النص المفهرس

صفحات 581-600

ثابتاً فيجيء من بعدم فيوجبها .
ومتى قام المقتضى للتحريم أو الوجوب ولم يذكروا وجوباً ولا تحريما
كان إجماعاً منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم ، وهو المطلوب .
وهذه الطريقة معتمدة فى كثير من الأحكام ، وهي أصل عظيم ينبغي
للفقيه أن يتأملها ، ولا يغفل عن غورها ؛ لكن لا يسلم إلا بعدم ظهور
الخلاف فى الصدر الأول ، فإن كان فيه خلاف محقق بطلت هذه
الطريقة والحق أحق أن يتبع .
( الوجه العاشر ) وهو الثالث عشر فى الحقيقة: أنا نعلم يقيناً أن
الحبوب من الشعير والبيضاء والذرة ونحوها كانت تزرع فى مزارع المدينة
على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ، ونعلم أن الدواب إذا
داست فلا بد أن تروث وتبول ، ولو كان ذلك ينجس الحبوب لحرمت
مطلقاً ، أو لوجب تنجيسها .
وقد أسلمت الحجاز واليمن ونجد وسائر جزائر العرب على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعث إليهم سعاته وعماله يأخذون
عشور حبوبهم من الحنطة وغيرها ، وكانت سمراء الشام تجلب إلى
المدينة ، فيأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون على
عهده ، وعامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع ، وكان
يعطى المرأة من نسائه ثمانين وسق شعير من غلة خيبر ، وكل هذه
٥٨١

تداس بالدواب التى تروث وتبول عليها ، فلو كانت تنجس بذلك
لكان الواجب على أقل الأحوال تطهير الحب وغسله ، ومعلوم أنه
صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ، ولا فعل على عهده ، فعلم أنه
صلى الله عليه وسلم لم يحكم بنجاستها .
ولا يقال : هو لم يتيقن أن ذلك الحب الذي أكله مما أصابه
البول ، والأصل الطهارة ؛ لأنا نقول : فصاحب الحب قد تيقن نجاسة
بعض حبه واشتبه عليه الطاهر بالنجس ، فلا يحل له استعمال الجميع ؛
بل الواجب تطهير الجميع ؛ كما إذا على نجاسة بعض البدن أو الثوب أو
الأرض وخفى عليه مكان النجاسة غسل ما يتيقن به غسلها ، وهو لم
يأمر بذلك .
ثم اشتباه الطاهر بالنجس نوع من اشتباه الطعام الحلال بالحرام ،
فكيف يباح أحدهما من غير تحر ؟ فإن القائل : إما أن يقول
يحرم الجميع ، وإما أن يقول بالتحري ، فأما الأكل من أحدهما بلا
تحر فلا أعرف أحداً جوزه وإنما يستمسك بالأصل مع تيقن النجاسة
ولا محيص عن هذا الدليل ، إلا إلى أحد أمرين : إما أن يقال :
بطهارة هذه الأبوال والأرواث، أو أن يقال : عفى عنها فى هذا
الموضع للحاجة . كما يعفى عن ريق الكلب فى بدن الصيد على أحد
٥٨٢

ء
الوجهين ، وكما يطهر محل الاستنجاء بالحجر فى احد الوجهين إلى غير
ذلك من مواضع الحاجات.
فيقال : الأصل فيما استحل جريانه على وفاق الأصل ، فمن ادعى
أن استحلال هذا مخالف للدليل ؛ لأجل الحاجة ، فقد ادعى ما يخالف
الأصل ، فلا يقبل منه إلا بحجة قوية ، وليس معه من الحجة ما يوجب
أن يجعل هذا مخالفاً للأصل .
ولا شك أنه لو قام دليل يوجب الحظر لأمكن أن يستثنى هذا
الموضع ، فأما ما ذكر من العموم الضعيف والقياس الضعيف فدلالة
هذا الموضع على الطهارة المطلقة أقوى من دلالة تلك على النجاسة
المطلقة ، على ما تبين عند التأمل . على أن ثبوت طهارتها والعفو
عنها فى هذا الموضع أحد موارد الخلاف ، فيبقى إلحاق الباقى به بعدم
القائل بالفرق .
ومن جنس هذا : ( الوجه الحادي عشر ) وهو الرابع عشر:
وهو إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم في كل عصر ومصر على
دياس الحبوب من الخطة وغيرها بالبقر ونحوها ، مع القطع بيولها
وروتها على الخنطة ، ولم ينكر ذلك منكر، ولم يغسل الحنطة لأجل
هذا أحد ، ولا احترز عن شيء مما في البيادر لوصول البول إليه .
٥٨٣

