النص المفهرس
صفحات 161-180
وسل هل له أن يصلي فى الحمام . إذا خاف خروج الوقت ؟ أم لا ؟ فأجاب : أما إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل ويخرج ويصلي خارج الحمام فى الوقت ، فلم يمكنه إلا أن يصلي في الحمام ، أو تفوت الصلاة فالصلاة فى الحمام خير من تفويت الصلاة ، فإن الصلاة فى الحمام كالصلاة فى الحش ، والمواضع النجسة ، ونحو ذلك . ومن كان فى موضع نجس ، ولم يمكنه أن يخرج منه حتى يفوت الوقت ، فإنه يصلى فيه ، ولا يفوت الوقت ، لأن مراعاة الوقت مقدمة على مراعاة جميع الواجبات . وأما إن كان يعلم أنه إذا ذهب إلى الحمام لم يمكنه الخروج حتى يخرج الوقت ، فقد تقدمت هذه المسألة ، والأظهر أنه يصلى بالتيمم ، فإن الصلاة بالتيمم خير من الصلاة فى الأماكن التى نهي عنها ، وعن الصلاة بعد خروج الوقت . ١٦١ وسئل رحمه اللّه هل الصلاة فى البيع والكنائس جائزة مع وجود الصور أم لا ؟ وهل يقال إنها بيوت الله أم لا ؟ فأجاب : ليست بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد: بل هي بيوت يكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها فالبيوت بمنزلة أهلها ، وأهلها كفار ، فهي بيوت عبادة الكفار . وأما الصلاة فيها ففيها ثلاثة أقوال للعلماء فى مذهب أحمد وغيره : المنح مطلقاً، وهو قول مالك. والإذن مطلقاً وهو قول بعض أصحاب أحمد . والثالث : وهو الصحيح المأثور عن عمر بن الخطاب وغيره ، وهو منصوص عن أحمد وغيره ، أنه إن كان فيها صور لم يصل فيها ، لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ، ولأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى محي ما فيها من الصور، وكذلك قال عمر : إنا كنا لا ندخل كنائسهم والصور فيها . وهي بمنزلة المسجد المبني على القبر ، ففي الصحيحين أنه ذكر ١٦٢ للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة بأرض الحبشة، وما فيها من الحسن والتصاوير، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة )) وأما إذا لم يكن فيها صور فقد صلى الصحابة في الكنيسة، والله أعلم. وسئل عمن يبسط سجادة فى الجامع ، ويصلي عليها : هل ما فعله بدعة أم لا؟. فأجاب الحمد لله رب العالمين . أما الصلاة على السجادة بحيث يتحرى المصلي ذلك فلم تكن هذه سنة السلف من المهاجرين والأنصار ، ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل كانوا يصلون فى مسجده على الأرض، لا يتخذ أحدم سجادة يختص بالصلاة عليها . وقد روى أن عبد الرحمن بن مهدي لما قدم المدينة بسط سجادة فأمر مالك بحبسه ، فقيل له : إنه عبد الرحمن بن مهدي فقال : أما علمت أن بسط السجادة فى مسجدنا بدعة . وفى الصحيح عن أبى سعيد الخدري فى حديث اعتكاف النبى صلى ١٦٣ الله عليه وسلم قال: (( اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)» فذكر الحديث - وفيه قال: (( من اعتكف فليرجع إلى معتكفه فإني رأيت هذه الليلة ورأيتني أسجد فى ماء وطين)). وفى آخره: ((فلقد رأيت يعني صبيحة إحدى وعشرين على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين)). فهذا بين أن سجوده كان على الطين . وكان مسجده مسقوفا بجريد النخل ينزل منه المطر ، فكان مسجده من جنس الأرض . وربما وضعوا فيه الحصى كما في سنن أبى داود عن عبد الله بن الحارث قال: سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - عن الحصى الذي كان في المسجد ، فقال : مطرنا ذات ليلة ، فأصبحت الأرض مبتلة ، فجعل الرجل يأتي بالحصى فى ثوبه فيبسطه تحته ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة. قال: ((ما أحسن هذا؟.)) وفى سنن أبي داود أيضاً عن أبي بدر شجاع بن الوليد عن شريك عن أبى حصين عن أبي صالح عن أبى هريرة قال : أبو بدر أراه قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الحصاة تناشد الذي يخرجها من المسجد )). ولهذا فى السنن والمسند عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى ؛ فإن الرحمة تواجهه)). وفى لفظ فى مسند أحمد قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى سألته عن مسح ١٦٤ الحصى، فقال: ((واحدة أودع)). وفي المسند أيضاً عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لأن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة كلها سود الحدق ، فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح واحدة )). وهذا كما فى الصحيحين عن معيقيب أن النى صلى الله عليه وسلم قال في الرجل بسوى التراب حيث يسجد، قال ((إن كنت فاعلا فواحدة )). فهذا بين أنهم كانوا يسجدون على التراب والحصى ، فكان أحدم يسوى بيده موضع سجوده ، فكره لهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العبث، ورخص فى المرة الواحدة للحاجة ، وإن تركها كان أحسن . وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ((كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه ، فسجد عليه)) أخرجه صاحب الصحاح : كالبخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم . وفى هذا الحديث : بيان أن أحدم إنما كان يتقي شدة الحر بأن يبسط ثوبه المتصل . كإزاره وردائه وقميصه ، فيسجد عليه . وهذا بين أنهم لم يكونوا يصلون على سجادات ؛ بل ولا على حائل ؛ ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بصلون تارة في نعالهم، ١٦٥ وتارة حفاة ، كما فى سنن أبي داود والمسند عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه صلى مخخلع نعليه ، مخلع الناس نعالهم ، فلما انصرف . قال : لم خلعتم ؟ قالوا: رأيناك خلعت . خلعنا ، قال : فإن جبريل أتانى فأخبرنى أن بها خبثاً ، فإذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه ، فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيها )). ففي هذا بيان أن صلاتهم في نعالهم ، وأن ذلك كان يفعل فى المسجد إذ لم يكن يوطأ بهما على مفارش، وأنه إذا رأى بنعليه أذى فإنه يمسحها بالأرض ، ويصلي فيها ، ولا يحتاج إلى غسلهما ، ولا إلى نزعهما وقت الصلاة ، ووضع قدميه عليها ، كما يفعله كثير من الناس . وبهذا كله جاءت السنة ، ففي الصحيحين والمسند عن أبي سلمة سعيد بن يزيد قال: ((سألت أنسا أ كان النى صلى الله عليه وسلم يصلي فى نعليه ؟ قال : نعم )). وفى سنن أبى داود عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم، ولا خفافهم)) فقد أمرنا بمخالفة ذلك ، إذ هم ينزعون الخفاف والنعال عند الصلاة ، ويأتمون فيما بذكر عنهم بموسى عليه السلام ، حيث قيل له وقت المناجاة فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى ) . فنهينا عن التشبه بهم، ) ١٦٦ وأمرنا أن نصلي فى خفافنا ونعالنا، وإن كان بها أذى مسحناهما بالأرض لما تقدم . ولما روى أبو داود أيضاً عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا وطئ أحدكم بتعليه الأذى ، فإن التراب لهما طهور)). وفى لفظ قال: ((إذا وطئ الأذى يخفيه فطهورهما التراب)) وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه، وقد قيل حديث عائشة حديث حسن . وأما حديث أبى هريرة فلفظه الثاني من رواية محمد بن عجلان ، وقد خرج له البخاري فى الشواهد ، ومسلم فى المتابعات ، ووثقه غير واحد . واللفظ الأول لم يسم راويه ؛ لكن تعدده مع عدم التهمة ، وعدم الشذوذ يقتضي أنه حسن أيضاً ، وهذا أصح قولي العلماء ، ومع دلالة السنة عليه هو مقتضى الاعتبار ؛ فإن هذا محل تتكرر ملاقاته للنجاسة ، فأجزأ الإزالة عنه بالجامد كالمخرجين ، فإنه يجزئ فيها الاستجمار بالأحجار كما تواترت به السنة مع القدرة على الماء ، وقد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار . يبين ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون ١٦٧ نارة فى نعالهم ، وتارة حفاة ، كما فى السنن لأبى داود وابن ماجه عن ء عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى حافياً، ومنتعلا ، والحجة فى الانتعال ظاهرة)). وأما فى الاحتفاء ففي سنن أبى داود والنسائى عن عبد الله بن السائب قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الفتح، ووضع