النص المفهرس

صفحات 1-20

مجموع فتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْعْوَتَتِبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّد بَرْقَاسْم (رَحَةُاله)
وَسَاعَدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللّه))
المجلّ الثاني والعشرون
طُبعَ بِأمْر
خَادِ مِر ◌ُالجَنْ الشِِّفَيْ الملِكِ فَهَ دُبْ عَبْدِ الْعَز ◌َلْسُعُودُ
أَجْزَل اللَّه مَتُوبِتَه
٦

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ لِأَلِكِ فَهْلِ لْطَبَّائَةِ المُتَّخِ الشّريف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإسْلامِيَّةِ وَالْأَوْقَافَةِ وَاللَّجُومٌ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٦٦٤ ص : ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠ -٧٧٠-٩٩٦٠ (مجموعة)
٧-٤٢-٧٧٠-٩٩٦٠ (ج ٢٢)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٧-٤٢-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٢ )

كتب
الفِقْـ
الجزء الثاني
الصلاة

حِاللَّهِالرَِّ الرَّحْمِ
بِسـ
سئل رحم الله
هل كانت الصلاة على من قبلنا من الأمم مثل ما هي علينا من
الوجوب والأوقات والأفعال والهيئات . أم لا ؟.
فأجاب - رضي الله عنه : -
كانت لهم صلاة فى هذه الأوقات ، لكن ليست مماثلة لصلاتنا فى
الأوقات والهيئات ، وغيرهما، والله أعلم.
وسئل
عن رجل يفسق ويشرب الخمر ويصلى الصلوات الخمس ، وقدقال
صلى الله عليه وسلم -: ((كل صلاة لم تنه عن الفحشاء والمنكر
لم يزدد صاحبها من اللّه إلا بعداً)).
فأجاب : هذا الحديث ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم،
لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه. وبكل
٥

حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدا . بل الذي يصلي خير من الذي لا
يصلى ، وأقرب إلى الله منه ، وإن كان فاسقاً .
لكن قال ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ماعقلت منها .
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن العبد لينصرف من صلاته.
ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها إلا ربعها، حتى قال: إلا عشرها))
فإن الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر ، وإذا لم تنهه
دل على تضيعه لحقوقها، وإن كان مطيعاً. وقد قال تعالى: ( فَلَفَ
مِنْ بَعْدِهِ خَلْفُ أَضَاعُواْالصَّلَوةَ ) الآية .
وإضاعتها التفريط فى واجباتها،
وإن كان يصليها ، والله أعلم .
وسئل
عن قوله تعالى: (لَا تَقْرَبُواْالصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى) والرجل إذا
شرب الخمر وصلى وهو سكران ، هل يجوز صلاته أم لا ؟ .
فأجاب : صلاة السكران الذي لا يعلم ما يقول لا يجوز باتفاق ؛ بل
ولا يجوز أن يمكن من دخول المسجد لهذه الآية وغيرها ، فإن النهي
عن قربان الصلاة ، وقربان مواضع الصلاة ، والله أعلم .
٦

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
في ((قاعدة)) ما ترك من واجب ، وفعل من محرم قبل الإسلام
والتوبة ، قاعدة ما تركه الكافر الأصلي من واجب : كالصلاة والزكاة
والصيام ، فإنه لا يجب عليه قضاؤه بعد الإسلام بالإجماع ؛ لأنه لم يعتقد
وجوبه ، سواء كانت الرسالة قد بلغته أو لم تكن بلغته ، وسواء كان كفره
جحوداً ، أو عناداً ، أو جهلا .
ولا فرق فى هذا بين النمي والحربى ؛ بخلاف ما على النمي من
الحقوق التى أوجبت الذمة أداءها : كقضاء الدين ، ورد الأمانات ،
والغصوب . فإن هذه لا تسقط بالإسلام ؛ لا لتزامه وجوبها قبل الإسلام.
وأما الحربي المحض فلم يلتزم وجوب شيء للمسلمين ، لا من العبادات
ولا من الحقوق ، فليس عليه قضاء شيء لا من حقوق الله، ولا من
حقوق المسلمين ، وإن كان يعاقب على تركها لو لم يسلم ؛ فإن الإسلام
يهدم ما كان قبله.
٧

