النص المفهرس

صفحات 41-60

القضاء ، وهذا هو الظاهر .
وعن أحمد فى هذا الأصل روايتان منصوصتان فيمن صلى فى معاطن
الإبل ، ولم يكن علم بالنهي ، ثم علم ، هل يعيد ؟ على روايتين ومن
صلى ولم يتوضأ من لحوم الإبل ، ولم يكن علم بالهي ، ثم علم . هل
يعيد ؟ على روايتين منصوصتين.
وقيل : عليه الإعادة : إذا ترك الصلاة جاهلا بوجوبها فى دار
الإسلام دون دار الحرب ، وهو المشهور من مذهب أبى حنيفة ، والصائم
إذا فعل ما يفطر به جاهلا بتحريم ذلك : فهل عليه الإعادة ؟ على قولين
فى مذهب أحمد. وكذلك من فعل محظور! [فى] الحج جاهلا .
وأصل هذا : أن حكم الخطاب ؛ هل يثبت فى حق المكلف قبل
أن يبلغه ؟ فيه ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره . قيل : يثبت .
وقيل: لا يثبت ، وقيل : يثبت المبتدأ دون الناسخ. والأظهر أنه لا يجب
قضاء شيء من ذلك ، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ ، لقوله تعالى:
(ِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ ) وقوله: (وَمَا كُنَامُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
ولقوله: (لِتَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ومثل هذا في
القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحداً حتى يبلغه ما جاء به الرسول.
ومن علم أن محمداً رسول اللّه فَآمن بذلك، ولم يعلم كثيراً مما
٤١

جاء به لم يعذبه الله على مالم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان
بعد البلوغ ، فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلاغ أولى
وأحرى . وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستفيضة عنه
في أمثال ذلك.
فإنه قد ثبت فى الصحاح أن طائفة من أصحابه ظنوا أن قوله تعالى:
(اٌلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ )
هو الحبل الأبيض من الحبل
الأسود ، فكان أحدهم يربط في رجله حبلا، ثم يأكل حتى يتبين هذا
من هذا فبين النبى صلى الله عليه وسلم: أن المراد بياض النهار ، وسواد
الليل، ولم يأمرهم بالإعادة.
وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجنبا ، فلم يصل عمر حتى أدرك
الماء ، وظن عمار أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء فتمرغ كما تمرغ الدابة
ولم يأمر واحداً منهم بالقضاء ، وكذلك أبو ذر بقي مدة جنباً لم يصل، ولم
بأمره بالقضاء، بل أمره بالتيمم فى المستقبل .
وكذلك المستحاضة قالت : إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة
والصوم ، فأمرها بالصلاة زمن دم الاستحاضة ، ولم يأمرها بالقضاء .
ولما حرم الكلام في الصلاة تكلم معاوية بن الحكم السلمي فى
٤٢

الصلاة بعد التحريم جاهلا بالتحريم، فقال له: ((إن صلاتنا هذه لا
يصلح فيها شيء من كلام الآدميين ) ولم يأمره بإعادة الصلاة.
ولما زيد في صلاة الحضر حين هاجر إلى المدينة ، كان من كان
بعيداً عنه: مثل من كان بمكة ، وبأرض الحبشة يصلون ركعتين ، ولم
يأمرهم النبي بإعادة الصلاة.
ولما فرض شهر رمضان فى السنة الثانية من الهجرة ، ولم يبلغ
الخبر إلى من كان بأرض الحبشة من المسلمين ، حتى فات ذلك الشهر ،
لم يأمرهم بإعادة الصيام.
وكان بعض الأنصار - لما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من
المدينة إلى مكة قبل الهجرة - قد صلى إلى الكعبة معتقداً جواز ذلك
قبل أن يؤمر باستقبال الكعبة ، وكانوا حينئذ يستقبلون الشام ، فلما
ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره باستقبال الشام، ولم يأمره
بإعادة ما كان صلى .
وثبت عنه فى الصحيحين أنه سئل - وهو بالجعرانة : عن رجل
أحرم بالعمرة ، وعليه جبة ، وهو متضمخ بالخلوق ، فلما نزل عليه الوحي
قال له: ((انزع عنك جبتك، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع فى
٤٣