نعليه عن يساره )). وكذلك فى سنن أبى داود حديث أبى سعيد المتقدم قال: (( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه، ووضعهما عن يساره)). وتمام الحديث يدل على أنه كان فى المسجد كما تقدم. وكذلك حديث ابن السائب فإن أصله قد رواه مسلم والنسائى وابن ماجه عن عبد الله بن السائب قال: ((صلى بنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنون حتى إذا جاء ذكر موسى وهرون - أو ذكر موسى وعيسى - أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سعلة فركع)) وعبد الله بن السائب حاضر لذلك ، فهذا كان فى المسجد الحرام ، وقد وضع نعليه في المسجد مع العلم بأن الناس يصلون ويطوفون بذلك الموضع، فلو كان الاحتراز من نجاسة أسفل النعل مستحباً لكان النبى صلى الله عليه وسلم أحق الناس بفعل المستحب الذي فيه صيانة المسجد . وأيضاً ففي سنن أبى داود عن سعيد بن أبى سعيد عن أبيه، عن أبى هريرة ١٦٨ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا صلى أحدكم مخلع نعليه فلا يؤذ بها أحداً، وليجعلها بين رجليه، أو ليصل فيها))، وفيه أيضاً عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ، ولا عن يساره: تكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد . وليضعها بين رجليه )). وهذا الحديث قد قيل: فى إسناده لين لكنه هو والحديث الأول قد اتفقا على أن يجعلها بين رجليه. ولو كان الاحتراز من ظن نجاستها مشروعا لم يكن كذلك . وأيضاً ففى الأول الصلاة فيها ، وفي الثاني وضعها عن يساره إذا لم يكن هناك مصل. وما ذكر من كراهة وضعها عن يمينه أو عن يمين غيره ، لم يكن للاحتراز من النجاسة ، لكن من جهة الأدب . كما كره البصاق عن يمينه . وفى صحيح مسلم عن خباب بن الأرت قال: ((شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة حر الرمضاء في جباهنا. وأكفنا فلم يشكنا)) . وقد ظن طائفة أن هذه الزيادة فى مسلم ، وليس كذلك . وسبب هذه الشكوى أنهم كانوا يسجدون على الأرض فتسخن جباههم وأكفهم ، وطلبوا منه أن يؤخر الصلاة زيادة على ما كان يؤخرها ، ويبرد بها فلم يفعل ، وقد ظن بعض الفقهاء أنهم طلبوا منه ١٦٩ أن يسجدوا على ما يقيهم من الحر من عمامة ونحوها فلم يفعل ، وجعلوا ذلك حجة فى وجوب مباشرة المصلى بالجبهة . وهذه حجة ضعيفة لوجهين : أحدهما : أنه تقدم حديث أنس المتفق على صحته: ((وأنهم كانوا إذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه وسجد عليه )) والسجود على ما يتصل بالإنسان من كمه وذيله وطرف إزاره وردائه فيه النزاع المشهور ، وقال هشام عن الحسن البصري : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم ، ويسجد الرجل على عمامته ، رواه البيهقي . وقد استشهد بذلك البخاري فى باب السجود على الثوب من شدة الحر ، فقال: ((وقال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ، ويداه فى كمه)) وروى حديث أنس المتقدم قال : ((كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا الثوب من شدة الحر فى مكان السجود )) وأما ما يروى عن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام إلى الصلاة حسر العمامة عن جبهته، وعن نافع: (( أن ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى بضع جبهته بالأرض)) رواه البيهقي . وروى أيضاً من علي رضي الله عنه قال : ((إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته )) فلا ريب أن هذا هو السنة عند الاختيار . وقد تقدم ١٧٠ حديث أبى سعيد الخدري فى الصحيحين: ((وأنه رأى أثر الماء والطين على أنف النبي صلى الله عليه وسلم وأرنبته)). وفى لفظ قال: ((فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الماء والطين على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبته تصديق رؤياه)) وقد رواه البخاري بهذا اللفظ. وقال الميدى: يحتج بهذا الحديث أن لا تمسح الجهة فى الصلاة ، بل تمسح بعد الصلاة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رؤي