وكذلك ما فعله الكافر من المحرمات فى دين الإسلام التى يستحلها
فى دينه : كالعقود والقبوض الفاسدة ، كعقد الربا، والميسر، وبيع الخمر
والخنزير ، والنكاح بلا ولي ولا شهود ، وقبض مال المسلمين بالقهر ،
والاستيلاء ، ونحو ذلك ، فإن ذلك المحرم يسقط حكمه بالإسلام ، ويبقى
فى حقه بمنزلة مالم يحرم ، فإن الإسلام يغفر له به تحريم ذلك العقد
والقبض ، فيصير الفعل فى حقه عفواً بمنزلة من عقد عقداً أو قبض قبضا غير
محرم، فيجرى فى حقه مجرى الصحيح فى حق المسلمين ؛ ولهذا ما تقابضوا
فيه من العقود الفاسدة أقروا على ملكه إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا .
وكذلك عقود النكاح التى انقضى سبب فسادها قبل الحكم .
والإسلام ؛ بخلاف مالم يتقابضوه، فإنه لا يجوز لهم بعد الإسلام أن
بقبضوا قبضاً محرما ، كما لا يعقدون عقداً محرما ، وهذا مقرر فى موضعه.
لقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَذَرُواْ مَابَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْ إِنْ كُنْتُم
فأحرم بترك ما بقي فى الذمم من الربا ، ولم يأمرهم
مُؤْمِنِينَ )
برد المقبوض.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أسلم على شيء فهو له)»
وقال: ((وأيما قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم ، وأبما قسم
أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام » وأقر أهل الجاهلية على مناكمهم
التى كانت فى الجاهلية ، مع أن كثيراً منها كان غير مباح فى الإسلام،
٨

وهذا كالمتفق عليه بين الأمة المشهورين . لكن ثم خلاف شاذ فى
بعض صوره .
وأما ما استولى عليه أهل الحرب من أموال المسلمين ثم أسلموا
فإنه لهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفاق السلف، وجماهير
الأمّة ، وهو منصوص أحمد ، وظاهر مذهبه .
وأما التحاكم إلينا فى مثل هذه الصورة . فإنها تكون إذا كانوا
ذوي عهد بأمان أو ذمة أو صلح فنقرم عليه فى هذه الصورة أيضاً ، فهذا
فى الحقوق التى وجبت له باعتقاده فى كفره ، وإن كان سببها محرماً فى
دين الإسلام .
وأما العقوبات فإنه لا يعاقب على ما فعله قبل الإسلام من محرم ،
سواء كان يعتقد تحريمه أو لم يعتقده ، فلا يعاقب على قتل نفس ، ولا
رباً ، ولا سرقة ، ولا غير ذلك . سواء فعل ذلك بالمسلمين ، أو بأهل
دينه ، فإنه إن كان بالمسلمين فهو يعتقد إباحة ذلك منهم ، وأما أهل
دينه فهم مباحون في دين الإسلام ، وإن اعتقد هو الحظر ، ولهذا نقول:
إن ما سباه وغنمه الكفار بعضهم من نفوس بعض وأموالهم فإنهم لا
يعاقبون عليها بعد الإسلام، وإن اعتقدوا التحريم . فمتى كان مباحا في
دينه أو فى دين الإسلام زالت العقوبة .
٩

