النص المفهرس
صفحات 81-100
الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سافر فى رمضان غزوة بدر ، وغزوة الفتح . فأما غزوة بدر فلم يكن معه فيها أزواجه ، ولا كانت عائشة . وأما غزوة الفتح فقد كان صام فيها فى أول سفره ، ثم أفطر ، خلاف مافى هذا الحديث المفتعل . الرابع : أن اعتمار عائشة معه فيه نظر . الخامس : أن عائشة لم تكن بالتى تصوم وتصلي طول سفرها إلى مكة ، وتخالف فعله بغير إذنه ، بل كانت تستفتيه قبل الفعل ، فإن الإقدام على مثل ذلك لا يجوز . فثبت بهذه السنة المتواترة أن صلاة السفر ركعتان ، كما أن صلاة الحضر أربع ، فإن عدد الركعات إنما أخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي سنه لأمته ، وبطل قول من يقول من أصحاب أحمد والشافعي إن الأصل أربع ، وإنما الركعتان رخصة . وبنوا على هذا : أن القاصر يحتاج إلى نية القصر في أول الصلاة كما قاله الشافعي ، وهو قول الخرقى ، والقاضي ، وغيرهما . بل الصواب ما قاله جمهور أهل العلم، وهو اختيار أبى بكر وغيره : أن القصر لا يحتاج إلى نية ، بل دخول المسافر في صلاته كدخول الحاضر ، بل لو ٨١ نوى المسافر أن يصلي أربعا لكره له ذلك ، وكانت السنة أن يصلي ركعتين ، ونصوص الإمام أحمد إنما تدل على هذا القول . وقد تنازع أهل العلم فى التربيع في السفر : هل هو محرم ؟ أو مكروه ؟ أو ترك الأفضل ؟ أو هو أفضل ؟ على أربعة أقوال : فالأول: قول أبي حنيفة ، ورواية عن مالك . والثانى : رواية عنه، وعن أحمد . والثالث: رواية عن أحمد ، وأصح قولي الشافعي . والرابع: قول له ، و ( الرابع ) خطأ قطعاً ، لا ريب فيه. والثالث ضعيف: وإنما المتوجه أن يكون التربيع إما محرما أو مكروها، لأن طائفة من الصحابة كانوا يربعون ، وكان الآخرون لا ينكرونه عليهم إنكار من فعل المحرم ، بل إنكار من فعل المكروه . وأما قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَيْثُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ هُنَاُ فهنا علق القصر أَنْ نَقْصُرُ واْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُالَّذِينَ كَفَرُواْ ) بسبين : الضرب فى الأرض ، والخوف من فتنة الذين كفروا ؛ لأن القصر المطلق يتناول قصر عددها، وقصر عملها ، وأركانها . مثل الإيماء بالركوع والسجود ، فهذا القصر إنما يشرع بالسببين كلاهما ، ٨٢ كل سبب له قصر . فالسفر يقتضى قصر العدد ، والخوف يقتضي قصر الأركان . ولو قيل : إن القصر المعلق هو قصر الأركان ، فإن صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر، لكان وجيهاً. ولهذا قال: (فَإِذَا الْمَأَ نَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ ). فقد ظهر بهذا أن القصر لا يسوى بالجمع ، فإنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرعته لأمته ، بل الإمام في السفر أضعف من الجمع فى السفر . فإن الجمع قد ثبت عنه أنه كان يفعله فى السفر أحياناً وأما الإتمام فيه فلم ينقل عنه قط ، وكلاهما مختلف فيه بين الأمة ، فإنهم مختلفون فى جواز الإتمام ؛ وفى جواز الجمع ، متفقون على جواز القصر وجواز الإفراد. فلا بشبه بالسنة المتواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليه في أسفاره ، وقد اتفقت الأمة عليه ، [ فلا يصار] (١) إلى أن ما فعله فى سفره مرات متعددة [متفق عليه] (٢). وقد تنازعت فيه الأمة . فصل وأما الوقت : فالأصل فى ذلك أن الوقت فى كتاب الله وسنة رسول اللّه نوعان: وقت اختيار ورفاهية، ووقت حاجة وضرورة. (١)، (٢) أضيفتا حسب مفهوم السياق. ٨٣ أما الأول : فالأوقات خمسة . وأما الثانى: فالأوقات ثلاثة ، فصلاتا الليل ، وصلانا النهار ، وهما اللتان فيهما الجمع والقصر، بخلاف صلاة الفجر فإنه ليس فيها جمع ولا قصر ، لكل منهما وقت مختص ، وقت الرفاهية والاختيار ، والوقت مشترك بينهما عند الحاجة والاضطرار ؛ لكن لا تؤخر صلاة