والعلم بهذا كله على اضطراري ما أعلم عليه سؤالا، ولا أعلم لمن يخالف
هذا شبهة .
وهذا العمل إلى زماننا متصل فى جميع البلاد . لكن لم نحتج
بإجماع الأعصار التى ظهر فيها هذا الخلاف ؛ لئلا يقول المخالف أنا
أخالف فى هذا ، وإنما احتججنا بالإجماع قبل ظهور الخلاف .
وهذا الإجماع من جنس الإجماع على كونهم كانوا يأكلون الخنطة
ويلبسون الثياب ويسكنون البناء ، فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع
ونتيقن أنهم كانوا يأكلون ذلك الحب ويقرون على أكله ، وتيقن أن
الحب لا يداس إلا بالدواب ونتيقن أن لا بد أن تبول على البيدر
الذي يبقى أياماً ويطول دياسها له ، وهذه كلها مقدمات يقينية .
( الوجه الثانى عشر) وهو الخامس عشر: أن الله تعالى قال: (وَطَهِّرْ
بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآيِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) فأمر بتطهير بيته الذي هو
المسجد الحرام ، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بتنظيف
المساجد، وقال: (( جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً)) وقال
((الطواف بالبيت صلاة)) ومعلوم قطعاً أن الحمام لم يزل ملازماً للمسجد
الحرام لأمنه ، وعبادة بيت الله ، وأنه لا يزال ذرقه ينزل في المسجد ،
وفى المطاف والمصلى . فلو كان نجساً لتنجس المسجد بذلك ، ولوجب
٥٨٤

تطهير المسجد منه : إما بإبعاد الحمام ، أو بتطهير المسجد ، أو بتسقيف
المسجد ، ولم تصح الصلاة فى أفضل المساجد ، وأمها وسيدها، لنجاسة
أرضه ، وهذا كله مما يعلم فساده يقيناً .
ولا بد من أحد قولين : إما طهارته مطلقاً ، أو العفو عنه . كما في
الدليل قبله ، وقد بينا رجحان القول بالطهارة المطلقة .
( الدليل الثالث عشر) وهو في الحقيقة السادس عشر. مسلك التشبيه
والتوجيه فنقول ، والله الهادي : اعلم أن الفرق بين الحيوان
المأكول وغير المأكول إنما فرق بينها لافتراق حقيقتها ، وقد سمى الله
هذا طيباً ، وهذا خبيئاً .
وأسباب التحريم : إما القوة السبعية التى تكون فى نفس البهيمة ،
فأ كلها يورث نبات أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع ،
أولما الله أعلم به، وإما خبث مطعمها كما يأكل الجيف من الطير،
أو لأنها فى نفسها مستخبئة كالحشرات ، فقد رأينا طيب المطعم يؤثر فى
الحل ، وخبثه يؤثر فى الحرمة ، كما جاءت به السنة فى لحوم الجلالة ولبنها
وبيضها ، فإنه حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث ، وكذلك النبات المسقى بالماء
النجس ، والمسمد بالسرقين عند من يقول به ، وقد رأينا عدم الطعام
يؤثر في طهارة البول، أو خفة نجاسته ، مثل الصبى الذي لم يأكل
٥٨٥

