النص المفهرس

صفحات 521-540

يكون نجساً لم يستحب له التجنب على الصحيح ، ولا الاحتياط ؛ فإن
عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - حر هو وصاحب له بميزاب فقطر
على صاحبه منه ماء . فقال صاحبه : يا صاحب الميزاب ماؤك طاهر أو
بجس ؟ فقال عمر : يا صاحب الميزاب لا يخبره ، فإن هذا ليس عليه .
وعلى القول بالعفو ، فإذا فرش في الخانات وغيرها على روث الحمير
ونحوها ، فإنه يعفى عن بسير ذلك . وأما روث الخيل فالصحيح أنه
طاهر ، فلا يحتاج إلى عفو ، ولا يجب عليه شيء من ذلك إذا دخل
الحضر ، وسواء كانت يده رطبة من ماء أو غير ذلك ، فإنه لا يضره
من المقاود . وغسل المقاود بدعة لم ينقل ذلك عن الصحابة - رضوان الله
عليهم - بل كانوا يركبونها . وامتن الله عليهم بذلك فى قوله تعالى:
(وَاْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) وكان للنبى صلى الله عليه وسلم
بغلة يركبها ، وروي عنه : أنه ركب الحمار ، وما نقل أنه أمر خدام
الدواب أن يحترزوا من ذلك .
فصل
وثوب القصاب وبدنه محكوم بطهارته ، وإن كان عليه دسم ، وغسل
اليدين من ذلك وسوسة وبدعة ، ومكانه من المسجد وغيره طاهر ،
٥٢١

وغاية ما يصيب القصاب أن العم يصيبه أحياناً ، فالذي يماسه إذا لم يكن
عليه دم لا يضره ، ولو أصابه دم بسير لعفي عنه ؛ لأن الدم اليسير
معفو عنه ، ونجاسة القصاب ليست من نجاسة الدسم، فإن الدسم طاهر
لا نجاسة فيه ، ويسير الدم معفو عنه ، وغسل يده من مصافحة القصاب
أو الطواف وسوسة وتنطع مخالف للسنة .
وقد ذكر البخاري أن عمر بن الخطاب توضأ من جرة امرأة
نصرانية ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل زبيبة الحسن
وقد صلى وهو حامل أمامة ابنة ابنته ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام
حملها ، ومثل هذا كثير فى الآثار يبين سعة الأمر فى ذلك .
فصل
أكل الشوى والشريح جاز سواء غسل اللحم أو لم يغسل ؛ بل
غسل لحم الذبيحة بدعة ، فما زال الصحابة - رضي الله عنهم - على
عهد النبى صلى الله عليه وسلم يأخذون اللحم فيطبخونه ويا كلونه بغير
غسله ، وكانوا يرون الدم فى القدر خطوطاً ؛ وذلك أن الله إنما حرم
عليهم الدم المسفوح أي المصبوب المهراق، فأما ما يبقى فى العروق فلم يحرمه.
ولكن حرم عليهم أن يتبعوا العروق كما نفعل اليهود الذين بظلم منهم
٥٢٢

حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، وبعدم عن سبيل الله كثيراً.
وسكين القصاب يذبح بها ويسلخ ، فلا تحتاج إلى غسل ، فإن
غسل السكاكين التى يذبح بها بدعة ، وكذلك غسل السيوف . وإنما
كان السلف يمسحون ذلك مسحاً ؛ ولهذا جاز في أحد قولي العلماء
فى الأجسام الصقيلة كالسيف والمرآة إذا أصابها نجاسة أن تمسح ولا تغسل
وهذا فيما لا يعفى عنه .
فأما ما تعين عدم تجسه فلا يحتاج إلى غسل ولا مسح ، واليسير
يعفى عنه . وما عفى عنه فالحمل والمشى بلا ريب ؛ فإن كل ما جاز أ كله
جاز مباشرته فى الصلاة وغيرها ، وليس كل ما جازت مباشرته فى الصلاة
وغيرها جاز ا كله ، كالسموم المضرة ، فإنه لا يجوز أكلها ، ولو
باشرها وإن كانت ظاهرة تجوز مباشرتها فى الصلاة .
وذلك لأن الله تعالى حرم علينا الخبائث ، وأباح لنا الطيبات ،
والخبيث يضر ، والطيب ينفع ، وما ضر فى مباشرة الظاهر كانت
مضرته بمازجة الأبدان إذا أكل أقوى وأقوى ، وليس كل ما ضر
بالمازجة والمخالطة يضر بالمباشرة والملامسة ؛ ولهذا كان ما عفى عنه فى
الحمل كدم الجرح والدماميل وما يعلق بالسكين من دم الشاة ونحو ذلك.
فهذا إذا وقع في ماء أو مائع فقيل إنه ينجسه ، وإنما يعفى عنه
في المائعات . كما تقدم من أن اللّه إنما حرم الدم المسفوح ، وقد كان
٥٢٣

