النص المفهرس

صفحات 201-220

وسئل
عن السواك وتسريح اللحية فى المسجد: هل هو جازْ أم لا ؟
فأجاب : أما السواك فى المسجد فما علمت أحداً من العلماء كرهه
بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد ، ويجوز
أن يبصق الرجل فى ثيابه فى المسجد ، ويمتخط فى ثيابه ، باتفاق الأئمة
وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، بل يجوز التوضؤ فى
المسجد بلاكراهة عند جمهور العلماء . فإذا جاز الوضوء فيه ، مع أن
الوضوء يكون فيه السواك ، وتجوز الصلاة فيه ، والصلاة يستاك عندها
فكيف يكره السواك ؟! وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه ، فكيف
بكره السواك .
وأما التسريح : فإنما كرهه بعض الناس بناء على أن شعر الإنسان
المنفصل مجس ، ويمنع أن يكون فى المسجد شيء نجس ، أو بناء على
أنه كالقذاة . وجمهور العلماء على أن شعر الإنسان المنفصل عنه طاهر ،
كمذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد فى ظاهر مذهبه ، وأحد
الوجهين في مذهب الشافعي ، وهو الصحيح ، فإن النبي صلى الله
٢٠١

عليه وسلم حلق رأسه ، وأعطى نصفه لأبي طلحة ، ونصفه قسمه
بين الناس .
و (باب الطهارة والنجاسة ) يشارك النبى صلى الله عليه وسلم فيه
أمته ؛ بل الأصل أنه أسوة لهم فى جميع الأحكام ، إلا ما قام فيه
دليل يوجب اختصاصه به
وأيضاً الصحيح الذي عليه الجمهور أن شعور الميتة طاهرة . بل
في أحد قولي العلماء ، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد في إحدى
الروايتين أن جميع الشعور طاهرة حتى شعر الخنزير ، وعلى القولين
إذا سرح شعره وجمع الشعر فلم يترك فى المسجد فلا بأس بذلك .
وأما ترك شعره فى المسجد، فهذا يكره، وإن لم يكن نجساً، فإن
المسجد يصان حتى عن القذاة ، التى تقع فى العين . والله أعلم .
وسئل رحمه الله
عن الضحايا : هل يجوز ذبحها فى المسجد ؟ وهل تغسل الموتى ،
وتدفن الأجنة فيها ؟ وهل يجوز تغيير وقفها من غير منفعة تعود عليها ؟
وهل يجوز الاستنجاء فى المسجد ، والغسل ؟ وإذا لم يجز ، فما جزاء
٢٠٢

من يفعله ، ولا يأتمر بأمر الله ؟ ولا ينتهي عما نهى عنه ؟ وإن أفتاه
عالم سبه. وهل يجب على ولي الأمر زجره ومنعه، وإعادة الوقف
إلى ما كان عليه ؟
فأجاب : لا يجوز أن يذبح فى المسجد : لا ضحايا ولا غيرها،
كيف والجزرة المعدة للذبح قدكره الصلاة فيها ، إما كراهية تحريم ،
وإما كراهية تنزيه ؛ فكيف يجعل المسجد مشابهاً للمجزرة ، وفى ذلك
من تلويث الدم للمسجد ما يجب تنزيهه .
وكذلك لا يجوز أن يدفن في المسجد ميت : لا صغير ، ولا كبير
ولا جنين ، ولا غيره . فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر .
وأما تغيير الوقف لغير مصلحة ؛ فلا يجوز ، ولا يجوز الاستنجاء فيها .
وأما الوضوء ففي كراهته فى المسجد نزاع بين العلماء ، والأرجح
أنه لا يكره إلا أن يحصل معه امتخاط أو بصاق فى المسجد ، فإن
البصاق فى المسجد خطيئة ، وكفارتها دقتها ، فكيف بالمخاط .
ومن لم يأتمر بما أمره الله به ، وينته عما نهى الله عنه ؛ بل يرد
على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، فإنه يعاقب العقوبة
الشرعية التى توجب له ولأمثاله أداء الواجبات ، وترك المحرمات .
٢٠٣

