النص المفهرس
صفحات 461-480
ترك الطهارة ، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر. ولهذا ذكر العلماء ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر ، وإن كانت الطهارة ليست شرطا فى ذلك . لكن المقصود أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر اللّه ودعائه مع كراهة ذلك للجنب . فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه ؛ لأجل العذر . وإن كانت عدتها أغلظ ، فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك . وإن قيل : إنه نهى الجنب ، لأن الجنب يمكنه أن يتطهر، ويقرأ ، بخلاف الحائض : تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن ، تفويت عبادة يحتاج إليها مع عجزها عن الطهارة، وليست القراءة كالصلاة ، فإن الصلاة يشترط لها الطهارة مع الحدث الأكبر ، والأصغر ، والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر بالنص ، واتفاق الأئمة . والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس ، واجتناب النجاسة ، والقراءة لا يجب فيها شيء من ذلك ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع رأسه فى حجر عائشة رضي الله عنها وهي حائض ، وهو حديث صحيح . وفي صحيح مسلم أيضاً : يقول الله عز وجل للنبي صلى الله ٤٦١ عليه وسلم: ((إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما، ويقظان)) فتجوز القراءة قائما، وقاعدا وماشيا، ومضطجعا . وراكبا . وسل عن رجل أرمد فلحقته جنابة ، ولا يقدر بتطهر بماء مسخن ، ولا بارد ، ويقدر على الوضوء . فما يضع ؟ فأجاب : الحمد لله. إذا كان به رمد ، فإنه يغسل ما استطاع من بدنه . وما يضره الماء - كالعين وما يقاربها - ففيه قولان للعلماء: أحدهما : يتيمم ، وهو مذهب الشافعي وأحمد . والثاني: ليس عليه تيمم ، وهو مذهب أبى حنيفة ، ومالك ، لكن غسل أكثر البدن الذي يمكن غسله واجب باتفاقهم، والله أعلم. وسئل عن رجل باشر امرأته وهو فى عافية . فهل له أن يصبر بالتطهر إلى أن يتضاحى النهار ؟ أم يتيمم ويصلي ؟ أفتونا مأجورين ؟. ٤٦٢ فأجاب: الحمد لله، لا يجوز له تأخير الصلاة حتى يخرج الوقت. بل عليه إن قدر على الاغتسال بماء بارد أو حار أن يغتسل ويصلي فى الوقت . وإلا تيمم: فإن التيمم لخشية البرد جاز باتفاق الأئمة، وإذا صلى بالتيمم فلا إعادة عليه، لكن إذا تمكن من الاغتسال اغتسل ، والله أعلم. وسئل عن امرأة بها مرض في عينيها ، وثقل في جسمها من الشحم ، وليس لها قدرة على الحمام ؛ لأجل الضرورة ، وزوجها لم يدعها تطهر، وهي تطلب الصلاة ، فهل يجوز لها أن تغسل جسمها الصحيح ؟ وتتيمم عن رأسها ؟ فأجاب : نعم، إذا لم تقدر على الاغتسال فى الماء البارد، ولا الحار فعليها أن تصلي فى الوقت بالتيمم ، عند جماهير العلماء ، لكن مذهب الشافعى وأحمد أنها تغسل ما يمكن ، وتقيمم للباقي. ومذهب أبى حنيفة ومالك إن غسلت الأكثر لم تتيمم ، وإن لم يمكن إلا غسل الأقل تيممت ، ولا غسل عليها . ٤٦٣ وسئل : عن رجل سافر مع رفقة وهو إمامهم . ثم احتلم في يوم شديد البرد ، وخاف على نفسه أن يقتله البرد فتيمم ، وصلى بهم ، فهل يجب عليه إعادة ؟ وعلى من صلى خلفه أم لا ؟ فأجاب : هذه المسألة هي ثلاث مسائل : الأولى : أن نيممه جائز ، وصلاته جائزة ، ولا غسل عليه ، والحالة هذه. وهذا متفق عليه بين الأئمة، وقد جاء في ذلك حديث فى السنن («عن عمرو بن العاص أنه فعل ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بأصحابه بالتيمم في السفر، وإن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم)» وكذلك هذا معروف عن ابن عباس. الثانية: أنه هل يؤم المتوضئين ؟ فالجمهور على أنه يؤمهم ، كما أمهم عمرو بن العاص ، وابن عباس . وهذا مذهب مالك ، والشافعي، وأحمد ، وأصح القولين في مذهب أبي حنيفة . ومذهب أبي محمد أنه لا يؤمهم . ٤٦٤ الثالثة : في الإعادة ، فالمأموم لا إعادة عليه . بالاتفاق ، مع صحة صلاته ، وأما الإمام أو غيره إذا صلى بالتيمم لخشية البرد . فقيل : بعيد مطلقاً ، كقول الشافعي ، وقيل : يعيد فى الحضر فقط ، دون السفر . كقول له ، ورواية عن أحمد . وقيل : لا يعيد مطلقاً كقول مالك ، وأحمد في الرواية الأخرى . وهذا هو الصحيح ؛ لأنه فعل ما قدر عليه ، فلا إعادة عليه ؛ ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص بإعادة ، ولم يثبت فيه دليل شرعى يفرق بين الأعذار المعتادة ، وغير المعتادة . والله أعلم. وسئل عن رجل أصابته جنابة ، ولم يقدر على استعمال الماء من شدة البرد ، أو الخوف والإنكار عليه . فهل إذا تيمم وصلى وقرأ ومس المصحف وتهجد بالليل إماماً يجوز له ذلك أم لا ؟ وهل يعيد الصلاة أم لا ؟ وإلى كم يجوز له التيمم ؟ فأجاب : إذا كان خائفاً من البرد إن اغتسل بالماء يمرض ، أو كان خائفاً إن اغتسل أن يرمى بما هو بريء منه ، ويتضرر بذلك أو كان خائفاً بينه وبين الماء عدو أو سبع يخاف ضرره إن قصد الماء فإنه يتيمم ويصلي من الجنابة والحدث الأصغر . ٤٦٥ وأما الإعادة : فقد تنازع العلماء فى التيمم لخشية البرد ، هل يعيد في السفر والحضر ؟ أو لا يعيد فيها ؟ أو يعيد فى الحضر فقط ؟ على ثلاثة أقوال . والأشبه بالكتاب والسنة أنه لا إعادة عليه بحال . ومن جازت له الصلاة جازت له القراءة ، ومس المصحف . والمتيمم يؤم المغتسل عند جمهور العلماء ، وهو مذهب الأئمة الأربعة إلا محمد بن الحسن . والله أعلى وسئل رحمه اللّه عن التيمم إذا كان فى يده جراحة ، وتوضأ وغسل وجهه ، فهل يلزمه أن يتيمم عند غسل اليدين ؟ أم يكمل وضوءه إلى آخره ؟ ثم بعد ذلك يتيمم ؟ وإن كانت الجراحة مشدودة : فهل يلزمه أن يحل الجراح . ويغسل جميع الصحيح ؟ أم يغسل ما ظهر منها ، ويترك الشد على حاله ؟ فأحاب : الحمد لله . هذه المسألة فيها نزاع ، هما قولان في مذهب أحمد وغيره . والصحيح أن له أن يؤخر التيمم حتى يفرغ من وضوئه بل هذا الذي ينبغي أن يفعله إذا قيل: إنه يجمع بين الوضوء والتيمم، فإن مذهب أبى حنيفة ومالك أنه لا يحتاج إلى تيمم ، ولكن مذهب ٤٦٦ الشافعي وأحمد أن يجمع بنيها، وإذا جبرها مسح عليها، سواء كان جبرها على وضوء أو غير وضوء . وكذلك إذا شد عليها عصابة، ولا يحتاج إلى تيمم فى ذلك ، هذا أصح أقوال العلماء ، والله أعلم. وسئل عن رجل جنب ، وهو في بيت مبلط عادم فيه التراب ، مغلوق عليه الباب ، ولم يعلم متى يكون الخروج منه ، فهل يترك الصلاة إلى وجود الماء والتراب ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا لم يقدر على استعمال الماء ، ولا على التمسح بالصعيد ، فإنه يصلي بلا ماء ، ولا تيمم عند الجمهور . وهذا أصح القولين. وهل عليه الإعادة ؟ على قولين : (فَأَنَّقُواْ أظهرهما : أنه لا إعادة عليه ، فإن الله يقول : الََّمَاأَسْتَطَّعْتُمْ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) ولم يأمر العبد بصلاتين ، وإذا صلى قرأ القراءة الواجبة . والله أعلم . ٤٦٧ وسئل عن رجل نام وهو جنب فلم يستيقظ إلا قريب طلوع الشمس، وخشي من الغسل بالماء البارد فى وقت البرد ، وإن سخن الماء خرج الوقت ، فهل يجوز له أن يفوت الصلاة إلى حيث يغتسل ، أو يتيمم ويصلي؟ فأجاب : هذه المسألة فيها قولان للعلماء ، فالأكثر : كأبي حنيفة والشافعي وأحمد يأمرونه بطلب الماء ، وإن صلى بعد طلوع الشمس. ومالك يأمره أن يصلي للوقت بالتيمم ؛ لأن الوقت مقدم على غيره من واجبات الصلاة ، بدليل أنه إن استيقظ في الوقت وعلم أنه لا يجد الماء إلا بعد الوقت فإنه يصلي بالتيمم في الوقت بإجماع المسلمين ، ولا يصلي بعد خروج الوقت بالغسل . وأما الأولون فيفرقون بين هذه الصورة ونظائرها ، وبين صورة السؤال : بأنه قال : إنما خوطب بالصلاة عند استيقاظه ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، وإذا كان إنما أمر بها بعد الانتباه فعليه فعلها بحسب ما يمكن ٤٦٨ من الاغتسال المعتاد ، فيكون فعلها بعد طلوع الشمس فعلا فى الوقت الذي أمر الله بالصلاة فيه. والله أعلم. وسئل : عن رجل أجنب واستيقظ ، وقد طلع الفجر، ثم أراد أن يغتسل فاف أن تطلع الشمس فتوضأ وصلى ، وبعد الصلاة اغتسل ، فهل يجزئ الصلاة أم لا ؟ فأحاب : إذا أدركته الجنابة فعليه أن يغتسل ويصلى فى الوقت ، وليس له أن يؤخر الغسل ، فإن كان لم يستيقظ إلا وقت طلوع الشمس ، فأكثر العلماء يقولون : يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس ولا يصلي جنباً ، وبعضهم قال : يصلي فى الوقت بالوضوء ، والتيمم . لكن الأول أصح ، والله أعلم . وسئل عن الجنب إذا انتبه من نومه وهو فى الحضر قبل خروج الوقت بقليل ، هل بتيمم ويصلي فى الوقت ؟ أو يغتسل ويصلي بعد خروج الوقت ؟ ٤٦٩ فأحاب رحمه الله: يغتسل ولا يصلي بالتيمم فى مثل هذه الصورة، عند أكثر العلماء . والله أعلم. وسئل شيخ الإسلام إذا دخل وقت الصلاة وهو جنب ، ويخشى إن اشتغل بفعل الطهارة يفوته الوقت ، فهل يباح له التيمم ؟ أم لا ؟ فأجاب : إذا دخل وقت الصلاة وهو مستيقظ والماء بعيد منه يخاف إن طلبه أن تفوته الصلاة ، أو كان الوقت بارداً يخاف إن سخنه أو ذهب إلى الحمام فانت الصلاة ، فإنه يصلي بالتيمم في مذهب أحمد ، وجمهور العلماء . وإن استيقظ آخر الوقت وخاف إن تطهر طلعت الشمس ، فإنه يصلي هنا بالوضوء بعد طلوع الشمس ، فإن عند جمهور العلماء اختلافاً . كإحدى الروايتين عن مالك ، فإنه هنا إنما خوطب بالصلاة بعد استيقاظه ، ومن نام عن صلاة صلاها إذا استيقظ ، وكان ذلك وقتها فى حقه . ٤٧٠ وسئل عن أقوام خرجوا من قرية إلى قرية ليصلوا الجمعة فيها ، فوجدوا الصلاة قد أقيمت ، وبعضهم على غير وضوء ، لو ذهب ليتوضأ فاتته الصلاة ، فهل يتيمم ؟ فأجاب : هذه المسألة فيها نزاع ، والأظهر أنهم إذا لم تمكنهم صلاة الجمعة إلا بالتيمم صلوا بالتيمم ، والله أعلم . وسئل عن المسافر يصل إلى ماء ، وقد ضاق الوقت فإن تشاغل بتحصيله خرج الوقت ، فهل له أن يصلي بالتيمم ؟ فأجاب : أما المسافر إذا وصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء ، وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلاً حتى يخرج الوقت، أو يمكن حفر الماء ، ولا يحفر حتى يخرج الوقت ، فإنه يصلي بالتيمم . ٤٧١ وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد : إنه يغتسل ويصلي بعد خروج الوقت ، لاشتغاله بتحصيل الشرط ، وهذا ضعيف لأن المسلم أمر أن يصلي فى الوقت بحسب الإمكان ، فالمسافر إذا علم أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضاً عليه أن يصلي بالتيمم في الوقت بانفاق الأئمة ، وليس له أن يؤخر الصلاة حتى يصل إلى الماء، وقد ضاق الوقت بحيث لا يمكنه الاغتسال والصلاة حتى يخرج الوقت . بل إذا فعل ذلك كان عاصياً بالانفاق ، وحينئذ فإذا وصل إلى الماء وقد ضاق الوقت فغرضه إنما هو الصلاة بالتيمم في الوقت ، وليس هو مأموراً بهذا الاستعمال الذي يفوته معه الوقت ، بخلاف المستيقظ آخر الوقت ، والماء حاضر فإن هذا مأمور أن يغتسل ويصلي ، ووقته من حين يستيقظ ، لا من حين طلوع الفجر ، بخلاف من كان يقظان عند طلوع الفجر ، أو عند زوالها ، إما مقيما وإما مسافراً ، فإن الوقت في حقه من حينئذ . وسل عن التيمم : هل يجوز لأحد أن يصلي به السنن الراتبة والفريضة وأن يقتصر عليه إلى أن يحدث ؟ أم لا ؟ ٤٧٢ فأجاب : نعم يجوز له فى أظهر قولي العلماء أن يصلي بالتيمم ، كما يصلي بالوضوء ، فيصلي به الفرض والنفل ، ويتيمم قبل الوقت ، وهذا مذهب أبى حنيفة ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه ، ولا ينقض التيمم إلا ما ينقض الوضوء ، والقدرة على استعمال الماء ، والله أعلم. وسئل رحمه اللّه عن الحافز : أيما أفضل : يصلي بوضوء محتقناً ، أو أن يحدث، ثم يتيمم لعدم الماء ؟ فأجاب : صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع الاحتقان ، فإن هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة ، منهى عنها . وفى صحتها روايتان . وأما صلاته بالتيمم فصحيحة ، لا كراهة فيها بالاتفاق ، والله أعلم . ٤٧٣ باب إزالة النجاسة قال شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد : أحدها : المنع ، كقول الشافعى ، وهو أحد القولين فى مذهب مالك وأحمد . والثانى: الجواز ، كقول أبي حنيفة ، وهو القول الثانى فى مذهب مالك ، وأحمد . والقول الثالث : فى مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة ، كما فى طهارة فم الهرة بريقها ، وطهارة أفواء الصبيان بأرياقهم ، ونحو ذلك . والسنة قد جاءت بالأمر بالماء فى قوله لأسماء: ((حتيه ، ثم اقرصيه ٤٧٤ ثم اغسليه بالماء، وقوله في آنية المجوس: ((إرحضوها ثم اغسلوها بالماء )). وقوله في حديث الأعرابي الذي بال فى المسجد: ((صبوا على بوله ذنوباً من ماء » فأمر بالإزالة بالماء فى قضايا معينة، ولم يأمر أمراً عاماً بأن تزال كل نجاسة بالماء . وقد أذن فى إزالتها بغير الماء فى مواضع : (منها ) الاستجمار بالحجارة. و (منها) قوله فى النعلين: ((ثم ليدلكها بالتراب فإن التراب لهما طهور)) و(منها) قوله في النيل: ((يطهره ما بعده)) و(منها ) أن الكلاب كانت تقبل وتدير وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لم يكونوا يغسلون ذلك. و ( منها) قوله فى الهر: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) مع أن الهر في العادة بأكل الفأر ، ولم يكن هناك قناة ترد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها . و ( منها ) أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين. وإذا كان كذلك فالراجح فى هذه المسألة أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها ، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها ، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة فى إزالة النجاسة لغير حاجة لما في ذلك من فساد الأموال ، كما لا يجوز الاستنجاء بها . ٤٧٥ والذين قالوا لا تزول إلا بالماء : منهم من قال : إن هذا تعبد ؛ وليس الأمر كذلك ؛ فإن صاحب الشرع أمر بالماء فى قضايا معينة لتعينه ؛ لأن إزالتها بالأشربة التى ينتفع بها المسلمون إفساد لها . وإزالتها بالجامدات كانت متعذرة ، كغسل الثوب، والإناء ، والأرض بالماء ، فإنه من المعلوم أنه لو كان عندهم ماء ورد وخل وغير ذلك لم يأمرهم بإفساد. فكيف إذا لم يكن عنده . ومنهم من قال : إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق غيره به ؛ وليس الأمر كذلك: بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما فى الآنية من النجاسة ، كالماء وأبلغ ، والاستحالة له أبلغ فى الإزالة من الغسل بالماء ، فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((يكفيك الماء ولا يضرك أثره )) وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح . ومنهم من قال : كان القياس أن لا يزول بالماء لتنجيسه بالملاقاة ، لكن رخص فى الماء للحاجة ، فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان ، فلا يقاس عليها . وكلا المقدمتين باطلة . فليست إزالتها على خلاف القياس بل القياس أن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها . وقولهم : إنه ينجس بالملاقاة ممنوع ، ومن سلمه فرق بين الوارد ٤٧٦ والمورود عليه ، أو بين الجاري والواقف . ولو قيل : إنها على خلاف القياس فالصواب أن ما خالف القياس يقاس عليه إذا عرفت علته ؛ إذ الاعتبار في القياس بالجامع والفارق . واعتبار طهارة الخبث بطهارة الحدث ضعيف ؛ فإن طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها ؛ ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل . واشترط فيها النية عند الجمهور . وأما طهارة الخبث فإنها من باب التروك فمقصودها اجتناب الخبث ؛ ولهذا لا يشترط فيها فعل العبد ولا قصده ، بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل المقصود ، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم . ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد : إنه يعتبر فيها النية ، فهو قول شاذ مخالف للإجماع السابق ، مع مخالفته لأئمة المذاهب . وإنما قيل مثل هذا من ضيق المجال فى المناظرة ، فإن المنازع لهم فى مسألة النية قاس طهارة الحدث على طهارة الخبث ، فمنعوا الحكم فى الأصل ، وهذا ليس بشيء . ولهذا كان أصح قولي العلماء أنه إذا صلى بالنجاسة جاهلا أو ناسياً فلا إعادة عليه ، كما هو مذهب مالك وأحمد فى أظهر الروايتين عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فى الصلاة للأذى الذي كان ٤٧٧ فيها، ولم يستأنف الصلاة . وكذلك فى الحديث الآخر لما وجد فى ثوبه نجاسة أمرم بغسله ولم يعد الصلاة ؛ وذلك لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد ناسياً أو مخطئاً فلا إثم عليه ، كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ) وقال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ) قال الله تعالى: ((قد فعلت )) رواه مسلم فى صحيحه . ولهذا كان أقوى الأقوال : أن ما فعله العبد ناسياً أو مخطئاً من محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة ، كالكلام ناسياً ، والأكل ناسياً ، والطيب ناسياً ، وكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسياً وفى هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه . وإنما المقصود هنا التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهى عنه فحينئذ إذا زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود ، ولكن إن زال بفعل العبد ونيته أثيب على ذلك ، وإلا إذا عدمت بغير فعله ولا نيته زالت المفسدة ، ولم يكن له ثواب ، ولم يكن عليه عقاب . وسئل رحمه الله عن استحالة النجاسة ، كرماد السرجين النجس ، والزبل النجس ٤٧٨ تصيبه الربح والشمس، فيستحيل تراباً. فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ فأجاب : وأما استحالة النجاسة : كرماد السرجين النجس ، والزبل النجس يستحيل تراباً ، فقد تقدمت هذه المسألة . وقد ذكرنا أن فيها قولين فى مذهب مالك وأحمد : أحدهما : أن ذلك طاهر ، وهو قول أبي حنيفة ، وأهل الظاهر وغيرهم . وذكرنا أن هذا القول هو الراجح . فأما الأرض إذا أصابتها نجاسة ؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: إنها تطهر، وإن لم يقل بالاستحالة . ففي هذه المسألة مع («مسألة الاستحالة)) ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع، كما تقدم . وقال رحمه الله: ـمـل وأما طين الشوارع فمنى على أصل : وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة ثم ذهبت بالريح أو الشمس أو نحو ذلك . هل تطهر الأرض ؟ ٤٧٩ على قولين للفقهاء ، وهما قولان فى مذهب الشافعي وأحمد وغيرها : أحدهما : أنها تطهر ، وهو مذهب أبى حنيفة، وغيره ؛ ولكن عند أبي حنيفة يصلى عليها ولا يتيمم بها ، والصحيح أنه يصلي عليها ويتيمم بها ، وهذا هو الصواب ؛ لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر: (( أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)) ومن المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك . وهذا لا ينافى ما ثبت في الصحيح من أنه أمرم أن يصبوا على بول الأعرابى الذي بال فى المسجد ذنوباً من ماء ، فإن هذا يحصل به تعجيل تطهير الأرض ، وهذا مقصود ؛ بخلاف ما إذا لم يصب الماء فإن النجاسة تبقى إلى أن تستحيل . وأيضاً ففى السنن أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر فى نعليه ، فإن وجد بهما أذى فليدلكها بالتراب فإن التراب لهما طهور )) وفى السنن أيضاً: أنه سئل عن المرأة نجر ذيلها على المكان القذر ثم على المكان الطاهر فقال: ((يطهره ما بعده)) وقد نص أحمد على الأخذ بهذا الحديث الثاني ونص فى إحدى الروايتين عنه على الأخذ بالحديث الأول ، وهو قول من يقول به من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما . فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم ٤٨٠