النص المفهرس
صفحات 221-240
والمقصود هنا : أن التلفظ بالنية لا يجب عند أحد من الأثمة : ولكن بعض المتأخرين خرج وجهاً فى مذهب الشافعي بوجوب ذلك ، وغلطه جماهير أصحاب الشافعي ، وكان غلطه أن الشافعي قال : لابد من النطق فى أولها ، فظن هذا الغالط أن الشافعي أراد النطق بالنية . فغلطه أصحاب الشافعي جميعهم ، وقالوا : إنما أراد النطق بالتكبير ، لا بالنية. ولكن التلفظ بها هل هو مستحب ؟ أم لا ؟ هذا فيه قولان معروفان للفقهاء . منهم من استحب التلفظ بها ، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبى حنيفة والشافعي وأحمد ، وقالوا : التلفظ بها أوكد ، واستحبوا التلفظ بها فى الصلاة والصيام والحج ، وغير ذلك . ومنهم من لم يستحب التلفظ بها ، كما قال ذلك من قاله من أصحاب مالك ، وأحمد ، وغيرهما. وهذا هو المنصوص عن مالك، وأحمد ، سئل تقول قبل التكبير شيئاً ؟ قال : لا . وهذا هو الصواب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول قبل التكبير شيئاً ، ولم يكن يتلفظ بالنية ، لا فى الطهارة ، ولا فى الصلاة ، ولا فى الصيام ، ولا فى الحج . ولا غيرها من العبادات ، ولا خلفاؤه، ولا أمر أحداً أن يتلفظ بالنية بل قال لمن علمه الصلاة : كبر ؛ كما في ٢٢١ الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين)) ولم يتلفظ قبل التكبير بنية، ولا غيرها ، ولا علم ذلك أحداً من المسلمين . ولو كان ذلك مستحباً لفعله النبى صلى الله عليه وسلم ولعظمه المسلمون . وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية، وشرع للمسلمين أن يلبوا فى أول الحج، وقال - صلى الله عليه وسلم - لضباعة بنت الزبير: (( حجي واشترطي ، فقولي: لبيك اللهم لبيك ، ومحلى حيث حبستنى )) فأمرها أن تشترط بعد التلبية . ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئاً . لا يقول : اللهم إني أريد العمرة والحج ، ولا الحج والعمرة ، ولا يقول : فيسره لي وتقبله منى، ولا يقول : نويتهما جميعاً ، ولا يقول: أحرمت لله، ولا غير ذلك من العبادات كلها . ولا يقول قبل التلبية شيئاً ، بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة . وكان هو وأصحابه يقولون : فلان أهل بالحج ، أهل بالعمرة ؛ أو أهل بها جميعاً. كما يقال كبر للصلاة ، والإهلال رفع الصوت بالتلبية وكان يقول فى تلبيته: ((لبيك حجاً وعمرة)) بنوي ما يريد [ أن ] ٢٢٢ يفعله بعد التلبية ؛ لا قبلها . وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل التكبير ، وقبل التلبية ، وفي الطهارة ، وسائر العبادات فهي من البدع التى لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل ما يحدث في العبادات المشروعة من الزيادات التى لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي بدعة بل كان صلى الله عليه وسلم بداوم في العبادات على تركها ، ففعلها والمداومة عليها بدعة وضلالة من وجهين : من حيث اعتقاد المعتقد أن ذلك مشروع مستحب ، أي يكون فعله خيرا من تركه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعله ألبتة، فيبقى حقيقة هذا القول، أن ما فعلناه أكمل وافضل مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات ، فقال: (( أخاف عليك الفتنة ، فقال له السائل : أي فتنة فى ذلك ؟ وإنما زيادة أميال فى طاعة الله عز وجل . قال : وأي فتنة أعظم من أن تظن فى نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم )) . وقد ثبت فى الصحيحين أنه قال: ((من رغب عن سنتي فليس منى )) فأي من ظن أن سنة أفضل من سنتى ، فرغب عما سننته معتقداً ٢٢٣ ; أن مارغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس منى ؛ لأن خير الكلام كلام اللّه، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، كما فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب بذلك يوم الجمعة . فمن قال : إن هدي غير محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من هدي محمد فهو مفتون ؛ بل ضال قال الله تعالى - إجلالا له وشيتا لحجته