ولا تغسل الموتى فى المسجد ، وإذا أحدث فى المسجد ما يضر
بالمصلين أزيل ما يضرهم ، وعمل بما يصلحهم ، إما إعادته إلى الصفة
الأولى، أو أصلح. والله أعلم .
وسئل
عمن يعلم الصبيان فى المسجد : هل يجوز له البيات فى المسجد؟
فأجاب : الحمد لله . يصان المسجد عما يؤذيه ، ويؤذي المصلين
فيه ، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه ، وكذلك توسيخهم لحصره،
ونحو ذلك . لا سيما إن كان وقت الصلاة ، فإن ذلك من
عظيم المنكرات .
وأما المبيت فيه : فإن كان لحاجة كالغريب الذي لا أهل له ،
والغريب الفقير الذي لا بيت له ، ونحو ذلك ، إذا كان يبيت فيه
بقدر الحاجة ، ثم ينتقل فلا بأس ، وأما من اتخذه مبيتاً ومقيلا ،
فلا يجوز ذلك .
٢٠٤

وسئل رحمه اللّه
عن مسجد يقرأ فيه القرآن والتلقين بكرة وعشية ، ثم على باب
المسجد شهود يكثرون الكلام ، ويقع التشويش على القراء ، فهل
يجوز ذلك . أم لا؟
فأجاب : الحمد لله. ليس لأحد أن يؤذي أهل المسجد : أهل
الصلاة ، أو القراءة ، أو الذكر ، أو الدعاء ، ونحو ذلك مما بنيت
المساجد له ، فليس لأحد أن يفعل فى المسجد ، ولا على بابه أو قريبا منه
ما يشوش على هؤلاء . بل قد خرج النبى صلى الله عليه وسلم على
أصحابه وهم يصلون، ويجهرون بالقراءة. فقال: ((أيها الناس! كلكم
يناجي ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض فى القراءة)). فإذا كان قد
نهى المصلي أن يجهر على المصلي، فكيف بغيره ؟ ! ومن فعل
ما يشوش به على أهل المسجد ، أو فعل ما يفضى إلى ذلك ، منع من
ذلك ، والله أعلم.
٢٠٥

وسئل
عن السؤال في الجامع : هل هو حلال ؟ أم حرام ؟ أو مكروه ؟
وأن تركه أوجب من فعله ؟ .
فأجاب: الحمد لله، أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد ،
إلا لضرورة ، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد، ولم يؤذ أحداً
بتخطيه رقاب الناس ، ولا غير تخطيه ، ولم يكذب فيما يرويه ، ويذكر
من حاله ، ولم يجهر جهراً يضر الناس ، مثل أن يسأل والخطيب
يخطب ، أو وهم يسمعون علما يشغلهم به، ونحو ذلك جاز ، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
ـصل
في ((استقبال القبلة)) وأنه لا نزاع بين العلماء في الواجب من ذلك
وأن النزاع بين القائلين بالجهة والعين لا حقيقة له ، قال الله تعالى :
٢٠٦

(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ
إلى قوله
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْوُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )
( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجُهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَاكُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
وشطره : نحوه ، وتلقاؤه ، كما قال :
(
شَطْرَهُ
أقيمى أم
صدور العيس شطر بني تميم
زنباع أقيمي
ء
وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَمُوَلِيهَا) و ((الوجهة)) هي الجهة، كما
وقال : (
فى عدة، وزنة . أصلها: وعدة، ووزنة . فالقبلة هي التى نستقبل .
والوجهة هي التى يوليها .
وهو سبحانه أمره بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، و((المسجد
الحرام )) هو الحرم كله، كما فى قوله: (فَلَ يَقْرَبُواْالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ
عَامِهِمْ هَذَا) وليس ذلك مختصاً بالكعبة، وهذا يحقق الأثر المروي:
( الكعبة قبلة المسجد، والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم
قبلة الأرض)) وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه صلى فى قبلى الكعبة ركعتين، وقال: ((هذه القبلة)). وثبت عنه
فى الصحيحين أنه قال: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول؛ ولا
تستدبروها؛ ولكن شرقوا، أو غربوا)) فهى عن استقبال القبلة بغائط
أو بول وآخر باستقبالها فى الصلاة ، فالقبلة التى نهى عن استقبالها
٢٠٧