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل أحدهم إصبعه فى خيشومه فيلوث
أصابعه بالدم فيمضي فى صلاته ، وكذلك كانت أيديهم تصيب الدماميل
والجراح ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يتحرجون من مباشرة المائعات حتى
يغسلوا أيديهم.
وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم بالقدر فيبقى الدم في الماء خطوطاً
وهذا لا أعلم بين العلماء خلافاً في العفو عنه ، وأنه لا ينجس باتفاقهم
وحينئذ فأي فرق بين كون الدم فى حرق القدر، أو مائح آخر ،
وكونه في السكين أو غيرها . والله أعلم .
وسل
عن رجل عنده ستون قنطار زيت بالدمشقي وقعت فيه فأرة في
بئر واحدة فهل ينجس بذلك أم لا؟ وهل يجوز بيعه أو استعماله أم لا؟
أفتونا مأجورين .
فأجاب: الحمد لله. لا ينجس بذلك، بل يجوز بيعه واستعماله إذا
لم يتغير في إحدى الروايتين عن أحمد، وحكم المائعات عنده حكم الماء
فى إحدى الروايتين، فلا ينجس إذا بلغ القلتين إلا بالتغير ، لكن تلقى
النجاسة وما حولها ، وقد ذهب إلى أن حكم المائعات حكم الماء طائفة
٥٢٤

من العلماء : كالزهري ، والبخاري صاحب الصحيح .
وقد ذكر ذلك رواية عن مالك ، وهو أيضاً مذهب أبى حنيفة،
فإنه سوى بين الماء والمائعات بملاقاة النجاسة ، وفي إزالة النجاسة ،
وهو رواية عن أحمد في الإزالة ؛ لكن أبو حنيفة رأى
مجرد الوصول منجساً، وجمهور الأئمة خالفوا فى ذلك فلم يروا الوصول
منجساً ، مع الكثرة .
وتنازعوا فى القليل .
إذ من الفقهاء من رأى أن مقتضى الدليل أن الخبث إذا وقع فى
الطيب أفسده، ومنهم من قال إنما يفسده إذا كان قد ظهر أثره ، فأما
إذا استهلك فيه واستحال فلا وجه لإفساده ، كما لو انقلبت الخمرة خلاً
بغير قصد آدمي فإنها طاهرة حلال باتفاق الأئمة ، لكن مذهبه في الماء
معروف ، وعلى هذا أدلة قد بسطناها فى غير هذا الموضع ، ولا دليل
على نجاسته لا في كتاب الله ولا سنة رسوله .
وعمدة الذين نجسوه . احتجاجهم بحديث رواه أبو داود وغيره
عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه سئل عن فأرة وقعت فى سمن فقال:
إن كان جامداً فألقوها وما حولها ، وكلوا سمنكم ، وإن كان مائعا فلا
٥٢٥

