النص المفهرس

صفحات 101-120

المكلف قبل بلوغ الخطاب له ، فيه ثلاثة أقوال في مذهب
أحمد ؛ وغيره .
أحدها يثبت مطلقا.
والثانى : لا يثبت مطلقا .
والثالث : يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية
أهل قباء ، وكالنزاع المعروف في الوكيل إذا عزل . فهل يثبت حكم
العزل في حقه قبل العلم .
وعلى هذا : لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النص . مثل أن
يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ، ثم يبلغه النص، ويتبين له وجوب
الوضوء ، أو يصلي فى أعطان الإبل ثم يبلغه ، ويتبين له النص ، فهل
عليه إعادة ما مضى ؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد .
ونظيره أن يمس ذكره ويصلي ، ثم يتبين له وجوب الوضوء
من مس الذكر .
والصحيح فى جميع هذه المسائل عدم وجوب الإعادة ؛ لأن الله
(وَمَا كُنَامُعَذِّبِينَ حَتَّى ◌َبْعَثَ
عفا عن الخطأ والنسيان ، ولأنه قال :
١٠١

رَسُولًا ) فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه
عليه، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعماراً لما أجنبا
فلم بصل عمر ، وصلى عمار بالتمرغ ، أن يعيد واحد منها ، وكذلك
لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما كان يجنب ويمكث أياما لا يصلي، وكذلك
لم يأمر من أكل من الصحابة حتى يتبين له الحبل الأبيض من الحبل
الأسود بالقضاء ، كما لم يأمر من صلى إلى بيت المقدس قبل بلوغ
النسخ لهم بالقضاء .
ومن هذا الباب ((المستحاضة)) إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم
وجوب الصلاة عليها ، ففي وجوب القضاء عليها قولان :
( أحدهما ) لا إعادة عليها . كما نقل عن مالك وغيره : لأن
المستحاضة التى قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (( إنى حضت حيضة
شديدة كبيرة منكرة منعتني الصلاة والصيام)، أمرها بما يجب فى
المستقبل ، ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي .
وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أن فى النساء والرجال بالبوادي
وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أن الصلاة عليه واجبة ؛ بل إذا قيل
للمرأة : صلي ، تقول : حتى أكبر وأصير عجوزة ، ظانة أنه لا يخاطب
بالصلاة إلا المرأة الكبيرة ، كالعجوز ونحوها . وفى أتباع الشيوخ
١٠٢

طوائف كثيرون لا يعلمون أن الصلاة واجبة عليهم ، فهؤلاء لا يجب
عليهم فى الصحيح قضاء الصلوات ، سواء قيل : كانوا كفاراً ، أو كانوا
معذورين بالجهل .
وكذلك من كان منافقا زنديقا يظهر الإسلام ويبطن خلافه ، وهو
لا يصلي ، أو يصلي أحيانا بلا وضوء، أو لا يعتقد وجوب الصلاة ،
فإنه إذا تاب من نفاقه وصلى فإنه لا قضاء عليه عند جمهور العلماء ،
والمرتد الذي كان يعتقد وجوب الصلاة ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد
لا يجب عليه قضاء ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء . كمالك وأبى
حنيفة وأحمد فى ظاهر مذهبه ؛ فإن المرتدين الذين ارتدوا على عهد
النبي صلى الله عليه وسلم: كعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وغيره
مكثوا على الكفر مدة ثم أسلموا ، ولم يأمر أحداً منهم بقضاء
ما تركوه، وكذلك المرتدون على عهد أبي بكر لم يؤمروا بقضاء
صلاة . ولا غيرها .
وأما من كان عالما بوجوبها وتركها بلا نأويل حتى خرج وقتها
الموقت ، فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة ، وذهب طائفة منهم
ابن حزم وغيره ، إلى أن فعلها بعد الوقت لا يصح من هؤلاء، وكذلك
قالوا فيمن ترك الصوم متعمداً، والله سبحانه وتعالى أعلم .
١٠٣

