النص المفهرس

صفحات 441-460

تفريط منه ، ولا عدوان ، فلا إعادة عليه . لا فى الصلاة ، ولا في
الصيام ، ولا الحج . ولم يوجب اللّه على العبد أن يصلي الصلاة الواحدة
مرتين، ولا يصوم شهرين فى عام، ولا يحج حجين . إلا أن يكون
منه تفريط ، أو عدوان . فإن نسي الصلاة كان عليه أن يصليها إذا
ذكرها، وكذلك إذا نسي بعض فرائضها: كالطهارة ، والركوع ،
والسجود. وأما إذا كان عاجزاً عن المفروض : كمن صلى عرياناً لعدم
السترة ، أو صلى بلا قراءة لانعقاد لسانه ، أو لم يتم الركوع والسجود
لمرضه ونحو ذلك ، فلا إعادة عليه . ولا فرق بين العذر النادر ،
والمعتاد ، وما يدوم وما لا يدوم .
وقد اتفق المسلمون على أن المسافر إذا عدم الماء صلى بالتيمم ،
ولا إعادة عليه ، وعلى أن العريان إذا لم يجد سترة صلى ، ولا إعادة
عليه . وعلى أن المريض بصلي بحسب حاله ، كما قال النبى صلى الله عليه
وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم
تستطع فعلى جنب )» ولا إعادة عليه .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل يصبح جنباً، وليس عنده ما يدخل به الحمام ، ولا
يمكنه أن يغتسل فى بيته من أجل البرد . فهل له أن يتيمم ويصلي ،
٤٤١

ويقرأ القرآن أم لا ؟ وهل إذا فعل ذلك تجب عليه الإعادة ؟ أم
لا؟. وإذا كان عنده ما يرهنه على أجرة الحمام فهل يجب عليه
ذلك؟ أم لا؟
فأجاب : الحمد لله . يجوز للرجل إذا عدم الماء أو خاف الضرر
باستعماله، وإن كان جنباً . فإذا خشي إذا اغتسل بالماء البارد أن يضره
ولا يمكنه الاغتسال بالماء الحار في بيت ولا حمام ، ولا غيرهما ، جاز له
التيمم ، ولا إعادة على الصحيح . وإن أمكنه دخول الحمام بجعل وجب
عليه ذلك ، إذا كان واجداً لأجرة الحمام من غير إجحاف فى ماله ،
كما يجب شراء الماء للطهارة ، وإذا كان ممن يمكنه أن يرهن عند الحمامي
الطابية والميزب ، ويوفيه فى أثناء يوم ، ونحو ذلك ، فعله . وإن كان
فى أداء أجرة الحمام ضرر كنقص نفقة عياله ، وقضاء دينه ، صلى
بالتيمم . والله أعلم .
وسل
عن رجل وقع عليه غسل ، ولم يكن معه في ذلك الوقت ما يدخل
به الحمام ، ويتعذر عليه الماء البارد لشدة برده ، ثم إنه تيمم وصلى
الفريضة ، وله فى الجامع وظيفة فقرأ فيها ، ثم بعد ذلك دخل الحمام،
هل يأثم ؟ أم لا ؟
٤٤٢

فأجاب : الحمد لله رب العالمين . لا يأثم بذلك ، بل فعل ما أمر
به ؛ فإن من خاف إذا استعمل الماء البارد أن يحصل له صداع أو نزلة
أو غير ذلك من الأمراض ، ولم يمكن الاغتسال بالماء الحار ، فإنه
يتيمم - وإن كان جنباً - ويصلى عند جماهير علماء الإسلام:
كمالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وغيرم حتى لو كان له ورد
بالليل ، وأصابته جنابة ، والماء بارد يضره ، فإنه يتيمم ، ويصلي ورده
التطوع ، وبقرأ القرآن فى الصلاة ، وخارج الصلاة ، ولا يفوت ورده
لتعذر الاغتسال بالماء .
وهل عليه إعادة الفريضة ؟ على قولين :
أحدهما : لا إعادة عليه. وهو قول مالك، وأحمد في
إحدى الروايتين .
والثانى: عليه الإعادة ، وهو قول الشافعي وأحمد فى الرواية
الأخرى . هذا إذا كان في الحضر . وأما المسافر فهو أولى أن لا يعيد
وهو مذهب الشافعى فى أحد قوليه ، وكل من جازت له الصلاة بالتيمم
جازت له القراءة واللبث فى المسجد بطريق الأولى .
والصحيح أنه لا إعادة عليه، ولا على أحد صلى على حسب
٤٤٣

