النص المفهرس
صفحات 181-200
أبى حنيفة، وأهل الظاهر ، وغيرهم، فالأمر على قول هؤلاء أظهر فإنهم يقولون : إن الروث النجس إذا صار رماداً ونحوه فهو طاهر ، وما يقع فى الملاحة من دم وميتة ونحوهما إذا صار ملحاً ، فهو طاهر . وقد اتفقوا جميعهم أن الخمر إذا استحالت بفعل الله سبحانه فصارت خلا طهرت. وثبت ذلك عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة ، فسائر الأعيان إذا انقلبت بقيسونها على الخمر المنقلبة . ومن فرق بينهما يعتذر بأن الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة ؛ لأن العصير كان طاهراً فلما استحال خمراً نجس ، فإذا استحال خلا طهر . وهذا قول ضعيف ؛ فإن جميع النجاسات إنما نجست أيضاً بالاستحالة ؛ فإن الطعام والشراب يتناوله الحيوان طاهراً في حال الحياة ثم يموت فينجس ، وكذلك الخنزير والكلب والسباع أيضاً عند من يقول بنجاستها إنما خلقت من الماء والتراب الطاهرين . وأيضاً فإن هذا الخل والملح ونحوهما أعيان طيبة طاهرة ، داخلة فى قوله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِيِثَ ) فللمحرم المنجس لها أن يقول : إنه حرمها لكونها داخلة فى المنصوص ، أو لكونها في معنى الداخلة فيه ، فكلا الأمرين منتف ؛ فإن النصر لا يتناولها ، ١٨١ ومعنى النص الذي هو الخبث منتف فيها ، ولكن كان أصلها نجساً ، وهذا لا يضر ، فإن الله يخرج الطيب من الخبيث ، ويخرج الخبيث من الطيب . ولا ريب أن هذا القول أقوى في الحجة نصاً وقياساً . وعلى ما تقدم ذكره ينبني طهارة المقابر . فإن القائلين بنجاسة المقبرة العتيقة . يقولون : إنه خالط التراب صديد الموتى ونحوه ، واستحال عن ذلك، فينجسونه . وأما على قول الاستحالة وغيره من الأقوال فلا يكون التراب نجسا ، وقد دل على ذلك ما ثبت فى الصحيحين من أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حائطا لبنى النجار. وكان فيه قبور المشركين، وخرب، ونخل ، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت ، وبالنخل فقطعت ، وبالخرب فسويت ، وجعل قبلة للمسجد (١) فهذا كان مقبرة للمشركين . ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم لما أحر بنبشهم لم يأمر بنقل التراب ، الذي لاقام ، وغيره من تراب المقبرة ، ولا أمر بالاحتراز من العذرة ، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، لكن الغرض التنبيه على أن ما عليه أكثر أهل الوسواس من توقى الأرض وتنجيسها باطل بالنص . وإن كان بعضه فيه نزاع ، وبعضه باطل بالإجماع ، أو غيره من الأدلة الشرعية . (١) بياض بالأصل . ١٨٢ الوجه الثاني : أن هؤلاء يفترش أحدهم السجادة على مصليات المسلمين من الحصر والبسط ، ونحو ذلك ، مما يفرش فى المساجد ، فيزدادون بدعة على بدعتهم . وهذا الأمر لم يفعله أحد من السلف ، ولم ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم ما يكون شبهة لهم ، فضلا عن أن يكون دليلا ؛ بل يعللون أن هذه الحصر يطؤها عامة الناس ، ولعل أحدهم أن يكون قد رأى أو سمع أنه بعض الأوقات بال صبى . أو غيره على بعض حصر المسجد ، أو رأى عليه شيئاً من ذرق الحمام ، أو غيره ، فيصير ذلك حجة فى الوسواس . وقد علم بالتواتر أن المسجد الحرام ما زال يطأ عليه المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه، وهناك من الحمام ما ليس بغيره ، ويمر بالمطاف من الخلق ما لا يمر بمسجد من المساجد ، فتكون هذه الشبهة التى ذكرتموها أقوى . ثم إنه لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه يصلون هناك على حائل، ولا يستحب ذلك ، فلو كان هذا مستحبا كما زعمه هؤلاء لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه متفقين على ترك المستحب ، الأفضل . ويكون هؤلاء أطوع لله وأحسن عملا من النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه ، فإن هذا خلاف ما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع . وأيضا فقد كانوا يطؤون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ١٨٣ بتعالهم وخفافهم ، ويصلون فيه مع قيام هذا الاحتمال ، ولم يستحب لهم هذا الاحتراز الذي ابتدعه هؤلاء ، فعلم خطؤه في ذلك . وقد يفرقون بينهما بأن يقولوا : الأرض تطهر بالشمس والريح والاستحالة . دون الحصير . فيقال : هذا إذا كان حقا فإنما هو من النجاسة المخففة . وذلك يظهر بـ (الوجه الثالث ): وهو أن النجاسة لا يستحب البحث عما لم يظهر منها، ولا الاحتراز عما ليس عليه دليل ظاهر ، لاحتمال وجوده ، فإن كان قد قال طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره : إنه يستحب الاحتراز عن المشكوك فيه مطلقا ، فهو قول ضعيف . وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (( أنه مر هو وصاحب له بمكان ، فسقط على صاحبه ماء من ميزاب ، فنادى صاحبه : يا صاحب الميزاب ! أماؤك طاهر أم تجس ؟ فقال له عمر : يا صاحب الميزاب ! لا تخبره ، فإن هذا ليس عليه ، فنهى عمر عن إخباره ، لأنه تكلف من السؤال ما لم يؤمر به . وهذا قد ينبني على أمل . وهو : أن النجاسة إنما يثبت حكمها مع العلم ، فلو صلى وبيدنه أو ثيابه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم تجب عليه الإعادة فى أصح قولي العلماء ، وهو مذهب مالك وغيره ، وأحمد فى أقوى الروايتين ، وسواء كان علمها ثم نسيها ، أو جهلها ابتداء ، لما تقدم من ١٨٤ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه ثم خلعها فى أثناء الصلاة. لما أخبره جبريل أن بهما أذى ، ومضى فى صلاته ، ولم يستأنفها ، مع كون ذلك موجوداً في أول الصلاة ، لكن لم يعلم به ، فتكلفه للخلع فى أثنائها، مع أنه لولا الحاجة لكان عبئا أو مكروها. (١) يدل على أنه مأمور به من اجتناب النجاسة مع العلم ، ومظنة تدل على العفو عنها فى حال عدم العلم بها . وقد روى أبو داود أيضا من أم جحدر العامرية أنها سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب، فقالت: (( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا شعارنا، وقد ألقينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فعلى الغداة ثم جلس ، فقال رجل : يا رسول الله! هذه لمعة من دم ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يليها ، فبعث بها إلى مصرورة في يد غلام ، فقال : اغسلي هذا ، وأجفيها ، وأرسلي بها إلي ، فدعوت بقصعتى فغسلتها ، ثم أجففتها فأعدتها إليه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار وهي عليه)). وفى هذا الحديث لم يأمر المأمومين بالإعادة ، ولا ذكر لهم أنه يعيد ، وأن عليه الإعادة ، ولا ذكرت ذلك عائشة ، وظاهر هذا أنه لم يعد . ولأن النجاسة من باب المنهى عنه فى الصلاة ، وباب المنهى عنه (١) بياض بالاصل. ١٨٥ معفو فيه عن المخطئ والناسى . كما قال فى دعاء الرسول والمؤمنين: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا ) وقد ثبت فى الصحيح من حديث أبي هريرة: أن الله استجاب هذا الدعاء. ولأن الأدلة الشرعية دلت على أن الكلام ونحوه من مبطلات الصلاة يعفى فيها عن الناسي والجاهل ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين . وقد دل على ذلك حديث ذي اليدين ونحوه ، وحديث معاوية بن الحكم السلمي لما شمت العاطس فى الصلاة ، وحديث ابن مسعود المتفق عليه فى التشهد لما كانوا يقولون أولا : السلام على الله قبل عباده ، فنهام عن ذلك ، وقال : إن اللّه هو السلام، وأمريم بالتشهد المشهور ، ولم يأمرهم بالإعادة ، وكذلك حديث الأعرابي الذي قال فى دعائه : اللهم ارحمني وارحم محمداً ، ولا ترحم معنا أحداً، وأمثال ذلك . فهذا ونحوه مما يبين أن الأمور المنهى عنها فى الصلاة وغيرها يعفى فيها عن الناسي والمخطئ ، ونحوهما ، من هذا الباب. وإذا كان كذلك : فإذا لم يكن عالما بالنجاسة محت صلاته باطنا وظاهراً ، فلا حاجة به حينئذ إلى السؤال عن أشياء إن أبديت ساءته ، قد عفا الله عنها. وهؤلاء قد يبلغ الحال بأحديم إلى أن يكره الصلاة ١٨٦ إلا على سجادة ؛ بل قد جعل الصلاة على غيرها