عمرتك ما كنت صانعاً في حجك)). وهذا قد فعل محظوراً فى الحج.
١
وهو لبس الجية ، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بدم
ولو فعل ذلك مع العلم للزمه دم.
وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال للأعرابى المسىء في صلاته :
((صل فإنك لم تصل - مرتين أو ثلاثاً - فقال: والذي بعثك بالحق
ما أحسن غير هذا ، فعلمني ما يجزيني فى الصلاة ، فعلمه الصلاة المجزية))
ولم يأمره بإعادة ماصلى قبل ذلك . مع قوله ما أحسن غير هذا ، وإنما
أمره أن يعيد تلك الصلاة ؛ لأن وقتها باق ، فهو مخاطب بها ، والتى
صلاها لم تبرأ بها الذمة ، ووقت الصلاة باق .
ومعلوم أنه لو بلغ صى ، أو أسلم كافر ، أو طهرت حائض ، أو
أفاق مجنون ، والوقت باق لزمتهم الصلاة أداء لاقضاء . وإذا كان بعد
خروج الوقت فلا إثم عليهم. فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجوب
الطمأنينة فى أثناء الوقت فوجبت عليه الطمأنينة حينئذ، ولم تجب
عليه قبل ذلك ؛ فلهذا أمره بالطمأنينة فى صلاة ذلك الوقت ،
دون ما قبلها .
وكذلك أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد ، ولمن ترك لمعة من
قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة. وقوله أولا: (( صل فإنك لم تصل ))
٤٤

تبين أن ما فعله لم يكن صلاة ، ولكن لم يعرف أنه كان باهلا بوجوب
الطمأنينة ، فلهذا أمره بالإعادة ابتداء ، ثم علمه إياها، لما قال: ((والذي
بعثك بالحق لا أحسن غير هذا)) .
فهذه نصوصه - صلى الله عليه وسلم - في محظورات الصلاة
والصيام والحج مع الجهل فيمن ترك واجباتها مع الجهل ، وأما أمره
لمن صلى خلف الصف أن يعيد فذلك أنه لم يأت بالواجب مع بقاء
الوقت . فثبت الوجوب فى حقه حين أمره النبى صلى الله عليه وسلم
البقاء وقت الوجوب ، لم يأمره بذلك مع مضي الوقت .
وأما أمره لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها الماء بالإعادة، فلأنه كان
ناسياً ، فلم يفعل الواجب، كمن نسي الصلاة ، وكان الوقت باقياً ، فإنها
قضية معينة بشخص لا يمكن أن يكون في الوقت وبعده . أعنى أنه
رأى فى رجل رجل لمعة لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة،
رواه أبو داود . وقال أحمد بن حنبل حديث جيد .
وأما قوله: (( ويل للأعقاب من النار)) ونحوه . فإنما يدل على
وجوب تكميل الوضوء ليس في ذلك أمر بإعادة شيء ومن كان أيضاً
يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين ، أو عن المشايخ الواصلين ، أو
عن بعض أتباعهم ، أو أن الشيخ يصلي عنهم ، أو أن لله عباداً أسقط
٤٥

