النص المفهرس

صفحات 461-480

ترك الطهارة ، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر.
ولهذا ذكر العلماء ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى
يطهر ، وإن كانت الطهارة ليست شرطا فى ذلك . لكن المقصود أن
الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر اللّه ودعائه مع كراهة
ذلك للجنب .
فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه ؛ لأجل
العذر . وإن كانت عدتها أغلظ ، فكذلك قراءة القرآن لم ينهها
الشارع عن ذلك .
وإن قيل : إنه نهى الجنب ، لأن الجنب يمكنه أن يتطهر، ويقرأ ،
بخلاف الحائض : تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن ، تفويت عبادة
يحتاج إليها مع عجزها عن الطهارة، وليست القراءة كالصلاة ، فإن الصلاة
يشترط لها الطهارة مع الحدث الأكبر ، والأصغر ، والقراءة تجوز مع
الحدث الأصغر بالنص ، واتفاق الأئمة .
والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس ، واجتناب النجاسة ،
والقراءة لا يجب فيها شيء من ذلك ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم
يضع رأسه فى حجر عائشة رضي الله عنها وهي حائض ، وهو حديث
صحيح . وفي صحيح مسلم أيضاً : يقول الله عز وجل للنبي صلى الله
٤٦١

عليه وسلم: ((إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما، ويقظان))
فتجوز القراءة قائما، وقاعدا وماشيا، ومضطجعا . وراكبا .
وسل
عن رجل أرمد فلحقته جنابة ، ولا يقدر بتطهر بماء مسخن ،
ولا بارد ، ويقدر على الوضوء . فما يضع ؟
فأجاب : الحمد لله. إذا كان به رمد ، فإنه يغسل ما استطاع من
بدنه . وما يضره الماء - كالعين وما يقاربها - ففيه قولان للعلماء:
أحدهما : يتيمم ، وهو مذهب الشافعي وأحمد .
والثاني: ليس عليه تيمم ، وهو مذهب أبى حنيفة ، ومالك ،
لكن غسل أكثر البدن الذي يمكن غسله واجب باتفاقهم، والله أعلم.
وسئل
عن رجل باشر امرأته وهو فى عافية . فهل له أن يصبر بالتطهر
إلى أن يتضاحى النهار ؟ أم يتيمم ويصلي ؟ أفتونا مأجورين ؟.
٤٦٢

فأجاب: الحمد لله، لا يجوز له تأخير الصلاة حتى يخرج الوقت.
بل عليه إن قدر على الاغتسال بماء بارد أو حار أن يغتسل ويصلي فى
الوقت . وإلا تيمم: فإن التيمم لخشية البرد جاز باتفاق الأئمة، وإذا
صلى بالتيمم فلا إعادة عليه، لكن إذا تمكن من الاغتسال اغتسل ،
والله أعلم.
وسئل
عن امرأة بها مرض في عينيها ، وثقل في جسمها من الشحم ،
وليس لها قدرة على الحمام ؛ لأجل الضرورة ، وزوجها لم يدعها تطهر،
وهي تطلب الصلاة ، فهل يجوز لها أن تغسل جسمها الصحيح ؟
وتتيمم عن رأسها ؟
فأجاب : نعم، إذا لم تقدر على الاغتسال فى الماء البارد، ولا الحار
فعليها أن تصلي فى الوقت بالتيمم ، عند جماهير العلماء ، لكن مذهب
الشافعى وأحمد أنها تغسل ما يمكن ، وتقيمم للباقي. ومذهب أبى حنيفة
ومالك إن غسلت الأكثر لم تتيمم ، وإن لم يمكن إلا غسل الأقل
تيممت ، ولا غسل عليها .
٤٦٣

