النص المفهرس
صفحات 21-40
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ). وأيضاً : فالمنافق كافر في الباطن ، فإذا آمن فقد غفر له ماقد سلف ، فلا يجب عليه القضاء ، كما لا يجب على الكافر المعلن إذا أسلم وأما ثوابه على ما تقدم مع التوبة : فيشبه الكافر إذا عمل صالحاً فى كفره ، ثم أسلم هل يثاب عليه ؟ ففى الصحيحين . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لحكيم بن حزام: ((أسلمت على ما سلف لك من خير)) . وأما المرائي إذا تاب من الرياء مع كونه كان يعتقد الوجوب ، فهو شبيه بالمسألة التى تتكلم فيها ، وهي مسألة من لم يلتزم أداء الواجب ، وإن لم يكن كافراً في الباطن ، ففي إيجاب القضاء عليه تنفير عظيم عن التوبة. فإن الرجل قد يعيش مدة طويلة لا يصلي ولا يزكي ، وقد لا يصوم أيضاً ، ولا يبالي من أين كسب المال : أمن حلال ؟ أم من حرام ؟ ولا يضبط حدود النكاح والطلاق ، وغير ذلك ، فهو فى جاهلية ، إلا أنه منتسب إلى الإسلام ، فإذا هداه الله وتاب عليه ، فإن أوجب عليه قضاء جميع ما تركه من الواجبات ، وأمر برد جميع ما ٢١ اكتسبه من الأموال ، والخروج عما يحبه من الأبضاع إلى غير ذلك صارت التوبة فى حقه عذابا ، وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام ، الذي كان عليه ؛ فإن توبته من الكفر رحمة ، وتوبته وهو مسلم عذاب . وأعرف طائفة من الصالحين من يتمنى أن يكون كافراً ليسلم فيغفر له ما قد سلف : لأن التوبة عنده متعذرة عليه ، أو متعسرة على ما قد قيل له واعتقده من التوبة ، ثم هذا منفر لأكثر أهل الفسوق عن التوبة ، وهو شبيه بالمؤيس للناس من رحمة الله . ووضع الآصار ثقيلة ، والأغلال عظيمة على التائبين الذين م أحباب الله، فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين. والله أفرح بتوبة عبده من الواجد لماله الذي به قوامه ، بعد اليأس منه . فينبغي لهذا المقام أن يحرر ، فإن كفر الكافر لم يسقط عنه ما تركه من الواجبات ، وما فعله من المحرمات ، لكون الكافر كان معذوراً ، بمنزلة المجتهد فإنه لا يعذر بلا خلاف ، وإنما غفر له لأن الإسلام توبة ، والتوبة تجب ما قبلها ، والتوبة توبة من ترك تصديق وإقرار ، وترك عمل وفعل. فيشبه - والله أعلم - أن يجعل حال هؤلاء فى جاهليتهم كمال غيرهم . ٢٢ فصل فالأحوال المانعة من وجوب القضاء للواجب والترك المحرم : الكفر. الظاهر ، والكفر الباطن ، والكفر الأصلي ، وكفر الردة، والجهل الذي يعذر به لعدم بلوغ الخطاب ، أو المعارضة تأويل باجتهاد أو تقليد (١) . وسئل عن قوم منتسبين إلى المشايخ يتوبونهم عن قطع الطريق ، وقتل النفس ، والسرقة ، وألزموم بالصلاة لكونهم يصلون صلاة عادة البادية، فهل تجب إقامة حدود الصلاة أم لا ؟ . فأجاب : أما الصلاة فقد قال الله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) وقال تعالى: (لَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفَ أَضَاعُواْالصَّلَوةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهُوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) (١) آخر ما وجد . ٢٣ فقد ذم الله تعالى فى كتابه الذين يصلون إذا سهوا عن الصلاة ، وذلك على وجهين : أحدهما : أن يؤخرها عن وقتها . الثانى : أن لا يكمل واجباتها : من الطهارة ، والطمأنينة ، والخشوع ، وغير ذلك . كما ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق - ثلاث مرار - يترقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا)). فجعل النبى صلى الله عليه وسلم صلاة المنافقين التأخير، وقلة ذكر اسم الله سبحانه، وقد قال تعالى: (إِنَّالْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهِإِلَّا قَلِيلًا) وقال : (إِنَّالْنَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ). وأما قوله سبحانه وتعالى: (َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ ٢٤ فقد قال بعض السلف : إضاعتها الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) تأخيرها عن وقتها ، وإضاعة حقوقها ، قالوا : وكانوا يصلون ، ولو تركوها لكانوا كفارا ؛ فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة)) وقال: («العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) وفي الحديث: ((إن العبد إذا كمل الصلاة صعدت ولها برهان كبرهان الشمس . وتقول حفظك الله كما حفظتنى، وإن لم يكملها فإنها تلف كما يلف الثوب ، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول ضيعك الله كما ضيعتني)). وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا نصفها ؛ إلا ثلثها إلا ربعها ، إلا خمسها؛ إلا سدسها. حتى قال: إلا عشرها)) وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها . وقوله : ( وَأَتَّبَعُواْالشَّهَوَتِ ) الذي يشتغل به عن إقامة الصلاة - كما أمر الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم - بنوع من أنواع الشهوات : كالرقص ، والغناء : وأمثال ذلك . وفى الصحيحين: ((أن رجلا دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم. فسلم عليه ، فقال: وعليك السلام، ارجع ٢٥ فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى ثم أتاء فسلم عليه ، فقال : وعليك السلام ، ارجع فصل فإنك لم تصل .. مرتين أو ثلاثا. فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيرها ، فعلمنى ما يجزئنى في الصلاة ، فقال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )) . وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا نقبل صلاة من لم يقم صلبه فى الركوع والسجود)) ((ونهى عن نقر كنقر الغراب)). ورأى حذيفة رجلا يصلي لا يتم الركوع والسجود فقال : لو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم، أو قال : لو مات هذا . رواه ابن خزيمة في صحيحه . وسئل عمن قال : إن الصبيان مأمورون بالصلاة قبل البلوغ ، وقال آخر : لا نسلم، فقال له: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مروم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)) فقال : هذا ما هو أمر من الله، ولم يفهم منه تنقيص ، فهل يجب فى ذلك شيء ؟ أفتونا مأجورين . ٢٦ فأجاب: إن كان المتكلم أراد أن الله أمرهم بالصلاة ، بمعنى أنه أوجبها عليهم فالصواب مع الثانى ، وأما إن أراد أنهم مأمورون : أي أن الرجال يأمرونهم بها لأمر الله إياهم بالأمر ، أو أنها مستحبة فى حق الصبيان ، فالصواب مع المتكلم . وقول القائل : ما هو أمر من الله، إذا أراد به أنه ليس أمرا من الله للصبيان ، بل هو أمر لمن يأمر الصبيان ، فقد أصاب ، وإن أراد أن هذا ليس أمرا من الله لأحد ، فهذا خطأ يجب عليه أن يرجع عنه ، ويستغفر الله، والله أعلم. وسئل من أقوام يؤخرون صلاة الليل إلى النهار ، لأشغال لهم من زرع أو حرث أو جنابة أو خدمة أستاذ، أو غير ذلك . فهل يجوز لهم ذلك ؟ أم لا ؟ فأجاب : لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل، ولا يؤخر صلاة الليل إلى النهار لشغل من الأشغال ، لا لحصد ولا لحرث ولا لصناعة ولا لجنابة . ولا نجاسة ولا صيد ولا لهو ولا لعب ولا لخدمة أستاذ ، ولا غير ذلك ؛ بل المسلمون كلهم متفقون على أن عليه أن ٢٧ يصلي الظهر والعصر بالنهار ، ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس ، ولا يترك ذلك لصناعة من الصناعات ، ولا للهو ولا لغير ذلك من الأشغال وليس للمالك أن يمنع مملوكه ، ولا للمستأجر أن يمنع الأجير من الصلاة فى وقتها . ومن أخرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته ، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب فإن تاب والتزم أن يصلي في الوقت ألزم بذلك ، وإن قال: لا أصلي إلا بعد غروب الشمس لاشتغاله بالصناعة والصيد أو غير