تقربوه )) وهذا الحديث إنما يدل لو دل على نجاسة السمن الذي وقع
فيه الفأرة، فكيف والحديث ضعيف ؛ بل باطل غلط فيه معمر على الزهرى
غلطا معروفا عند النقاد الجهابذة ، كما ذكره الترمذي عن البخاري .
ومن اعتقد من الفقهاء أنه على شرط الصحيح ، فلم يعلم العلة
الباطنة فيه التى توجب العلم ببطلانه ، فإن علم العلل من خواص علم
أئمة الحديث ، ولهذا بين البخاري في صحيحه ما يوجب فساد هذه
الرواية ، وأن الحديث الصحيح هو على طهارته أدل منه على
النجاسة فقال :
( باب: إذا وقعت الفأرة فى السمن الجامد أو الذائب ) :
حدثنا عبدان قال حدثنا عبد الله يعنى ابن المبارك عن يونس عن
الزهري : أنه سئل عن الدابة التى تموت فى الزيت أو السمن وهو جامد.
أو غير جامد الفأرة أو غيرها قال: ((بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمر بفأرة ماتت فى سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل )). وفى
حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قال: سئل
النبى صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن فقال: ((ألقوها
وما حولها وكلوه ، فذكر البخاري عن ابن شهاب الزهري أعلم الأمة
بالسنة فى زمانه أنه أفتى في الزيت والسمن الجامد وغير الجامد إذا
مانت فيه الفأرة أنها تطرح وما قرب منها .
٥٢٦

واستدل بالحديث الذي رواه عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن
عباس : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن
فقال : ألقوها وما حولها وكلوه )) ولم يقل النبى صلى الله عليه وسلم :
إن كان مائعاً فلا تقربوه ؛ بل هذا باطل . فذكر البخاري رضي الله
عنه هذا ليبين أن من ذكر عن الزهري أنه روى فى هذا الحديث
هذا التفصيل فقد غلط عليه ، فإنه أجاب بالعموم ، فى الجامد والذائب.
مستدلا بهذا الحديث بعينه ، لا سيما والسمن بالحجاز يكون ذائباً
أكثر مما يكون حامداً ؛ بل قيل : إنه لا يكون بالحجاز حامداً محال .
فإطلاق النبى صلى الله عليه وسلم الجواب من غير تفصيل يوجب
العموم ، إذ السؤال كالمعاد في الجواب ، فكأنه قال: إذا وقعت الفأرة
فى السمن فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم ، وترك الاستفصال فى حكاية
الحال مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة العموم فى المقال . هذا إذا كان
السمن بالحجاز يكون جامداً ويكون ذائباً ، فأما إن كان وجود الجامد
نادراً أو معدوماً كان الحديث نصاً فى أن السمن الذائب إذا وقعت
فيه الفأرة فإنها تلقى وما حولها ويؤكل . وبذلك أجاب الزهري فإن
مذهبه أن الماء لا ينجس قليله ولا كثيره إلا بالتغير ، وقد ذكر
البخاري في أوائل الصحيح : التسوية بين الماء والمائعات .
وقد بسطنا الكلام فى هذه المسألة ودلائلها ، وكلام العلماء فيها
٥٢٧

فى غير هذا الموضع . كيف وفى تنجيس مثل ذلك وتحريمه من فساد
الأطعمة العظيمة ، وإتلاف الأموال العظيمة القدر ، ما لا تأتى بمثله
الشريعة الجامعة للمحاسن كلها . والله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث
تنزيهاً لنا عن المضار ، وأباح لنا الطيبات كلها لم يحرم علينا شيئاً من
الطيبات، كما حرم على أهل الكتاب - بظلمهم - طيبات أحلت لهم. ومن
استقرأ الشريعة فى مواردها ومصادرها واشتمالها على مصالح العباد فى
المبدأ والمعاد تبين له من ذلك ما يهديه اللّه إليه (وَمَن ◌َّيَجْعَلِ الَّهُلَهُ نُورَا فَمَا
لَّهُمِن قُورٍ )
والله سبحانه أعلم. والحمد لله وحده وصلاته على
محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا .
وسئل
عن الزيت إذا كان فى بئر ، ووقعت فيه نجاسة : مثل الفأرة
والحية، ونحوهما ، ومانا فيه . فما الحكم إذا كان دون القلتين ؟ وإذا
ولغ الكلب فى الزيت أو اللبن فما الحكم فيه ؟
فأجاب - رحمه الله - إذا كان أكثر من القلتين فهو طاهر
عند جمهور العلماء: كمالك ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم . وإن كان
دون القلتين ففيه قولان فى مذهب أحمد ، وغيره ، ومذهب المدنيين
وكثير من أهل الحديث أنه طاهر ، كإحدى الروايتين عن أحمد ،
٥٢٨