الطعام . فهذا كله يبين أشياء :
منها أن الأبوال قد يخفف شأنها بحسب المطعم كالصبى ، وقد ثبت
أن المباحات لا تكون مطاعمها إلا طيبة ، فغير مستنكر أن تكون أبوالها
طاهرة لذلك.
ومنها أن المطعم إذا خبث وفسد حرم ما نبت منه من لحم ولبن
وبيض ؛ كالجلالة والزرع المسمد، وكالطير الذي يأكل الجيف ، فإذا
كان فساده يؤثر فى تنجيس ما توجبه الطهارة والحل ، فغير مستنكر
أن يكون طيبه وحله يؤثر فى تطهير ما يكون في محل آخر نجساً محرماً
فإن الأروات والأبوال مستحيلة مخلوقة فى باطن البهيمة ، كغيرها من
اللبن وغيره.
يبين هذا ما يوجد فى هذه الأرواث من مخالفتها غيرها من
الأرواث فى الخلق والريح واللون ، وغير ذلك من الصفات ،
فيكون فرق ما بينها فرق ما بين اللبنين والمنبتين ، وبهذا يظهر
خلافها للإنسان .
يؤكد ذلك ما قد بيناه من أن المسلمين من الزمن المتقدم وإلى
اليوم في كل عصر ومصر ما زالوا يدوسون الزروع المأكولة بالبقر ،
ويصيب الحب من أروات البقر وأبوالها ، وما سمعنا أحداً من المسلمين
٥٨٦

غسل حباً ، ولو كان ذلك منجساً أو مستقذراً لأوشك أن ينهوا عنها
وأن تنفر عنه نفوسهم نفورها عن بول الإنسان .
ولو قيل هذا إجماع عملي لكان حقاً ، وكذلك ما زال يسقط
فى المحالب من أبعار الأنعام ، ولا يكاد أحد يحترز من ذلك ؛ ولذلك
عفا عن ذلك بعض من يقول بالتنجيس ، على أن ضبط قانون كلي في
الطاهر والنجس مطرد منعكس لم [ يتيسر] ، وليس ذلك
بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة والأنواع النجسة ؛ فهذه إشارة
لطيفة إلى مسالك الرأي فى هذه المسألة ، وتمامه ما حضرنى كتابه فى
هذا المجلس ، ( والله يقول الحق وهو يهدى السبيل ) .
الفصل الثاني
في من الآدمي
وفيه أقوال ثلاثة :
أحدها : أنه نجس كالبول فيجب غسله رطباً ويابساً من البدن
والثوب ، وهذا قول مالك والأوزاعى والثوري وطائفة .
وثانيها : أنه نجس يجزئ فرك يابسه ، وهذا قول أبي حنيفة
٥٨٧

وإسحاق ، ورواية عن أحمد .
ثم هنا أوجه ، قيل : يجزئ فرك يابسه ، ومسح رطبه من الرجل
دون المرأة ، لأنه يعفى عن بسيره ، ومني الرجل يتأتى فركه ومسحه،
بخلاف من المرأة فإنه رقيق كالمذى ، وهذا منصوص أحمد .
وقيل يجزئ فركه فقط منها لذهابه بالفرك، وبقاء أثره بالمسح .
وقيل : بل الجواز مختص بالفرك من الرجل دون المرأة، كما جاءت
به السنة ، كما سنذكره .
وثالثها : أنه مستقذر كالمخاط والبصاق ، وهذا قول الشافعى وأحمد
فى المشهور عنه ، وهو الذي نصرناه والدليل عليه وجوه :
أحدها: ما أخرج مسلم وغيره عن عائشة قالت: ((كنت أفرك
المنى من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يذهب فيصلي
فيه - وروى فى لفظ الدار قطنى - كنت أفركه إذا كان يابساً
وأغسله إذا كان رطباً)) . فهذا نص فى أنه ليس كالبول يكون نجساً
نجاسة غليظة .
فبقي أن يقال : يجوز أن يكون نجساً كالدم، أو طاهراً كالبصاق
٥٨٨

لكن الثانى أرجح ؛ لأن الأصل وجوب تطهير الثياب من الأنجاس
قليلها وكثيرها ، فإذا ثبت جواز حمل قليله في الصلاة ثبت ذلك في
كثيره ؛ فإن القياس لا يفرق بينها .
فإن قيل : فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة (( أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة
في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه )) . فهذا يعارض حديث
الفرك في منى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والغسل دليل
النجاسة ، فإن الطاهر لا يطهر .
فيقال : هذا لا يخالفه ؛ لأن الغسل للرطب ، والفرك اليابس ،
كما جاء مفسراً فى رواية الدار قطني . أو هذا أحياناً ، وهذا أحياناً.
وأما الغسل فإن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق والنخامة استقذاراً
لا تنجيساً ؛ ولهذا قال سعد بن أبى وقاص . وابن عباس : أمطه
عنك ولو بإذخرة ، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق .
الدليل الثانى : ما روى الإمام أحمد فى مسنده بإسناد صحيح عن
عائشة قالت: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلت المني
من ثوبه بعرق الإذخر ، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلي
فيه)) . وهذا من خصائص المستقدرات ، لا من أحكام النجاسات ،
٥٨٩