وسئل رحمه اللّه
عن رجل عليه صلوات كثيرة فاتته ، هل يصليها بسننها ؟ أم
الفريضة وحدها ؟ وهل تقضى في سائر الأوقات من ليل أو نهار ؟
فأجاب : المسارعة إلى قضاء الفوائت الكثيرة أولى من الاشتغال
عنها بالنوافل ، وأما مع قلة الفوائت فقضاء السنن معها حسن . فإن
النبى صلى الله عليه وسلم لما نام هو وأصحابه عن الصلاة - صلاة الفجر -
عام حنين ، قضوا السنة والفريضة . ولما فاتته الصلاة يوم الخندق
قضى الفرائض بلا سنن . والفوائت المفروضة نقضى فى جميع الأوقات
فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من أدرك ركعة من الفجر
قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى))، والله أعلم .
وسئل
أيما أفضل صلاة النافلة ؟ أم القضاء ؟
فأجاب : إذا كان عليه قضاء واجب ، فالاشتغال به أولى من
الاشتغال بالنوافل التى تشغل عنه .
١٠٤

وسئل شيخ الإسلام
عن رجل صلى ركعتين من فرض الظهر فسلم ، ثم لم يذكرها
إلا وهو في فرض العصر فى ركعتين منها فى التحيات . فماذا يصنع ؟.
فأجاب : إن كان مأموما فإنه يتم العصر ، ثم بقضي الظهر ، وفى
إعادة العصر قولان للعلماء ، فإن هذه المسألة مبنية على أن صلاة الظهر
بطلت بطول الفصل ، والشروع فى غيرها ، فيكون بمنزلة من فاتته
الظهر ، ومن فاتته الظهر وحضرت جماعة العصر ، فإنه يصلي العصر ،
ثم يصلي الظهر ، ثم هل يعيد العصر ؟ فيه قولان للصحابة والعلماء.
أحدهما : يعيدها ، وهو مذهب أبى حنيفة ، ومالك ، والمشهور فى
مذهب أحمد .
والثاني : لا يعيد ، وهو قول ابن عباس ، ومذهب الشافعي .
واختيار جدي. ومتى ذكر الفائتة فى أثناء الصلاة كان كما لو ذكر
قبل الشروع فيها ، ولو لم يذكر الفائتة حتى فرغت الحاضرة ، فإن
الحاضرة تجزئه عند جمهور العلماء . كأبى حنيفة والشافعي وأحمد . وأما
مالك فغالب ظني أن مذهبه أنها لا تصح ، والله أعلم .
١٠٥

وسئل رحم الله:
عن رجل فاتته صلاة العصر : فجاء إلى المسجد فوجد المغرب قد
أقيمت ، فهل يصلي الفائتة قبل المغرب أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. بل يصلي المغرب مع الإمام ، ثم
يصلي العصر باتفاق الأئمة ، ولكن هل يعيد المغرب ؟ فيه قولان .
أحدهما : بعيد، وهو قول ابن عمر ، ومالك، وأبى حنيفة ، وأحمد
فى المشهور عنه .
والثانى : لا يعيد المغرب ، وهو قول ابن عباس ، وقول الشافعي،
والقول الآخر في مذهب أحمد. والثانى أصح، فإن الله لم يوجب على
العبد أن يصلي الصلاة مرتين، إذا اتقى الله ما استطاع، والله أعلم.
وسئل
عن رجل دخل الجامع والخطيب يخطب ، وهو لا يسمع كلام
١٠٦

الخطيب ، فذكر أن عليه قضاء صلاة فقضاها فى ذلك الوقت ، فهل
يجوز ذلك ؟ أم لا ؟
فأحاب : الحمد لله، إذا ذكر أن عليه فائتة وهو فى الخطبة يسمع
الخطيب أو لا يسمعه : فله أن يقضيها فى ذلك الوقت ، إذا أمكنه
القضاء ، وإدراك الجمعة ، بل ذلك واجب عليه عند جمهور العلماء ؛ لأن
النهي عن الصلاة وقت الخطبة لا يتناول النهى عن الفريضة ، والفائتة
مفروضة فى أصح قولي العلماء ، بل لا يتناول تحية المسجد ، فإن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا
يجلس حتى يصلي ركعتين )).
وأيضا فإن فعل الفائتة فى وقت النهي ثابت في الصحيح ،
لقوله صلى الله عليه وسلم من «أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع
الشمس فقد أدرك الفجر)).
وقد تنازع العلماء فيما إذا ذكر الفائتة عند قيامه إلى الصلاة ، هل
يبدأ بالفاتنة وإن فاتته الجمعة ؟ كما يقوله أبو حنيفة ، أو يصلي الجمعة ثم
يصلي الفائتة ، كما يقول الشافعي وأحمد وغيرهما . ثم هل عليه إعادة
الجمعة ظهراً ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد .
وأصل هذا : أن الترتيب في قضاء الفوائت واجب في الصلوات
١٠٧

