النص المفهرس
صفحات 481-500
قد جعل التراب يطهر أسفل النعل ، وأسفل الذيل ، وسماء طهوراً ؛ فلأن يطهر نفسه بطريق الأولى ، والأحرى . فالنجاسة إذا استحالت فى التراب فصارت تراباً لم يبق نجاسة . وأيضاً فقد تنازع العلماء فيما إذا استحالت حقيقة النجاسة ، وانفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها ، وصارت خلا، أنها تطهر . ولهم فيها إذا قصد التخليل نزاع وتفصيل والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال ، كما ثبت ذلك عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه؛ لما صح من نهي النبى صلى الله عليه وسلم عن تخليلها ، ولأن حبسها معصية ، والطهارة نعمة ، والمعصية لا تكون سبباً للنعمة. وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحاً فى الملاحة ، أو صارت رماداً ، أو صارت الميتة والدم والصديد تراباً : كتراب المقبرة ، فهذا فيه قولان فى مذهب مالك ، وأحمد : أحدهما : أن ذلك طاهر كمذهب أبي حنيفة ، وأهل الظاهر . والثاني: أنه نجس ، كمذهب الشافعي . والصواب أن ذلك كله طاهر إذا لم يبق شيء من أثر النجاسة ، لاطعمها ولا لونها ولا ريحها ؛ لأن اللّه أباح الطيبات، وحرم الخبائث، وذلك يتبع صفات الأعيان وحقائقها ٤٨١ فإذا كانت العين ملحاً أو خلا دخلت فى الطيبات ، التى أباحها الله ، ولم تدخل في الخبائث التى حرمها الله ، وكذلك التراب والرماد وغير ذلك لا يدخل في نصوص التحريم . وإذا لم تتناولها أدلة التحريم. لا لفظاً ولا معنى لم يجز القول بتنجيسه وتحريمه ، فيكون طاهراً ، وإذا كان هذا فى غير التراب ، فالتراب أولى بذلك . وحينئذ فطين الشوارع إذا قدر أنه لم يظهر به أثر النجاسة فهو طاهر، وإن تيقن أن النجاسة فيه، فهذا يعفى عن يسيره : فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - كان أحدم يخوض في الوحل، ثم يدخل المسجد ، فيصلي ولا يغسل رجليه، وهذا معروف عن علي بن أبى طالب - رضى الله عنه - وغيره من الصحابة كما تقدم. وقد حكاه مالك عنهم مطلقاً، وذكر أنه لو كان فى الطين عذرة منبثة لعفي عن ذلك، وهكذا قال غيره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه يعفى عن بسير طين الشوارع ، مع تيقن نجاسته . والله أعلم . ٤٨٢ وسئل رحمه الله: عن الخمرة : إذا انقلبت خلا ولم يعلم بقلبها ، هل له أن يأكلها ؟ أو يبيعها ؟ أو إذا علم أنها انقلبت ، هل يأكل منها أو يبيعها ؟ . فأحاب : أما التخليل ففيه نزاع. قيل يجوز تخليلها . كما يحكى عن أبى حنيفة . وقيل : لا يجوز ؛ لكن إذا خللت طهرت ، كما يحكى عن مالك ، وقيل يجوز بنقلها من الشمس إلى الظل ، وكشف الغطاء عنها، ونحو ذلك ؛ دون أن يلقى فيها شيء . كما هو وجه فى مذهب الشافعي وأحمد . وقيل لا يجوز بحال. كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعى وأحمد، وهذا هو الصحيح ؛ فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه سئل عن خمر ليتامى فأمر بإراقتها. فقيل له : إنهم فقراء ، فقال: سيغنيهم الله من فضله)) فلما أمر بإراقتها، ونهى عن تخليلها ، وجبت طاعته فيما أمر به، ونهى عنه . فيجب أن تراق الخمرة ولا تخلل . هذا مع كونهم كانوا يتامى، ومع كون تلك الخمرة كانت متخذة قبل التحريم، فلم يكونوا عصاة. ٤٨٣ فإن قيل : هذا منسوخ ، لأنه كان فى أول الإسلام، فأمروا بذلك كما أمروا بكسر الآنية وشق الظروف ليمتنعوا عنها . قيل: هذا غلط من وجوه . أحدها : أن أمر الله ورسوله ، لا ينسخ إلا بأمر الله ورسوله ، ولم يرد بعد هذا نص ينسخه . الثاني : أن الخلفاء الراشدين بعد موته عملوا بهذا . كما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: (( لا تأكلوا خل خمر، إلا خمراً بدأ الله بفسادها ، ولا جناح على مسلم أن يشتري من خل أهل الذمة)) . فهذا عمر ينهى عن خل الخمر التى قصد إفسادها ، ويأذن فيما بدأ الله بإفسادها ، ويرخص فى اشتراء خل الخمر . من أهل الكتاب ؛ لأنهم لا يفسدون خمرم ، وإنما يتخلل بغير اختيارهم . وفى قول عمر حجة على جميع الأقوال . الوجه الثالث أن يقال : الصحابة كانوا أطوع الناس لله ورسوله ، ولهذا لما حرم عليهم الخمر أراقوها ، فإذا كانوا مع هذا قد نهوا عن تحليلها وأمروا بإراقتها ، فمن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك ، فإنهم أقل طاعة لله ورسوله منهم . يبين ذلك أن عمر بن الخطاب غلظ على الناس العقوبة فى شرب ٤٨٤ الخمر ، حتى كان ينفى فيها ، لأن أهل زمانه كانوا أقل اجتنابا لها من الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف يكون زمان ليس فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟! لا ريب أن أهله أقل اجتنابا للمحارم ، فكيف نسد الذريعة عن أولئك المنقين . وتفتح لغيرهم، وم أقل تقوى منهم . وأما ما يروى: ((خير خلكم خل خمركم)) فهذا الكلام لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن نقله عنه فقد أخطأ ، ولكن هو كلام صحيح ، فإن خل الخمر لا يكون فيها ماء ، ولكن المراد به الذي بدأ الله بقلبه. وأيضاً فكل خمر يعمل من العنب بلا ماء فهو مثل خل الخمر . وقد وصف العلماء عمل الخل : أنه يوضع أولا فى العنب شيء بحمضه حتى لا يستحيل أولا خمراً . ولهذا تنازعوا فى خمرة الخلال: هل يجب إراقتها ؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره : أظهرهما وجوب إراقتها ، كغيرها ؛ فإنه ليس فى الشريعة خمرة محترمة ، ولو كان لشيء من الخمر حرمة لكانت خمر اليتامى ، التى اشتريت لهم قبل التحريم ، وذلك أن الله أمر باجتناب الخمر ، فلا يجوز اقتناؤها ، ولا يكون فى بيت مسلم خمر أصلا، وإنما وقعت الشبهة في التخليل ؛ لأن بعض العلماء اعتقد أن التخليل إصلاح لها ، كدباغ الجلد النجس . وبعضهم قال : اقتناؤها لا يجوز : لا لتخليل ، ولا غيره . لكن ٤٨٥ إذا صارت خلا فكيف تكون نجسة ؟! وبعضهم قال : إذا ألقي فيها شيء تنجس أولا ، ثم تنجست به ثانيا ، بخلاف ما إذا لم يلق فيها شيء، فإنه لا يوجب التنجيس. وأما أهل القول الراجح فقالوا : قصد المخلل لتخليلها هو الموجب لتنجيسها ، فإنه قد نهى عن اقتنائها، وأمر بإراقتها ، فإذا قصد التخليل كان قد فعل محرما . وغاية ما يكون تخليلها كتذكية الحيوان ، والعين إذا كانت محرمة لم تصر محللة بالفعل المنهى عنه ؛ لأن المعصية لا تكون سبباً للنعمة والرحمة. ولهذا لما كان الحيوان محرماً قبل التذكية ، ولا يباح إلا بالتذكية، فلو ذكاء تذكية محرمة مثل أن يذكيه فى غير الحلق واللبة مع قدرته عليه . أولا يقصد ذ كانه . أو يأمر وثنياً أو مجوسياً بتذكيته، ونحو ذلك لم يبح . وكذلك الصيد إذا قتله المحرم لم يصر ذكياً ، فالعين الواحدة تكون طاهرة حلالا في حال ، وتكون حراما نجسة فى حال . تارة باعتبار الفاعل : كالفرق بين الكتابى والوثني. وتارة باعتبار الفعل كالفرق بين الذبيحة بالمحدد وغيره . وتارة باعتبار المحل وغيره