واستدبارها بالغائط والبول هي القبلة التى أمر المصلى باستقبالها
فى الصلاة .
وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) قال
الترمذي حديث صحيح . وهكذا قال غير واحد من الصحابة : مثل
عمر ، وعثمان، وعلى بن أبى طالب ، وابن عباس ، وابن عمر ،
وغيرهم . ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك نزاع؛ وهكذا نص
عليه أئمة المذاهب المتبوعة ، وكلامهم في ذلك معروف . وقد حكى متأخرو
الفقهاء في ذلك قولين في مذهب أحمد وغيره .
وقد تأملت نصوص أحمد فى هذا الباب فوجدتها متفقة لا اختلاف
فيها ، وكذلك يذكر الاختلاف فى مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي
وهو عند التحقيق ليس بخلاف ؛ بل من قال : يجتهد أن يصلي إلى
عين الكعبة ، أو فرضه استقبال عين الكعبة بحسب اجتهاده فقد
أصاب . ومن قال: يجتهد أن يصلي إلى جهة الكعبة أو فرضه
استقبال القبلة فقد أصاب . وذلك أنهم متفقون على أن من شاهد
الكعبة فإنه يصلي إليها . ومتفقون على أنه كلما قرب المصلون إليها كان
صفهم أقصر من البعيدين عنها . وهذا شأن كل ما يستقبل .
فالصف القريب منها لا يزيد طوله على قدر الكعبة . ولو زاد
٢٠٨

لكان الزائد مصلياً إلى غير الكعبة . والصف الذي خلفه يكون أطول
منه وهلم جرا . فإذا كانت الصفوف تحت سقائف المسجد كانت منحنية
بقدر ما يستقبلون الكعبة وهم يصلون إليها ، وإلى جهتها أيضاً ، فإذا
بعد الناس عنها كانوا مصلين إلى جهتها ، وهم مصلون إليها أيضاً ، ولو
كان الصف طويلا يزيد طوله على قدر الكعبة محت صلاتهم باتفاق
المسلمين ، وإن كان الصف مستقيماً حيث لم يشاهدوها . ومن المعلوم
أنه لو سار من الصفوف على خط مستقيم إليها لكان ما يزيد على
قدرها خارجاً عن مسافتها .
فن توم أن الفرض أن يقصد المصلي الصلاة فى مكان لو سار
على خط مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد أخطأ . ومن فسر
وجوب الصلاة إلى العين بهذا وأوجب هذا فقد أخطأ ، وإن كان
هذا قد قاله قائل من المجتهدين فهذا القول خطأ يخالف نص الكتاب
والسنة وإجماع السلف ؛ بل وإجماع الأمة . فإن الأمة متفقة على صحة
صلاة الصف المستطيل الذي يزيد طوله على سمت الكعبة بأضعاف
مضاعفة وإن كان الصف مستقيماً لا انحناء فيه ولا تقوس .
فإن قيل: مع البعد لا يحتاج إلى الانحناء والتقوس كما يحتاج إليه
فى القرب ، كما أن الناس إذا استقبلوا الهلال أو الشمس أو جبلا من
الجيال فإنهم يستقبلونه مع كثرتهم وتفرقهم ، ولو كان قريباً لم يستقبلوه
٢٠٩

إلا مع القلة والاجتماع ، قيل : لا ريب أنه ليس الانحناء والتقوس في
البعد بقدر الانحناء والتقوس في القرب ؛ بل كلما زاد البعد قل الانحناء،
وكلما قرب كثر الانحناء ، حتى يكون أعظم الناس انحناء وتقوساً
الصف الذي يلي الكعبة ، ولكن مع هذا فلا بد من النقوس والانحناء
في البعد إذا كان المقصود أن يكون بينه وبينها خط مستقيم بحيث لو
مشى إليه لوصل إليها ؛ لكن يكون التقوس شيئاً يسيراً جداً ، كما قيل
إنه إذا قدر الصف ميلا وهو مثلا فى الشام كان الانحناء من كل
واحد بقدر شعيرة ؛ فإن هذا ذكره بعض من نص [على] وجوب استقبال
(١)
العين، وقال : إن مثل هذا التقوس اليسير يعفى عنه .
فيقال له : فهذا معنى قولنا : إن الواجب استقبال الجهة ،
وهو العفو عن وجوب تحري مثل هذا النقوس والانحناء ، فصار
النزاع لفظياً لا حقيقة له . فالمقصود أن من صلى إلى جهتها فهو مصل
إلى عينها وإن كان ليس عليه أن يتحرى مثل هذا . ولا يقال لمن
صلى كذلك أنه مخطئ فى الباطن معفو عنه؛ بل هذا مستقبل القبلة
باطناً وظاهراً وهذا هو الذي أمر به ؛ ولهذا لما بى أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم مساجد الأمصار كان فى بعضها ما لو خرج
منه خط مستقيم إلى الكعبة لكان منحرفا وكانت صلاة المسلمين فيه
جائزة باتفاق المسلمين .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٢١٠