على الناس كافة - (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْيِّ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ) أي: وجيع . وهو صلى الله عليه وسلم قد أمر المسلمين باتباعه، وأن يعتقدوا وجوب ما أوجبه ، واستحباب ما أحبه . وأنه لا أفضل من ذلك. فمن لم يعتقد هذا فقد عصى أمره، وفى صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((هلك المتنطعون - قالها ثلاثاً -)) أي المشددون في غير موضع التشديد ، وقال أبى بن كعب ، وابن مسعود ، اقتصاد فى سنة خير من اجتهاد فى بدعة . ولا يحتج محتج بجمع التراويح، ويقول: ((نعمت البدعة هذه)) فإنها بدعة فى اللغة ، لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذه، وهي سنة من الشريعة. وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وتمصير الأمصار كالكوفة ٢٢٤ والبصرة ، وجمع القرآن فى مصحف واحد ، وفرض الديوان ، وغير ذلك . فقيام رمضان سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وصلى بهم جماعة عدة ليال، وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون جماعة وفرادى ، لكن لم يداوم على جماعة واحدة لئلا يفترض عليهم ، فلما مات صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة . فلما كان عمر - رضي الله عنه - جمعهم على إمام واحد، والذي جمعهم أبى بن كعب ، جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - وعمر هو من الخلفاء الراشدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)) يعنى الأضراس ؛ لأنها أعظم فى القوة . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أنه قال: ((صلاة السفر ركعتان، فمن خالف السنة كفر )) فأي من اعتقد أن الركعتين فى السفر لا تجزئ المسافر كفر . والوجه الثاني : من حيث المداومة على خلاف ما داوم عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فى العبادات؛ فإن هذا بدعة باتفاق الأئمة، وإن ظن الظان أن في زيادته خيراً كما أحدثه بعض المتقدمين من الأذان والإقامة فى العيدين، فنهوا عن ذلك، وكرهه أئمة المسلمين ، كما ٢٢٥ : : لو صلى عقيب السعي ركعتين قياساً على ركعتى الطواف ، وقد استحب ذلك بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي . واستحب بعض المتأخرين من أصحاب أحمد للحاج إذا دخل المسجد الحرام أن يستفتح بتحية المسجد ، فخالفوا الأئمة والسنة ، وإنما السنة أن يستفتح المحرم بالطواف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد ؛ بخلاف المقيم الذي يريد الصلاة فيه دون الطواف ، فهذا إذا صلى تحية المسجد حسن . وفى الجملة: فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد أكمل الله له ولأمته الدين ، وأتم به صلى الله عليه وسلم عليهم النعمة ، فمن جعل عملا واجباً لم يوجبه الله ورسوله أو [مكروها]١ لم يكرهه الله ورسوله ، فهو غالط. فإجماع أئمة الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ، ومن خرج عن هذا وهذا فقد دخل فى حرب من الله ، فمن شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وحرم ما لم يحرم الله ورسوله ، فهو من دين أهل الجاهلية ، المخالفين لرسوله، الذين ذمهم الله فى سورة الأنعام ، والأعراف وغيرهما من السور ، حيث شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. فرموا ما لم يحرمه الله، وأحلوا ما حرمه الله، فذمهم الله وعابهم على ذلك. فلهذا كان دين المؤمنين بالله ورسوله، أن الأحكام الخمسة : الإيجاب (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٢٦ والاستحباب، والتحليل، والكراهية، والتحريم ، لا يؤخذ إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله . فمن ذلك ما اتفق عليه أئمة الدين ، ومنه ما تنازعوا فيه ، فردوه إلى الله ورسوله، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْفَإِنِ تَعْهُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى لَهِ وَالَّسُولِ إِنَ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ. ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). فمن تكلم بجهل ، وبما يخالف الأمة ، فإنه ينهى عن ذلك ، ويؤدب على الإصرار ، كما يفعل بأمثاله من الجمال ، ولا يقتدى في خلاف الشريعة بأحد من أئمة الضلالة ، وإن كان مشهوراً عنه العلم. كما قال بعض السلف : لا تنظر إلى عمل الفقيه ، ولكن سله يصدقك والله أعلم . والحمد لله . وسل ... عمن يخرج من بيته ناوياً الطهارة ، أو الصلاة . هل يحتاج إلى تجديد نية غير هذه عند فعل الطهارة أو الصلاة ؟ أولا ؟ وهل التلفظ : ٢٢٧ بالنية سنة أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين ، سئل الإمام أحمد عن رجل يخرج من بيته للصلاة ، هل ينوي حين الصلاة ؟ فقال : قد نوى حين خرج ولهذا قال أكبر أصحابه - كالخرقي وغيره - يجزئه تقديم النية على التكبير من حين يدخل وقت الصلاة ، وإذا كان مستحضراً للنية إلى حين الصلاة أجزا ذلك ، باتفاق العلماء . فإن النية لا يجب التلفظ بها باتفاق العلماء. ومعلوم فى العادة أن من كبر فى الصلاة لا بد أن يقصد الصلاة وإذا علم أنه يصلي الظهر نوى الظهر ، فمتى علم ما يريد فعله نواه بالضرورة ، ولكن إذا لم يعلم أو نسي شذت عنه النية ، وهذا نادر، والتلفظ بالنية فى استحبابه قولان في مذهب أحمد وغيره . والمنصوص عنه أنه لا يستحب التلفظ بالنية . قال أبو داود قلت لأحمد : يقول المصلي قبل التكبير شيئاً ؟ قال : لا . وسئل هل يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير ؟ والمسئول أن يوضح لنا كيفية مقارنتها للتكبير . كما ذكر الشافعي أنه لا تصح الصلاة إلا ٢٢٨ بمقارنتها التكبير . وهذا يعسر . فأجاب : أما مقارنتها التكبير ، فللعلماء فيه قولان مشهوران : أحدهما : لا يجب (١) والمقارنة المشروطة : قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية ، وهذا ممكن لا صعوبة فيه ، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا ، وهذا أمر ضروري ، لو كلفوا تركه لعجزوا عنه . وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير ، بحيث يكون أولها مع أوله، وآخرها مع آخره. وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة ، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة. وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير ، وهذا تنازعوا فى إمكانه . فمن العلماء من قال : إن هذا غير ممكن ، ولا مقدور للبشر عليه ، فضلا عن وجوبه ، ولو قيل بإمكانه ، فهو متعسمر ، فيسقط بالخرج . (١) بياض في الأصل. ٢٢٩ وأيضاً فما يبطل هذا والذي قبله ، أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره ، فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير ، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية ؛ ولأن النية من الشروط ، والشروط تتقدم العبادات ، ويستمر حكمها إلى آخرها ، كالطهارة ، والله أعلم . وسئل عن ((النية)) في الدخول في العبادات من الصلاة ، وغيرها. هل تفتقر إلى نطق اللسان ، مثل قول القائل : نويت أصوم ، نويت أصلي هل هو واجب أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. نية الطهارة من وضوء أو غسل أو تيمم، والصلاة والصيام والحج والزكاة والكفارات ، وغير ذلك من العبادات لا تفتقر إلى نطق اللسان ، باتفاق أئمة الإسلام . بل النية محلها القلب دون اللسان باتفاقهم ، فلو لفظ بلسانه غلطاً بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى ، لا بما لفظ، ولم يذكر أحد فى ذلك خلافا إلا أن بعض متأخرى أصحاب الشافعي - رحمه الله - خرج وجهاً فى ذلك ، وغلطه فيه أئمة أصحابه . وكان سبب غلطه أن الشافعي قال : إن الصلاة لابد من النطق ٢٣٠ في أولها . وأراد الشافعي بذلك : التكبير الواجب فى أولها ، فظن هذا الغالط أن الشافعي أراد النطق بالنية ، فغلطه أصحاب الشافعي جميعهم . ولكن تنازع العلماء : هل يستحب التلفظ بالنية سراً أم لا ؟ هذا فيه قولان معروفان للفقهاء . فقال طائفة من أصحاب أبى حنيفة والشافعي وأحمد : يستحب التلفظ بها ؛ لكونه أوكد ؛ وقالت طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما : لا يستحب التلفظ بها ؛ لأن ذلك بدعة لم تنقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاعن أصحابه ، ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من أمته أن يتلفظ بالنية ، ولا علّم ذلك أحداً من المسلمين ولو كان هذا مشهوراً مشروعا لم يهمله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة . وهذا القول أصح الأقوال . بل التلفظ بالنية نقص فى العقل والدين . أما فى الدين فلأنه بدعة . وأما في العقل فلأنه بمنزلة من يريد [أن](١) بأكل طعاماً فيقول: نويت بوضع يدي في هذا الإناء أني أريد [أن](٢) آخذ منه لقمة فأضعها فى في فأمضفها ثم أبلعها لأشبح مثل القائل الذي يقول : نويت أصلي فريضة هذه الصلاة المفروضة علي (١) (٢) أضيفتا حسب مفهوم السياق ٢٣١ حاضر الوقت ، أربع ركعات فى جماعة ، أداء لله تعالى . فهذا كله حمق وجهل ، وذلك أن النية بلاغ العلم فمتى علم العبد ما يفعله كان قد نواه ضرورة ، فلا يتصور مع وجود العلم بالعقل أن يفعل بلانية ؛ ولا يمكن مع عدم العلم أن تحصل نية . وقد اتفق الأئمة على أن الجهر بالنية وتكريرها ليس بمشروع ، بل من اعتاد ذلك فإنه ينبغي له أن يؤدب تأديباً يمنعه عن ذلك التعبد بالبدع، وإيذاء الناس برفع صوته؛ لأنه قد جاء الحديث: (( أيها الناس كلكم يناجي ربه، فلا يجهرن بعضكم على بعض بالقراءة » فكيف حال من يشوش على الناس بكلامه بغير قراءة ؟ بل يقول : نويت أصلي ، أصلي فريضة كذا وكذا ، فى وقت كذا وكذا ، من الأفعال التى لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسئل رحم الله عن رجل قيل له : لا يجوز الجهر بالنية في الصلاة ولا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: صحيح أنه ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أمر به ، لكن ما نهى عنه ، ولا تبطل صلاة من جهر بها . ثم إنه قال : لنا بدعة حسنة، وبدعة سيئة، واحتج بالتراويح: ٢٣٢ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جمعها، ولا نهى عنها. وأن عمر الذي جمع الناس عليها ، وأمر بها . فهل هو كما قال ؟ وهل تسمى سنن الخلفاء الراشدين بدعة؟ وهل [يقاس] على سننهم ما سنه غيرم فهل لها أصل فيما يقوله ، ويفعله ؟ وقوله : ولا تبطل صلاة من جهر بالنية فى الصلاة ، وغيرها . فهل بأثم ، المنكر عليه أم لا ؟ ؟ فأجاب: الحمد لله: الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة، ليس من البدع الحسنة ، وهذا متفق عليه بين المسلمين ، لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ، ولا هو بدعة حسنة ، فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأئمة الأربعة ، وغيرهم. وقائل هذا يستتاب ، فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه . وإنما تنازع الناس فى نفس التلفظ بها سراً. هل يستحب أم لا؟ على قولين ، والصواب أنه لا يستحب التلفظ بها ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بها لا سراً ولا جهراً؛ والعبادات التى شرعها النبى صلى الله عليه وسلم لأمته ليس لأحد تغييرها ، ولا إحداث بدعة فيها . وليس لأحد أن يقول : إن مثل هذا من البدع الحسنة ، مثل ما أحدث بعض الناس الأذان فى العيدين ، والذي أحدثه مروان بن ٢٣٣ الحكم ، فأنكر الصحابة والتابعون لهم بإحسان ذلك . هذا وإن كان الأذان ذكر الله؛ لأنه ليس من السنة ، وكذلك لما أحدث الناس اجتماعا راتباً غير الشرعى : مثل الاجتماع على صلاة معينة ، أول رجب أو أول ليلة جمعة فيه ، وليلة النصف من شعبان ، فأنكر ذلك علماء المسلمين. ولو أحدث ناس صلاة سادسة يجتمعون عليها غير الصلوات الخمس لأنكر ذلك عليهم المسلمون ، وأخذوا على أيديهم . وأما ((قيام رمضان)) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنه لأمته ، وصلى بهم جماعة عدة ليال ، وكانوا على عهده بصلون جماعة ، وفرادى ، لكن لم يداوموا على جماعة واحدة ، لئلا تفرض عليهم . فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة، فلما