فإن عامة القائلين بنجاسته لا يجوزون مسح رطبه .
الدليل الثالث : ما احتج به بعض أولينا بما رواه إسحاق الأزرق
عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال :
« سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المني يصيب الثوب،
فقال : إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق ، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة
أو بإذخرة)) . قال الدار قطني: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن
شربك . قالوا : وهذا لا يقدح ؛ لأن إسحاق بن يوسف الأزرق
أحد الأئمة . وروى عن سفيان وشريك وغيرهما ، وحدث عنه أحمد
ومن فى طبقته ، وقد أخرج له صاحبا الصحيح فيقبل رفعه وما
ينفرد به .
وأنا أقول : أما هذه الفتيا فهي ثابتة عن ابن عباس ، وقبله سعد
ابن أبي وقاص ، ذكر ذلك عنهما الشافعي وغيره في كتبهم . وأما رفعه
إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فمكر باطل لا أصل له ؛ لأن
الناس كلهم رووه عن شريك موقوفاً . ثم شريك ومحمد بن عبد الرحمن
- وهو ابن أبى ليلى - ليسا فى الحفظ بذاك، والذين هم أعلم منهم
بعطاء مثل ابن جريج الذي هو أثبت فيه من القطب وغيره من المكيين
لم يروه أحد إلا موقوفاً، وهذا كله دليل على وم تلك الرواة .
٥٩٠

فإن قلت : أليس من الأصول المستقرة أن زيادة العدل مقبولة؟
وأن الحكم لمن رفع لا لمن وقف لأنه زائد ؟
قلت : هذا عندنا حق مع تكافئ المحدثين المخبرين وتعادلهم .
وأما مع زيادة عدد من لم يزد فقد اختلف فيه أولونا . وفيه نظر .
وأيضاً فإنما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا، وأما متى تعارضتا
يسقط رواية الأقل بلا ريب ، وههنا المروى ليس هو مقابل بكون
النبى - صلى الله عليه وسلم - قد قالها ، ثم قالها صاحبه تارة .
نارة ذاكراً ، وتارة آثراً، وإنما هو حكاية حال وقضية عين فى رجل
استفتى على صورة، وحروف مأثورة ، فالناس ذكروا أن المستفتى ابن
عباس ، وهذه الرواية ترفعه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -
وليست القضية إلا واحدة ، إذ لو تعددت القضية لما أهمل الثقات الأثبات
ذلك على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ذلك .
وأيضاً فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد بذلك ، وليسوا يشكون
فى أن هذه الرواية وم .
الدليل الرابع : أن الأصل في الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته
حتى يجيئًا ما يوجب القول بأنه نجس ، وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك
٥٩١

أصلا ، فعلم أن كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه ، ومعلوم
أن المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما
بلغ الهر في آنيتهم ، فهو طواف الفضلات ، بل قد يتمكن الإنسان من
الاحتراز من البصاق والمخاط المصيب ثيابه ، ولا يقدر على الاحتراز من
مني الاحتلام والجماع ، وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته ، ولو كان
المقتضى للتنجيس قائماً .
ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزا فيها بالجامد ،
مع أن إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب
من المني ، لا سيما فى الشتاء فى حق الفقير ، ومن ليس له إلا
ثوب واحد .
فإن قيل : الذي يدل على نجاسة المنى وجوه :
أحدها : ما روى عن عمار بن ياسر عن ـ النبي صلى الله عليه
وسلم - أنه قال: ((إنما يغسل الثوب من البول والغائط والمنى والقىء))
رواه ابن عدي . وحديث عائشة قد مضى في أن النى صلى الله عليه
وسلم كان يغسله .
الوجه الثانى : أنه خارج يوجب طهارتى الخبث والحدث ، فكان
نجساً كالبول والحيض ؛ وذلك لأن إيجاب نجاسة الطهارة دليل على أنه
٥٩٢