وسئل :
عن رجل سافر مع رفقة وهو إمامهم . ثم احتلم في يوم شديد
البرد ، وخاف على نفسه أن يقتله البرد فتيمم ، وصلى بهم ، فهل
يجب عليه إعادة ؟ وعلى من صلى خلفه أم لا ؟
فأجاب : هذه المسألة هي ثلاث مسائل :
الأولى : أن نيممه جائز ، وصلاته جائزة ، ولا غسل عليه ،
والحالة هذه. وهذا متفق عليه بين الأئمة، وقد جاء في ذلك حديث
فى السنن («عن عمرو بن العاص أنه فعل ذلك على عهد رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فصلى بأصحابه بالتيمم في السفر، وإن ذلك
ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم)» وكذلك هذا معروف عن ابن عباس.
الثانية: أنه هل يؤم المتوضئين ؟ فالجمهور على أنه يؤمهم ، كما
أمهم عمرو بن العاص ، وابن عباس . وهذا مذهب مالك ، والشافعي،
وأحمد ، وأصح القولين في مذهب أبي حنيفة . ومذهب أبي محمد
أنه لا يؤمهم .
٤٦٤

الثالثة : في الإعادة ، فالمأموم لا إعادة عليه . بالاتفاق ، مع صحة
صلاته ، وأما الإمام أو غيره إذا صلى بالتيمم لخشية البرد . فقيل :
بعيد مطلقاً ، كقول الشافعي ، وقيل : يعيد فى الحضر فقط ، دون
السفر . كقول له ، ورواية عن أحمد . وقيل : لا يعيد مطلقاً كقول
مالك ، وأحمد في الرواية الأخرى . وهذا هو الصحيح ؛ لأنه فعل
ما قدر عليه ، فلا إعادة عليه ؛ ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه
وسلم عمرو بن العاص بإعادة ، ولم يثبت فيه دليل شرعى يفرق بين
الأعذار المعتادة ، وغير المعتادة . والله أعلم.
وسئل
عن رجل أصابته جنابة ، ولم يقدر على استعمال الماء من شدة
البرد ، أو الخوف والإنكار عليه . فهل إذا تيمم وصلى وقرأ ومس
المصحف وتهجد بالليل إماماً يجوز له ذلك أم لا ؟ وهل يعيد الصلاة
أم لا ؟ وإلى كم يجوز له التيمم ؟
فأجاب : إذا كان خائفاً من البرد إن اغتسل بالماء يمرض ،
أو كان خائفاً إن اغتسل أن يرمى بما هو بريء منه ، ويتضرر بذلك
أو كان خائفاً بينه وبين الماء عدو أو سبع يخاف ضرره إن قصد الماء
فإنه يتيمم ويصلي من الجنابة والحدث الأصغر .
٤٦٥

وأما الإعادة : فقد تنازع العلماء فى التيمم لخشية البرد ، هل يعيد
في السفر والحضر ؟ أو لا يعيد فيها ؟ أو يعيد فى الحضر فقط ؟ على
ثلاثة أقوال . والأشبه بالكتاب والسنة أنه لا إعادة عليه بحال . ومن
جازت له الصلاة جازت له القراءة ، ومس المصحف . والمتيمم يؤم
المغتسل عند جمهور العلماء ، وهو مذهب الأئمة الأربعة إلا محمد بن
الحسن . والله أعلى
وسئل رحمه اللّه
عن التيمم إذا كان فى يده جراحة ، وتوضأ وغسل وجهه ، فهل
يلزمه أن يتيمم عند غسل اليدين ؟ أم يكمل وضوءه إلى آخره ؟ ثم
بعد ذلك يتيمم ؟ وإن كانت الجراحة مشدودة : فهل يلزمه أن يحل
الجراح . ويغسل جميع الصحيح ؟ أم يغسل ما ظهر منها ، ويترك
الشد على حاله ؟
فأحاب : الحمد لله . هذه المسألة فيها نزاع ، هما قولان في مذهب
أحمد وغيره . والصحيح أن له أن يؤخر التيمم حتى يفرغ من وضوئه
بل هذا الذي ينبغي أن يفعله إذا قيل: إنه يجمع بين الوضوء والتيمم،
فإن مذهب أبى حنيفة ومالك أنه لا يحتاج إلى تيمم ، ولكن مذهب
٤٦٦