كان عمر - رضي الله عنه - جمعهم على إمام واحد، وهو أبي بن كعب الذي جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . وعمر - رضي الله عنه - هو من الخلفاء الراشدين ، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى . عضوا عليها بالنواجذ ، يعنى الأضراس ؛ لأنها أعظم في القوة . وهذا الذي فعله هو سنة ؛ لكنه قال نعمت البدعة هذه ، فإنها ٢٣٤ بدعة في اللغة ، لكونهم فعلوا ما لم يكونوا يفعلونه فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يغنى من الاجتماع على مثل هذه ، وهي سنة من الشريعة . وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وهي الحجاز واليمن واليمامة ، وكل البلاد الذي لم يبلغه ملك فارس والروم من جزيرة العرب ، ومصر الأمصار : كالكوفة والبصرة ، وجمع القرآن فى مصحف واحد، وفرض الديوان ، والأذان الأول يوم الجمعة ، واستنابة من بصلي بالناس يوم العيد خارج المصر ، ونحو ذلك مما سنه الخلفاء الراشدون؛ لأنهم سنوه بأمر الله ورسوله، فهو سنة. وإن كان في اللغة بسمى بدعة . وأما الجهر بالنية ، وتكريرها ، فبدعة سيئة ليست مستحبة باتفاق المسلمين ؛ لأنها لم يكن يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون . وسل عن رجل إذا صلى بشوش على الصفوف التى حواليه بالجهر بالنية وأنكروا عليه مرة ولم يرجع ، وقال له إنسان : هذا الذي تفعله ما هو ٢٣٥ من دين الله ، وأنت مخالف فيه السنة . فقال : هذا دين الله الذي بعث به رسله، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا، وكذلك تلاوة القرآن يجهر بها خلف الإمام . فهل هكذا كان يفعل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم؟ أو أحد من الصحابة؟ أو أحد من الأئمة الأربعة؟ أو من علماء المسلمين ، فإذا كان لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء يعملون هذا في الصلاة ، فماذا يجب على من ينسب هذا إليهم وهو يعمله؟ فهل يحل للمسلم أن يعينه بكلمة واحدة إذا عمل هذا ونسبه إلى أنه من الدين ، ويقول للمنكرين عليه كل يعمل في دينه ما يشتهي ؟ وإنكاركم على جهل ، وهل م مصييون فى ذلك أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله، الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين ، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه ، وسلف الأمة وأئمتها ، ومن ادعى أن ذلك دين الله، وأنه واجب ، فإنه يجب تعريفه الشريعة، واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل ، بل النية الواجبة في العبادات كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين . و ((النية)) هي القصد والإرادة، والقصد والإرادة محلهما القلب دون اللسان باتفاق العقلاء. فلو نوى بقلبه صحت نيته عند الأئمة الأربعة ، ٢٣٦ وسائر أئمة المسلمين من الأولين والآخرين ، وليس فى ذلك خلاف عند من يقتدى به ، وبفتى بقوله، ولكن بعض المتأخرين من أتباع الآثمة زعم أن اللفظ بالنية واجب . ولم يقل إن الجهر بها واجب ، ومع هذا فهذا القول خطأ صريح مخالف لإجماع المسلمين ، ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام عند من يعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه ، وكيف كان يصلى الصحابة والتابعون ، فإن كل من يعلم ذلك يعلم أنهم لم يكونوا يتلفظون بالنية ، ولا أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بذلك ، ولا علمه لأحد من الصحابة ، بل قد ثبت فى الصحيحين وغيرهما أنه قال للأعرابى المسىء فى صلاته ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)). وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم » وفي صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين)). وقد ثبت بالنقل المتواتر وإجماع المسلمين أن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يفتتحون الصلاة بالتكبير . ولم ينقل مسلم لا عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من الصحابة أنه قد تلفظ قبل التكبير بلفظ النية ، لا سراً ولا جهراً ولا أنه أمر بذلك . ومن المعلوم أن الهمم والدواعى متوفرة على نقل ٢٣٧ ذلك ، لو كان ذلك ، وأنه يمتنع على أهل التواتر عادة وشرعا كتمان نقل ذلك ، فإذا لم ينقله أحد علم قطعاً أنه لم يكن . ولهذا يتنازع الفقهاء المتأخرون في اللفظ بالنية : هل هو مستحب مع النية التى فى القلب ؟ فاستحبه طائفة من أصحاب أبى حنيفة ، والشافعي ، وأحمد . قالوا لأنه أوكد ، وأتم تحقيقاً للنية ، ولم يستحبه طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهما، وهو المنصوص عن أحمد وغيره ، بل رأوا أنه بدعة مكروهة . قالوا : لو أنه كان مستحباً لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الأمر به ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قد بين كل ما يقرب إلى الله ، لا سيما الصلاة التى لا تؤخذ صفتها إلا عنه، وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي». قال هؤلاء فزيادة هذا وأمثاله في صفة الصلاة بمنزلة سائر الزيادات المحدثة فى العبادات ، كمن زاد فى العيدين الأذان والإقامة، ومن زاد في السعي صلاة ركعتين على المروة ، وأمثال ذلك . قالوا : وأيضاً فإن التلفظ بالنية فاسد في العقل ؛ فإن قول القائل أنوي أن أفعل كذا وكذا ، بمنزلة قوله أنوي آكل هذا الطعام ٢٣٨ لأشبع ، وأنوي ألبس هذا الثوب لأستتر ، وأمثال ذلك من النيات الموجودة في القلب التى يستقبح النطق بها ، وقد قال الله تعالى : ( أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ ). وقال طائفة من السلف فى قوله: (إِنَّا تُطِعِمُّكُوْلِوَجْهِاللَّهِ ) قالوا : لم يقولوه بألسنتهم ، وإنما علمه الله من قلوبهم ، فأخبر به عنهم . وبالجملة: فلا بد من النية فى القلب بلا نزاع . وأما التلفظ بها سراً فهل يكره أو يستحب ؟ فيه نزاع بين المتأخرين . وأما الجهر بها فهو مكروه منهى عنه ، غير مشروع باتفاق المسلمين. وكذلك تكريرها أشد وأشد . وسواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد ، فكل هؤلاء لا يشرع لأحد منهم أن يجهر بلفظ النية ، ولا يكررها باتفاق المسلمين ؛ بل ينهون عن ذلك ، بل جهر المنفرد بالقراءة إذا كان فيه أذى لغيره لم بشرع، كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يصلون فقال: ((أيها الناس كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة )). وأما المأموم فالسنة له المخافتة باتفاق المسلمين ، لكن إذا جهر أحياناً ٢٣٩ بشيء من الذكر فلا بأس ، كالإمام إذا أسمعهم أحياناً الآية فى صلاة السر، فقد ثبت في الصحيح عن أبى قتادة (( أنه أخبر عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه كان فى صلاة الظهر والعصر يسمعهم الآية أحياناً)) وثبت فى الصحيح أن من الصحابة المأمومين من جهر بدعاء حين افتاح الصلاة ، وعند رفع رأسه من الركوع، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ومن أصر على فعل شيء من البدع وتحسينها فإنه ينبغي أن يعزر تعزيراً يردعه ، وأمثاله عن مثل ذلك . ومن نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الباطل خطأ . فإنه يعرف ، فإن لم ينته عوقب ، ولا يحل لأحد أن يتكلم فى الدين بلا علم ولا يعين من تكلم فى الدين بلا علم ، أو أدخل في الدين ما ليس منه. وأما قول القائل : كل يعمل فى دينه الذي يشتهي . فهي كلمة عظيمة يجب أن يستتاب منها ، وإلا عوقب ؛ بل الإصرار على مثل هذه الكلمة يوجب القتل ؛ فليس لأحد أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله ، دون ما يشتهيه ويهواه ، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ الَّهِ) وقال تعالى: (وَإِنَّكَثِيرَ الَُّضِلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) (وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) وقال: (وَلَا تَتَّبِعُوَأْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ) وقال تعالى: (أَرَءَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ,هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ ٢٤٠