القليلة ، عند الجمهور كأبى حنيفة ومالك وأحمد ، بل يجب عنده فى
إحدى الروايتين فى القليلة والكثيرة . وبينهم نزاع فى حد القليل ،
وكذلك يجب قضاء الفوائت على الفور عندهم ، وكذلك عند الشافعى إذا
تركها عمداً فى الصحيح عندم بخلاف الناسي .
واحتج الجمهور بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن
صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لاكفارة لها إلا ذلك )) وفى لفظ
((فإن ذلك وقتها )).
واختلف الموجبون للترتيب ، هل يسقط بضيق الوقت ؟ على قولين
هما روايتان عن أحمد . لكن أشهرهما عنه أنه يسقط الترتيب . كقول أبى
حنيفة وأصحابه . والأخرى لا يسقط كقول مالك . وكذلك هل يسقط
بالنسيان : فيه نزاع نحو هذا .
وإذا كانت المسارعة إلى قضاء الفائتة ، وتقديمها على الحاضرة بهذه
المزية : كان فعل ذلك فى مثل هذا الوقت هو الواجب ، وأما الشافعي
فإذا كان يجوز تحية المسجد فى هذا الوقت ، فالفائتة أولى بالجواز ،
والله أعلم .
١٠٨

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
في ((اللباس في الصلاة))، وهو أخذ الزينة عند كل مسجد :
الذي بسميه الفقهاء : ( باب ستر العورة في الصلاة ) فإن طائفة من
الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين
وهو العورة ، وأخذ ما يستر فى الصلاة من قوله: (وَلَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
إِلَّا مَاظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَبِهُمُرِ مِنَّ عَلَى جُوِنَ) ثم قال (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ)
يعنى الباطنة (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ) الآية.
فقال : يجوز لها فى الصلاة أن تبدي الزينة الظاهرة، دون الباطنة .
والسلف قد تنازعوا فى الزينة الظاهرة على قولين ، فقال ابن مسعود
ومن وافقه : هى الثياب ، وقال ابن عباس ومن وافقه : هي فى الوجه
واليدين ، مثل الكحل والخاتم . وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء
فى النظر إلى المرأة الأجنبية . فقيل : يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها
ويديها ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وقول فى مذهب أحمد.
١٠٩

وقيل : لا يجوز ، وهو ظاهر مذهب أحمد ؛ فإن كل شيء منها عورة
حتى ظفرها . وهو قول مالك .
وحقيقة الأمر : أن الله جعل الزينة زينتين : زينة ظاهرة، وزينة
غير ظاهرة ، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي
المحارم ، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب
يرى الرجل وجهها ويديها ، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه
والكفين ، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم
لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله:
(يَأَيُّهَا النَّبِىُّقُل لِّأَزْوَِكَ
وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِالْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَبِيِهِنَّ) حجب النساء عن الرجال
وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش ، فأرخى الستر ، ومنع
النساء أن ينظرن ، ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك
عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين ، وإلا فهي مما ملكت
يمينه، فحجبها.
فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب ، وأمر أزواجه
وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن - و ((الجلباب))
هو الملاءة ، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء ، وتسميه
العامة الإزار ، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسار بدنها.
وقد حكى أبو عبيد وغيره : أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا
١١٠

عينها ، ومن جنسه النقاب : فكان النساء ينتقبن . وفي الصحيح
أن المحرمة لا تنتقب ، ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب
لئلا يعرفن ، وهو ستر الوجه ، أو ستر الوجه بالنقاب : كان الوجه
واليدان من الزينة التى أمرت ألا تظهرها للأجانب ، فما بقي يحل
للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة ، فان مسعود ذكر آخر الأمرين
وابن عباس ذكر أول الأمرين .
(أَوْنِسَابِهِنَّ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ) بدل على
وعلى هذا فقوله :
أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها . وفيه قولان : قيل المراد
الإماء ، والإمام الكتابيات . كما قاله ابن المسيب ، ورجحه أحمد وغيره
وقيل : هو المملوك الرجل : كما قاله ابن عباس وغيره، وهو الرواية
الأخرى عن أحمد .
فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته ، وقد جاءت بذلك
أحاديث ، وهذا لأجل الحاجة؛ لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها ، أكثر
من حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب ، فإذا جاز نظر أولئك ،
فنظر العبد أولى ، وليس فى هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافربها .
كغير أولى الإربة ؛ فإنهم يجوز لهم النظر ، وليسوا محارم يسافرون
بها ، فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ، ولا الخلوة بها؛
بل عبدها ينظر إليها للحاجة ، وإن كان لا يخلو بها ، ولا يسافر بها
١١١