الشافعي وأحمد أن يجمع بنيها، وإذا جبرها مسح عليها، سواء كان جبرها
على وضوء أو غير وضوء .
وكذلك إذا شد عليها عصابة، ولا يحتاج إلى تيمم فى ذلك ، هذا
أصح أقوال العلماء ، والله أعلم.
وسئل
عن رجل جنب ، وهو في بيت مبلط عادم فيه التراب ، مغلوق
عليه الباب ، ولم يعلم متى يكون الخروج منه ، فهل يترك الصلاة إلى
وجود الماء والتراب ؟ أم لا ؟
فأجاب :
إذا لم يقدر على استعمال الماء ، ولا على التمسح بالصعيد ، فإنه
يصلي بلا ماء ، ولا تيمم عند الجمهور . وهذا أصح القولين. وهل
عليه الإعادة ؟ على قولين :
(فَأَنَّقُواْ
أظهرهما : أنه لا إعادة عليه ، فإن الله يقول :
الََّمَاأَسْتَطَّعْتُمْ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر
فأتوا منه ما استطعتم)) ولم يأمر العبد بصلاتين ، وإذا صلى قرأ
القراءة الواجبة . والله أعلم .
٤٦٧

وسئل
عن رجل نام وهو جنب فلم يستيقظ إلا قريب طلوع الشمس،
وخشي من الغسل بالماء البارد فى وقت البرد ، وإن سخن الماء خرج
الوقت ، فهل يجوز له أن يفوت الصلاة إلى حيث يغتسل ، أو
يتيمم ويصلي؟
فأجاب : هذه المسألة فيها قولان للعلماء ، فالأكثر : كأبي حنيفة
والشافعي وأحمد يأمرونه بطلب الماء ، وإن صلى بعد طلوع الشمس.
ومالك يأمره أن يصلي للوقت بالتيمم ؛ لأن الوقت مقدم على غيره
من واجبات الصلاة ، بدليل أنه إن استيقظ في الوقت وعلم أنه
لا يجد الماء إلا بعد الوقت فإنه يصلي بالتيمم في الوقت بإجماع المسلمين ، ولا
يصلي بعد خروج الوقت بالغسل .
وأما الأولون فيفرقون بين هذه الصورة ونظائرها ، وبين صورة
السؤال : بأنه قال : إنما خوطب بالصلاة عند استيقاظه ، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا
ذكرها ، وإذا كان إنما أمر بها بعد الانتباه فعليه فعلها بحسب ما يمكن
٤٦٨

من الاغتسال المعتاد ، فيكون فعلها بعد طلوع الشمس فعلا فى الوقت
الذي أمر الله بالصلاة فيه. والله أعلم.
وسئل :
عن رجل أجنب واستيقظ ، وقد طلع الفجر، ثم أراد أن يغتسل
فاف أن تطلع الشمس فتوضأ وصلى ، وبعد الصلاة اغتسل ، فهل
يجزئ الصلاة أم لا ؟
فأحاب : إذا أدركته الجنابة فعليه أن يغتسل ويصلى فى الوقت ،
وليس له أن يؤخر الغسل ، فإن كان لم يستيقظ إلا وقت طلوع
الشمس ، فأكثر العلماء يقولون : يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس
ولا يصلي جنباً ، وبعضهم قال : يصلي فى الوقت بالوضوء ، والتيمم .
لكن الأول أصح ، والله أعلم .
وسئل
عن الجنب إذا انتبه من نومه وهو فى الحضر قبل خروج الوقت
بقليل ، هل بتيمم ويصلي فى الوقت ؟ أو يغتسل ويصلي بعد
خروج الوقت ؟
٤٦٩

فأحاب رحمه الله: يغتسل ولا يصلي بالتيمم فى مثل هذه الصورة،
عند أكثر العلماء . والله أعلم.
وسئل شيخ الإسلام
إذا دخل وقت الصلاة وهو جنب ، ويخشى إن اشتغل بفعل
الطهارة يفوته الوقت ، فهل يباح له التيمم ؟ أم لا ؟
فأجاب : إذا دخل وقت الصلاة وهو مستيقظ والماء بعيد منه
يخاف إن طلبه أن تفوته الصلاة ، أو كان الوقت بارداً يخاف إن
سخنه أو ذهب إلى الحمام فانت الصلاة ، فإنه يصلي بالتيمم في مذهب
أحمد ، وجمهور العلماء .
وإن استيقظ آخر الوقت وخاف إن تطهر طلعت الشمس ، فإنه
يصلي هنا بالوضوء بعد طلوع الشمس ، فإن عند جمهور العلماء
اختلافاً . كإحدى الروايتين عن مالك ، فإنه هنا إنما خوطب بالصلاة
بعد استيقاظه ، ومن نام عن صلاة صلاها إذا استيقظ ، وكان ذلك
وقتها فى حقه .
٤٧٠