ذلك ، فإنه يقتل . وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله )) وفى وصية أبى بكر الصديق لعمر بن الخطاب أنه قال : ((إن الله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل)). والنبى صلى الله عليه وسلم كان أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفار ، ثم صلاها بعد المغرب ، فأنزل الله تعالى : (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى). ٢٨ وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أن الصلاة الوسطى صلاة العصر )) فلهذا قال جمهور العلماء إن ذلك التأخير منسوخ بهذه الآية ، فلم يجوزوا تأخير الصلاة حال القتال ، بل أوجبوا عليه الصلاة فى الوقت حال القتال ، وهذا مذهب مالك والشافعى وأحمد فى المشهور عنه . ومن أحمد رواية أخرى أنه يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير ، ومذهب أبى حنيفة يشتغل بالقتال ويصلي بعد الوقت ، وأما تأخير الصلاة لغير الجهاد كصناعة أو زراعة أو صيد أو عمل من الأعمال ونحو ذلك فلا يجوزه أحد من العلماء ، بل قد قال تعالى : ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) قال طائفة من السلف ثم الذين يؤخرونها عن وقتها . وقال بعضهم : هم الذين لا يؤدونها على الوجه المأمور به ، وإن صلاها فى الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء ، فإن العلماء متفقون على أن تأخير صلاة الليل إلى النهار وتأخير صلاة النهار إلى الليل بمنزلة تأخير صيام شهر رمضان إلى شوال . فمن قال أصلي الظهر والعصر بالليل ، فهو باتفاق العلماء بمنزلة من قال أفطر شهر رمضان وأصوم شوال ، وإنما يعذر بالتأخير النائم والناسي. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة ٢٩ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك. فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا نجاسة ولا غير ذلك ، بل يصلي فى الوقت بحسب حاله ، فإن كان محدثاً وقد عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله تيمم وصلى . وكذلك الجنب يتيمم ويصلي إذا عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله لمرض أو لبرد. وكذلك العريان يصلي فى الوقت عرياناً ، ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت فى ثيابه . وكذلك إذا كان عليه نجاسة لا يقدر أن يزيلها فيصلي فى الوقت بحسب حاله . وهكذا المريض يصلي على حسب حاله فى الوقت، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)) فالمريض باتفاق العلماء يصلي في الوقت قاعداً أو على جنب ، إذا كان القيام يزيد فى مرضه ، ولا يصلي بعد خروج الوقت قائماً . وهذا كله لأن فعل الصلاة فى وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة ، كما أن صيام شهر رمضان واجب فى وقته ، ليس لأحد أن يؤخره عن وقته ، ولكن يجوز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة ، وبين المغرب والعشاء بمز دلفة ، باتفاق المسلمين . وكذلك يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر ٣٠ عند كثير من العلماء للسفر والمرض ، ونحو ذلك من الأعذار . وأما تأخير صلاة النهار إلى الليل ، وتأخير صلاة الليل إلى النهار ، فلا يجوز لمرض ولا لسفر ، ولا لشغل من الأشغال ، ولا لصناعة باتفاق العلماء . بل قال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر . لكن المسافر يصلي ركعتين ليس عليه أن يصلي أربعاً . بل الركعتان تجزئ المسافر في سفر القصر ، باتفاق العلماء . ومن قال إنه يجب على كل مسافر أن يصلى أربعاً فهو بمنزلة من قال : إنه يجب على المسافر أن يصوم شهر رمضان ، وكلاهما ضلال ، مخالف لإجماع المسلمين ، يستتاب قائله ، فإن تاب وإلا قتل. والمسلمون متفقون على أن المسافر إذا صلى الرباعية ركعتين ، والفجر ركعتين ، والمغرب ثلاثاً ، وأفطر شهر رمضان وقضاء أجزأه ذلك . وأما