نجس ، فإن إماطته وتنحيته أخف من التطهير منه، فإذا وجب الأثقل
فالأخف أولى . لا سيما عند من يقول بوجوب الاستنجاء منه ؛ فإن
الاستنجاء إماطة وتحية ، فإذا وجب تنحيته فى مخرجه ففي غير مخرجه
أحق وأولى .
الوجه الثالث : أنه من جنس المذي فكان نجساً كالمذى ، وذاك
لأن المذي يخرج عند مقدمات الشهوة ، والمني أصل المذى عند استكمالها
وهو يجري فى مجراه ، ويخرج من مخرجه ، فإذا تجس الفرع فلأن
ينجس الأصل أولى .
الوجه الرابع: أنه خارج من الذكر ، أو خارج من القبل، فكان
نجسا جميع الخوارج: مثل البول ، والمذى ، والودي ؛ وذلك لأن
الحكم فى النجاسة منوط بالمخرج .
ألا ترى أن الفضلات الخارجة من أعالي البدن ليست نجسة ، وفى
أسافله تكون نجسة ، وإن جمعها الاستحالة في البدن ؟ !
الوجه الخامس : أنه مستحيل من الدم ؛ لأنه حم قصرته الشهوة ،
ولهذا يخرج عند الإكثار من الجماع أحمر ، والدم نجس ، والنجاسة
لا تطهر بالاستحالة عندكم .
٥٩٣

الوجه السادس : أنه يجري في مجرى البول فيتنجس بملاقاة البول،
فيكون كاللبن فى الظرف النجس ، فهذه أدلة كلها تدل على نجاسته .
فنقول : الجواب وعلى الله قصد السبيل : أما حديث عمار بن
ياسر فلا أصل له. في إسناده ثابت بن حماد، قال الدار قطني : ضعيف
جداً ، وقال ابن عدي : له مناكير ، وحديث عائشة مضى القول فيه.
وأما الوجه الثاني فقولهم: يوجب طهارتى الخبث والحدث ، أما
الخبث فممنوع ؛ بل الاستنجاء منه مستحب كما يستحب إماطته من
الثوب والبدن ، وقد قيل: هو واجب ، كما قد قيل يجب غسل
الأنثيين من المذي ، وكما يجب غسل أعضاء الوضوء إذا خرج الخارج
من الفرج ، فهذا كله طهارة وجبت لخارج ، وإن لم يكن المقصود بها
إماطته وتنجيسه ؛ بل سبب آخر كما يغسل منه سائر البدن .
فالحاصل: أن سبب الاستنجاء منه ليس هو النجاسة ؛ بل سبب
آخر . فقولهم : يوجب طهارة الخبث وصف ممنوع فى الفرع ، فليس
غسله عن الفرج للخبث ، وليست الطهارات منحصرة في ذلك : كغسل
اليد عند القيام من نوم الليل ، وغسل الميت ، والأغسال المستحبة ،
وغسل الأنثيين وغير ذلك . فهذه الطهارة إن قيل : بوجوبها فهي من
القسم الثالث ، فيبطل قياسه على البول ؛ لفساد الوصف الجامع .
٥٩٤