وسئل
عن أقوام خرجوا من قرية إلى قرية ليصلوا الجمعة فيها ، فوجدوا
الصلاة قد أقيمت ، وبعضهم على غير وضوء ، لو ذهب ليتوضأ فاتته
الصلاة ، فهل يتيمم ؟
فأجاب : هذه المسألة فيها نزاع ، والأظهر أنهم إذا لم تمكنهم
صلاة الجمعة إلا بالتيمم صلوا بالتيمم ، والله أعلم .
وسئل
عن المسافر يصل إلى ماء ، وقد ضاق الوقت فإن تشاغل بتحصيله
خرج الوقت ، فهل له أن يصلي بالتيمم ؟
فأجاب : أما المسافر إذا وصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإنه
يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء ، وكذلك لو كان هناك بئر لكن
لا يمكن أن يصنع له حبلاً حتى يخرج الوقت، أو يمكن حفر الماء ،
ولا يحفر حتى يخرج الوقت ، فإنه يصلي بالتيمم .
٤٧١

وقد قال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد : إنه يغتسل
ويصلي بعد خروج الوقت ، لاشتغاله بتحصيل الشرط ، وهذا ضعيف
لأن المسلم أمر أن يصلي فى الوقت بحسب الإمكان ، فالمسافر إذا علم
أنه لا يجد الماء حتى يفوت الوقت كان فرضاً عليه أن يصلي بالتيمم في
الوقت بانفاق الأئمة ، وليس له أن يؤخر الصلاة حتى يصل إلى الماء،
وقد ضاق الوقت بحيث لا يمكنه الاغتسال والصلاة حتى
يخرج الوقت .
بل إذا فعل ذلك كان عاصياً بالانفاق ، وحينئذ فإذا وصل إلى الماء
وقد ضاق الوقت فغرضه إنما هو الصلاة بالتيمم في الوقت ، وليس هو
مأموراً بهذا الاستعمال الذي يفوته معه الوقت ، بخلاف المستيقظ آخر
الوقت ، والماء حاضر فإن هذا مأمور أن يغتسل ويصلي ، ووقته من
حين يستيقظ ، لا من حين طلوع الفجر ، بخلاف من كان يقظان عند
طلوع الفجر ، أو عند زوالها ، إما مقيما وإما مسافراً ، فإن الوقت في
حقه من حينئذ .
وسل
عن التيمم : هل يجوز لأحد أن يصلي به السنن الراتبة والفريضة
وأن يقتصر عليه إلى أن يحدث ؟ أم لا ؟
٤٧٢

فأجاب : نعم يجوز له فى أظهر قولي العلماء أن يصلي بالتيمم ، كما
يصلي بالوضوء ، فيصلي به الفرض والنفل ، ويتيمم قبل الوقت ، وهذا
مذهب أبى حنيفة ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه ، ولا ينقض التيمم
إلا ما ينقض الوضوء ، والقدرة على استعمال الماء ، والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن الحافز : أيما أفضل : يصلي بوضوء محتقناً ، أو أن يحدث،
ثم يتيمم لعدم الماء ؟
فأجاب : صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع
الاحتقان ، فإن هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة ، منهى عنها . وفى
صحتها روايتان . وأما صلاته بالتيمم فصحيحة ، لا كراهة فيها بالاتفاق ،
والله أعلم .
٤٧٣

باب إزالة النجاسة
قال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
وأما إزالة النجاسة بغير الماء ففيها ثلاثة أقوال في مذهب أحمد :
أحدها : المنع ، كقول الشافعى ، وهو أحد القولين فى مذهب
مالك وأحمد .
والثانى: الجواز ، كقول أبي حنيفة ، وهو القول الثانى فى مذهب
مالك ، وأحمد .
والقول الثالث : فى مذهب أحمد أن ذلك يجوز للحاجة ، كما فى
طهارة فم الهرة بريقها ، وطهارة أفواء الصبيان بأرياقهم ، ونحو ذلك .
والسنة قد جاءت بالأمر بالماء فى قوله لأسماء: ((حتيه ، ثم اقرصيه
٤٧٤