محرما ، فيمتنع منه امتناعه من المحرم. وهذا فيه مشابهة لأهل الكتاب الذين كانوا لايصلون إلا في مساجدهم ؛ فإن الذي لا يصلي إلا على ما يصنع للصلاة من المفارش ، شبيه بالذي لا يصلي إلا فيما يصنع للصلاة من الأماكن . وأيضاً فقد يجعلون ذلك من شعائر أهل الدين ، فيعدون ترك ذلك من قلة الدين ، ومن قلة الاعتناء بأمر الصلاة ، فيجعلون ما ابتدعوه من الهدى الذي ما أنزل به من سلطان أكمل من هدى محمد صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه . وربما تظاهر أحدم بوضع السجادة على منكبه ، وإظهار المسابح فى يده ، وجعله من شعار الدين والصلاة. وقد علم بالنقل المتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكن هذا شعارهم، وكانوا يسبحون ويعقدون على أصابعهم ، كما جاء فى الحديث: ((اعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات ، مستنطقات)) وربما عقد أحدم التسبيح بحصى أو نوى . والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه، ومنهم من رخص فيه ، لكن لم يقل أحد: إن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع، وغيرها ، وإذا كان هذا مستحباً يظهر فقصد إظهار ذلك والتميز به على الناس مذموم ؛ فإنه إن لم يكن رياء فهو تشبه بأهل الرياء ، إذ كثير ممن يصنع هذا يظهر منه الرياء ولو كان رياء بأمر مشروع لكانت إحدى المصيبتين ؛ لكنه رياء ليس ١٨٧ مشروعا. وقد قال تعالى: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا ). قال الفضيل ابن عياض رضي الله عنه : أخلصه وأصوبه . قالوا : يا أبا علي ! ما أخلصه؟ وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صوابا، والخالص أن يكون لله. والصواب أن يكون على السنة . وهذا الذي قاله الفضيل متفق عليه بين المسلمين ، فإنه لابد له فى العمل أن يكون مشروعا مأموراً به ، وهو العمل الصالح . ولا بد أن بقصد ( فَنَّ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا به وجه الله . كما قال تعالى : . وكان عمر بن الخطاب رضي الله وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً) عنه يقول: ((اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً)). ومنه قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ وقال مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَُّونَ) تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًاً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اَللَّهُ إِنْرَاهِيمَ خَلِيلًا ). وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول اللّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه غيري فإنى منه بريء، وهو كله للذي أشرك به)). وفي السنن عن العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله ١٨٨ صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب فقال قائل : يارسول الله ! كأنها موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً . فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ . وإياكم ومحدثات الأمور . فإن كل بدعة ضلالة)). وفى الصحيحين عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أحدث فى أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وفى لفظ ((من عمل عملا ليس عليه أمرنافهو رد)). وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فى خطبته: (( إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة )) . وأما ما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة ، أو غيرها ، قبل ذهابهم إلى المسجد ، فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين ؛ بل محرم . وهل تصح صلاته على ذلك المفروش ؟ فيه قولان للعلماء ؛ لأنه غصب بقعة فى المسجد بفرش ذلك المفروش فيها ، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي فى ذلك المكان ، ومن صلى في بقعة من المسجد مع منع غيره أن يصلي فيها : فهل هو كالصلاة فى الأرض المغصوبة ؟ على وجهين . وفي الصلاة في الأرض ١٨٩ المغصوبة قولان للعلماء ، وهذا مستند من كره الصلاة فى المقاصير التى يمنع الصلاة فيها عموم الناس. والمشروع في المسجد أن الناس يتمون الصف الأول ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا : وكيف نصف الملائكة عند ربها ؟ قال : يتمون الصف الأول . فالأول، ويتراصون فى الصف)). وفي الصحيحين عنه أنه قال: ((لو يعلم الناس ما فى النداء ، والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون مافى التهجير لاستبقوا إليه)). والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد ، فإذا قدم المفروش وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين : من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم . ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ، ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه ، وأن يتموا الصف الأول فالأول ، ثم إنه يتخطى الناس إذا حضروا. وفى الحديث. (( الذي يتخطى رقاب الناس ، يتخذ جسراً إلى جهنم)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: ((اجلس فقد آذيت )) . ثم إذا فرش هذا فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك ويصلي موضعه ؟ فيه قولان : ١٩٠ أحدهما : ليس له ذلك لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه . والثاني : وهو الصحيح أن لغيره رفعه ، والصلاة مكانه ؛ لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم ، وهو مأمور بذلك أيضاً ، وهو لا يتمكن من فعل هذا المأمور واستيفاء هذا الحق إلا برفع ذلك المفروش . وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به . وأيضاً فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب ، وذلك منكر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلى منكر أعظم منه. والله تعالى أعلم، والحمد لله وحده. وسئل رحم الله عن الحديث: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سجادة)) فقد أورد شخص عن عبد الله بن عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه توضأ وقال: يا عائشة! اتيني بالمرة فأنت به. فصلى عليه)). فأجاب: لفظ الحديث ((أنه طلب الخمرة)) والخمرة: شيء يصنع من الخوص، ١٩١ فسجد عليه يتقى به حر الأرض ، وأذاها . فإن حديث الخمرة صحيح . وأما اتخاذها كبيرة يصلي عليها يتقى بها النجاسة ونحوها ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ سجادة يصلي عليها ، ولا الصحابة ؛ بل كانوا يصلون حفاة ومنتعلين ، ويصلون على التراب والحصير ، وغير ذلك ، من غير حائل . وقد ثبت عنه فى الصحيحين: ((أنه كان يصلى فى نعليه))، وقال: (( إن اليهود لا يصلون فى نعالهم، مخالفوم)) وصلى مرة فى نعليه ، وأصحابه فى نعالهم مخلعها فى الصلاة، فخلعوا، فقال: ((مالكم خلقتم نعالكم ؟ قالوا : رأيناك خلعت خلعنا . قال : إن جبريل أنانى فأخبرنى أن فيها أذى ، فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر فى نعليه ، فإن كان فيهما أذى فليدلكها بالتراب ، فإن التراب لهما طهور)). فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلون فى نعالهم ، ولا يخلعونها ، بل يطؤون بها على الأرض ، ويصلون فيها ، فكيف يظن أنه كان يتخذ سجادة يفرشها على حصير ، أو غيره ، ثم بصلى عليها؟ فهذا لم يكن أحد يفعله من الصحابة . وينقل عن مالك أنه لما قدم بعض العلماء، وفرش فى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من ذلك أمر بحبسه . وقال: أما علمت أن هذا في مسجدنا بدعة ؟ !. والله أعلم . ١٩٢ وسئل أيضاً رحم الله تعالى: عمن تحجر موضعا من المسجد . بسجادة أو بساط أو غير ذلك . هل هو حرام ؟ وإذا صلى إنسان على شيء من ذلك بغير إذن مالكه هل يكره ؟ أم لا؟. فأجاب : ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئاً لا سجادة يفرشها قبل حضوره ، ولا بساطا ، ولا غير ذلك . وليس لغيره أن يصلى عليها بغير إذنه؛ لكن يرفعها ويصلى مكانها؛ في أصح قولى العلماء . والله أعلم وسئل عن دخول النصراني أو اليهودي فى المسجد بإذن المسلم ، أو بغير إذنه أو يتخذه طريقاً . فهل يجوز ؟ . فأجاب: ليس للمسلم أن يتخذ المسجد طريقاً، فكيف إذا اتخذه الكافر طريقاً ، فإن هذا يمنع بلا ريب . ١٩٣ وأما إذا كان دخله نعى لمصلحة ، فهذا فيه قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد : أحدهما : لا يجوز ، وهو مذهب مالك ؛ لأن ذلك هو الذي استقر عليه عمل الصحابة . والثانى : يجوز وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي ، وفى اشتراط إذن المسلم وجهان ، في مذهب أحمد، وغيره . وسئل هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر ، والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا ؟ وهل يمهد القبر ، أو يعمل عليه حاجز ، أو حائط ؟. فأجاب: الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا بنى مسجد على قبر ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد . فإني أنهاكم عن ذلك)). ١٩٤ وأنه لا يجوز دفن ميت فى مسجد . فإن كان المسجد قبل الدفن غير : إما بتسوية القبر ، وإما بنبشه إن كان جديداً . وإن كان المسجد بي بعد القبر : فإما أن يزال المسجد ، وإما أن تزال صورة القبر ، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ، ولا نفل ، فإنه منهى عنه . وسئل عن جماعة نازلين فى الجامع مقيمين ليلا ونهاراً وأكلهم وشربهم ونومهم وقماشهم وأقاتهم الجميع فى الجامع ، ويمنعون من ينزل عندهم من غير جنسهم، وحكروا الجامع ثم إن جماعة دخلوا بعض المقاصير يقرأون القرآن احتسابا فمنعهم بعض المجاورين وقال هذا موضعنا . فهل يجوز ذلك ؟ أفتونا مأجورين . فأجاب: الحمد لله. ليس لأحد من الناس أن يختص بشيء من المسجد بحيث يمنح غيره منه دائماً؛ بل قد ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إيطان كإيطان البعير )) قال العلماء : معناه أن يتخذ الرجل مكاناً من المسجد لا يصلي ١٩٥ إلا فيه ، فإذا كان ليس له ملازمة مكان بعينه للصلاة كيف بمن يتحجر بقعة دائماً . هذا لو كان إنما يفعل فيها ما يبنى له المسجد من الصلاة والذكر ونحو ذلك ، فكيف إذا اتخذ المسجد بمنزلة البيوت فيه أكله وشربه ونومه وسائر أحواله التى تشتمل على مالم تبن المساجد له دائماً ؛ فإن هذا يمنع باتفاق المسلمين ، فإنما وقعت الرخصة في بعض ذلك لذوي الحاجة ، مثل ما كان أهل الصفة : كان الرجل يأتى مهاجراً إلى المدينة ، وليس له مكان يأوي إليه ، فيقيم بالصفة إلى أن يتيسر له أهل أو مكان يأوي إليه ثم ينتقل . ومثل المسكينة التى كانت تأوي إلى المسجد ، وكانت تقمه . ومثل ما كان ابن عمر ببيت فى المسجد ، وهو عزب ؛ لأنه لم يكن له بيت يأوي إليه حتى تزوج . ومن هذا الباب علي بن أبى طالب : لما تقاول هو وفاطمة ذهب إلى المسجد فنام فيه . فيجب الفرق بين الأمر اليسير ، وذوي الحاجات وبين ما يصير عادة ويكثر ، وما يكون لغير ذوي الحاجات ؛ ولهذا قال ابن عباس : لا تتخذوا المسجد مبيتا ومقيلا . هذا ولم يفعل فيه إلا النوم ، فكيف ما ذكر من الأمور ؟! والعلماء قد تنازعوا فى المعتكف هل ينبغي له أن يأكل فى المسجد ، أو في بيته ، مع أنه مأمور بملازمة المسجد ، وأن لا يخرج منه إلا لحاجة ، والأئمة كرهوا اتخاذ المقاصير في المسجد ، لما أحدثها بعض الملوك: لأجل الصلاة خاصة ، وأولئك إنما ١٩٦ كانوا يصلون فيها خاصة . فأما اتخاذها للسكنى والمبيت وحفظ القماش والمتاع فيها فما علمت مسلماً ترخص فى ذلك ، فإن هذا يجعل المسجد بمنزلة الفنادق التى فيها مساكن متحجرة ، والمسجد لا بد أن يكون مشتركا بين المسلمين ، لا يختص أحد بشيء منه، إلا بمقدار لبنه للعمل المشروع فيه ، فمن سبق إلى بقعة من المسجد لصلاة أو قراءة أو ذكر أو تعلم علم أو اعتكاف ونحو ذلك فهو أحق به حتى يقضي ذلك العمل ، ليس لأحد إقامته منه ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أن يقام الرجل من مجلسه ، ولكن