من صام في السفر شهر رمضان ، أو صلى أربعا ، ففيه نزاع مشهور بين العلماء : منهم من قال لا يجزئه ذلك ، فالمريض له أن يؤخر الصوم باتفاق المسلمين ، وليس له أن يؤخر الصلاة باتفاق المسلمين ، والمسافر له أن يؤخر الصيام باتفاق المسلمين، وليس له أن يؤخر الصلاة باتفاق المسلمين . ٣١ وهذا مما يبين أن المحافظة على الصلاة فى وقتها أوكد من الصوم فى وقته ، قال تعالى: (فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْالشَّهَوَتِ ) قال طائفة من السلف : إضاعتها تأخيرها عن وقتها ، ولو تركوها لكانوا كفاراً . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة)). رواه مسلم عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف بك إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، وينسئون الصلاة عن وقتها ، قلت : فماذا تأمرنى؟ قال : صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة)) وعن عبادة ابن الصامت عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((سيكون عليكم أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها ، فصلوا الصلاة لوقتها ))، وقال رجل أصلي معهم قال: ((نعم إن شئت ، واجعلوها تطوعا)) رواه أحمد وأبو داود ورواه عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف بكم إذا كان عليكم أمراء يصلون الصلاة لغير ميقاتها ؟ قلت : فما تأمرني إن أدركنى ذلك يا رسول الله؟ قال : صل الصلاة لوقتها، واجعل صلاتك معهم نافلة». ولهذا اتفق العلماء على أن الرجل إذا كان عريانا مثل أن تنكسر ٣٢ بهم السفينة أو تسلبه القطاع ثيابه فإنه يصلي فى الوقت عريانا ، والمسافر إذا عدم الماء يصلي بالتيمم فى الوقت باتفاق العلماء ، وإن كان يجد الماء بعد الوقت ، وكذلك الجنب المسافر إذا عدم الماء تيمم وصلى ، ولا إعادة عليه باتفاق الأئمة الأربعة ، وغيرم . وكذلك إذا كان البرد شديداً فحاف إن اغتسل أن يمرض فإنه يتيمم ويصلي في الوقت ، ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت باغتسال . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك فإن ذلك خير )) . وكل ما يباح بالماء يباح بالتيمم ، فإذا تيمم لصلاة فريضة قرأ القرآن داخل الصلاة وخارجها ، وإن كان جنباً ، ومن امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس اليهود والنصارى ؛ فإن التيمم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لي الأرض مسجداً ، وجعلت تربتها طهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي) وفى لفظ: (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره)) . وقد تنازع العلماء هل يتيمم قبل الوقت ؟ وهل يتيمم لكل صلاة أو يبطل بخروج الوقت ؟ أو يصلي ما شاء كما يصلي بالماء ولا ينقضه ٣٣ إلا ما ينقض الوضوء أو القدرة على استعمال الماء ؟ وهذا مذهب أبى حنيفة، وأحد الأقوال فى مذهب أحمد وغيره؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ((الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك ، فإن ذلك خير )) قال الترمذي حديث حسن صحيح . وإذا كان عليه نجاسة وليس عنده ما يزيلها به صلى فى الوقت وعليه النجاسة ، كما صلى عمر بن الخطاب وجرحه يثعب دما ، ولم يؤخر الصلاة حتى خرج الوقت . ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا فقيل : يصلي عريانا ، وقيل : يصلي فيه ويعيد ، وقيل : يصلي فيه ولا يعيد: ، وهذا أصح أقوال العلماء ؛ فإن الله لم يأمر العبد أن يصلي الفرض مرتين، إلا إذا لم يفعل الواجب الذي يقدر عليه فى المرة الأولى ، مثل أن يصلى بلا طمأنينة ، فعليه أن يعيد الصلاة ، كما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم من صلى ولم يطمئن أن يعيد الصلاة. وقال: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)). وكذلك من نسي الطهارة وصلى بلا وضوء فعليه