ثم اغسليه بالماء، وقوله في آنية المجوس: ((إرحضوها ثم اغسلوها
بالماء )). وقوله في حديث الأعرابي الذي بال فى المسجد: ((صبوا على
بوله ذنوباً من ماء » فأمر بالإزالة بالماء فى قضايا معينة، ولم يأمر أمراً
عاماً بأن تزال كل نجاسة بالماء .
وقد أذن فى إزالتها بغير الماء فى مواضع :
(منها ) الاستجمار بالحجارة. و (منها) قوله فى النعلين: ((ثم
ليدلكها بالتراب فإن التراب لهما طهور)) و(منها) قوله في النيل:
((يطهره ما بعده)) و(منها ) أن الكلاب كانت تقبل وتدير وتبول
في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لم يكونوا يغسلون ذلك.
و ( منها) قوله فى الهر: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات))
مع أن الهر في العادة بأكل الفأر ، ولم يكن هناك قناة ترد عليها
تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها . و ( منها ) أن الخمر المنقلبة
بنفسها تطهر باتفاق المسلمين.
وإذا كان كذلك فالراجح فى هذه المسألة أن النجاسة متى زالت
بأي وجه كان زال حكمها ، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها ،
لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة فى إزالة النجاسة لغير حاجة لما
في ذلك من فساد الأموال ، كما لا يجوز الاستنجاء بها .
٤٧٥

والذين قالوا لا تزول إلا بالماء : منهم من قال : إن هذا تعبد ؛
وليس الأمر كذلك ؛ فإن صاحب الشرع أمر بالماء فى قضايا معينة
لتعينه ؛ لأن إزالتها بالأشربة التى ينتفع بها المسلمون إفساد لها . وإزالتها
بالجامدات كانت متعذرة ، كغسل الثوب، والإناء ، والأرض بالماء ، فإنه
من المعلوم أنه لو كان عندهم ماء ورد وخل وغير ذلك لم يأمرهم بإفساد.
فكيف إذا لم يكن عنده .
ومنهم من قال : إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات
فلا يلحق غيره به ؛ وليس الأمر كذلك: بل الخل وماء الورد وغيرهما
يزيلان ما فى الآنية من النجاسة ، كالماء وأبلغ ، والاستحالة له أبلغ فى
الإزالة من الغسل بالماء ، فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة
فيعفى عنه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((يكفيك الماء ولا
يضرك أثره )) وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح .
ومنهم من قال : كان القياس أن لا يزول بالماء لتنجيسه بالملاقاة ،
لكن رخص فى الماء للحاجة ، فجعل الإزالة بالماء صورة استحسان ، فلا
يقاس عليها . وكلا المقدمتين باطلة . فليست إزالتها على خلاف القياس
بل القياس أن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها .
وقولهم : إنه ينجس بالملاقاة ممنوع ، ومن سلمه فرق بين الوارد
٤٧٦

والمورود عليه ، أو بين الجاري والواقف . ولو قيل : إنها على
خلاف القياس فالصواب أن ما خالف القياس يقاس عليه إذا عرفت علته ؛
إذ الاعتبار في القياس بالجامع والفارق .
واعتبار طهارة الخبث بطهارة الحدث ضعيف ؛ فإن طهارة الحدث
من باب الأفعال المأمور بها ؛ ولهذا لم تسقط بالنسيان والجهل .
واشترط فيها النية عند الجمهور . وأما طهارة الخبث فإنها من باب
التروك فمقصودها اجتناب الخبث ؛ ولهذا لا يشترط فيها فعل العبد
ولا قصده ، بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل المقصود ، كما
ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم .
ومن قال من أصحاب الشافعي وأحمد : إنه يعتبر فيها النية ، فهو
قول شاذ مخالف للإجماع السابق ، مع مخالفته لأئمة المذاهب . وإنما قيل
مثل هذا من ضيق المجال فى المناظرة ، فإن المنازع لهم فى مسألة النية
قاس طهارة الحدث على طهارة الخبث ، فمنعوا الحكم فى الأصل ،
وهذا ليس بشيء .
ولهذا كان أصح قولي العلماء أنه إذا صلى بالنجاسة جاهلا أو ناسياً
فلا إعادة عليه ، كما هو مذهب مالك وأحمد فى أظهر الروايتين عنه؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فى الصلاة للأذى الذي كان
٤٧٧