وبهذا يظهر حقيقة قول من قال: إن من قرب منها أو من مسجد
النبى صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا على خط مستقيم لأنه لا يقر على
خطأ . فيقال: هؤلاء اعتقدوا أن مثل هذه القبلة تكون خطأ وإنما تكون
خطأ لو كان الفرض أن يتحرى استقبال خط مستقيم بين وسط
أنفه وبينها ؛ وليس الأمر كذلك، بل قد تقدم نصوص الكتاب
والسنة بخلاف ذلك .
ونظير هذا قول بعضهم إذا وقف الناس يوم العاشر خطأ أجزأم
فالصواب أن ذلك هو يوم عرفة باطنا وظاهراً ، ولا خطأ في ذلك ؛
بل يوم عرفة هو اليوم الذي يعرف فيه الناس ، والهلال إنما يكون
هلالا إذا استهله الناس ، وإذا طلع ولم يستهلوه فليس بهلال ؛ مع
أن النزاع في الهلال مشهور هل هو اسم لما يطلع وإن لم يستهل به ؟
أو لما يستهل به ؟ وفيه قولان معروفان في مذهب أحمد وغيره ؛
بخلاف النزاع فى استقبال الكعبة .
ويدل على ذلك أنه لو قيل بأن على الإنسان أن يتحرى أن يكون
بين وسط أنفه وجبهته وبينها خط مستقيم ، قيل فلا بد من طريق
يعلم بها ذلك ؛ فإن الله لم يوجب شيئا إلا وقد نصب على العلم به
دليلا ، ومعلوم أن طريق العلم بذلك لا يعرفه إلا خاصة الناس مع
اختلافهم فيه ، ومع كثرة الخطأ في ذلك، ووجوب استقبال القبلة عام
٢١١

لجميع المسلمين ، فلا يكون العلم الواجب خفياً لا يعلم إلا بطريق طويلة
صعبة مخوفة مع تعذر العلم بذلك أو تعسره فى أغلب الأحوال .
ولهذا كان الذين سلكوا هذه الطريق يتكلمون بلا علم مع اختلافهم
فى ذلك ، والدليل المشهور لهم الجدي والقطب ، فمنهم من يقول :
القطب هو الجدي ، وهو كوكب خفي ، وهذا خطأ من ثلاثة أوجه ؛
فإن القطب ليس هو الجدي ، والجدي ليس بكوكب خفي ؛ بل كوكب
نير ، والقطب ليس أيضاً كوكباً . ومنهم من يقول : الجدي هو كوكب
خفي ، وهو خطأ . وجمهورم يقولون القطب كوكب خفي ، ويحكون
قولين فى القطب هل يدور أو لا يدور ؟ وهذا تخليط ؛ فإن القطب
الذي هو مركز الحركة لا يتغير عن موضعه ، كما أن قطب الرحى
لا يتغير عن موضعه . ولكن هناك كوكب صغير خفي قريب منه .
وهذا إذا سمى قطباً كان تسميته باعتبار كونه أقرب الكواكب
إلى القطب ، وهذا يدور ؛ فالكواكب تدور بلا ريب ، ومدار
الحركة الذي هو قطبها لا يدور بلا ريب ، فحكاية قولين في ذلك
كلام من لم يميز بين هذا وهذا ، والدليل الظاهر هو الجدي .
والاستدلال به على العين إنما يكون فى بعض الأوقات ؛ لا فى جميعها ؛
فإن القطب إذا كانت الشمس فى وسط السماء عند تناهي قصر الظلال
يكون القطب محاذياً للركن الشامي من البيت الذي يكون عن
٢١٢