وهو اختيار طائفة من أصحابه : كابن عقيل ، وغيره ، وكذلك الماتح
إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فيه نزاع معروف ، وقد بسط فى
موضع آخر .
والأظهر أنه إذا لم يكن للنجاسة فيه أثر، بل استهلكت فيه ولم
تغير له لوناً ولا طعماً ولا ربحاً فإنه لا ينجس، والله سبحانه أعلم .
وسل
عما إذا ولغ الكلب فى اللبن ، ومخض اللبن ، وظهر فيه زبدة :
فهل يحل تطهير الزبدة ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : اللبن وغيره من المائعات هل يتنجس بملاقاة النجاسة ،
أو حكمه حكم الماء . هذا فيه قولان للعلماء ، وهما روايتان عن أحمد،
وكذلك مالك له في النجاسة الواقعة فى الطعام الكثير هل تنجسه
فيه قولان .
وأما ولوغ الكلب في الطعام ، فلا ينجسه عند مالك ، فهذا على
أحد قولي العلماء لم ينجس ، وعلى القول الآخر ينجس ، وهو مذهب
أبى حنيفة وأحمد فى المشهور عن أصحابه ، لكن عند هؤلاء هل يطهر
٥٢٩

الدهن بالغسل ؟ فيه قولان فى مذهب الشافعي وأحمد ، وهما قولان فى
مذهب مالك أيضاً .
فمن قال إن الأدهان تطهر بالغسل ، قال بطهارته بالغسل ، وإلا
فلا ، والله أعلم .
وسئل
عن الكلب إذا ولغ فى اللبن أو غيره ما الذي يجب فى ذلك ؟
فأجاب : وأما الكلب فقد تنازع العلماء فيه على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه طاهر حتى ريقه ، وهذا هو مذهب مالك .
والثاني : بجس حتى شعره ، وهذا هو مذهب الشافعي ، وإحدى
الروايتين عن أحمد .
والثالث : شعره طاهر ، وريقه نجس ، وهذا هو مذهب أبى
حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين عنه، وهذا أصح الأقوال . فإذا
أصاب الثوب أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك ، وإذا ولغ في
الماء أريق الماء .
٥٣٠

وإن ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام ،
كقول مالك وغيره ، ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة
والشافعي وأحمد ، فأما إن كان اللبن كثيراً فالصحيح أنه لا ينجس
كما تقدم .
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن الجين الإفرنجي ، والجوخ هل هما مكروهان، أو قال أحد
من الأمّة ممن يعتمد قوله إنهما تجسان ، وإن الجبن يدهن بدهن
الخنزير ، وكذلك الجوخ .
فأجاب الحمد لله . أما الجين المجلوب من بلاد الإفرنج ، فالذين
كرهوه ذكروا لذلك سببين :
أحدهما أنه يوضع بينه شحم الخنزير إذا حمل فى السفن
والثانى : أنهم لا يذكون ما تصنع منه الإنفحة ، بل يضربون
رأس البقر ولا يذكونه .
فأما الوجه الأول : فغايته أن ينجس ظاهر الجبن ، فمتى كشط
الجين ، أو غسل طهر، فإن ذلك ثبت فى الصحيح (( أن النبي صلى
٥٣١