فيها، ولم يستأنف الصلاة . وكذلك فى الحديث الآخر لما وجد فى
ثوبه نجاسة أمرم بغسله ولم يعد الصلاة ؛ وذلك لأن من كان مقصوده
اجتناب المحظور إذا فعله العبد ناسياً أو مخطئاً فلا إثم عليه ، كما دل
عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ)
وقال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ) قال الله تعالى: ((قد
فعلت )) رواه مسلم فى صحيحه .
ولهذا كان أقوى الأقوال : أن ما فعله العبد ناسياً أو مخطئاً من
محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة ، كالكلام ناسياً ،
والأكل ناسياً ، والطيب ناسياً ، وكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسياً
وفى هذه المسائل نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه .
وإنما المقصود هنا التنبيه على أن النجاسة من باب ترك المنهى عنه
فحينئذ إذا زال الخبث بأي طريق كان حصل المقصود ، ولكن إن زال
بفعل العبد ونيته أثيب على ذلك ، وإلا إذا عدمت بغير فعله ولا نيته
زالت المفسدة ، ولم يكن له ثواب ، ولم يكن عليه عقاب .
وسئل رحمه الله
عن استحالة النجاسة ، كرماد السرجين النجس ، والزبل النجس
٤٧٨

تصيبه الربح والشمس، فيستحيل تراباً. فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟
فأجاب : وأما استحالة النجاسة : كرماد السرجين النجس ، والزبل
النجس يستحيل تراباً ، فقد تقدمت هذه المسألة . وقد ذكرنا أن فيها
قولين فى مذهب مالك وأحمد :
أحدهما : أن ذلك طاهر ، وهو قول أبي حنيفة ، وأهل الظاهر
وغيرهم . وذكرنا أن هذا القول هو الراجح .
فأما الأرض إذا أصابتها نجاسة ؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من
يقول: إنها تطهر، وإن لم يقل بالاستحالة . ففي هذه المسألة مع
(«مسألة الاستحالة)) ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع،
كما تقدم .
وقال رحمه الله:
ـمـل
وأما طين الشوارع فمنى على أصل : وهو أن الأرض إذا أصابتها
نجاسة ثم ذهبت بالريح أو الشمس أو نحو ذلك . هل تطهر الأرض ؟
٤٧٩

على قولين للفقهاء ، وهما قولان فى مذهب الشافعي وأحمد وغيرها :
أحدهما : أنها تطهر ، وهو مذهب أبى حنيفة، وغيره ؛ ولكن عند
أبي حنيفة يصلى عليها ولا يتيمم بها ، والصحيح أنه يصلي عليها
ويتيمم بها ، وهذا هو الصواب ؛ لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح
عن ابن عمر: (( أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول فى مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك))
ومن المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك . وهذا
لا ينافى ما ثبت في الصحيح من أنه أمرم أن يصبوا على بول الأعرابى
الذي بال فى المسجد ذنوباً من ماء ، فإن هذا يحصل به تعجيل تطهير
الأرض ، وهذا مقصود ؛ بخلاف ما إذا لم يصب الماء فإن النجاسة تبقى
إلى أن تستحيل .
وأيضاً ففى السنن أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أتى
أحدكم المسجد فلينظر فى نعليه ، فإن وجد بهما أذى فليدلكها بالتراب
فإن التراب لهما طهور )) وفى السنن أيضاً: أنه سئل عن المرأة نجر
ذيلها على المكان القذر ثم على المكان الطاهر فقال: ((يطهره ما بعده))
وقد نص أحمد على الأخذ بهذا الحديث الثاني ونص فى إحدى
الروايتين عنه على الأخذ بالحديث الأول ، وهو قول من يقول به من
أصحاب مالك والشافعي وغيرهما . فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم
٤٨٠