كالفرق بين العنق وغيره . وتارة باعتبار قصد الفاعل كالفرق بين ما قصد تذكيته وما قصد قتله. حتى إنه عند مالك والشافعي وأحمد إذا ذكى الحلال صيداً أبيح للحلال دون المحرم ، فيكون حلالا طاهراً فى حق هذا ٤٨٦ حراما نجساً فى حق هذا، وانقلاب الخمر إلى الخل من هذا النوع مثل ما كان ذلك محظوراً ، فإذا قصده الإنسان لم يصر الخل به حلالا ، ولا طاهراً ، كما لم يصر لحم الحيوان حلالا طاهراً بتذكية غير شرعية . وما ذكرناه عن عمر بن الخطاب هو الذي يعتمد عليه فى هذه المسألة، أنه متى علم أن صاحبها قد قصد تخليلها لم تشتر منه، وإذا لم يعلم ذلك جاز اشتراؤها منه ؛ لأن العادة أن صاحب الخمر لا يرضى أن يخللها. والله أعلم. ٤٨٧ وسل عن الزيت إذا وقعت فيه النجاسة مثل الفأرة ومحوها ، ومانت فيه . هل ينجس أم لا ؟ وإذا قيل ينجس : فهل يجوز أن يكاثر بغيره حتى يبلغ قلتين أم لا؟. وإذا قيل تجوز المكاثرة : هل يجوز إلقاء الطاهر على النجس ، أو بالعكس ، أولا فرق ؟ وإذا لم تجز المكاثرة وقيل بنجاسته هل لهم طريق فى الانتفاع به مثل الاستصباح به أو غسله إذا قيل يطهر بالغسل أم لا ؟ وإذا كانت المياه النجسة اليسيرة تطهر بالمكاثرة هل تطهر سائر المائعات بالمكاثرة أم لا ؟. فأجاب: الحمد لله. أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة : فهل تنجس وإن كانت كثيرة فوق القلتين ؟ أو تكون كالماء فلا تنجس مطلقاً إلا بالتغير ؟ أولا ينجس الكثير إلا بالتغير كما إذا بلغت قلتين. فيه عن أحمد ثلاث روايات : إحداهن أنها تنجس، ولو مع الكثرة . وهو قول الشافعي وغيره. والثانية: أنها كالماء . سواء كانت مائية أو غير مائية ، ٤٨٨ وهو قول طائفة من السلف والخلف : كابن مسعود . وابن عباس ، والزهري ، وأبى ثور ، وغيرهم. وهو قول أبي ثور نقله المروذي عن أبي ثور ، ويحكى ذلك لأحمد فقال: إن أبا ثور شبهه بالماء ، ذكر ذلك الخلال فى جامعه عن المروذي . وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة أن حكم المائعات عندهم حكم الماء ، ومذهبهم فى المائعات معروف فيه . فإذا كانت منبسطة بحيث لا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الآخر لم تنجس، كالماء عندم. وأما أبو ثور فإنه يقول: بالعكس . بالقلتين كالشافعى . والقول أنها كالماء يذكر قولا فى مذهب مالك، وقد ذكر أصحابه عنه فى يسير النجاسة إذا وقعت في الطعام الكثير روايتين، وروي عن أبى نافع من المالكية فى الحباب التى بالشام للزيت تموت فيه الفأرة ، أن ذلك لا يضر الزيت ، قال : وليس الزيت كالماء . وقال ابن الماجشون فى الزيت وغيره تقع فيه الميتة ، ولم تغير أوصافه ، وكان كثيراً لم ينجس ؛ بخلاف موتها فيه، ففرق بين موتها فيه ، ووقوعها فيه ، ومذهب ابن حزم وغيره من أهل الظاهر أن المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلا السمن، إذا وقعت فيه فأرة، كما يقولون إن الماء لا ينجس إلا إذا بال فيه بائل . والثالثة: يفرق بين المائع المائي. كل الخمر، وغير المائى كل العنب، فيلحق الأول بالماء دون الثاني . ٤٨٩ وفى الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال : أحدها : أنها كالماء . والثاني : أنها أولى بعدم التنجس من الماء لأنها طعام وإدام ، فإتلافها فيه فساد، ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء ، أو مباينة لها من الماء . والثالث : أن الماء أولى بعدم التنجس منها لأنه طهور . وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة فى غير هذا الموضع ؛ وذكرنا حجة من قال : بالتنجيس ، وأنهم احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن كان حامداً فألقوها وما حولها ، وكلوا سمنكم، وإن كان مائعاً فلا تقربوه)) رواه أبو داود وغيره ؛ وبينا ضعف هذا الحديث . وطعن البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي والدار قطني وغيرم فيه ، وأنهم بينوا أنه غلط فيه معمر على الزهري . قال أبو داود : (باب فى الفأرة تقع فى السمن ) حدثنا مسدد حدثنا سفيان حدثنا الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن فأرة وقعت فى سمن فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ألقوها وما حولها وكلوه )). وقال ثنا أحمد بن صالح والحسين بن على، واللفظ للحسين ٤٩٠ قالا ثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الفأرة في السمن ، فإن كان جامداً فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعا فلا تقربوه)) قال الحسن قال عبد الرزاق ربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبى صلى الله عليه وسلم . قال أبو داود قال أحمد بن صالح : قال عبد الرزاق : قال أخبرنا عبد الرحمن بن مردويه، عن معمر ، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الزهري عن سعيد بن المسيب . وقال أبو عيسى الترمذي فى جامعه : ((باب ما جاء فى الفأرة تموت في السمن)) حدثنا سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار قالا : حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد اللّه عن ابن عباس عن ميمونة ((أن فأرة وقعت فى سمن فماتت فسئل عنها النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: ألقوها وما حولها وكلوه )). قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح . وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل ولم يذكروا فيه عن ميمونة. وحديث ابن عباس عن ميمونة أصح. ٤٩١ وروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم محوه وهو حديث غير محفوظ. قال سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا خطأ . قال : والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة . قلت : وحديث معمر هذا الذي خطأه البخاري ، وقال الترمذي إنه غير محفوظ ، هو الذي قال فيه إن كان جامداً فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعاً فلا تقربوه. كما رواه أبو داود وغيره. وكذلك الإمام أحمد رضى الله عنه فى مسنده وغيره ، وقد ذكر عبد الرزاق أن معمراً كان يرويه أحياناً من الوجه الآخر ، فكان يضطرب فى إسناد . . كما اضطرب في متنه ، وخالف فيه الحفاظ الثقات الذين رووه بغير اللفظ الذي رواه معمر . ومعمر كان معروفا بالغلط ، وأما الزهري فلا يعرف منه غلط ، فلهذا بين البخاري من كلام الزهري ما دل على خطأ معمر فى هذا الحديث . قال البخاري فى صحيحه : ((باب إذا وقعت الفأرة فى السمن الجامد أو الذائب)) تنا الحميدي ثنا سفيان تنا الزهري أخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة : أن فأرة وقعت فى سمن ٤٩٢ فماتت فسئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عنها - فقال: ((ألقوها وما حولها وكلوه )). قيل لسفيان : فإن معمراً يحدثه عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن أبى هريرة قال ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد اللّه عن ابن عباس عن ميمونة عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته منه مراراً . ثنا عبدان ثنا عبد الله يعني ابن المبارك، عن يونس عن الزهري أنه سئل عن الدابة تموت في الزيت أو السمن وهو جامد أو غير جامد - الفأرة أو غيرها - قال: ((بلغنا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت فى سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل )) - من حديث عبيد الله بن عبد الله ثم رواه من طريق مالك كما رواه من طريق ابن عيينة . وهذا الحديث رواه الناس عن الزهري ، كما رواه ابن عيينة بسنده ولفظه . وأما معمر فاضطرب فيه فى سنده ولفظه ، فرواه نارة عن ابن المسيب عن أبى هريرة . وقال فيه وإن كان جامداً فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعا فلا تقربوه . وقيل عنه : وإن كان مائعا فاستصبحوا به، واضطرب على معمر فيه ، وظن طائفة من العلماء أن حديث معمر محفوظ فعملوا به ، وممن يثبته محمد بن يحيى الذهلي فيما جمعه من حديث الزهري . وكذلك احتج به أحمد لما أفتى بالفرق بين الجامد ٤٩٣ والمائع ، وكان أحمد يحتج أحيانا بأحاديث ثم يتبين له أنها معلولة ، كاحتجاجه بقوله: ((لا نذر فى معصية، وكفارته كفارة يمين)» ثم تبين له بعد ذلك أنه معلول فاستدل بغيره . وأما البخاري والترمذي وغيرهما فعللوا حديث معمر وبينوا غلطه، والصواب معهم. فذكر البخاري هنا عن ابن عيينة : أنه قال : سمعته من الزهري مراراً لا يرويه إلا عن عبيد الله بن عبد الله ، وليس فى لفظه إلا قوله: ((ألقوها وما حولها وكلوه )) وكذلك رواه مالك وغيره وذكر من حديث يونس أن الزهري سئل عن الدابة تموت فى السمن الجامد وغيره فأفتى بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة مانت فى سمن فأمر بما قرب منها فطرح ، فهذه فتيا الزهري فى الجامد وغير الجامد ، فكيف يكون قد روى فى هذا الحديث الفرق بينهما ، وهو يحتج على استواء حكم النوعين بالحديث، ورواه بالمعنى؟! والزهري أحفظ أهل زمانه حتى يقال : إنه لا يعرف له غلط في حديث ، ولا نسيان ، مع أنه لم يكن فى زمانه أكثر حديثا منه. ويقال: إنه حفظ على الأمة تسعين سنة لم يأت بها غيره ، وقد كتب عنه سليمان بن عبد الملك كتابا من حفظه ، ثم استعاده منه بعد عام ، فلم يخط منه حرفا . فلو لم يكن فى الحديث إلانسيان الزهري أو معمر، لكان نسبة النسيان إلى معمر أولى باتفاق أهل العلم ٤٩٤ بالرجال مع كثرة الدلائل على نسيان معمر . وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن معمرا كثير الغلط على الزهري . قال الإمام أحمد رضي اللّه عنه فيما حدثه به محمد بن جعفر غندر عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته ثمان نسوة . فقال أحمد: هكذا حدث به معمر بالبصرة ، وحدثهم بالبصرة من حفظه ، وحدث به باليمن عن الزهري بالاستقامة . وقال أبو حاتم الرازي ما حدث به معمر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط ، وهو صالح الحديث ، وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة م البصريون. كعبد الواحد بن زياد ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي ، والاضطراب في المتن ظاهر . فإن هذا يقول: ((إن كان ذائباً أو مائعاً لم يؤكل)) وهذا يقول: ((وإن كان مائعاً فلا تنتفعوا به ، واستصبحوا به )) وهذا بقول ((فلا تقربوه)) وهذا يقول: ((فأمر بها أن تؤخذ وما حولها فتطرح)) فأطلق الجواب . ولم يذكر التفصيل . وهذا يبين أنه لم يروه من كتاب بلفظ مضبوط ، وإنما رواه بحسب ما ظنه من المعنى فغلط، وبتقدير صحة هذا اللفظ وهو قوله: ((وإن ٤٩٥ كان مائعاً فلا تقربوء » فإنما يدل على نجاسة القليل الذي وقعت فيه النجاسة كالسمن المسئول عنه ، فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق قلتين يقع فيه فأرة ، حتى يقال فيه : ترك الاستفصال ، في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال ، ينزل منزلة العموم في المقال ، بل السمن الذي يكون عند أهل المدينة فى أوعيتهم يكون فى الغالب قليلا فلو صح الحديث لم يدل إلا على نجاسة القليل . فإن المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها لا نص صحيح ولا ضعيف ولا إجماع ولا قياس صحيح . وعمدة من ينجسه يظن أن النجاسة إذا وقعت فى ماء أو مائع سرت فيه كله فنجسته . وقد عرف فساد هذا ، وأنه لم يقل أحد من المسلمين بطرده ، فإن طرده يوجب نجاسة البحر ، بل الذين قالوا : هذا الأصل الفاسد : منهم من استثنى ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر ، ومنهم من استثنى في بعض النجاسات مالا يمكن نزحه . ومنهم من استثنى ما فوق القلتين ، وعلل بعضهم المستثنى بمشقة التنجيس ، وبعضهم بعدم وصول النجاسة إلى الكثير ، وبعضهم بتعذر التطهير ، وهذه العلل موجودة فى الكثير من الأدهان : فإنه قد يكون في الحب العظيم قناطير مقنطرة من الزيت ، ولا يمكنهم صيانته عن الواقع ، والدور والحوانيت مملوءة مما لا يمكن صيانته كالسكر وغيره فالعسر والحرج بتنجيس هذا عظيم جداً . ٤٩٦ ولهذا لم يرد بتنجيس الكثير أثر عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه. واختلف كلام أحمد رحمه الله فى تنجيس الكثير. وأما القليل فإنه ظن صحة حديث معمر فأخذ به . وقد اطلع غيره على العلة القادحة فيه ولو اطلع عليها لم يقل به ؛ ولهذا نظائر كأن يأخذ بحديث ثم يتبين له ضعفه فيترك الأخذ به ، وقد يترك الأخذ به قبل أن تتبين صحته ، فإذا تبين له صحته أخذ به . وهذه طريقة أهل العلم والدين رضي الله عنهم. ولظنه صحته عدل إليه عما رآه من آثار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . فروى صالح بن أحمد فى مسائله عن أبيه أحمد بن حنبل : ثنا أبي، ثنا إسماعيل، ثنا عمارة بن أبي حفصة ، عن عكرمة: أن ابن عباس سئل عن فأرة ماتت فى سمن قال : تؤخذ الفأرة وما حولها . قلت : يا مولانا فإن أثرها كان في السمن كله ، قال : عضضت بهن أبيك ، إنما كان أثرها بالسمن وهي حية، وإنما ماتت حيث وجدت. ثنا أبى ، ثنا وكيع ، ثنا النضر بن عربي ، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فسأله عن جر فيه زيت وقع فيه جرذ فقال ابن عباس : خذه وما حوله فألقه وكله . قلت : أليس جال في الجر كله ؟ قال : إنه جال وفيه الروح، فاستقر حيث مات . وروى الخلال عن صالح قال: ثنا أبى ثنا وكيع ، ثنا سفيان ، عن حمران بن أعين ، عن أبى حرب بن أبي ٤٩٧ الأسود الدؤلي ، قال : سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت فى من فقال : إنما حرم من الميتة حمها ودمها . قلت : فهذه فتاوى ابن عباس وابن مسعود والزهري ، مع أن ابن عباس هو راوي حديث ميمونة ، ثم إن قول معمر في الحديث الضعيف فلا تقربوه متروك عند عامة السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة ، فإن