الماء فى أرنبته وجبهته بعد ما صلى. قلت : كره العلماء كأحمد وغيره مسح الجبهة فى الصلاة من التراب ونحوه الذي يعلق بها فى السجود ، وتنازعوا فى مسحه بعد الصلاة على قولين ، هما روايتان عن أحمد . كالقولين اللذين هما روايتان عن أحمد في مسح ماء الوضوء بالمنديل ، وفي إزالة خلوف فم الصائم بعد الزوال بالسواك، ونحو ذلك مما هو من أثر العبادة . وعن أبى حميد الساعدي: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد مكن جبهته بالأرض ، ويجافى يديه عن جنبيه ، ووضع يديه حذو منكبيه )) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح . وعن وائل بن حجر قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض واضعاً جبهته وأنفه فى سجوده )) رواه أحمد . ١٧١ فالأحاديث والآثار تدل على أنهم فى حال الاختيار كانوا يباشرون الأرض بالحياه ، وعند الحاجة كالحر ونحوه : يتقون بما يتصل بهم من طرف ثوب وعمامة وقلنسوة ؛ ولهذا كان أعدل الأقوال فى هذه المسألة أنه يرخص فى ذلك عند الحاجة ، ويكره السجود على العمامة ونحوها عند عدم الحاجة ، وفى المسألة نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه . الوجه الثانى : أنه لو كان مطلوبهم منه السجود على الحائل الأذن لهم فى اتخاذ ما يسجدون عليه منفصلا عنهم ، فقد ثبت عنه أنه كان يصلي على الخمرة، فقالت ميمونة: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة )) أخرجه أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم ، وأهل السنن الثلاثة : أبو داود والنسائي وابن ماجه ، ورواه أحمد فى المسند، ورواه الترمذي من حديث ابن عباس. ولفظ أبى داود: ((كان يصلي وأنا حذاءه ، وأنا حائض، وربما أصابنى ثوبه إذا سجد ، وكان يصلي على الخمرة)) وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة والمسند عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاوليني الخمرة من المسجد ، فقلت : يا رسول الله! إنى حائض . فقال: إن حيضتك ليست فى بدك )) وعن ميمونة قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكى. على إحدانا وهي حائض ، فيضع رأسه فى حجرها، فيقرأ القرآن وهي ١٧٢ حائض ، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض )) رواه أحمد، والنسائى ولفظه ((فتبسطها وهي حائض)) فهذا صلاته على الخمرة وهي نسج ينسج من خوص ، كان يسجد عليه . وأيضاً في الصحيحين عن أنس بن مالك: (( أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصل لكم ، قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ، فنضحته بماء ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصففت أنا واليتيم من ورائه ، والعجوز من ورائنا ، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم انصرف)) وفي البخاري وسنن أبي داود عن أنس بن مالك قال: (( قال رجل من الأنصار : يا رسول الله! إنى رجل ضخم ــ وكان ضخما - لا أستطيع أن أصلي معك ، وصنع له طعاماً ودعاء إلى بيته ، وقال : صل حتى أراك كيف تصلي فأقتدي بك ، فنضحوا له طرف حصير لهم ، فقام فصلى ركعتين ، قيل لأنس : أكان يصلي ؟ فقال : لم أره صلى إلا يومئذ)) وفى سنن أبى داود عن أنس بن مالك ((أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم، فتدركه الصلاة أحياناً، فيصلي على بساط لها ، وهو حصير تنضحه بالماء )) ولمسلم عن أبي سعيد الخدري: (( أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ١٧٣ فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه )) . وفى الصحيحين عن أبى سلمة عن عائشة قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي فى قبلته ، فإذا سجد عمزنى فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتها قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح )) وعن عروة عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي معترضة فيما بينه وبين القبلة ، على فراش أهله ، اعتراض الجنازة)) وفى لفظ عن عراك عن