اللّه عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت فى سمن فقال: ألقوها وما حولها
وكلوا سمنكم )) فإذا كان ملاقاة الفأرة للسمن لا توجب نجاسة جميعه ،
فكيف تكون ملاقاة الشحم النجس للجبن توجب مجاسة باطنه ؟! ومع
هذا فإنما يجب إزالة ظاهره إذا تيقن إصابة النجاسة له ، وأما مع
الشك فلا يجب ذلك .
وأما الوجه الثانى : فقد علم أنه ليس كل ما يعقرونه من الأنعام
يتركون ذكاته ، بل قد قيل : إنهم إنما يفعلون هذا بالبقر ، وقيل إنهم
يفعلون ذلك حتى يسقط ، ثم يذكونه ، ومثل هذا لا يوجب تحريم
ذبائحهم ، بل إذا اختلط الحرام بالحلال فى عدد لا ينحصر : كاختلاط
أخته بأهل بلد ، واختلاط الميتة والمغصوب بأهل بلدة ، لم يوجب ذلك
تحريم ما فى البلد ، كما إذا اختلطت الأخت بالأجنبية ، والمذكى بالميت
فهذا القدر المذكور لا يوجب تحريم ذبائحهم المجهولة الحال . وبتقدير
أن يكون الجبن مصنوعا من أنفحة ميتة ، فهذه المسألة فيها قولان
مشهوران للعلماء :
أحدهما: أن ذلك مباح طاهر ، كما هو قول أبى حنيفة وأحمد في
إحدى الروايتين .
والثانى: أنه حرام نجس : كقول مالك ، والشافعي ، وأحمد في
٥٣٢

الرواية الأخرى ، والخلاف مشهور فى لبن الميتة وإنفحتها : هل هو
طاهر ؟ أم نجس ؟ والمطهرون احتجوا بأن الصحابة أكلوا جين المجوس
مع كون ذبائحهم ميتة ، ومن خالفهم نازعهم كما هو مذكور فى
موضع آخر .
وأما الجوخ فقد حكى بعض الناس أنهم يدهنونه بشحم الخنزير .
وقال بعضهم : إنه ليس يفعل هذا به كله ، فإذا وقع الشك فى عموم
نجاسة الجوخ لم يحكم بنجاسة عينه ، لإمكان أن تكون النجاسة لم نصبها:
إذ العين طاهرة ، ومتى شك فى نجاستها فالأصل الطهارة ، ولو تيقنا
نجاسة بعض أشخاص نوع دون بعض ، لم نحكم بنجاسة جميع أشخاصه
ولا بنجاسة ما شككنا فى تنجسه ؛ ولكن إذا تيقن النجاسة، أو قصد
قاصد إزالة الشك فغسل الجوخة يطهرها ، فإن ذلك صوف أصابه
دهن نجس ، وإصابة البول والدم لثوب القطن والكتان أشد وهو
به ألصق .
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لمن أصاب دم الحيض ثوبها
حتيه ، ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء - وفى رواية ــ ولا يضرك أثره))
والله أعلم.
٥٣٣

وسئل
من مريض طبخ له دواء ، فوجد فيه زبل الفأر ؟
فأجاب : هذه المسألة فيها نزاع معروف بين العلماء ، هل يعفى عن
يسير بعر الفأر ، ففي أحد القولين فى مذهب أحمد وأبى حنيفة وغيرهما
أنه يعفى من يسيره ، فيؤكل ما ذكر ، وهذا أظهر القولين والله أعلم.
وقال رحمه الله:
أما بعد : فقد كنا فى مجلس التفقه في الدين ، والنظر فى مدارك
الأحكام المشروعة تصويراً وتقريراً وتأصيلا وتفصيلا، فوقع الكلام في
شرح القول فى حكم من الإنسان وغيره من الدواب الطاهرة ، وفى
أرواث البهائم المباحة : أهي طاهرة ؟ أم نجسة ؟ على وجه أحب أصحابنا
تقييده ، وما يقاربه من زيادة ونقصان ، فكتبت لهم في ذلك فأقول
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا مبني على أصل، وفصلين . أما الأصل :
٥٣٤