لكن إن كان محرماً فى الدينين : مثل أن يكون بينه وبين قوم
عهد ، فإن كان عهده مع المسلمين ، فهذا هو المستأمن والذمي والمصالح،
فهؤلاء يضمنون ما أتلفوه للمسلمين من النفوس والأموال ، ويعاقبون
على ما تعدوا به على المسلمين ، ويعاقبون على الزنا ، وفى شرب الخمر
خلاف معروف، وأما إن كان عهدم مع غير المسلمين [و]١ مثل قضية
المغيرة بن شعبة .
فصـ
فأما المرتد ، فلا يجب عليه قضاء ما تركه فى الردة من صلاة وزكاة
وصيام فى المشهور ، ولزمه ما تركه قبل الردة فى المشهور. وقيل : يجب
عليه القضاء ، وقيل : لا يجب فى الصورتين . ويحكى ثلاث روايات
عن أحمد . وأما ما فعله من المحرمات : فإن كان فى قبضة المسلمين
ضمن ما أتلفه من نفس ومال ، وإن كان فى طائفة ممتنعة ففيه روايات .
فصل
وأما المسلم: إذا ترك الواجب قبل بلوغ الحجة ، أو متأولا ، مثل
من ترك الوضوء من لحوم الابل ، أو مس الذكر ، أو صلى فى أعطان
(١) اضيفت حسب مفهوم السياق
١٠

الإبل ، أو ترك الصلاة جهلا بوجوبها عليه بعد إسلامه ، ونحو ذلك
فهل يجب عليه قضاء هذه الواجبات ؟ على قولين فى المذهب : تارة
تكون رواية منصوصة، وتارة تكون وجها .
وأصلها أن حكم الخطاب بفروع الشريعة هل يثبت حكمه فى حق
المسلم قبل بلوغه ، على وجهين ذكرها القاضى أبو يعلى فى مصنف مفرد.
وفيها وجه ثالث اختاره طائفة من الأصحاب ، وهو الفرق بين الخطاب
الناسخ ، والخطاب المبتدأ . فلا يثبت النسخ إلا بعد بلوغ الناسخ ؛
بخلاف الخطاب المبتدأ . وقد قرروه بالدلائل الكثيرة أنه لا يجب القضاء
في هذه الصور كلها ، وأنه لا يثبت حكم الخطاب إلا بعد البلاغ
جملة ، وتفصيلا .
ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء لأبي ذر لما مكث
مدة لا يصلى مع الجنابة بالتيمم ، ولا أمر عمر بن الخطاب فى قضية عمار
ابن ياسر ، ولا أمر بإعادة الصوم من أكل حتى يتبين له العقال
الأبيض من الأسود ، ونظائره متعددة فى الشريعة .
بل إذا عفى للكافر بعد الإسلام عما تركه من الواجبات لعدم
الاعتقاد ، وإن كان الله قد فرضها عليه، وهو معذب على تركها ، فلأن
يعفو للمسلم عما تركه من الواجبات لعدم اعتقاد الوجوب، وهو غير معذبه
١١

على الترك لاجتهاده ، أو تقليده ، أو جهله الذي يعذر به أولى وأخرى.
وكما أن الإسلام يجب ما كان قبله، فالتوبة تجب ما كان قبلها، لا
سيما توبة المعذور الذي بلغه النص ، أو فهمه بعد أن لم يكن تمكن من
سمعه وفهمه، وهذا ظاهر جداً إلى الغاية .
وكذلك ما فعله من العقود والقبوض التى لم يبلغه تحريمها الجهل
يعذر به، أو تأويل . فعلى أحد القولين حكمه فيها هذا الحكم وأولى.
فإذا عامل معاملة يعتقد جوازها بتأويل : من ربا ، أو ميسر ، أو ثمن
خمر، أو نكاح فاسد ، أو غير ذلك ، ثم تبين له الحق وتاب ، أو
تحاكم إلينا ، أو استفتانا ، فإنه يقر على ما قبضه بهذه العقود ، ويقر
على النكاح الذي مضى مفسده، مثل أن يكون قد تزوج بلا ولي أو
بلا شهود معتقدا جواز ذلك، أو نكح الخامسة فى عدة الرابعة ، أو
نكاح تحليل مختلف فيه ، أو غير ذلك ، فإنه وإن تبين له فيما بعد
فساد النكاح ، فإنه بقر عليه .
أما إذا كان نكح باجتهاد وتبين له الفساد باجتهاد فهذا مبني على
أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ، لا فى الحكم ولا فى الفتيا أيضاً ، فهذا
مأخذ آخر .
وإنما الغرض هنا أنه لو تيقن التحريم بالنص القاطع . كتيقن من
١٢