نهار إلى ليل ، ولا صلاة ليل إلى نهار . ولهذا وقع الأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى صلاة العصر . وقال النبى صلى الله عليه وسلم فيها: ((من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله)) وقال: ((فكأنما وتر أهله وماله)) وقد دل على هذا الأصل أن اللّه فى كتابه ذكر الوقوت نارة ثلاثة، وتارة خمسة . أما الثلاثة ففى قوله: ( وَأَقِمِ الصَّلَوْةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ وقوله : وفى قوله: (أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَِّلِ) ( وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُوُ * وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَرَالنُّجُومِ) وأما الخمس فقد ذكرها أربعة: فى قوله: ( فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ * تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ تُظْهِرُونَ ) وقوله: (فَأَصْبِرُ عَلَى مَايَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْءَانٍَّ الَّلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِلَعَلَّكَ تَرْضَى ) وَمِنَ اْلَيْلِ * وقوله : ( وَسَبِّحْ بَحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ٨٤ والسنة هي التى فسرت ذلك وبينته فَسَبِّحْهُ وَأَذْبَرَ الشُّجُودِ ) وأحكمته . وذلك أنه قد ثبت بالنقل المتواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم : (( أنه كان يصلي الصلوات الخمس فى خمس مواقيت : فى حال مقامه بالمدينة ، وفى غالب أسفاره حتى إنه فى حجة الوداع - آخر أسفاره - كان يصلي كل صلاة فى وقتها ركعتين ، وإنما جمع بين الظهر والعصر بعرفة ، وبين العشاءين بمزدلفة ؛ ولهذا قال ابن مسعود : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها، إلا المغرب ليلة جمع ، والفجر بمزدلفة . وإنما قال ذلك لأنه غلس بها تغليساً شديداً ، وقد بين جابر في حديثه أنه صلاها حين طلع الفجر . ولهذا اتفق المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة؛ لأن جمع هاتين الصلاتين في حجة الوداع دون غيرهما، مما صلاه بالمسلمين بمنى أو بمكة هو من المنقول نقلا عاما متواتراً مستفيضاً. وثبت عنه أنه بين مواقيت الصلاة بفعله لمن سأله عن المواقيت بالمدينة ، كما رواه مسلم فى صحيحه من حديث أبى موسى ، وحديث بريدة بن الحصيب ، وبين له جبريل المواقيت بمكة ، كما رواه جابر ، وابن عباس . وروى مسلم فى صحيحه المواقيت من كلام النبى صلى الله ٨٥ عليه وسلم، من حديث عبد الله بن عمر، وهو أحسن أحاديث المواقيت ؛ لأنه بيان بكلام النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال : ((وقت الفجر ما لم تطلع الشمس ، ووقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ، ووقت المغرب مالم يسقط نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل )) وقد روى محو ذلك من حديث أبى هريرة مرفوعا، وفيه نظر . وعلى هذه الأحاديث اعتمد الامام أحمد لكثرة اطلاعه على السنن ، وأما غيره من الأئمة فبلغه بعض هذه الأحاديث دون بعض ، فاتبع ما بلغه ، ومن اتبع ما بلغه فقد أحسن ، وما على المحسنين من سبيل . وقال صلى الله عليه وسلم فى غير حديث: (( سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة )) فهذا دليل على أنه لا يجوز تأخير الأولى إلى وقت الثانية ولا يجوز الجمع لغير حاجة ؛ فإن الأمراء لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ، ولا صلاة الليل إلى النهار ، ولكن غايتهم أن يؤخروا الظهر إلى وقت العصر ، أو العصر إلى الاصفرار ، أو يؤخروا المغرب إلى مغيب الشفق . وأما العشاء فلو أخروها إلى نصف الليل لم يكن ذلك مكروهاً . وتأخيرها إلى ما بعد ذلك لم يكن يفعله أحد ، ولا هو مما يفعله الأمراء. ٨٦ وأما الثلاث : فقد ثبت عنه فى الأحاديث