فاعلم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف أصنافها
وتباين أوصافها أن تكون حلالا مطلقاً للآدميين ، وأن تكون طاهرة
لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها ، ومماستها ، وهذه كلمة جامعة، ومقالة
عامة ، وقضية فاضلة عظيمة المنفعة ، واسعة البركة ، يفزع إليها حملة
الشريعة ، فيما لا يحصى من الأعمال ، وحوادث الناس ، وقد دل عليها
أدلة عشرة - مما حضرنى ذكره من الشريعة - وهي: كتاب الله،
وسنة رسوله ، واتباع سبيل المؤمنين المنظومة فى قوله تعالى: (أَطِيعُواْ
اللَّهَوَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ)
وقوله: (إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللّهُ
وَرَسُولُ واْلَّذِينَءَامَنُواْ ).
ثم مسالك القياس ، والاعتبار ، ومناهج
الرأي ، والاستبصار .
الصنف الأول : الكتاب ، وهو عدة آيَات .
الآية الأولى قوله تعالى: (هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا )
والخطاب لجميع الناس، لافتتاح الكلام بقوله: (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا
رَبَّكُمُ ) ووجه الدلالة أنه أخبر، أنه خلق جميع مافى الأرض للناس
مضافا إليهم باللام، واللام حرف الإضافة ، وهي توجب اختصاص المضاف
بالمضاف إليه ، واستحقاقه إياه من الوجه الذي يصلح له ، وهذا المعنى
بعم موارد استعمالها . كقولهم : المال لزيد ، والسرج للدابة ، وما أشبه
ذلك فيجب إذاً أن يكون الناس مملكين ممكنين لجميع ما فى الأرض،
٥٣٥

فضلا من الله ونعمة ، وخص من ذلك بعض الأشياء وهي الخبائث ؛
لما فيها من الإفساد لهم في معاشهم ، أو معادم، فيبقى الباقي مباحا
بموجب الآية .
الآية الثانية: قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّاتَأْكُلُواْمِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا آَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )
دلت الآبة من وجهين :
أحدهما : أنه وبخهم وعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله
عليه قبل أن يحله باسمه الخاص ، فلو لم تكن الأشياء مطلقة مباحة لم
يلحقهم ذم ولا توبيخ ، إذ لو كان حكمها مجهولا ، أو كانت محظورة لم
يكن ذلك .
الوجه الثاني: أنه قال: (وَقَدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَّاحَزَّمَ عَلَيْكُمْ ) والتفصيل
التبيين ، فبين أنه بين المحرمات ، فما لم يبين تجريمه ليس بمحرم . وما
ليس بمحرم فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام .
الآية الثالثة قوله تعالى: (وَسَخَّرَلَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ
جميعًامِنْهُ )
وإذا كان ما فى الأرض مسخراً لنا حاز استمتاعنا به
كما تقدم .
٥٣٦

الآية الرابعة: قوله تعالى: ( قُللَّا أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَ طَاعٍِ
يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْدَمَا مَسْفُوحًا ) الآية فما لم يجد تحريمه ليس
بمحرم ، وما لم يحرم فهو حل، ومثل هذه الآية قوله (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ) الآية؛ لأن حرف: ( إنما) يوجب
حصر الأول فى الثانى ؛ فيجب انحصار المحرمات فيما ذكر ، وقد دل
الكتاب على هذا الأصل المحيط في مواضع أخر .
الصنف الثانى : السنة والذي حضرنى منها حديثان :
الحديث الأول : فى الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن أعظم المسلمين جرما من
بسأل عن شيء لم يحرم ، فحرم من أجل مسألته )). دل ذلك على أن
الأشياء لا تحرم إلا بتحريم خاص ، لقوله لم يحرم، ودل أن التحريم قد
يكون لأجل المسألة ، فبين بذلك أنها بدون ذلك ليست محرمة ،
وهو المقصود .
الثاني : روى أبو داود فى سننه عن سلمان الفارسي قال : سئل
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من السمن والجبن والفراء
فقال: ((الحلال ما أحل الله فى كتابه، والحرام ما حرم الله فى كتابه، وما
سكت عنه فهو مما عفا عنه » . فمنه دليلان :
٥٣٧

