كان له وجه ، فإن فى سنن أبى داود (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أحر بعزل إمام لأجل بزاقه فى القبلة)) فإن الإمام عليه أن يصلي ، كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي؛ ليس له أن يقتصر على ما يقتصر عليه المنفرد بل ينهى عن التطويل والتقصير ، فكيف إذا أصر على ما ينهى عنه الإمام والمأموم والمنفرد، والله أعلم. ٢٥٦ وسل عن رجل إذا صلى بالليل ينوي ، ويقول : أصلي نصيب الليل . فأجاب : هذه العبارة أصلي نصيب الليل ، لم تنقل عن سلف الأمة ، وأئمتها ، والمشروع أن ينوي الصلاة لله ، سواء كانت بالليل أو النهار : وليس عليه أن يتلفظ بالتية ، فإن تلفظ بها . وقال : أصلي الله صلاة الليل ، أو أصلي قيام الليل ، ونحو ذلك جاز ، ولم يستحب ذلك بل الاقتداء بالسنة أولى ، والله أعلم . وسئل عن رجل أدرك مع الجماعة ركعة ، فلما سلم الإمام قام ليتم صلاته فجاء آخر فصلى معه ، فهل يجوز الاقتداء بهذا المأموم ؟ فأجاب : أما الأول ففي صلاته قولان فى مذهب أحمد وغيره ؛ لكن الصحيح أن مثل هذا جائز، وهو قول أكثر العلماء ، إذا كان الإمام قد نوى الإمامة ، والمؤتم قد نوى الاتتمام . فإن نوى المأموم ٢٥٧ الائتمام ولم ينو الإمام الإمامة ، ففيه قولان : أحدهما : نصح ، كقول الشافعي ، ومالك وغيرهما ، وهو رواية عن أحمد . والثاني : لا تصح ، وهو المشهور عن أحمد ، وذلك أن ذلك الرجل كان مؤتماً فى أول الصلاة ، وصار منفرداً بعد سلام الإمام . فإذا انتم به ذلك الرجل صار المنفرد إماماً، كما صار النبي صلى الله عليه وسلم إماماً بابن عباس ، بعد أن كان منفرداً . وهذا يصح فى النفل كما جاء فى هذا الحديث ، كما هو منصوص عن أحمد وغيره من الأئمة ، وإن كان قد ذكر فى مذهبه قول بأنه لا يجوز ، وأما فى الفرض فنزاع مشهور ، والصحيح جواز ذلك في الفرض والنفل ، فإن الإمام التزم بالإمامة أكثر مما كان يلزمه فى حال الانفراد ، فليس بمصير المنفرد إماماً محذوراً أصلا ، بخلاف الأول ، والله أعلم . ٢٥٨ باب صفة الصلاة سئل رحمه الله: عن رجل مشى إلى صلاة الجمعة مستعجلا ، فأنكر ذلك عليه بعض الناس ، وقال : امش على رسلك . فرد ذلك الرجل وقال : قد قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) فما الصواب؟ فأجاب : ليس المراد بالسعي المأمور به العدو ، فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأنوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأنموا ــ وروى فاقضوا)). ولكن قال الأئمة: السعي في كتاب الله هو العمل والفعل، كما قال تعالى: (إِنَّسَعْيَّكُمْ ( وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ لَشَتَّى ) وقال تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) وقال تعالى : (إِنَّمَا جَزَّوْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. لِيُفْسِدَفِيهَا) وقال تعالى : ٢٥٩ (ثُمََّدْ بَرَ يَسْعَى) وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا) وقال عن فرعون وقد قرأ عمر بن الخطاب ( فامضوا إلى ذكر الله ) فالسعي المأمور به إلى الجمعة هو المضي إليها ، والذهاب إليها . ولفظ ((السعي )) فى الأصل اسم جنس ، ومن شأن أهل العرف إذا كان الاسم عاماً لنوعين، فإنهم يفردون أحد نوعيه باسم ، ويبقى الاسم العام مختصاً بالنوع الآخر، كما في لفظ ((ذوي الأرحام ، فإنه يعم جميع الأقارب ، من يرث بفرض وتعصيب ، ومن لا فرض له ولا تعصيب ، فلما ميز ذو الفرض والعصبة ، صار في عرف الفقهاء ذوو الأرحام مختصاً بمن لا فرض له ولا تعصيب . وكذلك لفظ ((الجائز)) يعم ما وجب ولزم من الأفعال والعقود وما لم يلزم ، فلما خص بعض الأعمال بالوجوب ، وبعض العقود باللزوم بقى اسم الجائز فى عرفهم مختصاً بالنوع الآخر . وكذلك اسم «الخمر ، هو عام لكل شراب ، لكن لما أفرد ما يصنع من غير العنب باسم النبيذ صار اسم الخمر فى العرف مختصاً بعصير العنب ، حتى ظن طائفة من العلماء أن اسم الخمر فى الكتاب والسنة مختص بذلك . وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بعمومه ، ونظائر هذا كثيرة . ٢٦٠