أن يعيد، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من توضأ وترك لمعة فى قدمه لم يمسها الماء أن يعيد الوضوء والصلاة. ٣٤ فأما من فعل ما أمر به بحسب قدرته ، فقد قال تعالى: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَمَاأَسْتَطَعْتُمْ ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). ومن كان مستيقظا فى الوقت والماء بعيد منه لا يدركه إلا بعد الوقت فإنه يصلي فى الوقت بالتيمم باتفاق العلماء. وكذلك إذا كان البرد شديداً، ويضره الماء البارد ، ولا يمكنه الذهاب إلى الحمام ، أو تسخين الماء حتى يخرج الوقت ، فإنه يصلي في الوقت بالتيمم . والمرأة والرجل فى ذلك سواء ، فإذا كانا جنبين ولم يمكنها الاغتسال حتى يخرج الوقت ، فإنهما يصليان فى الوقت بالتيمم . والمرأة الحائض إذا انقطع دمها فى الوقت ، ولم يمكنها الاغتسال إلا بعد خروج الوقت نيممت وصلت في الوقت . ومن ظن أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء خير من الصلاة فى الوقت بالتيمم فهو ضال جاهل . وإذا استيقظ آخر وقت الفجر فإذا اغتسل طلعت الشمس ، فجمهور العلماء هنا يقولون : يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس ، وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد ، وأحد القولين فى مذهب مالك . وقال فى القول الآخر : بل يتيمم أيضاً هنا ويصلي قبل طلوع الشمس ٣٥ كما تقدم في تلك المسائل ، لأن الصلاة فى الوقت بالتيمم خير من الصلاة بعده بالغسل . والصحيح قول الجمهور ؛ لأن الوقت فى حق النائم هو من حين يستيقظ ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها )) . فالوقت في حق النائم هو من حين يستيقظ، وما قبل ذلك لم يكن وقتا فی حقه . وإذا كان كذلك فإذا استيقظ قبل طلوع الشمس فلم يمكنه الاغتسال والصلاة إلا بعد طلوعها فقد على الصلاة فى وقتها ولم يفوتها ؛ بخلاف من استيقظ فى أول الوقت فإن الوقت فى حقه قبل طلوع الشمس . فليس له أن يفوت الصلاة . وكذلك من نسى صلاة وذكرها فإنه حينئذ يغتسل ويصلي فى أي وقت كان ، وهذا هو الوقت فى حقه ، فإذا لم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس ، كما استيقظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ناموا عن الصلاة عام خيبر ، فإنه يصلي بالطهارة الكاملة ، وإن أخرها إلى حين الزوال ، فإذا قدر أنه كان جنبا فإنه يدخل الحمام ويغتسل وإن أخرها إلى قريب الزوال ، ولا يصلي هنا بالتيمم ، ويستحب له أن ينتقل عن المكان الذى نام فيه ، كما انتقل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن المكان الذي ناموا فيه ، وقال : ((هذا مكان حضرنا فيه الشيطان )). وقد نص على ذلك أحمد وغيره. وإن صلى فيه جازت صلاته . ٣٦ فإن قيل : هذا يسمى قضاء أو أداء ؟ . قيل : الفرق بين اللفظين هو فرق اصطلاحي ؛ لا أصل له فى كلام الله ورسوله ؛ فإن الله تعالى سمى فعل العبادة فى وقتها قضاء، كما قال في الجمعة: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُ واْ فِي الْأَرْضِ) وقال تعالى: ( فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللّهَ ) مع أن هذين يفعلان في الوقت . و ((القضاء)) فى لغة العرب: هو إكمال الشيء وإتمامه، كما قال تعالى: ( فَقَضَمُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ) أي أكملهن وأتمهن . فمن فعل العبادة كاملة . فقد قضاها، وإن فعلها فى وقتها . وقد اتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواها أداء . ثم تبين أنه صلى بعد خروج الوقت محت صلاته، ولو اعتقد خروجه فنواها قضاء ثم تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته . وكل من فعل العبادة فى الوقت الذي أمر به أجزاته صلاته ، سواء نواها أداء أو قضاء ، والجمعة نصح سواء نواها أداء أو قضاء إذا أراد القضاء المذكور في القرآن ، والنائم