أحدهما : أنه أفتى بالإطلاق فيه .
الثانى قوله: ((وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)) نص فى أن ماسكت
عنه فلا إثم عليه فيه، وتسميته هذا عفواً كأنه والله أعلم لأن التحليل
هو الإذن في التناول بخطاب خاص ، والتحريم المنع من التناول كذلك،
والسكوت عنه لم يؤذن بخطاب يخصه ، ولم يمنع منه، فيرجع إلى الأصل،
وهو أن لاعقاب إلا بعد الإرسال ، وإذا لم يكن فيه عقاب لم يكن محرما .
وفي السنة دلائل كثيرة على هذا الأصل .
الصنف الثالث : اتباع سبيل المؤمنين، وشهادة شهداء الله في أرضه
الذين م عدول الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر ، المعصومين من
اجتماعهم على ضلالة ، المفروض اتباعهم . وذلك أنى لست أعلم خلاف
أحد من العلماء السالفين : في أن مالم يجئ دليل بتحريمه فهو مطلق
غير محجور ، وقد نص على ذلك كثير ممن تكلم فى أصول الفقه وفروعه ،
وأحسب بعضهم ذكر فى ذلك الإجماع يقينا أو ظنا كاليقين .
فإن قيل: كيف يكون فى ذلك إجماع ، وقد علمت اختلاف الناس
فى الأعيان قبل مجيء الرسل ، وإنزال الكتب ، هل الأصل فيها الحظر
أو الإباحة ؟ أو لا يدرى ما الحكم فيها ؟ أو أنه لا حكم لها أملا ؟
واستصحاب الحال دليل متبع ، وأنه قد ذهب بعض من صنف في أصول
٥٣٨

الفقه من أصحابنا وغيرهم على أن حكم الأعيان الثابت لها قبل الشرع
مستصحب بعد الشرع ، وأن من قال: بأن الأصل فى الأعيان الحظر
استصحب هذا الحكم حتى يقوم دليل الحل ؟؟.
فأقول هذا قول متأخر لم يؤثر أصله عن أحد من السابقين . ممن
له قدم ، وذلك أنه قد ثبت أنها بعد مجيء الرسل على الإطلاق ، وقد
زال حكم ذلك الأصل بالأدلة السمعية التى ذكرتها ، ولست أنكر أن
بعض من لم يحط علما بمدارك الأحكام، ولم يؤت تميزاً فى مظان الاشتباه،
ربما سحب ذيل ماقبل الشرع على مابعده . إلا أن هذا غلط قبيح لو
نبه له لتنبه مثل الغلط فى الحساب لا يهتك حريم الإجماع، ولا يثلم
سنن الاتباع .
ولقد اختلف الناس فى تلك المسألة : هل هى جائزة أم ممتنعة؟ لأن
الأرض لم يخل من نبي مرسل ، إذ كان آدم نبياً مكلماً حسب
اختلافهم فى جواز خلو الأقطار عن حكم مشروع ، وإن كان الصواب
عندنا جوازه .
ومنهم من فرضها فيمن ولد بجزيرة ، إلى غير ذلك من الكلام
الذي يبين لك أن لاعمل بها ، وأنها نظر محض ليس فيه عمل .
كالكلام فى مبدإ اللغات وشبه ذلك ، على أن الحق الذي لا راد له
٥٣٩

أن قبل الشرع لا تحليل ولا تحريم ، فإذاً لا تحريم يستصحب ويستدام،
فيبقى الآن كذلك ، والمقصود خلوها عن المآثم والعقوبات .
وأما مسلك الاعتبار بالأشباه والنظائر واجتهاد الرأي فى الأصول
الجوامع فمن وجوه كثيرة ننبه على بعضها .
أحدها : أن الله سبحانه خلق هذه الأشياء وجعل فيها للإنسان
متاعا ومنفعة . ومنها ما قد يضطر إليه وهو سبحانه جواد ماجد كريم
رحيم غني صمد ، والعلم بذلك يدل على العلم بأنه لا يعاقبه ولا يعذبه
على مجرد استمتاعه بهذه الأشياء وهو المطلوب .
وثانيها : أنها منفعة خالية عن مضرة فكانت مباحة كسائر مانص
على تحليله ، وهذا الوصف قد دل على تعلق الحكم به النص وهو قوله
( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ). فكل ما نفع فهو طيب،
وكل ماضر فهو خبيث . والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أن النفع
يناسب التحليل ، والضرر يناسب التحريم والدوران ، فإن التحريم
بدور مع المضار : وجوداً فى الميتة والهم ولحم الخنزير وذوات الأنياب
والمخالب والخمر وغيرها مما يضر بأنفس الناس ، وعدما في الأنعام
والألبان وغيرها .
وثالثها : أن هذه الأشياء إما أن يكون لها حكم أولا يكون ،
٥٤٠