فإنه لم يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسافر امرأة إلا مع
زوج، أو ذي محرم)) فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق ، كما يجوز
لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها ، والمحرم من تحرم عليه على
التأبيد ؛ ولهذا قال ابن عمر : سفر المرأة مع عبدها ضيعة .
فالآية رخصت فى إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم ، وحديث
السفر ليس فيه إلا ذوو المحارم ، وذكر فى الآية نساءهن ، أو ما
ملكت أيمانهن ، وغير أولى الإربة ، وهي لا تسافر معهم . وقوله :
( أَوْنِسَآءِهِنَ) قال : احتراز عن النساء المشركات . فلا تكون المشركة
قابلة للمسلمة ، ولا تدخل معهن الحمام ، لكن قد كن النسوة اليهوديات
يدخلن على عائشة وغيرها ، فيرين وجهها ويديها ، بخلاف الرجال
فيكون هذا فى الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات ، وليس للذميات
أن يطلعن على الزينة الباطنة ، ويكون الظهور والبطون بحسب ما
يجوز لها إظهاره ؛ ولهذا كان أقاربها تبدي لهن الباطنة ، وللزوج خاصة
ليست للأقارب .
(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ) دليل على أنها تغطي
وقوله :
العنق ، فيكون من الباطن لا الظاهر ، ما فيه من القلادة وغيرها .
١١٢

فصل
فهذا ستر النساء عن الرجال، وستر الرجال عن الرجال ، والنساء عن
النساء في العورة الخاصة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا ينظر الرجل
إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) وكما قال: ((احفظ
عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك)) . قلت : فإذا كان القوم
بعضهم فى بعض ، قال : إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يراها .
قلت: فإذا كان أحدنا خالياً. قال: فالله أحق أن يستحيا منه)).
ونهى أن يفضي الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد ، والمرأة إلى المرأة
فى ثوب واحد، وقال عن الأولاد: ((مروم بالصلاة لسبح ، واضربوهم
عليها لعشر ، وفرقوا بينهم فى المضاجع )) فنهى عن النظر ، واللمس
لعورة النظير ، لما فى ذلك من القبح والفحش .
وأما الرجال مع النساء ، فلأجل شهوة النكاح ، فهذان نوعان ،
وفى الصلاة نوع ثالث ؛ فإن المرأة لوصلت وحدها كانت مأمورة
بالاختمار ، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها فى بيتها ، فأخذ
الزينة فى الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عريانا، ولو
١١٣

كان وحده بالليل ، ولا يصلي عريانا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ
الزينة فى الصلاة لم يكن ليحتجب عن الناس ، فهذا نوع ، وهذا نوع .
وحينئذ فقد يستر المصلى فى الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة
وقد يبدي فى الصلاة ما يستره عن الرجال :
فالأول : مثل المنكبين . فإن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أن
يصلي الرجل فى الثوب الواحد ، ليس على عاتقه منه شيء . فهذا لحق
الصلاة . ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة ، وكذلك المرأة
الحرة تختمر فى الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل
الله صلاة حائض إلا بخمار)) وهي لا يختمر عند زوجها ، ولا عند
ذوي محارمها ، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء ، ولا يجوز لها
فى الصلاة أن تكشف رأسها ، لهؤلاء ولا لغيرهم.
وعكس ذلك : الوجه واليدان والقدمان ، ليس لها أن تبدي
ذلك للأجانب على أصح القولين ، بخلاف ما كان قبل النسخ ، بل لا
تبدي إلا الثياب . وأما ستر ذلك فى الصلاة فلا يجب باتفاق المسلمين
بل يجوز لها إبداؤها فى الصلاة عند جمهور العلماء، كأبى حنيفة والشافعي
وغيرهما ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد . فكذلك القدم يجوز إبداؤه
عند أبي حنيفة ، وهو الأقوى . فإن عائشة جعلته من الزينة الظاهرة .
قالت: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّإِلَّا مَاظَهَرَمِنْهَا) قالت: ((الفتح)) حلق
١١٤