الصحيحة من حديث ابن عمر وأنس بن مالك ومعاذ بن جبل : أنه كان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، يجمع في وقت الثانية إذا جد به السير فى وقت الأولى ، أو إذا كان سائراً فى وقتها . وهذا مما اتفق عليه القائلون بالجمع بين الصلاتين من فقهاء الحديث ، وأهل الحجاز. وكذلك ما روي عنه (( أنه كان فى غزوة تبوك إذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً)) رواه أهل السنن من حديث معاذ. ورواه مسلم فى صحيحه عن معاذ (( أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع فى غزوة تبوك بين الظهر والعصر . وبين المغرب والعشاء)). وإنما تنازعوا فيما إذا كان نازلا فى وقت الصلاتين كليهما، وفيه روايتان عن أحمد : إحداهما : لا يجمع لعدم السنة ، والحاجة ، وهو قول مالك ، واختيار الخرقي . الثانية : يجمع ، وهو قول الشافعي ؛ لحديث روي فى ذلك أيضاً رواه أبو داود. وذكر ابن عبد البر أنه لم يرو غيره ، وثبت عنه أيضاً بالأحاديث الصحيحة وبالاتفاق أنه جمع في حجة الوداع بعرفة بين صلاتي العشي ، وبمزدلفة بين صلاتي العشاءين ، وثبت عنه فى الصحيحين من حديث ابن عباس (( أنه صلى بالمدينة سبعا ، وثمانيا : الظهر والعصر ٨٧ والمغرب والعشاء )) وفى صحيح مسلم عنه ((جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر . قيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ قال : أراد ألا يحرج أمته )) . وكذلك قال معاذ بن جبل . وروى أهل السنن عنه حديثين أو ثلاثة أنه أمر المستحاضة بالجمع بين الصلاتين فى حديث حمنة بنت جحش ، وغيرها ، فهذا الجمع بالمدينة للمطر ولغير مطر . وقد نبه به ابن عباس على الجمع للخوف والمطر . والجمع عند المسير في السفر ؛ يجمع في المقام وفى السفر لرفع الحرج . فعلم بذلك أنه ليس السفر سبب الجمع ، كما هو سبب للقصر فإن قصر العدد دائر مع السفر وجوداً وعدماً، وأما الجمع فقد جمع فى غير سفر ، وقد كان فى السفر يجمع للمسير ، ويجمع فى مثل عرفة ومزدلفة ، ولا يجمع فى سائر مواطن السفر، وأمر المستحاضة بالجمع . فظهر بذلك أن الجمع هو لرفع الحرج ، فإذا كان في التفريق حرج جاز الجمع ، وهو وقت العذر والحاجة . ولهذا قال الصحابة : كعبد الرحمن بن عوف وابن عمر فى الحائض إذا طهرت قبل الغروب : صلت الظهر والعصر ، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء وقال بذلك أهل الجمع : كمالك والشافعي . وأحمد ، فهذا يوافق ((قاعدة الجمع )) في أن الوقت مشترك بين صلاتى الجمع عند الضرورة ٨٨ والمانع . فمن أدرك آخر الوقت المشترك فقد أدرك الصلاتين كلتيهما ومن قال من أصحابنا وغيرهم : إن الجمع معلق بسفر القصر وجوداً وعدماً ، حتى منعوا الحاج الذين بمكة وغيرهم من الجمع بين صلانى العشي ، وصلاتى العشاء ، فما أعلم لقولهم حجة تعتمد ؛ بل خلاف السنة المعلومة بقيناً عن النبى صلى الله عليه وسلم. فإنا قد علمنا أنه لم يأمر أحداً من الحجاج معه من أهل مكة أن يؤخروا العصر إلى وقتها المختص ، ولا يعجلوا المغرب قبل الوصول إلى مزدلفة ، فيصلوها إما بعرفة ، وإما قريباً من المأزمين ، هذا مما هو معلوم يقيناً ، ولا قال هذا أحمد ، بل كلامه ونصوصه تقتضي أنه يجمع بين الصلاتين ، ويؤخر المغرب جميع أهل الموسم، كما جاءت به السنة ، وكما اختاره طوائف من أصحابه : كأبى الخطاب فى العبادات ، وأبي محمد المقدسي وغيرهما . ثم إما أن يقال: إن الجمع معلق بالسفر مطلقاً ، قصيره وطويله ، إما مطلقاً ، وإما لأجل المسير ، وإما أن يقال الجمع بمزدلفة لأجل النسك، كما يقوله من يقوله من أصحابنا، وغيرهم . والأول أصوب عندي وأقيسه بأصول أحمد ، ونصوصه؛ فإنه قد نص على الجمع في الحضر لشغل ، فإذا جد به السير في السفر القصير فهو أولى ؛ ولأن الأحكام المعلقة بالسفر تختص بالسفر ، كالقصر والفطر والمسح . وأما المتعلقة بالطويل والقصير كالصلاة على