.كان كافراً صحة الإسلام ، فإنا نقره على ما مضى من عقد النكاح .
ومن المقبوض فى العقد الفاسد ، إذا لم يكن المفسد قائماً . كما بقر
الكفار بعد الإسلام على منا كمتهم التى كانت محرمة في الإسلام وأولى.
فإن فعل الواجبات وترك المحرمات باب واحد . كما تقدم في الكافر .
وهذا بين ؛ فإن العفو والإقرار للمسلم المتأول بعد الرجوع عن تأويله
أولى من العفو والإقرار عن الكافر المتأول ، لكن في هذا خلاف فى
المذهب وغيره .
وشبهة المخالف نظره إلى أن هذا منهى عنه ، والنهي يقتضي الفساد
وجعل المسلمين جنساً واحداً ، ولم يفرق بين المتأول وغيره . ونظير
هذه المسألة : ما أتلفه أهل البغي المتأولون على أهل العدل من النفوس
والأموال ، هل يضمنون ؟ على روايتين .
إحداهما : يضمنونه ، جعلالهم كالمحاربين ، وكقتال العصبية الذي
لا تأويل فيه ، وهذا نظير من يجعل العقود والقبوض المتأول فيها بمنزلة
مالا تأويل فيه .
والثانية: لا يضمنونه ، وعلى هذا اتفق السلف ، كما قال الزهري :
وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا
١٣

أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فلا ضمان فيه
- وفى لفظ - ألحقوم فى ذلك بأهل الجاهلية .
ولهذا لم يضمن النبى صلى الله عليه وسلم أسامة دم الذي قتله بعد
ما قال : لا إله إلا الله؛ لأنه قتله متأولا: أي أنهم وإن استحلوا
المحرم ؛ لكن لما كانوا جاهلين متأولين ، كانوا بمنزلة أهل الجاهلية في
عدم الضمان ، وإن فارقوم في عفو الله ورحمته؛ لأن هذه الأمة عفى
لها عن الخطأ والنسيان ، بخلاف الكافر ؛ فإنه لا يغفر له الكفر
الذي أخطأ فيه .
فصل
وهذا الذي ذكرته فيما تركه المسلم من واجب ، أو فعله من محرم
بتأويل اجتهاد أو تقليد ، واضح عندي ، واله فيه أحسن من حال
الكافر المتأول .
وهذا لا يمنع أن أقاتل الباغي المتأول ، وأجلد الشارب المتأول،
ونحو ذلك فإن التأويل لا يرفع عقوبة الدنيا مطلقاً؛ إذ الغرض بالعقوبة
دفع فساد الاعتداء ، كما لا يرفع عقوبة الكافر : وإنما الكلام فى
قضاء ما تركه من واجب ، وفي العقود والقبوض التى فعلها بتأويل ،
١٤

وفى ضمان النفوس والأموال التى استحلها بتأويل ، كما استحل أسامة
قتل الذي قتله بعد ما قال : لا إله إلا الله، وكذلك لا يعاقب على
ما مضى إذا لم يكن فيه زجر عن المستقبل .
وأما العقوبة للدفع عن المستقبل : كقتال الباغي ، وجلد الشارب
فهذه مقصودها أداء الواجب في المستقبل ، ودفع المحرم فى المستقبل ،
وهذا لا كلام فيه ، فإنه يشرع فى مثل هذا عقوبة المتأول فى
بعض المواضع .
وإنما الغرض بما يتعلق بالماضي من قضاء واجبه ، وترك الحقوق
التى حصلت فيه ، والعقوبة على ما فعله، فهذه الأمور المتعلقة به من
الحدود والحقوق ، والعبادات هي التى يجب أن يكون المسلم المتأول
أحسن حالا فيها من الكافر المتأول ، وأولى .
فالتوبة يجب ما قبلها ، والمسلم المتأول معذور ، ومعه الإسلام
الذي تغفر معه الخطايا ، والتوبة التى تجب ما كان قبلها ، وفي إيجاب
القضاء وإسقاط الحقوق وإقامة العقوبات تنفير عن التوبة ، والرجوع إلى
الحق أكثر من التغير بذلك للكافر ، فإن أعلام الإسلام ودلالته
أعظم من أعلام هذه الفروع ، وأدلتها ، والداعى إلى الإسلام من
سلطان الحجة والقدرة قد يكون أعظم من الداعى إلى هذه الفروع .
١٥