من فضة تكون فى أصابع الرجلين . رواه ابن أبى حاتم . فهذا دليل
على أن النساء كن يظهرن أقدامهن أولا ، كما يظهرن الوجه واليدين ،
كن يرخين ذيولهن ، فهى إذا مشت قد يظهر قدمها ، ولم يكن يمشين
فى خفاف وأحذية ، وتغطية هذا فى الصلاة فيه حرج عظيم ، وأم سلمة
قالت: (( تصلي المرأة فى ثوب سابغ، يغطي ظهر قدميها)) فهي إذا
سجدت قد يبدو باطن القدم .
وبالجملة : قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها فى الصلاة أن
تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت فى بيتها ، وإنما ذلك إذا خرجت .
وحينئذ فتصلي فى بيتها ، وإن رؤي وجهها ويداها وقدماها كماكن
يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن، فليست العورة في الصلاة
مرتبطة بعورة النظر ، لا طرداً ولا عكساً .
وابن مسعود رضى الله عنه لما قال : الزينة الظاهرة هي الثياب ،
لم يقل إنها كلها عورة حتى ظفرها ، بل هذا قول أحمد ، يعني أنها
تشترط فى الصلاة ؛ فإن الفقهاء يسمون ذلك : ( باب ستر العورة )
وليس هذا من ألفاظ الرسول ، ولا في الكتاب والسنة أن ما يستره
(خُذُ واْزِينَتَّكُمْ عِندَكُلِ مَسْجِدٍ)
المصلي فهو عورة ؛ بل قال تعالى :
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف بالبيت عريانا ؛ فالصلاة
أولى. وسئل عن الصلاة فى الثوب الواحد. فقال: ((أو لكلكم ثوبان؟))
١١٥

وقال في الثوب الواحد: (( إن كان واسعاً فالتحف به ، وإن كان ضيقاً
فانزر به)) ((ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه
منه شيء )).
فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة : الفخذ وغيره .
وإن جوزنا للرجل النظر إلى ذلك . فإذا قلنا على أحد القولين وهو ،
إحدى الروايتين عن أحمد : أن العورة هي السوأتان ، وأن الفخذ
ليست بعورة ، فهذا فى جواز نظر الرجل إليها ؛ ليس هو في الصلاة
والطواف ، فلا يجوز أن يصلي الرجل مكشوف الفخذين ، سواء قيل
هما عورة ، أو لا . ولا يطوف عريانا . بل عليه أن يصلي فى ثوب
واحد ، ولا بد من ذلك، إن كان ضيقاً انزر به ، وإن كان واسعاً
التحف به ؛ كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه تغطية ذلك
باتفاق العلماء.
وأما صلاة الرجل بادي الفخذين ، مع القدرة على الإزار ، فهذا
لا يجوز ، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف ، ومن بنى ذلك على
الروايتين في العورة ، كما فعله طائفة فقد غلطوا ؛ ولم يقل أحمد ولا
غيره : إن المصلي يصلي على هذه الحال . كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين
فكيف يبيح له كشف الفخذ ؟! فهذا هذا .
١١٦

وقد اختلف فى وجوب ستر العورة ، إذا كان الرجل خالياً ، ولم
يختلف فى أنه في الصلاة لا بد من اللباس، لا تجوز الصلاة عريانا مع
قدرته على اللباس ، باتفاق العلماء ؛ ولهذا جوز أحمد وغيره للعراة أن
يصلوا قعوداً ، ويكون إمامهم وسطهم ، بخلاف خارج الصلاة ، وهذه
الحرمة لا لأجل النظر . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث
بهز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال : قلت يا رسول الله! فإذا كان
أحدنا خالياً. قال: (( فالله أحق أن يستحيا منه من الناس )) فإذا كان
هذا خارج الصلاة ، فهو في الصلاة أحق أن يستحيا منه فتؤخذ الزينة
لمناحاته سبحانه .
ولهذا قال ابن عمر لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسراً : أرأيت لو
خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا ؟ قال : لا . قال : فالله أحق من
يتجمل له . وفي الحديث الصحيح لما قيل له - صلى الله عليه وسلم -
الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسنا. فقال: ((إن الله
جميل يحب الجمال)).
وهذا كما أمر المصلي بالطهارة والنظافة والطيب ، فقد أمر النبي
صلى الله عليه وسلم أن تتخذ المساجد في البيوت ، وتنظف، وتطيب،
وعلى هذا فيستتر في الصلاة أبلغ مما يستتر الرجل من الرجل ، والمرأة
من المرأة . ولهذا أمرت المرأة أن تختمر في الصلاة ، وأما وجها
١١٧

ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب ، لم تنه عن إبدائه
للنساء، ولا لذوي المحارم.
فعلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل ، والمرأة مع
المرأة ، التى نهي عنها : لأجل الفحش ، وقبح كشف العورة ؛ بل هذا
من مقدمات الفاحشة، فكان النهي عن إبدائها نهياً عن مقدمات الفاحشة
كما قال في الآية: (ذَلِكُ أَزْكَ لَكُمْ) وقال في آية الحجاب: ( ذَلِكُمْ
أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) فنهى عن هذا سداً للذريعة؛ لا أنه عورة مطلقة
لا في الصلاة ولا غيرها ، فهذا هذا .
وأمر المرأة في الصلاة بتغطية يديها بعيد جداً، واليدان يسجدان
كما يسجد الوجه ، والنساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان
لهن قمص، وكن يصنعن الصنائع ، والقمص عليهن، فتبدى المرأة يديها
إذا عجنت وطحنت، وخبرت ، ولو كان ستر اليدين في الصلاة واجباً
لبينه النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك القدمان. وإنما أمر بالخمار
فقط مع القميص ، فكن يصلين بقمصهن وخمرهن: وأما الثوب الذي
كانت المرأة ترخيه وسألت عن ذلك النبى صلى الله عليه وسلم،
فقال: ((شبراً)) فقلن: إذن تبدو سوقهن، فقال: ((ذراع لا يزدن
عليه)) . وقول عمر بن أبى ربيعة :
١١٨

وعلى الغانيات جر الذيول
کتب القتل والقتال علينا
فهذا كان إذا خرجن من البيوت ؛ ولهذا سئل عن المرأة تجر ذيلها
على المكان القذر، فقال: (( يطهره ما بعده)). وأما فى نفس البيت فلم
تكن تلبس ذلك . كما أن الخفاف اتخذها النساء بعد ذلك لستر السوق
إذا خرجن ، وهن لا يلبسنها في البيوت ؛ ولهذا قلن : إذن تبدو
سوقهن . فكان المقصود تغطية الساق ؛ لأن الثوب إذا كان فوق
الكعبين بدا الساق عند المشي .
وقد روى : ((أعروا النساء يلزمن الحجال)) يعني إذا لم يكن
لها ما تلبسه فى الخروج لزمت البيت ، وكان نساء المسلمين يصلين فى
بيوتهن . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تمنعوا إماء الله مساجد
الله، وبيوتهن خير لهن)) ولم يؤمرن مع القمص إلا باحثمر ، لم تؤمر
بسراويل ، لأن القميص يغني عنه ، ولم تؤمر بما يغطي رجليها لاخف
ولا جورب ، ولا بما يغطى يديها لا بقفازين ولا غير ذلك . فدل
على أنه لا يجب عليها فى الصلاة ستر ذلك ، إذا لم يكن عندها رجال
أجانب. وقد روى: ((أن الملائكة لا تنظر إلى الزينة الباطنة
فإذا وضعت خمارها وقميصها لم ينظر إليها)) وروى فى ذلك حديث
عن خديجة .
١١٩

فهذا القدر للقميص ، والخمار هو المأمور به لحق الصلاة ، كما
يؤمر الرجل إذا صلى فى ثوب واسع أن يلتحف به ، فيغطي عورته
ومنكبيه ، فالمنكبان فى حقه كالرأس فى حق المرأة ، لأنه يصلي فى قميص
أو ما يقوم مقام القميص . وهو في الإحرام لا يلبس على بدنه ما يقدر
له كالقميص والجبة ، كما أن المرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين . وأما
رأسه فلا يخمره ، ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد ، وغيره ؛
قيل : إنه كرأس الرجل ، فلا يغطى . وقيل : إنه كيدبه فلا تغطى
بالتقاب والبرقع ونحو ذلك ، مما صنع على قدره ، وهذا هو الصحيح؛
فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن القفازين والنقاب .
وكن النساء بدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال ، من غير
وضع ما يجافيها عن الوجه ، فعلم أن وجهها كيدي الرجل ، ويديها ؛
وذلك أن المرأة كلها عورة كما تقدم ، فلها أن تغطي وجهها ويديها ،
لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو ، كما أن الرجل لا يلبس السراويل
ويلبس الإزار ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
١٢٠