الدابة ، والمتيمم ، وكأكل الميتة ، ٨٩ فهذه جاءت للحاجة ، وكذلك يجوز في الحضر ، والجمع هو من هذا الباب . إنما جاز لعموم الحاجة لا لخصوص السفر ؛ ولهذا كان ما تعلق بالسفر إنما هو رخصة قد يستغنى عنها . وأما ما تعلق بالحاجة فإنه قد يكون ضرورة لا بد منها . فالأول كفطر المسافر، والثاني كفطر المريض فهذا هذا . والله أعلم . ومما يشبه هذه الآية في العموم والجمع، وإن اشتبه معناها : قوله تعالى: ( وَإِذَا ضَرَُّمْ فِ آلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمُ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فإنه أباح القصر بشرطين الضرب فى الأرض ؛ ( وخوف الكفار . ولهذا اعتقد كثير من الناس أن القصر مجرد قصر العدد ، أشكل عليهم ، فمن أهل البدع من قال : لا يجوز قصر الصلاة إلا فى حال الخوف ، حتى روى الصحابة السنن المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم في القصر فى سفر الأمن ، وقال ابن عمر : صلاة السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر . فإن من الخوارج من يرد السنة المخالفة لظاهر القرآن ، مع علمه بأن الرسول سنها . وقال حارثة بن وهب : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - آمن ما كان - ركعتين. وقال عبد الله بن مسعود: صلينا خلف ٩٠ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، وخلف أبي بكر ركعتين وخلف عمر ركعتين ، وقال عمر ليعلى بن أمية لما سأله عن الآية : فقال : عجبت مما عجبت منه . فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ((صدقة تصدق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته)) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القصر فى سفر الأمن صدقة من الله، ولم يقل إنها مخالفة لظاهر القرآن . فنقول: القصر الكامل المطلق هو قصر العدد ، وقصر الأركان ، فقصر العدد جعل الرباعية ركعتين ، وقصر الأركان هو قصر القيام والركوع والسجود كما فى صلاة الخوف الشديد ، وصلاة الخوف اليسير . فالسفر سبب قصر العدد والخوف سبب قصر الأركان ، فإذا اجتمع الأمران : قصر العدد والأركان . وإن انفرد أحد السببين : انفرد قصره، فقوله سبحانه: ( أَن نَقْصُرُواْمِنَ الصَّلَوةِ ) مطلق فى هذا القصر ، وهذا القصر ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسر مجمل القرآن ، وتبينه ، وتدل عليه ، وتعبر عنه . وهي مفسرة له لا مخالفة لظاهر . . ونظير هذا أبضاً ما قرئ به في قوله: (وَأُمْسَحُواْبِرُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) من أن المسح مطلق يدخل فيه المسح بإسالة، وهو الغسل، ٩١ والمسح بغير إسالة وهو المسح بلا غسل ، فالقرآن أمر بمسح مطلق، والسنة تثبت أن المسح في الرأس بغير إسالة ، والمسح على الرجلين بإسالة . فهي مفسرة له ، لا مخالفة لظاهره ، فينبغي تدبر القرآن ، ومعرفة وجوهه ، فإن أكثر ما يتوم الناس أنه قد خولف ظاهره، وليس كذلك ، وإنما له دلالات يعرفها من أعطاه الله فهماً فى كتابه ، ويستفيد بذلك خمسة فوائد : أحدها : تقرير الأحكام بدلائل القرآن . والثانى : بيان انفاق الكتاب والسنة . والثالث : بيان أن السنة مفسرة له ، لا منافية له . والرابع : بيان المعاني والبيان التى فى القرآن . والخامس : الإجماع موافق للكتاب والسنة . والله أعلم . وسئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الأعمال عند الله الصلاة لوقتها ، فهل هو الأول ؟ أو الثانى ؟ ٩٢ فأجاب : الوقت يعم أول الوقت وآخره ، والله يقبلها فى جميع الوقت ، لكن أوله أفضل من آخره ، إلا حيث استثناه الشارع كالظهر فى شدة الحر ، وكالعشاء إذا لم يشق على المأمومين، والله أعلم . وسئل رحمه اللّه هل يشترط الليل إلى مطلع الشمس ؟ وكم أقل ما بين وقت المغرب ودخول العشاء من منازل القمر ؟ فأجاب : أما وقت العشاء فهو مغيب الشفق الأحمر ، لكن فى البناء يحتاط حتى يغيب الأبيض ، فإنه قد تستتر الحمرة بالجدران ، فإذا غاب البياض تيقن مغيب الأحمر . هذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد . وأما أبو حنيفة : فالشفق عنده هو البياض ، وأهل الحساب يقولون : إن وقتها منزلتان ، لكن هذا لا ينضبط ، فإن المنازل إنما تعرف بالكواكب ، بعضها قريب من المنزلة الحقيقية ، وبعضها بعيد من ذلك . وأيضاً فوقت العشاء في الطول والقصر يتبع النهار ، فيكون ٩٣ فى الصيف أطول ، كما أن وقت الفجر يتبع الليل ، فيكون فى الشتاء أطول . ومن زعم أن حصة العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء ، وفى الصيف فقد غلط غلطاً حسياً باتفاق الناس . وسبب غلطه أن الأنوار تتبح الأبخرة ، ففي الشتاء يكثر البخار بالليل ، فيظهر النور فيه أولا ، وفي الصيف تقل الأبخرة بالليل، وفي الصيف يتكدر الجو بالنهار بالأبخرة ، ويصفو فى الشتاء ؛ لأن الشمس مزقت البخار ، والمطر لبد الغبار . وأيضاً : فإن النورين تابعان للشمس، هذا يتقدمها ، وهذا يتأخر عنها ، فيجب أن يكونا تابعين للشمس ، فإذا كان في الشتاء طال زمن مغيبها ، فيطول زمان الضوء التابع لها . وأما جعل هذه الحصة بقدر هذه الحصة ، وأن الفجر فى الصيف أطول ، والعشاء فى الشتاء أطول ، وجعل الفجر تابعاً للنهار: بطول في الصيف ، ويقصر في الشتاء ، وجعل الشفق تابعاً لليل يقصر فى الصيف ويطول فى الشتاء، فهذا قلب الحس والعقل والشرع . ولا يتأخر ظهور السواد عن مغيب الشمس ، والله أعلم . ٩٤ وسئل هل التغليس أفضل أم الإسفار ؟ فأجاب : الحمد لله . بل التغليس أفضل ، إذا لم يكن ثم سبب يقتضي التأخير ، فإن الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنه كان يغلس بصلاة الفجر ، كما في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس)) والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فى مسجده قناديل ، كما فى الصحيحين عن أبى برزة الأسلمي: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الفجر بما بين الستين آية إلى المائة، وينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه، وهذه القراءة هي نحو نصف جزء أو ثلث جزء، وكان فراغه من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه . وهكذا فى الصحيح من غير هذا الوجه أنه كان يغلس بالفجر ، وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده ، وكان بعده أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، فنشأ فى دولتهم فقهاء رأوا ٩٥ عادتهم فظنوا أن تأخير الفجر والعصر أفضل من تقديمها ، وذلك غلط فى السنة . واحتجوا بما رواه الترمذي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر)) وقد صححه الترمذي ، وهذا الحديث لو كان معارضا لم يقاومها ؛ لأن تلك فى الصحيحين ، وهي مشهورة مستفيضة ، والخبر الواحد إذا خالف المشهور المستفيض كان شاذا ، وقد يكون منسوخا ؛ لأن التغليس هو فعله حتى مات ، وفعل الخلفاء الراشدين بعده . وقد تأول الطحاوي من أصحاب أبى حنيفة وغيره كأبى حفص البرمكي من أصحاب أحمد وغيرهما، قوله: ((أسفروا بالفجر)) على أن المراد الإسفار بالخروج منها ، أي أطيلوا صلاة الفجر حتى تخرجوا منها مسفرين . وقيل : المراد بالإسفار التبين ، أي صلوها إذا تبين الفجر وانكشف ووضح ؛ فإن فى الصحيحين عن ابن مسعود قال: (( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة، وصلاة المغرب بجمع ، وصلاة الفجر إنما صلاها يومئذ بعد طلوع الفجر هكذا فى صحيح مسلم عن جابر قال: ((وصلى صلاة الفجر حين برق ٩٦ الفجر)) وإنما مراد عبد الله بن مسعود أنه كان يؤخر الفجر عن أول طلوع الفجر حتى يتبين وينكشف ويظهر . وذلك اليوم مجلها قبل . وبهذا تتفق معانى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم، وأما إذا أخرها لسبب يقتضي التأخير مثل المتيمم عادته