عنهم الصلاة ، كما يوجد كثير من ذلك فى كثير من المنتسبين إلى الفقر
والزهد ، واتباع بعض المشايخ والمعرفة ، فهؤلاء يستتابون باتفاق
الأئمّة ، فإن أقروا بالوجوب ، وإلا قوتلوا، وإذا أصروا على جحد
الوجوب حتى قتلوا ، كانوا من المرتدين ، ومن تاب منهم وصلى لم يكن
عليه إعادة ما ترك قبل ذلك فى أظهر قولي العلماء ، فإن هؤلاء إما أن
يكونوا مرتدين ، وإما أن يكونوا مسلمين جاهلين للوجوب .
فإن قيل: إنهم مرتدون عن الإسلام ، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي
ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء ، كما لا يقضى الكافر إذا أسلم
ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء ، ومذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد
في أظهر الروايتين عنه ، والأخرى يقضي المرتد . كقول الشافعي
والأول أظهر .
فإن الذين ارتدوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالحارث
ابن قيس ، وطائفة معه أنزل الله فيهم: (كَيْفَ يَهْدِى اللهُ قَوْمَا كَفَرُواْ
بَعْدَ إِيمَنِمْ ) الآية ، والتى بعدها . وكعبد الله بن أبى سرح، والذين
(ثُمَّإِنَّ رَبَّكَ
خرجوا مع الكفار يوم بدر ، وأنزل فيهم :
لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُوَاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ). فهؤلاء عادوا إلى الإسلام ، وعبد الله بن أبي سرح
عاد إلى الإسلام عام الفتح ، وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر
٤٦

أحداً منهم بإعادة ما ترك حال الكفر فى الردة ، كما لم يكن يأمر سائر
الكفار إذا أسلموا .
وقد ارتد فى حياته خلق كثير اتبعوا الأسود العنسي الذي
تنبأ بصنعاء اليمن ، ثم قتله الله ، وعاد أولئك إلى الإسلام ، ولم
يؤمروا بالإعادة.
وتنبأ مسيلمة الكذاب ، واتبعه خلق كثير ، قاتلهم الصديق والصحابة
بعد موته حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام ، ولم يأمر أحداً منهم
بالقضاء ، وكذلك سائر المرتدين بعد موته .
وكان أكثر البوادي قد ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام ، ولم يأمر
أحداً منهم بقضاء ما ترك من الصلاة . وقوله تعالى: (قُل لَّلَّذِينَ
كَفَرُوَأْ إِن يَنْتَهُو ◌ْيُغْفَرْلَهُمْ مَاقَدْ سَلَفَ ) يتناول كل كافر .
وإن قيل : إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين ، بل جهالاً بالوجوب ،
وقد تقدم أن الأظهر فى حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه
المأمور ، ولا قضاء عليهم . فهذا حكم من تركها غير معتقد لوجوبها .
وأما من اعتقد وجوبها مع إصراره على الترك : فقد ذكر عليه
المفرعون من الفقهاء فروعا :
٤٧

أحدها هذا ، فقيل عند جمهورم : مالك والشافعي وأحمد . وإذا
صبر حتى يقتل فهل يقتل كافراً مرتداً ، أو فاسقاً كفساق المسلمين؟
على قولين مشهورين . حكيا روايتين عن أحمد ، وهذه الفروع
لم تنقل عن الصحابة ، وهي فروع فاسدة ، فإن كان مقراً بالصلاة فى
الباطن ، معتقداً لوجوبها ، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل
وهو لا يصلي، هذا لا يعرف من بنى آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا
قط فى الإسلام ، ولا يعرف أن أحداً يعتقد وجوبها ، ويقال له إن لم
تصل وإلا قتلناك ، وهو يصر على تركها ، مع إقراره بالوجوب ، فهذا
لم يقع قط فى الإسلام .
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن فى الباطن مقراً
بوجوبها ، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين ، كما استفاضت
الآثار عن الصحابة بكفر هذا ، ودلت عليه النصوص الصحيحة . كقوله
صلى الله عليه وسلم: ((ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة))
رواه مسلم. وقوله: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها
فقد كفر )) .
وقول عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من الأعمال
تركه كفر إلا الصلاة ، فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا يسجد
لله سجدة قط ، فهذا لا يكون قط مسلماً مقراً بوجوبها ، فإن اعتقاد
٤٨