والناسي إذا صليا وقت الذكر والانتباه فقد صليا فى الوقت الذي أمرا بالصلاة فيه ، وإن كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما . فمن سمى ذلك قضاء باعتبار هذا المعنى ، وكان فى لغته أن القضاء فعل العبادة بعد خروج الوقت المقدر شرعا ٣٧ للعموم ، فهذه التسمية لا تضر ولا تنفع . وبالجملة فليس لأحد قط شغل يسقط عنه فعل الصلاة في وقتها ، بحيث يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار ؛ بل لابد من فعلها فى الوقت ؛ لكن يصلي بحسب حاله ، فما قدر عليه من فرائضها فعله، وما عجز عنه سقط عنه ، ولكن يجوز الجمع للعذر بين صلاتي النهار وبين صلاتى الليل ، عند أكثر العلماء : فيجوز الجمع للمسافر إذا جد به السير عند مالك والشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه ، ولا يجوز فى الرواية الأخرى عنه وهو قول أبى حنيفة . وفعل الصلاة فى وقتها أولى من الجمع إذا لم يكن عليه حرج ؛ بخلاف القصر فإن صلاة ركعتين أفضل من صلاة أربع ، عند جماهير العلماء . فلو صلى المسافر أربعاً فهل تجزئه صلاته ؟ على قولين . والنبى صلى اللّه عليه وسلم كان فى جميع أسفاره يصلي ركعتين، ولم يصل في السفر أربعا قط ، ولا أبو بكر، ولا عمر . وسل عن العمل الذي لله بالنهار لا يقبله بالليل ، والعمل الذي بالليل لا يقبله بالنهار . ٣٨ فأجاب : وأما عمل النهار الذي لا يقبله الله بالليل، وعمل الليل الذي لا يقبله اللّه بالنهار: فها صلاة الظهر والعصر ، لا يحل للإنسان أن يؤخرهما إلى الليل ؛ بل قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وترأهله وماله )) . وفي صحيح البخاري عنه أنه قال: ((من فاتته صلاة العصر حبط عمله)). فأما من نام عن صلاة أو نسيها فقد قال صلى الله عليه وسلم : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها )). وأما من فوتها متعمداً فقد أتى كبيرة من أعظم الكبار ، وعليه القضاء عند جمهور العلماء ، وعند بعضهم لا يصح فعلها قضاء أصلا ، ومع القضاء عليه لا تبرأ ذمته من جميع الواجب ، ولا يقبلها الله منه بحيث يرتفع عنه العقاب ، ويستوجب الثواب ؛ بل يخفف عنه العذاب بما فعله من القضاء ، ويبقى عليه إثم التفويت ، وهو من الذنوب التى يحتاج إلى مسقط آخر ، بمنزلة من عليه حقان : فعل أحدهما ، وترك الآخر . قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) وتأخيرها عن وقتها من السهو عنها باتفاق العلماء . (َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ وقال تعالى : قال غير واحد من السلف إضاعتها تأخيرها فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) ٣٩ عن وقتها ، فقد أخبر الله سبحانه أن الويل لمن أضاعها وإن صلاها . ومن كان له الويل لم يكن قد يقبل عمله ، وإن كان له ذنوب أخر . فإذا لم يكن ممتثلا للأمر فى نفس العمل لم يتقبل ذلك العمل . قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: في وصيته لعمر: واعلم أن الله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار ، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة ، والله أعلم . وسئل رحمه اللّه عن تارك الصلاة من غير عذر ، هل هو مسلم فى تلك الحال؟ فأجاب : أما تارك الصلاة : فهذا إن لم يكن معتقداً لوجوبها فهو كافر بالنص والإجماع، لكن إذا أسلم ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة، أو وجوب بعض أركانها : مثل أن يصلي بلا وضوء ، فلا يعلم أن الله أوجب عليه الوضوء أو يصلي مع الجنابة فلا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة ، فهذا ليس بكافر ، إذا لم يعلم . لكن إذا علم الوجوب : هل يجب عليه القضاء ؟ فيه قولان للعلماء فى مذهب أحمد ومالك وغيرهما . قيل : يجب عليه القضاء ، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي ، وكثير من أصحاب أحمد . وقيل : لا يجب عليه ٤٠