إنما يؤخرها ليعلي آخر الوقت بوضوء ، والمنفرد يؤخرها حتى يصلي آخر الوقت فى جماعة ، أو أن يقدر على الصلاة آخر الوقت قائماً ، وفى أول الوقت لا يقدر إلا قاعدا ، ونحو ذلك مما يكون فيه فضيلة تزيد على الصلاة فى أول الوقت، فالتأخير لذلك أفضل والله أعلم . وسل عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر))؟. فأجاب: أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر )) فإنه حديث صحيح . لكن قد استفاض عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يغلس بالفجر ، حتى كانت تتصرف نساء المؤمنات متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس . فلهذا فسروا ذلك الحديث بوجهين : ٩٧ أحدهما : أنه أراد الإسفار بالخروج منها : أي أطيلوا القراءة حتى تخرجوا منها مسفرين ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها بالستين آية إلى مائة آية ، نحو نصف حزب . والوجه الثانى : أنه أراد أن يتبين الفجر ويظهر ، فلا يصلى مع غلبة الظن ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد التبين ، إلا يوم مزدلفة فإنه قدمها ذلك اليوم على عادته ، والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن رجل من أهل القبلة ترك الصلاة مدة سنتين ، ثم تاب بعد ذلك ، وواظب على أدائها . فهل يجب عليه قضاء ما فاته منها أم لا؟ فأجاب : أما من ترك الصلاة ، أو فرضاً من فرائضها ، فإما أن يكون قد ترك ذلك ناسياً له بعد علمه بوجوبه ، وإما أن يكون جاهلا بوجوبه ، وإما أن يكون لعذر يعتقد معه جواز التأخير ، وإما أن يتركه عالماً عمداً . فأما الناسى للصلاة : فعليه أن يصليها إذا ذكرها بسنة رسول ٩٨ الله صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه، باتفاق الأئمة. قال صلى الله عليه وسلم: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . لاكفارة لها إلا ذلك)) وقد استفاض فى الصحيح وغيره: ((أنه نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر فى السفر فصلوها بعد ما طلعت الشمس السنة والفريضة بأذان وإقامة)). وكذلك من نسى طهارة الحدث ، وصلى ناسياً : فعليه أن يعيد الصلاة بطهارة بلا نزاع ، حتى لو كان الناسي إماماً كان عليه أن يعيد الصلاة ، ولا إعادة على المأمومين إذا لم يعلموا عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في المنصوص المشهور عنه . كما جرى لعمر وعثمان- رضي الله عنهما -. وأما من نسي طهارة الخبث فإنه لا إعادة عليه فى مذهب مالك وأحمد فى أصح الروايتين عنه ، والشافعي في أحد قوليه ؛ لأن هذا من باب فعل المنهي عنه ، وتلك من باب ترك المأمور به ، ومن فعل ما نهي عنه ناسياً فلا إثم عليه بالكتاب والسنة. كما جاءت به السنة فيمن أكل فى رمضان ناسياً . وهو مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد . وطرد ذلك فيمن تكلم فى الصلاة ناسياً ، ومن تطيب ولبس ناسيا ، كما هو مذهب الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين عنه ، ٩٩ وكذلك من فعل المحلوف عليه ناسيا كما هو أحد القولين عن الشافعي وأحمد . وهنا مسائل تنازع العلماء فيها : مثل من نسى الماء فى رحله وصلى بالتيمم . وأمثال ذلك ليس هذا موضع تفصيلها . وأما من ترك الصلاة جاهلا بوجوبها : مثل من أسلم فى دار الحرب ، ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه ، فهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال . وجهان فى مذهب أحمد : أحدها : عليه الإعادة مطلقا . وهو قول الشافعى، وأحد الوجهين فى مذهب أحمد . والثانى : عليه الإعادة: إذا تركها بدار الإسلام دون دار الحرب وهو مذهب أبي حنيفة ؛ لأن دار الحرب دار جهل ، يعذر فيه ؛ بخلاف دار الإسلام . والثالث: لا إعادة عليه مطلقا . وهو الوجه الثاني فى مذهب أحمد ، وغيره . وأصل هذين الوجهين : أن حكم الشارع ، هل يثبت فى حق ١٠٠