الوجوب ، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها ،
والداعى مع القدرة يوجب وجود المقدور ، فإذا كان قادراً ولم يفعل
قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد . والاعتقاد التام لعقاب التارك
باعث على الفعل ، لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور توجب تأخيرها
وترك بعض واجباتها ، وتفويتها أحياناً .
فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط ، ويموت على هذا
الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلماً ؛ لكن أكثر الناس يصلون
نارة ، ويتركونها تارة ، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها ، وهؤلاء تحت
الوعيد ، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي فى السنن حديث عبادة عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد
في اليوم والليلة من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن
لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له))
فالمحافظ عليها الذي يصليها فى مواقيتها ، كما أمر الله تعالى، والذي
ليس يؤخرها أحياناً عن وقتها ، أو يترك واجباتها ، فهذا محت مشيئة
اللّه تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء
فى الحديث .
٤٩

وسئل
عمن يؤمر بالصلاة فيمتنع ، وماذا يجب عليه ؟ ومن اعتذر بقوله :
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه)) هل يكون له
عذر فى أنه لا يعاقب على ترك الصلاة ، أم لا ؟ وماذا يجب على
الأمراء وولاة الأمور في حق من تحت أيديهم إذا تركوا الصلاة؟
وهل قيامهم فى ذلك من أعظم الجهاد وأكبر أبواب البر؟
فأجاب : الحمد لله، من يمتنع عن الصلاة المفروضة فإنه يستحق
العقوبة الغليظة باتفاق أئمة المسلمين ، بل يجب عند جمهور الأمة :
كمالك، والشافعي ، وأحمد ، وغيرم أن يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل .
بل تارك الصلاة شر من السارق والزانى ، وشارب الخمر .
وآكل الحشيشة .
ويجب على كل مطاع أن بأمر من يطيعه بالصلاة ، حتى الصغار
الذين لم يبلغوا، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((حروم بالصلاة لسبع
واضربوهم عليها لعشر ، وفرقوا بينهم فى المضاجع »
٥٠

ومن كان عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد فلم يأمره بالصلاة
فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير ، ويعزر الكبير على ذلك تعزيراً
بليغاً؛ لأنه عصى الله ورسوله، وكذلك من عنده مماليك كبار ، أو
غلمان الخيل والجمال والبزاة ، أو فراشون أو بابية يغسلون الأبدان
والثياب ، أو خدم، أو زوجة ، أو سرية، أو إماء ، فعليه أن يأمر
جميع هؤلاء بالصلاة ، فإن لم يفعل كان عاصياً لله ورسوله . ولم يستحق
هذا أن يكون من جند المسلمين ، بل من جند التتار . فإن التتار
يتكلمون بالشهادتين ، ومع هذا فقتالهم واجب بإجماع المسلمين .
وكذلك كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام
الظاهرة ، أو الباطنة المعلومة ، فإنه يجب قتالها ، فلو قالوا : نشهد
ولا نصلي قوتلوا حتى يصلوا ، ولو قالوا : نصلي ولا نزكي قونلوا حتى
يزكوا، ولو قالوا: نزكي ولا نصوم ولا نحج ، قوتلوا حتى يصوموا
رمضان ، ويحجوا البيت . ولو قالوا : نفعل هذا لكن لاندع الربا ،
ولا شرب الخمر ، ولا الفواحش ، ولا تجاهد فى سبيل الله، ولا نضرب
الجزية على اليهود والنصارى ، ونحو ذلك . قوتلوا حتى يفعلوا ذلك .
كما قال تعالى: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)
وقد قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْمَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوَأْ
إِنَ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )
٥١

والربا آخر ما حرم الله ، وكان أهل الطائف قد أسلموا وصلوا
وجاهدوا ، فبين الله أنهم إذا لم ينتهوا عن الربا، كانوا ممن حارب
الله ورسوله .
وفى الصحيحين أنه لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفر
من كفر من العرب ، قال عمر لأبي بكر : كيف نقاتل الناس ؟ وقد
قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا
أن لا إله إلا الله. وأنى رسول الله. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فقال أبو بكر : ألم يقل : إلا بحقها ؟.
والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
لقائلتهم عليه . قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر
أبي بكر للقتال ، فعلمت أنه الحق .
وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال :
((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع
قراءتهم ، يقرأون القرآن لايجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما
يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن فى قتلهم أجراً
عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)).
فإذا كان الذين يقومون الليل ، ويصومون النهار ، ويقرأون
٥٢