وأما إيجابه طهارة الحدث فهو حق ؛ لكن طهارة الحدث ليست
أسبابها منحصرة فى النجاسات . فإن الصغرى يجب من الريح إجماعاً ،
ويجب بموجب الحجة من ملامسة الشهوة ، ومن مس الفرج ، ومن
لحوم الإبل ، ومن الردة ، وغسل الميت ، وقد كانت يجب فى صدر
الإسلام من كل ما غيرته النار ، وكل هذه الأسباب غير نجسة .
وأما الكبرى : فتجب بالإبلاج إذا التقى الختانان ولا نجاسة ، وتجب
بالولادة التى لا دم معها على رأي مختار ، والولد طاهر . وتجب بالموت
ولا يقال هو نجس . وتجب بالإسلام عند طائفة .
فقولهم : إنما أوجب طهارة الحدث ، أو أوجب الاغتسال نجس
منتقض بهذه الصور الكثيرة ، فبطل طرده. فإن ضموا إلى العلة كونه
خارجا انتقض بالربح والولد نقضاً قادما .
ثم يقال : قولكم خارج وصف طردي فلا يجوز الاحتراز به .
ثم إن عكسه أيضاً باطل ، والوصف عديم التأثير ، فإن مالا يوجب طهارة
الحدث منه شيء كثير : نجس كالدم الذي لم يسل ، واليسير من القىء .
وأيضا فسيأتى الفرق إن شاء الله تعالى. فهذه أوجه ثلاثة أو أربعة.
وأما قولهم : التطهير منه أبعد من تطهيره . فجمع ما بين متفاوتين
٥٩٥

متباينين ، فإن الطهارة منه طهارة عن حدث ، وتطهيره إزالة خبث ،
وهما جنسان مختلفان فى الحقيقة والأسباب والأحكام من وجوه كثيرة ؛
فإن هذه تجب لها النية دون تلك .
وهذه من باب فعل المأمور به ، وتلك من باب اجتناب المنهى عنه
وهذه مخصوصة بالماء أو التراب ، وقد تزال تلك بغير الماء فى مواضع
بالاتفاق ، وفى مواضع على رأي ، وهذه يتعدى حكمها محل سببها إلى
جميع البدن، وتلك يختص حكمها بمحلها . وهذه تجب في غير محل
السبب أو فيه وفى غيره ، وتلك يجب في محل السبب فقط ، وهذه
حسية وتلك عقلية ، وهذه جارية فى أكثر أمورها على سنن مقايس
البحائين ، وتلك مستصعبة على سبر القياس ، وهذه واجبة بالاتفاق ،
وفى وجوب الأخرى خلاف معلوم . وهذه لها بدل ، وفى بدل تلك
فى البدن خاصة خلاف ظاهر .
وبالجملة فقياس هذه الطهارة على تلك الطهارة كقياس الصلاة على الحج؛
لأن هذه عبادة ، وتلك عبادة مع اختلاف الحقيقتين .
وأما الوجه الثالث: وهو إلحاقه بالمذي فقد منع الحكم في الأصل
على قول بطهارة المذي، والأكثرون سلموه، وفرقوا بافتراق الحقيقتين ؛
فإن هذا يخلق منه الولد الذي هو أصل الإنسان وذلك بخلافه . ألا
٥٩٦

ترى أن عدم الإمناء عيب بنى عليه أحكام كثيرة : منشؤها على أنه ،
نقص ، وكثرة الإمذاء ربما كانت مرضاً ، وهو فضلة محضة لامنفعة فيه
كالبول ، وإن اشتركا فى انبعاتهما عن شهوة النكاح فليس الموجب
لطهارة المنى أنه عن شهوة الباءة فقط ؛ بل شيء آخر . وإن أجريناه
مجراه فنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
وأما كونه فرعا فليس كذلك ؛ بل هو بمنزلة الجنين الناقص :
كالإنسان إذا أسقطته المرأة قبل كمال خلقه ، فإنه وإن كان مبدأ خلق
الإنسان فلا يناط به من أحكام الإنسان إلا ما قل ، ولو كان فرعا ؛
فإن النجاسة استخباث وليس استخباث الفرع بالموجب خبث أصله :
كالفضول الخارجة من الإنسان .
وأما الوجه الرابع: فقياسه على جميع الخارجات بجامع اشتراكهن
في المخرج منقوض بالفم ، فإنه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين ، والقىء
النجس . وكذلك الدبر مخرج الربح الطاهر ، والغائط النجس . وكذلك
الأنف مخرج المخاط الطاهر ، والدم النجس .
وإن فصلوا بين ما يعتاد الناس من الأمور الطبيعية وبين ما يعرض
لهم لأسباب حادثة .
٥٩٧