يمين المستقبل للباب ، فمن كان بلده محاذياً لهذا القطب كأهل حران
ونحوهم كانت صلاتهم إلى الركن . ولهذا يقال أعدل القبل قبلتهم .
ومن كان بلده غربى هؤلاء - كأهل الشام - فإنهم يميلون إلى
جهة المشرق قليلا بقدر بعدم عن هذا الخط ، فكلما بعدوا ازدادوا فى
الانحراف، ومن كان شرقي هؤلاء - كأهل العراق - كانت قبلته
بالعكس ؛ ولهذا كان أهل تلك البلاد يجعلون القطب وما قرب منه
خلف أقفائهم، وأهل الشام يميلون قليلا، فيجعلون مابين الأذن اليسرى
ونقرة القفا أو خلف الأذن اليسرى بحسب قرب البلد وبعده عن
هؤلاء ، وأهل العراق يجعلون ذلك خلف الأذن اليمنى ، ومعلوم أن
النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يأمروا أحداً بمراعاة القطب، ولا
ما قرب منه ، ولا الجدي ، ولا بنات نعش ، ولا غير ذلك.
ولهذا أنكر الإمام أحمد على من أمر بمراعاة ذلك وأمر أن
لا تعتبر القبلة بالجدي ، وقال : ليس فى الحديث ذكر الجدي ؛ ولكن
ما بين المشرق والمغرب قبلة ، وهو كما قال ؛ فإنه لو كان تحديد القبلة
بذلك واجباً أو مستحباً لكان الصحابة أعلم بذلك ، وإليه أسبق ،
ولكان النبى صلى اللّه عليه وسلم بين ذلك ؛ فإنه لم يدع من الدين
شيئاً إلا بينه ، فكيف وقد صرح بأن ما بين المشرق والمغرب قبلة ،
ونهى عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول ، ومعلوم باتفاق
٢١٣

المسلمين أن المنهى عنه من ذلك ليس هو أن يكون بين المتخلى وبين
الكعبة خط مستقيم: بل المنهى عنه أعم من ذلك ، وهو أمر باستقبال
القبلة فى حال ، كما نهى عن استقبالها في حال . وإن كان النهي قد
يتناول ما لا يتناوله الأمر ؛ لكن هذا يوافق قوله: (( ما بين المشرق
والمغرب قبلة)».
وأيضاً فإن تعليق الدين بذلك يفضي إلى تنازع الأمة واختلافها
فى دينها ، والله قد نهى عن التفرق والاختلاف ؛ فإن جماهير الناس
لا يعلمون ذلك تحديداً : وإنما م فيه مقلدون لمن قرب ذلك. فالتحديد
فى هذا متعذر أو متعسر ، ومثل هذا لا ترد به الشريعة ، والذين
يدعون الحساب ومعرفة ذلك تجد أكثرهم يتكلمون فى ذلك بما هو
خطأ ، وبما إذا طولبوا بدليله رجعوا إلى مقدمات غير معلومة ، وأخبار
من لا يوثق بخبره . والذين ذكروا بعض ذلك من الفقهاء م تلقوه
عن هؤلاء، ولم يحكموه، فصار مرجع أتباع هؤلاء وهؤلاء إلى تقليد
يتضمن خطأ في كثير من المواضيع ، ثم يدعى هذا أن هذه القبلة التى
عينها هي الصواب دون ما عينه الآخر ، ويدعى الآخر ضد ذلك ،
حتى بصير الناس أحزاباً وفرقاً ، وكل ذلك مما نهى الله عنه ورسوله .
وسبب ذلك أنهم أدخلوا فى دينهم ما ليس منه . وشرعوا من
الدين ما لم يأذن به الله، فاختلفوا فى تلك البدعة التى شرعوها؛ لأنها
٢١٤