القرآن ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم ؛ لأنهم فارقوا السنة
والجماعة ، فكيف بالطوائف الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام ، وإنما
يعملون بياساق ملوكهم (١)، وأمثال ذلك، والله أعلم .
وسل
عن رجل بأمره الناس بالصلاة ، ولم يصل ، فما الذي يجب عليه؟
فأجاب : إذا لم يصل فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، والله أعلم.
وسئل
عمن ترك صلاة واحدة عمداً بنية أنه يفعلها بعد خروج وقتها
قضاء ، فهل يكون فعله كبيرة من الكبار؟
فأجاب : الحمد لله. نعم تأخير الصلاة عن غير وقتها الذي يجب
فعلها فيه عمداً من الكبائر ، بل قد قال عمر بن الخطاب - رضي
الله عنه - الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبار . وقد رواه
الترمذي مرفوعا عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
(١) المراد : كتاب قانون لملوك التتر
٥٣

قال: (( من جمع بين الصلاتين من غير عذر ، فقد أتى باباً من
أبواب الكبائر )).
ورفع هذا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإن كان فيه نظر . فإن
الترمذي قال : العمل على هذا عند أهل العلم، والأثر معروف ، وأهل
العلم ذكروا ذلك مقرين له ، لا منكرين له .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من فاتته صلاة
العصر فقد حبط عمله)) وحبوط العمل لا يتوعد به إلا على ما هو
من أعظم الكبائر . وكذلك تفويت المصر أعظم من تفويت غيرها ،
فإنها الصلاة الوسطى المخصوصة بالأمر بالمحافظة عليها ، وهي التى فرضت
على من كان قبلنا فضيعوها . فمن حافظ عليها فله الأجر مرتين ، وهي
التى لما فانت سليمان فعل بالخيل ما فعل .
وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: ((من
فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) والموتور أهله وماله يبقى
مسلوباً ليس له ما ينتفع به من الأهل والمال ، وهو بمنزلة الذي
حبط عمله .
وأيضاً فإن الله تعالى يقول: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلَاتِهِمْ
٥٤

سَاهُونَ ) فتوعد بالويل لمن بسهو عن الصلاة حتى يخرج وقتها
وإن صلاها بعد ذلك ، وكذلك قوله تعالى: (فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفَ أَضَاعُواْ
الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْالشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا )
وقد سألوا ابن
مسعود عن إضاعتها فقال : هو تأخيرها حتى يخرج وقتها ، فقالوا :
ما كنا نرى ذلك إلا تركها ، فقال: لو تركوها لكانوا كفاراً، وقد
كان ابن مسعود يقول عن بعض أمراء الكوفة فى زمانه : ما فعل
خلفكم ؟ لكونهم كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها .
وقوله: ( وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ ) يتناول كل من استعمل ما يشتهيه
عن المحافظة عليها فى وقتها ، سواء كان المشتهى من جنس المحرمات :
كالمأكول المحرم ، والمشروب المحرم ، والمنكوح المحرم ، والمسموع المحرم
أو كان من جنس المباحات لكن الإسراف فيه ينهى عنه ، أو غير
ذلك، فمن اشتغل عن فعلها فى الوقت بلعب أو لهو أو حديث مع
أصحابه ، أو تنزه فى بستانه ، أو عمارة عقاره ، أو سعى فى تجارته ،
أو غير ذلك فقد أضاع تلك الصلاة ، واتبع ما يشتهيه .
وقد قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن
ومن ألهاه ماله
ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ)
وولده عن فعل المكتوبة فى وقتها دخل فى ذلك ، فيكون خاسراً .
( يُسَبِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّوَاَلْأَصَالِ * رِجَالٌ
وقال تعالی فی ضد هؤلاء :
٥٥