عروة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه)). وهذه الألفاظ كلها للبخاري ، استدلوا بها فى باب الصلاة على الفرش ، وذكر اللفظ الأخير مرسلا لأنه فى معنى التفسير للمسند أن عروة إنما سمع من عائشة ، وهو أعلم بما سمع منها . ولا نزاع بين أهل العلم في جواز الصلاة والسجود على المفارش إذا كانت من جنس الأرض ، كالخمرة والحصير ونحوه ، وإنما تنازعوا فى كراهة ذلك على ما ليس من جنس الأرض : كالانطاع المبسوطة من جلود الأنعام ، وكالبسط والزرابي المصبوغة من الصوف ، وأكثر أهل العلم يرخصون فى ذلك أيضاً ، وهو مذهب أهل الحديث كالشافعي وأحمد ، ومذهب أهل الكوفة كأبي حنيفة وغيرهم . وقد استدلوا على جواز ذلك أيضاً بحديث عائشة ، فإن الفراش لم يكن من جنس ١٧٤ الأرض ، وإنما كان من أدم أو صوف . وعن المغيرة بن شعبة قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير ، وعلى الفروة المدبوغة )) رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي عون محمد بن عبد الله بن سعيد الثقفي عن أبيه عن المغيرة. قال ء أبو حاتم الرازي: عبد الله بن سعيد مجهول. وعن ابن عباس (( أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى على بساط)) رواه أحمد وابن ماجه وفى تاريخ البخاري عن أبى الدرداء قال: ((ما أبالي لو صليت على خمر)). وإذا ثبت جواز الصلاة على ما يفرش - بالسنة والإجماع - علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم أن يتخذوا شيئاً يسجدون عليه يتقون به الحر ؛ ولكن طلبوا منه تأخير الصلاة زيادة على ما كان يؤخرها فلم يجيبهم ، وكان منهم من يتقي الحر إما بشيء منفصل عنه ، وإما بما يتصل به من طرف ثوبه . فإن قيل : ففى حديث الخمرة حجة لمن يتخذ السجادة ، كما قد احتج بذلك بعضهم . قيل : الجواب عن ذلك من وجوه : أحدها : أن النى صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي على الخمرة ١٧٥ دائماً ، بل أحياناً ، كأنه كان إذا اشتد الحر يتقى بها الحر ، ونحو ذلك بدليل ما قد تقدم من حديث أبى سعيد أنه رأى أثر الماء والطين فى جبهته وأنفه ، فلم يكن فى هذا حجة لمن يتخذ السجادة يصلي عليها دائماً . والثاني : قد ذكروا أنها كانت لموضع سجوده، لم تكن بمنزلة السجادة التى تسع جميع بدنه ، كأنه كان يتقي بها الحر ، هكذا قال: أهل الغريب. قالوا: ((الخمرة)) كالحصير الصغير ، تعمل من سعف النخل . وتنسج بالسيور والخيوط ، وهي قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف . فإذا كبرت عن ذلك فهي حصير ، سميت بذلك لسترها الوجه والكعبين من حر الأرض وبردها . وقيل : لأنها تخمر وجه المصلى ، أي تستره . وقيل : لأن خيوطها مستورة بسعفها ، وقد قال بعضهم في حديث ابن عباس: (( جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التى كان قاعداً عليها فاحترق منها مثل موضع درهم )) قال : وهذا ظاهر فى إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها ، لكن هذا الحديث لا تعلم صحته ، والقعود عليها لا يدل على أنها طويلة بقدر ما يصلى عليها ، فلا يعارض ذلك ما ذكروه . الثالث : أن الخمرة لم تكن لأجل اتقاء النجاسة ، أو الاحتراز منها ١٧٦ كما يعلل بذلك من يصلي على السجادة ، ويقول : إنه إنما يفعل ذلك للاحتراز من نجاسة المسجد ، أو نجاسة حصر المسجد وفرشه ، لكثرة دوس العامة عليه ، فإنه قد ثبت أنه كان يصلي فى نعليه، وأنه على بأصحابه فى نعليه، وثم فى نعالهم، وأنه أمر بالصلاة فى النعال لمخالفة اليهود، وأنه أمر إذا كان بها أذى أن تدلك بالتراب ، ويصلى بها. ومعلوم أن النعال تصيب الأرض ، وقد صرح فى الحديث بأنه يصلى فيها بعد ذلك الدلك ، وإن أصابها أذى . فمن تكون هذه شريعته وسنته كيف يستحب أن يجعل بينه وبين الأرض حائلا لأجل النجاسة فإن المراتب أربع . أما الغلاة : من الموسوسين فإنهم لا يصلون على الأرض. ولا على ما يفرش للعامة على الأرض ، لكن على سجادة ونحوها ، وهؤلاء كيف يصلون في نعالهم ، وذلك أبعد من الصلاة على الأرض ، فإن النعال قد لاقت الطريق