لا ضابط لها ، كما يختلف الذين يريدون أن يعلموا طلوع الهلال
بالحساب ، أو طلوع الفجر بالحساب ، وهو أمر لا يقوم عليه دليل
حسابي مطرد ؛ بل ذلك متناقض مختلف ، فهؤلاء أعرضوا عن الدين
الواسع والأدلة الشرعية فدخلوا فى أنواع من الجهل والبدع، مع
دعوام العلم والحذق ، كذلك يفعل الله بمن خرج عن المشروع إلى
البدع ، وتنطع في الدين .
وقد ثبت فى الصحيح صحيح مسلم عن الأحنف بن قيس عن
ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((هلك
المتنطعون )) قالها ثلاثاً ، ورواه أيضا أحمد وأبو داود .
وأيضا فإن اللّه قال (فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) وقال:
وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّهَا ) أي مستقبلها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم
(«هذه القبلة)) والقبلة ما يستقبل وقال: ((من صلى صلاتنا،
واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم ، له ما لنا ، وعليه
ما علينا )).
وأجمع المسلمون على أنه يجب على المصلي استقبال القبلة فى الجملة
فالمأمور به الاستقبال للقبلة وتولية الوجه شطر المسجد الحرام ، فينظر
هل الاستقبال وتولية الوجه من شرطه أن يكون وسط وجهه مستقبلا
٢١٥

لها كوسط الأنف وما يحاذيه من الجبهة والذقن ونحو ذلك. أو
يكون الشخص مستقبلا لما يستقبله إذا وجه إليه وجهه وإن لم يحاذه
بوسط وجهه . فهذا أصل المسألة .
ومعلوم أن الناس قد سن لهم أن يستقبلوا الخطيب بوجوههم
ونهوا عن استقبال القبلة بغائط أو بول ، وأمثال ذلك مما لم يشترط فيه
أن يكون الاستقبال بوسط الوجه والبدن ؛ بل لو كان منحرفا انحرافا
يسيراً لم يقدح ذلك فى الاستقبال .
والاسم إن كان له حد فى الشرع رجع إليه وإلا رجع إلى حده
فى اللغة والعرف، والاستقبال هنا دل عليه الشرع واللغة والعرف. وأما
الشارع فقال: ((مابين المشرق والمغرب قبلة)) ومعلوم أن من كان
بالمدينة والشام ونحوهما إذا جعل المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه
فهو مستقبل للكعبة بيدنه ؛ بحيث يمكن أن يخرج من وجهه خط
مستقيم إلى الكعبة ، ومن صدره وبطنه ؛ لكن قد لا يكون ذلك الخط
من وسط وجهه وصدره . فعلم أن الاستقبال بالوجه أعم من أن يختص
بوسطه فقط والله أعلم
.
٢١٦

وسئل
عن النية في الطهارة والصلاة والصيام والحج وغير ذلك ، فهل محل
ذلك القلب ؟ أم اللسان ؟ وهل يجب أن يجهر بالنية ؟ أو يستحب
ذلك ؟ أو قال أحد من المسلمين إن لم يفعل ذلك بطلت صلاته . أو
غيرها ؟ أو قال : إن صلاة الجاهر أفضل من صلاة الخافت . إماماً
كان أو مأموماً أو منفرداً، وهل التلفظ بها واجب أم لا ؟ أو قال
أحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة المسلمين : إن لم يتلفظ بالنية
بطلت صلاته ؟ .
وإذا كانت غير واجبة، فهل يستحب التلفظ بها ؟ وما السنة التى
كان عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والخلفاء الراشدون؟ وإذا أصر
على الجهر بها معتقداً أن ذلك مشروع : فهل هو مبتدع مخالف لشريعة
الإسلام؟ أم لا؟ وهل يستحق التعزير على ذلك إذا لم ينته ؟
وابسطوا لنا الجواب (١) .
فأجاب : الحمد لله . محل النية القلب دون اللسان ، باتفاق أئمة
(١) تقدم شرح حديث إنما الأعمال بالنيات في كتاب الحديث .
٢١٧