لََّنُذْهِهِمْ تَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِاللَّهِ وَ إِقَاءِالصَّلَوْءِوَإِنَِّ الزَّكَوَةِ ) .
فإذا كان سبحانه قد توعد بلقي الغي من بضيع الصلاة عن وقتها
ويتبع الشهوات ، والمؤخر لها عن وقتها مشتغلا بما يشتهيه هو مضيع
لها متبع لشهوته . فدل ذلك على أنه من الكبار ، إذ هذا الوعيد
لا يكون إلا على كبيرة، ويؤيد ذلك جعله خاسراً ، والخسران لا يكون
بمجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبار .
وأيضاً فلا(١) أحداً [يخالف أن] (٢) من صلى بلاطهارة، أو إلى غير القبلة
عمداً، وترك الركوع والسجود أو القراءة أو غير ذلك متعمداً ، أنه
قد فعل بذلك كبيرة ، بل قد يتورع في كفره إن لم يستحل ذلك ،
وأما إذا استحله فهو كافر بلا ريب .
ومعلوم أن الوقت للصلاة مقدم على هذه الفروض وغيرها ، فإنه
لا نزاع بين المسلمين أنه إذا علم المسافر العادم للماء أنه يجده بعد الوقت
لم يجز له تأخير الصلاة ليصليها بعد الوقت بوضوء ، أو غسل ؛ بل
ذلك هو الفرض وكذلك العاجز عن الركوع والسجود والقراءة إذا
استحله فهو كافر بلا ريب .
(١) بياض بالأصل .
(٢) أضيفت حسب مفهوم السياق
٥٦

ومعلوم أنه إن علم أنه بعد الوقت يمكنه أن يعلى بإتمام الركوع
والسجود والقراءة كان الواجب عليه أن يصلي في الوقت لإمكانه .
وأما قول بعض أصحابنا : إنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لناو
لجمعها أو مشتغل بشرطها ، فهذا لم يقله قبله أحد من الأصحاب ، بل
ولا أحد من سائر طوائف المسلمين ، إلا أن يكون بعض أصحاب
الشافعي ؛ فهذا أشك فيه . ولا ريب أنه ليس على عمومه وإطلاقه
بإجماع المسلمين ، وإنما فيه صورة معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر
أن يضع حبلا يستقي ، ولا يفرغ إلا بعد الوقت؛ وإذا أمكن العريان
أن يخيط له ثوباً ولا يفرغ إلا بعد الوقت ، ونحو هذه الصور، ومع
هذا فالذي قاله في ذلك خلاف المذهب المعروف عن أحمد وأصحابه ،
وخلاف قول جماعة علماء المسلمين من الحنفية والمالكية وغيرم .
وما أعلم من يوافقه على ذلك إلا بعض أصحاب الشافعي، ومن قال
ذلك فهو محجوج بإجماع المسلمين على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح
تأخير الصلاة عن وقتها المحدود شرعا ، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن
يطلب الماء وهو لا يجده إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير باتفاق المسلمين
وإن كان مشتغلا بالشرط . وكذلك العريان لو أمكنه أن يذهب إلى
قرية ليشتري له منها ثوباً ، وهو لا يصلي إلا بعد خروج الوقت لم
يجز له التأخير بلا نزاع .
٥٧

الأمي كذلك إذا أمكنه تعلم الفاتحة وهو لا يتعلمها حتى يخرج
الوقت ، كان عليه أن يصلي في الوقت ، وكذلك العاجز عن تعلم
التكبير والتشهد إذا ضاق الوقت صلى بحسب الإمكان ، ولم ينتظر .
وكذلك المستحاضة لو كان دمها ينقطع بعد الوقت لم يجز لها أن تؤخر
الصلاة لتصلي بطهارة بعد الوقت ؛ بل تصلى فى الوقت بحسب الإمكان .
وأما حيث جاز الجمع فالوقت واحد ، والمؤخر ليس بمؤخر عن
الوقت الذي يجوز فعلها فيه ؛ بل فى أحد القولين أنه لا يحتاج الجمع
إلى النية ، كما قال أبو بكر . وكذلك القصر ، وهو مذهب الجمهور :
كأبي حنيفة ومالك .
وكذلك صلاة الخوف يجب فى الوقت ، مع إمكان أن يؤخرها
فلا يستدبر القبلة ، ولا يعمل عملا كثيراً في الصلاة ، ولا يتخلف عن
الإمام بركعة ، ولا يفارق الإمام قبل السلام، ولا يقضي ما سبق به
قبل السلام ، ونحو ذلك مما يفعل في صلاة الخوف ، وليس ذلك إلا
لأجل الوقت ، وإلا ففعلها بعد الوقت ولو بالليل ممكن على الإكمال.
وكذلك من اشتبهت عليه القبلة ، وأمكنه تأخير الصلاة إلى أن
يأتى مصراً يعلم فيه القبلة لم يجز له ذلك ؛ وإنما نازع من نازع إذا
أمكنه تعلم دلائل القبلة ، ولا يتعلمها حتى يخرج الوقت . وهذا النزاع
٥٨