التى مشوا فيها ؛ واحتمل أن تلقى النجاسة ، بل قد يقوى ذلك فى بعض المواضع ، فإذا كانوا لا يصلون على الأرض مباشرين لها بأقدامهم ، مع أن ذلك الموقف الأصل فيه الطهارة ، ولا بلاقونه إلا وقت الصلاة ، فكيف بالنعال التى تكررت ملاقاتها للطرقات ، التى تمشي فيها البهائم والآدميون ، وهي مظنة النجاسة ، ولهذا هؤلاء إذا صلوا على جنازة وضعوا أقدامهم ١٧٧ على ظاهر النعال ؛ لئلا يكونوا حاملين للنجاسة ، ولا مباشرين لها . ومنهم من يتورع عن ذلك ، فإن فى الصلاة على ما فى أسفله نجاسة خلافا معروفا. فيفرش لأحدثم مفروش على الأرض . وهذه المرتبة أبعد المراتب عن السنة . الثانية : أن يصلي على الحصير ونحوها دون الأرض وما يلاقيها . الثالثة : أن يصلي على الأرض ، ولا يصلي فى النعل التى تكرر ملاقاتها للطرقات ؛ فإن طهارة ما يتحرى الأرض قد يكون ظاهراً ، واحتمال تنجيه بعيد ، بخلاف أسفل النعل . الرابعة: أن يصلي فى النعلين ، وإذا وجد فيها أذى دلكها بالتراب كما أمر بذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فهذه المرتبة هي التي جاءت بها السنة . فعلم أن من كانت سنته هي هذه المرتبة الرابعة : امتنع أن يستحب أن يجعل بينه وبين الأرض حائلاً من سجادة وغيرها ؛ لأجل الاحتراز من النجاسة . فلا يجوز حمل حديث المرة على أنه وضعها لاتقاء النجاسة فبطل استدلالهم بها على ذلك . وأما إذا كانت لاتقاء الحر فهذا يستعمل إذا احتيج إليه لذلك ، وإذا استغنى عنه لم يفعل . الرابع : أن الخمرة لم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم بها الصحابة ، ١٧٨ ولم يكن كل منهم يتخذ له خمرة ، بل كانوا يسجدون على التراب والحصى ، كما تقدم ولو كان ذلك مستحبا أو سنة لفعلوه، ولأمرهم به ، فعلم أنه كان رخصة لأجل الحاجة إلى ما يدفع الأذى عن المصلي ، وهم كانوا يدفعون الأذى بثيابهم ونحوها ، ومن المعلوم أن الصحابة فى عهده وبعده أفضل منا، وأتبع للسنة ، وأطوع لأمره ، فلو كان المقصود بذلك ما يقصده متخذو السجادات ، لكان الصحابة يفعلون ذلك. الوجه الخامس : أن المسجد لم يكن مفروشاً بل كان تراباً، وحصى وقد صلى النبى صلى الله عليه وسلم على الحصير ، وفراش امرأته ، ونحو ذلك ، ولم يصل هناك لا على خمرة ، ولا سجادة ولا غيرها . فإن قيل : ففي حديث ميمونة وعائشة ما يقتضي أنه كان يصلي على الخمرة فى بيته ، فإنه قال : ناوليني الخمرة من المسجد . وأيضاً ففي حديث ميمونة المتقدم ما يشعر بذلك . قيل : من اتخذ السجادة ليفرشها على حصر المسجد لم يكن له في هذا الفعل حجة فى السنة ، بل كانت البدعة فى ذلك منكرة من وجوه : أحدها : أن هؤلاء يتقى أحدم أن يصلى على الأرض حذراً أن ١٧٩ تكون نجسة ، مع أن الصلاة على الأرض سنة ثابتة بالنقل المتواتر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره )). ولا بشرع اتقاء الصلاة عليها لأجل هذا . بل قد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: ((كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)) أو كما قال. وفى سنن أبي داود ((تبول، وتقبل، وتدبر، ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)). وهذا الحديث احتج به من رأى أن النجاسة إذا أصابت الأرض فإنها تطهر بالشمس والريح، ونحو ذلك ، كما هو أحد القولين فى مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وهو مذهب أبى حنيفة . واحتجوا أيضاً بأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بدلك النعل النجس بالأرض وجعل التراب لها طهوراً ، فإذا كان طهوراً فى إزالة النجاسة عن غيره ، فلأن يكون طهوراً فى إزالة النجاسة عن نفسه بطريق الأولى. وهذا القول قد يقول به من لا يقول إن النجاسة تطهر بالاستحالة ، فإن أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد تطهر بذلك ، مع قول هؤلاء إن النجاسة لا تطهر بالاستحالة . وأما من قال : إن النجاسة تطهر بالاستحالة ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ، وأحد القولين في مذهب مالك ، وهو مذهب ١٨٠