المسلمين فى جميع العبادات : الصلاة والطهارة والزكاة والحج والصيام
والعتق والجهاد ، وغير ذلك . ولو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى فى قلبه
كان الاعتبار بما نوى بقلبه، لا باللفظ، ولو تكلم بلسانه ولم يحصل
النية فى قلبه لم يجزئ ذلك باتفاق أئمة المسلمين .
فإن النية هي من جنس القصد ؛ ولهذا تقول العرب نواك الله بخير : أي
قصدك بخير . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما
لكل امرئ ما نوى ؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله
ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة بتزوجها فهجرته إلى ما هاجر
إليه)) مراده صلى الله عليه وسلم بالنية النية التى فى القلب ؛ دون اللسان
باتفاق أئمة المسلمين : الأئمة الأربعة ، وغيرهم .
وسبب الحديث يدل على ذلك ، فإن سببه أن رجلا هاجر من
مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها : أم قيس ، فسمي مهاجر أم
قيس . خطب النبى صلى الله عليه وسلم على المنبر، وذكر هذا
الحديث . وهذا كان نيته في قلبه .
والجهر بالنية لا يجب ولا يستحب باتفاق المسلمين ؛ بل الجاهر
بالنية مبتدع مخالف للشريعة ، إذا فعل ذلك معتقداً أنه من الشرع :
فهو جاهل ضال، يستحق التعزير ، وإلا العقوبة على ذلك ، إذا أصر
٢١٨

على ذلك بعد تعريفه والبيان له ، لا سيما إذا آذى من إلى جانبه برفع
صوته ، أو كرر ذلك مرة بعد مرة ، فإنه يستحق التعزير البليغ على
ذلك ، ولم يقل أحد من المسلمين إن صلاة الجاهر بالنية أفضل من
صلاة الخافت بها.، سواء كان إماما أو مأموماً، أو منفرداً .
وأما التلفظ بها سراً فلا يجب أيضاً ، عند الأئمة الأربعة ، وسائر
أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمّة إن التلفظ بالنية واجب، لا في
طهارة ولا فى صلاة، ولا صيام، ولا حج .
ولا يجب على المصلى أن يقول بلسانه : أصلى الصبح ، ولا
أصلي الظهر ، ولا العصر، لا إماما ولا مأموماً، ولا يقول بلسانه:
فرضاً ولا نفلا ، ولا غير ذلك ؛ بل يكفي أن تكون نيته فى قلبه، والله
يعلم ما في القلوب .
وكذلك نية الغسل من الجنابة والوضوء يكفى فيه نية القلب.
وكذلك نية الصيام فى رمضان لا يجب على أحد أن يقول : أنا
صائم غداً . باتفاق الأئمة ؛ بل يكفيه نية قلبه .
والنية تتبع العلم ، فمن على ما يريد أن يفعله فلا بد أن ينويه ،
فإذا على المسلم أن غداً من رمضان ، وهو ممن يصوم رمضان ، فلا بد
٢١٩

أن ينوي الصيام ، فإذا علم أن غداً العيد لم ينو الصيام تلك الليلة .
وكذلك الصلاة: فإذا على أن الصلاة القائمة صلاة الفجر ، أو الظهر
وهو يعلم أنه يريد أن يصلى صلاة الفجر ، أو الظهر ، فإنه إنما ينوي تلك
الصلاة ، لا يمكنه أن يعلم أنها الفجر ، وينوي الظهر .
وكذلك إذا على أنه يصلى إماما أو مأموماً ؛ فإنه لا بد أن ينوي
ذلك ، والنية تتبع العلم والاعتقاد اتباعا ضرورياً ، إذا كان يعلم ما يريد
[ أن ] يفعله ، فلا بد أن ينويه . فإذا كان يعلم أنه يريد أن يصلي الظهر
وقد علم أن تلك الصلاة صلاة الظهر ، امتنع أن يقصد غيرها ، ولو
اعتقد أن الوقت قد خرج أجزأنه صلاته ، باتفاق الأئمة .
ولو اعتقد أنه خرج فنوى الصلاة بعد الوقت ، فتبين أنها فى الوقت
أجزأنه الصلاة باتفاق الأمة .
وإذا كان قصده أن يصلي على الجنازة - أي جنازة كانت -
فظنها رجلا ، وكانت امرأة ، صحت صلاته بخلاف ما نوى . وإذا
كان مقصود. ألا يصلي إلا على من يعتقده فلاناً ، وصلى على من
يعتقد أنه فلان ، فتبين غيره ، فإنه هنا لم يقصد الصلاة على
ذلك الحاضر.
٢٢٠