هو القول المحدث الشاذ الذي تقدم ذكره .
وأما النزاع المعروف بين الأئمة فى مثل ما إذا استيقظ النائم فى
آخر الوقت ولم يمكنه أن يصلى قبل الطلوع بوضوء : هل بعلي
بتيمم ؟ أو يتوضأ ويصلي بعد الطلوع ؟ على قولين مشهورين :
الأول : قول مالك؛ مراعاة للوقت .
الثانى: قول الأكثرين كأحمد والشافعي وأبى حنيفة.
وهذه المسألة هي التى توم من توم أن الشرط مقدم على الوقت ،
وليس كذلك ؛ فإن الوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ . كما ثبت
في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نام عن
صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها )) فجعل الوقت
الذي أوجب الله على العبد فيه هو وقت الذكر والانتباه ، وحينئذ فمن
فعلها في هذا الوقت بحسب ما يمكنه من الطهارة الواجبة فقد فعلها في
الوقت ، وهذا ليس بمفرط ولا مضيع لها . قال النبى صلى الله عليه
وسلم: ((ليس فى النوم تفريط؛ إنما التفريط فى اليقظة)).
بخلاف المتنبه من أول الوقت فإنه مأمور أن يفعلها فى ذلك الوقت،
بحيث لو أخرها عنه عمدا كان مضيعاً مفرطاً ، فإذا اشتغل عنها بشرطها
٥٩

كان قد أخرها عن الوقت الذي أمر أن يفعلها فيه، ولولا أنه مأمور
بفعلها فى ذلك الوقت لجاز تأخيرها عن الوقت ، إذا كان مشتغلا بتحصيل
ماء الطهارة، أو ثوب الاستعارة، بالذهاب إلى مكانه ونحو ذلك ، وهذا خلاف
إجماع المسلمين . بل المستيقظ فى آخر الوقت إنما عليه أن يتوضأ كما
يتوضأ المستيقظ في الوقت، فلو أخرها لأنه يجد الماء عند الزوال ونحو
ذلك لم يجز له ذلك .
وأيضا فقد نص العلماء على أنه إذا جاء وقت الصلاة ولم يصل فإنه
يقتل ، وإن قال أنا أصليها قضاء . كما يقتل إذا قال: أصلي بغير وضوء،
أو إلى غير القبلة ، وكل فرض من فرائض الصلاة المجمع عليها إذا تركه
عمدا فإنه يقتل بتركه . كما أنه يقتل بترك الصلاة .
فإن قلنا : يقتل بضيق الثانية والرابعة ، فالأمر كذلك ، وكذلك
إذا قلنا : بقتل بضيق الأولى، وهو الصحيح ، أو الثالثة ، فإن ذلك
مبني على أنه : هل يقتل بترك صلاة ، أو بثلاث ؟ على روايتين .
وإذا قيل بترك صلاة : فهل يشترط وقت التى بعدها ، أو يكفى
ضيق وقتها ؟ على وجهين . وفيها وجه ثالث : وهو الفرق بين صلاتى
الجمع وغيرها . ولا يعارض ما ذكرناه أنه يصح بعد الوقت : بخلاف
بقية الفرائض ؛ لأن الوقت إذا فات لم يمكن استدراكه، فلا يمكنه أن
٦٠