وهذا لا شبهة فيه عندي ، وإن كان فيه نزاع ؛ فإني أعلم أنه
لولا مضى السنة بمثل ذلك فى حق الكفار لكان مقتضى هذا القياس
عند أصحابه طرده فى حق الكافر أيضاً ، وقد راعى أصحاب أبي حنيفة
ذلك في النكاح ، فلم يمنعوا منه إلاماله مساغ في الإسلام ، والنزاع
لا يهتك حرمة العلم والفقه بعد ظهور حجته .
فصل
ولكن النظر فى فصلين :
أحدهما : من ترك الواجب ، أو فعل المحرم لا باعتقاد ولا يجهل
يعذر فيه ، ولكن جهلا وإعراضاً عن طلب العلم الواجب عليه ، مع
تمكنه منه، أو أنه سمع إيجاب هذا، وتحريم هذا، ولم يلتزمه إعراضً.
لاكفراً بالرسالة ، فهذان نوعان يقعان كثيراً من ترك طلب العلم
الواجب عليه ، حتى ترك الواجب وفعل المحرم ، غير عالم بوجوبه وتحريمه
أو بلغه الخطاب في ذلك ، ولم يلتزم اتباعه ، تعصباً لمذهبه . أو اتباعا
لهواه ، فإن هذا ترك الاعتقاد الواجب بغير عذر شرعى . كما ترك
الكافر الإسلام .
فإن الاعتقاد هو الإقرار بالتصديق ، والالتزام ، فقد يترك التصديق
١٦

والالتزام جميعاً لعدم النظر الموجب للتصديق، وقد يكون مصدقا بقلبه
لكنه غير مقر ولا ملتزم ، اتباعا لهواه . فهل يكون حال هذا إذا تاب
وأقر بالوجوب والتحريم تصديقاً والتزاما ، بمنزلة الكافر إذا أسلم لأن
التوبة تجب ما قبلها ، كما أن الإسلام يجب ما قبله ؟ فهذه الصورة أبعد
من التى قبلها ، فإن من أوجب القضاء على التارك المتأول ، وفسخ
العقد والقبض على المتأول المعذور ، فعلى هذا المذنب بترك الاعتقاد
الواجب أولى .
وأما على القول الذي قررناه وجزمنا بصحته ، فهذا فيه نظر . قد
يقال : هذا عاص ظالم بترك التعلم ، والالتزام ، فلا يلزم من العفو عن
المخطئين في تأويله العفو عن هذا .
وقد يقال وهو أظهر فى الدليل والقياس : ليس هذا بأسوإ حال
من الكافر المعاند الذي ترك استماع القرآن كبراً وحسداً وهوى ،
أو سمعه وتدبره واستيقنت نفسه أنه حق من عند الله، ولكن جحد
ذلك ظلماً وعلواً: كمال فرعون ، وأكثر أهل الكتاب ، والمشركين ،
الذين لا يكذبونك ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
والتوبة كالإسلام، فإن الذي قال: ((الإسلام يهدم ما كان قبله)»
هو الذي قال: ((التوبة تهدم ما كان قبلها)) وذلك فى حديث واحد
١٧