جمهورم يجوزون الاستصباح به ، وكثير منهم يجوز بيعه، أو تطهيره، وهذا مخالف لقوله: ((فلا تقربوه)). ومن نصر هذا القول يقول قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) احتراز عن الثوب والبدن والإناء ، ونحو ذلك مما يتنجس ، والمفهوم لا عموم له ، وذلك لا يقتضي أن كل ما ليس بماء يتنجس، فإن الهواء ومحوه لا يتنجس ، وليس بماء ، كما أن قوله : إن الماء لا يجنب ، احتراز عن البدن فإنه يجنب ، ولا يقتضى ذلك أن كل ما ليس بماء يجنب ؛ ولكن خص الماء بالذكر في الموضعين للحاجة إلى بيان حكمه، فإن بعض أزواجه اغتسلت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ بسؤرها فأخبرته أنها كانت جنباً، فقال: ((إن الماء لا يجنب)) مع أن الثوب لا يجنب والأرض لا تجنب ، وتخصيص الماء بالذكر لمفارقة البدن ، لا لمفارقة كل شيء ، وكذلك قالوا: له أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي بئر يلقى ٤٩٨ فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء )) فنفى عنه النجاسة للحاجة إلى بيان ذلك، كما نفى عنه الجنابة للحاجة إلى بيان ذلك . والله سبحانه قد أباح لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث . والنجاسات من الخبائث ، فالماء إذا تغير بالنجاسة حرم استعماله ؛ لأن ذلك استعمال للخبيث . وهذا منى على أصل : وهو أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة ، فهل مقتضى القياس تنجسه لاختلاط الحلال بالحرام إلى حيث يقوم الدليل على تطهيره ، أو مقتضى القياس طهارته إلى أن تظهر فيه النجاسة الخبيثة التى يحرم استعمالها. الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم فى هذا الأصل قولان : أحدهما : قول من يقول : الأصل النجاسة ، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة ، ومن وافقهم من أصحاب الشافعي ، وأحمد ، بناء على أن اختلاط الحلال بالحرام يوجب تحريمها جميعاً . ثم إن أصحاب أبي حنيفة طردوا ذلك فيما إذا كان الماء يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر . قالوا : لأن النجاسة تبلغه ، إذا بلغته الحركة ، ولم يمكنهم طرده فيما زاد على ذلك ، وإلا لزم تنجيس البحر ، والبحر لا ينجسه شيء بالنص والإجماع ، ولم يطردوا ذلك فيما ٤٩٩ إذا كان الماء عميقاً ومساحته قليلة ، ثم إذا تنجس الماء : فالقياس عنده يقتضي أن لا يطهر بنزح ، فيجب طم الآبار المتنجسة ، وطرد هذا القياس بشر المريسي . وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: بالتطهير بالنزح استحساناً، إما بنزح البئر كلها إذا كبر الحيوان ، أو تفسخ ، وإما بنزح بعضها إذا صغر بدلاء ذكروا عددها ، فما أمكن طرد ذلك القياس . وكذلك أصحاب الشافعى وأحمد قالوا : بطهارة ما فوق القلتين : لأن ذلك يكون في الفلوات والغدران التى لا يمكن صيانتها عن النجاسة فجعلوا طهارة ذلك رخصة لأجل الحاجة على خلاف القياس ، وكذلك من قال من أصحاب أحمد : إن البول والعذرة الرطبة لا ينجس بهما إلا ما أمكن نزحه ، ترك طرد القياس ؛ لأن ما يتعذر نزحه يتعذر تطهيره ، فجعل تعذر التطهير مانعاً من التنجس . فهذه الأقوال وغيرها من مقالات القائلين بهذا الأصل : تبين أنه لم يطرده أحد من الفقهاء ، وأن كلهم خالفوا فيه القياس رخصة، وأباحوا ما تخالطه النجاسات من المياه لأجل الحاجة الخاصة . وأما القول الثاني : فهو قول من يقول القياس أن لا ينجس الماء حتى ٥٠٠