قلنا : النخامة المعدية - إذا قيل: بنجاستها - معتادة، وكذلك الربح.
وأيضا فإنا نقول : لم قلتم أن الاعتبار بالمخرج ؟ ولم لا يقال
الاعتبار بالمعدن والمستحال ، فما خلق فى أعلى البدن فطاهر ، وما خلق
فى أسفله فنجس ، والمنى يخرج من بين الصلب والترائب ؛ بخلاف
البول والودي . وهذا أشد اطراداً ؛ لأن القىء والنخامة المنجسة خارجان
من الفم ، لكن لما استحالا فى المعدة كانا نجسين . وأيضاً فسوف نفرق
إن شاء الله تعالى .
وأما الوجه الخامس فقولهم: مستحيل عن الدم ، والاستحالة لاتطهر :
عنه عدة أجوبة مستنيرة قاطعة .
أحدها : أنه منقوض بالآدمي وبمضغته ، فإنهما مستحيلان عنه ، وبعده
عن العلقة ، وهي دم ولم يقل أحد بنجاسته، وكذلك سائر البهائم المأكولة.
وثانيها: أنا لا نسلم أن العم قبل ظهوره وبروزه يكون نجساً ، فلا بد
من الدليل على تنجيسه ، ولا يغنى القياس عليه إذا ظهر وبرز باتفاق
الحقيقة ؛ لأنا نقول للدليل على طهارته وجوه :
أحدها : أن النجس هو المستقدر المستخبث، وهذا الوصف لا يثبت
٥٩٨

لهذه الأجناس إلا بعد مفارقتها مواضع خلقها ، فوصفها بالنجاسة فيها
وصف بما لا تتصف به .
وثانيها : أن خاصة النجس وجوب مجانبته فى الصلاة ، وهذا مفقود
فيها في البدن من الدماء وغيرها . ألا ترى أن من صلى حاملا وعاءاً
مسدوداً قد أوعى دما لم تصح صلاته ، فلئن قلت : عفى عنه لمشقة
الاحتراز . قلت : بل جعل طاهراً لمشقة الاحتراز ، فما المانع منه ،
والرسول صلى الله عليه وسلم يعلل طهارة الهرة بمشقة الاحتراز،
حيث يقول: ((إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات))؟.
بل أقول : قد رأينا جنس المشقة فى الاحتراز مؤثراً فى جنس
التخفيف . فإن كان الاحتراز من جميع الجنس مشقاً عفى عن جميعه ،
فحكم بالطهارة . وإن كان من بعضه عفي عن القدر المشق ، وهنا بشق
الاحتراز من جميع ما فى داخل الأبدان ، فيحكم لنوعه بالطهارة كالهر
وما دونها، وهذا وجه ثالث .
الوجه الرابع : أن الدماء المستخبئة في الأبدان وغيرها هي أحد
أركان الحيوان التى لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفساً، فالحكم
٥٩٩

بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعا نجساً فى
غاية البعد .
الوجه الخامس : أن الأصل الطهارة ، فلا تثبت النجاسة إلا بدليل
وليس فى هذه الدماء المستخبئة شيء من أدلة النجاسة ، وخصائصها .
الوجه السادس : أنا قد رأينا الأعيان تفترق حالها : بين ما إذا
كانت فى موضع عملها ومنفعتها ، وبين ما إذا فارقت ذلك. فالماء
المستعمل ما دام جاريا فى أعضاء المتطهر فهو طهور ، فإذا انفصل تغيرت
حاله . والماء فى المحل النجس ما دام عليه فعمله باق وتطهيره ، ولا يكون
ذلك إلا لأنه طاهر مطهر ، فإذا فارق محل عمله فهو إما نجس أو غير
مطهر ، وهذا مع تغير الأمواء فى موارد التطهير نارة بالطاهرات وتارة
بالنجاسات ، فإذا كانت المخالطة التى هي أشد أسباب التغيير لا تؤثر فى
محل عملنا وانتفاعنا فما ظنك بالجسم المفرد فى محل عمله بخلق الله
وتدبيره، فافهم هذا فإنه لباب الفقه .
الوجه الثالث عن أصل الدليل : أنا لو سلمنا أن الدم يجس فإنه
قد استحال وتبدل . وقولهم : الاستحالة لا تطهر .
قلنا : من أفتى بهذه الفتوى الطويلة العريضة المخالفة للإجماع ؟!
٦٠٠