من رواية عمرو بن العاص رواه أحمد ومسلم .
فإذا كان العفو عن الكافر لأجل ما وجد من الإسلام الماحي ،
والحسنات يذهبن السيئات ، ولأن فى عدم العفو تنفير عن الدخول ،
لما يلزم الداخل فيه من الآصار ، والأغلال الموضوعة على لسان هذا
النبى صلى الله عليه وسلم ، فهذا المعنى موجود فى التوبة عن الجهل
والظلم ، فإن الاعتراف بالحق والرجوع إليه حسنة يمحو الله بها
السيئات ، وفى عدم العفو تنفير عظيم عن التوبة ، وآصار ثقيلة وأغلال
عظيمة على التائبين .
وقد ثبت فى صحيح مسلم عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم
(«إن الله يبدل لعبده التائب بدل كل سيئة حسنة)) على ظاهر قوله:
( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) . فإذا كانت تلك التى تاب منها صارت
حسنات ، لم يبق في حقه بعد التوبة سيئة أصلا ، فيصير ذلك القبض
والعقد من باب المعفو عنه، ويصير ذلك الترك من باب المعفو عنه ،
فلا يجعل تاركا لواجب ، ولا فاعلا لمحرم ، وبهذا يحصل الجمع بين
الأدلة الشرعية . فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من نام عن
صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )).
واختلف الناس فيمن ترك الصلاة والصوم عامداً : هل يقضيه ؟
١٨

فقال : الأكثرون يقضيه ، وقال : بعضهم لا يقضيه ، ولا يصح فعله
بعد وقته كالحج. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها. (( فصلوا الصلاة لوقتها،
واجعلوا صلاتكم معهم نافلة )).
ودل الكتاب والسنة ، واتفاق السلف على الفرق بين من يضيع
الصلاة فيصليها بعد الوقت ، والفرق بين من يتركها . ولو كانت بعد
الوقت لا نصح بحال لكان الجميع سواء ؛ لكن المضيع لوقتها كان
ملتزماً لوجوبها ، وإنما ضيع بعض حقوقها وهو الوقت ، وأتى بالفعل
فأما من لم يعلم وجوبها عليه جهلا وضلالا ، أو علم الإيجاب ولم يلتزمه
فهذا إن كان كافراً فهو مرتد ، وفي وجوب القضاء عليه الخلاف المتقدم
لكن هذا شبيه بكفر النفاق .
فالكلام فى هذا متصل بالكلام فيمن أقام الصلاة وآتى الزكاة
نفاقا أو رياء ، فإن هذا يجزئه فى الظاهر ، ولا يقبل منه فى الباطن .
قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوْمَا أَنزَلَ الَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ)
وقال: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْبِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا
يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلَّوَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ)
وقال تعالى: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَّتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ
وقال تعالى: (وَإِذَا قَامُوَأ إِلَى
هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ )
١٩
.

الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهِإِلَّ قَلِيلًا ).
وقد اختلف أصحابنا في الإمام إذا أخذ الزكاة قهراً : هل تجزئه
فى الباطن ؟ على وجهين ، مع أنها لا تستعاد منه .
أحدهما : لا تجزيه لعدم النية مع القدرة عليها .
والثانى : أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع ؛ لأن الإمام نائب
المسلمين فى أداء الحقوق الواجبة عليهم . والأول أصح ؛ فإن النبى
صلى الله عليه وسلم كان يأخذها منهم بإعطائهم إياها، وقد صرح
القرآن بنفي قبولها ؛ لأنهم ينفقون وم كارهون . فعلم أنه إن أنفق
مع كراهة الإنفاق لم تقبل منه ، كمن صلى رياء .
لكن لو تاب المنافق والمرائي : فهل يجب عليه في الباطن الإعادة ؟
أو تنعطف توبته على ما عمله قبل ذلك فيثاب عليه ، أو لا يعيد
ولا يثاب .
أما الإعادة فلا تجب على المنافق قطعاً ؛ لأنه قد تاب من المنافقين
جماعة عن النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمر
(وَمَانَقَمُوْإِلَّ أَنْ أَغْنَمُهُمُ
أحداً منهم بالإعادة . وقد قال تعالى :
اللَّهُوَرَسُولُهُ, مِن فَضْلِهِ، فَإِنِ يَتُوبُواْيَكُ خَيْرًالَهُمٌّ وَإِن يَتَوَلَّوْيُعَذِّ بْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى
٢٠