يوسع ويفسح. وإذا انتقض وضوؤه ثم عاد فهو أحق بمكانه، فإن النبى صلى الله عليه وسلم سن ذلك، قال: ((إذا قام الرجل عن مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به )) وأما أن يختص بالمقام والسكنى فيه ، كما يختص الناس بمساكنهم، فهذا من أعظم المنكرات باتفاق المسلمين . وأبلغ ما يكون من المقام فى المسجد مقام المعتكف ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في المسجد ، وكان يحتجر له حصيراً فيعتكف فيه ، وكان يعتكف في قبة وكذلك كان الناس يعتكفون فى المساجد ، ويضربون لهم فيه القباب فهذا مدة الاعتكاف خاصة ، والاعتكاف عبادة شرعية ، وليس للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه ، والمشروع له ١٩٧ ألا يشتغل إلا بقربة إلى الله، والذي يتخذه سكناً ليس معتكفاً بل يشتمل على فعل المحظور ، وعلى المنع من المشروع ، فإن من كان بهذه الحال منع الناس من أن يفعلوا فى تلك البقعة ما بنى له المسجد من صلاة وقراءة وذكر ، كما فى الاستفتاء أن بعضهم يمنع من يقرأ القرآن فى تلك البقعة ، كغيره من القراء ، والذي فعله هذا الظالم منكر من وجوه : (أحدها ) اتخاذ المسجد مبيناً ومقيلا، وسكناً كبيوت الخانات ، والفنادق . ( والثانى ) منعه من يقرأ القرآن حيث يشرع . (والثالث ) منع بعض الناس دون بعض ، فإن احتج بأن أولئك يقرأون لأجل الوقف الموقوف عليهم ، وهذا ليس من أهل الوقف ، كان هذا العذر أقبح من المنع ، لأن من يقرأ القرآن محتسباً أولى بالمعاونة ممن يقرأه لأجل الوقف ، وليس للواقف أن يغير دين الله وليس بمجرد وقفه يصير لأهل الوقف فى المسجد حق لم يكن لهم قبل ذلك ولهذا لو أراد الواقف أن يحتجر بقعة من المسجد لأجل وقفه بحيث يمنع غيره منها لم يكن له ذلك ، ولو عين بقعة من المسجد لما أمر به من قراءة أو تعليم ونحو ذلك لم تتعين تلك البقعة، كما لا تتعين فى ١٩٨ النذر ؛ فإن الإنسان لو نذر أن يصلى ويعتكف فى بقعة من المسجد لم تتعين تلك البقعة، وكان له أن يصلي ويتكف في سائر بقاع المسجد عند عامة أهل العلم ، لكن هل عليه كفارة يمين ؟ على وجهين فى مذهب أحمد . وأما الأئمة الثلاثة فلا يوجبون عليه كفارة . وهذا لأنه لا يجب بالنذر إلا ما كان طاعة بدون النذر ، وإلا فالنذر لا يجعل ما ليس بعبادة عبادة ، والناذر ليس عليه أن يوقف ١) إلا ما كان طاعة الله، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن ء نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) ولهذا لو نذر حراماً أو مكروهاً أو مباحا مستوي الطرفين ، لم يكن عليه الوفاء به . وفى الكفارة قولان أوجبها فى المشهور أحمد ، ولم يوجبها الثلاثة . وكذلك شرط الواقف والبائع وغيرها . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطاً ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق)) وهذا كله (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( يلتزم) ١٩٩ لأنه ليس لأحد أن يغير شريعته التى بعث بها رسوله ، ولا يبتدع فى دين الله ما لم يأذن به الله ، ولا يغير أحكام المساجد عن حكمها الذي شرع الله ورسوله . والله أعلم . وسئل رحم الله: عن النوم في المسجد ، والكلام والمشي بالتعال فى أماكن الصلاة هل يجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب : أما النوم أحياناً للمحتاج مثل الغريب والفقير الذي لا مسكن له فجائز ، وأما اتخاذه مبيتاً ومقيلا فينهون عنه . وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله فى المسجد حسن، وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريماً . وكذلك المكروه . ويكره فيه فضول المباح . وأما المشى بالتعال فجائز ، كما كان الصحابة يمشون بنعالهم فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم لكن ينبغي للرجل إذا أتى المسجد أن يفعل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فينظر فى نعليه، فإن كان بها أذى فليدلكها بالتراب ، فإن التراب لهما طهور ، والله أعلم . ٢٠٠