استطاعته ، وسواء كانت الجنابة من حلال أو حرام ؛ لكن فاعل الحرام
عليه جنابة ، ونجاسة الذنب . فإن تاب وتطهر بالماء ، أحبه الله ، فإن
الله يحب التوابين ويحب المتطهرين . وإن تطهر ولم يتب : تطهر
من الجنابة ، ولم يتطهر من نجاسة الذنب فإن تلك لا يزيلها إلا التوبة.
وإذا لم يكن معه ما يعطى الحمامي جاز له التيمم ، ويصلي بلا
ريب، وإذا لم يكن ممن ينظره الحمامي ، ولم يجد ما يرهنه عنده ، ولم
يقبل منه فهل عليه أن يدخل بالأجرة المؤجلة ؟ فيه قولان : هما وجهان
فى مذهب أحمد .
والأظهر أنه إذا كان عادة إظهار الحمامي له أن يغتسل فى الحمام
م
كالعادة ، وإن منعه الجماعي من الدخول من غير ضرر من أن يوفيه حقه
لبغض الحمامي ، ونحو ذلك . دخل بغير اختيار الجماعي وأعطاه أجرته .
وإن لم يكن معه أجرة فمنعه لكونه لم يوفه حقه في الحال ، ولا هو
ممن يعرفه الحمامي لينظره ، فهذا ليس له أن يدخل إلا برضا الحمامي .
وإن طابت نفس الحمامي بأخذ ماء فى الإناء ، ولم تطب نفسه بأن
يتطهر فى دهاليز أبواب الحمام ، جاز له أن يفعل ما تطيب به نفس
الحمامي ، دون ما لا تطيب إلا بعوض المثل .
وإنما يجب عليه أن يشتري الماء البارد والحار ، ويعطى الحمامي
٤٤٤

أجرة الدخول إذا كان الماء يبذل بثمن المثل ، أو بزيادة لا يتغابن الناس
يمثلها ، مع قدرته على ذلك .
فإن كان محتاجا إلى ذلك لنفقته أو نفقة عياله ، أو وفاء دينه
الذي يطالب به ، كان صرف ذلك إلى ما يحتاج إليه من نفقة ،
أو قضاء دين مقدماً على صرف ذلك في عوض الماء . كما لو احتاج إلى
الماء لشرب نفسه ، أو دوابه ، فإنه يصرفه فى ذلك ، ويتيمم . وإن
كانت الزيادة على تمن المثل لا تجحف بماله ، ففى وجوب بذل العوض
فى ذلك قولان فى مذهب أحمد بن حنبل ، وغيره . وأكثر العلماء
على أنه لا يجب . والله سبحانه أعلم .
وسل
عن المرأة يجامعها بعلها ، ولا تتمكن من دخول الحمام لعدم الأجرة
وغيرها . فهل لها أن تتيمم ؟ وهل يكره لبعلها مجامعتها والحالة هذه .
وكذلك المرأة يدخل عليها وقت الصلاة ولم تغتسل ، وتخاف إن
دخلت الهمام أن يفوتها الوقت ، فهل لها أن تصلي بالتيمم ؟ أو تصلي
فى الحمام؟
فأجاب: الحمد لله. الجنب سواء كان رجلا أو امرأة فإنه إذا
٤٤٥

عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله ، فإن كان لا يمكنه دخول الحمام
لعدم الأجرة أو لغير ذلك، فإنه يصلي بالتيمم ، ولا يكره للرجل وطه
امرأته كذلك ، بل له أن يطأها ، كما له أن يطأها فى السفر ،
ويصليا بالتيمم .
وإذا أمكن الرجل أو المرأة أن يغتسل ويصلى خارج الحمام فعلا
ذلك ، فإن لم يمكن ذلك : مثل أن لا يستيقظ أول الفجر، وإن اشتغل
بطلب الماء خرج الوقت . وإن طلب حطباً يسخن به الماء ، أو ذهب
إلى الحمام فات الوقت ، فإنه بصلي هنا بالتيمم عند جمهور العلماء ، إلا أن
بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد قالوا يشتغل بتحصيل الطهارة
وإن فات الوقت . وهكذا قالوا فى اشتغاله بخياطة اللباس، وتعلم دلائل
القبلة ، ونحو ذلك .
وهذا القول خطأ . فإن قياس هذا القول أن المسافر يؤخر الصلاة
حتى يصلي بعد الوقت بالوضوء ، وأن العريان يؤخر الصلاة حتى بعلى
بعد الوقت باللباس . وهذا خلاف إجماع المسلمين ؛ بل على العبد أن
يصلي فى الوقت بحسب الإمكان ، وما عجز عنه من واجبات الصلاة
سقط عنه .
وأما إذا استيقظ آخر الوقت ، أو إن اشتغل باستقاء الماء من
٤٤٦

البئر ، خرج الوقت ، أو إن ذهب إلى الهمام للغسل خرج الوقت ،
فهذا يغتسل عند جمهور العلماء . ومالك - رحمه الله - يقول: بل
يصلي بالتيمم محافظة على الوقت ، والجمهور يقولون: إذا استيقظ آخر
الوقت فهو حينئذ مأمور بالصلاة ، فالطهارة والوقت فى حقه من حين
استيقظ ، وهو ما يمكنه فعل الصلاة فيه . وقد قال النبى صلى الله
عليه وسلم: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك
وقتها )). فالوقت المأمور بالصلاة فيه فى حق النائم هو إذا استيقظ ، لا
ما قبل ذلك ، وفى حق الناسي إذا ذكر. والله أعلم .
وأما إذا كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب إلى الحمام ، لكن إن
دخل لا يمكنه الخروج حتى يفوت الوقت ، إما لكونه مقهوراً ، مثل
الغلام الذي لا يخليه سيده يخرج حتى يصلي ، ومثل المرأة التى معها
أولادها فلا يمكنها الخروج حتى تغسلهم ، ونحو ذلك. فهؤلاء لا بد لهم
من أحد أمور :
إما أن يغتسلوا ويصلوا فى الحمام فى الوقت ، وإما أن يصلوا خارج
الحمام بعد خروج الوقت ، وإما أن يصلوا بالتيمم خارج الحمام . وبكل
قول من هذه الأقوال يفتى طائفة ؛ لكن الأظهر أنهم يصلون بالتيمم
خارج الحمام ؛ لأن الصلاة فى الحمام منهى عنها ، وتفويت الصلاة حتى يخرج
الوقت أعظم من ذلك . ولا يمكنه الخروج من هذين التهيين إلا بالصلاة
٤٤٧

بالتيمم في الوقت خارج الحمام .
وصار هذا كما لو لم يمكنه الصلاة إلا فى موضع بجس فى الوقت،
أو فى موضع طاهر بعد الوقت إذا اغتسل ، أو يصلي بالتيمم فى مكان
طاهر فى الوقت . فهذا أولى ، لأن كلا من ذينك منهى عنه .
وتنازع الفقهاء فيمن حبس فى موضع محس وصلى فيه : هل يعيد؟
على قولين :
أصحهما : أنه لا إعادة عليه ؛ بل الصحيح الذي عليه أكثر العلماء
أنه إن كان قد صلى فى الوقت كما أمر بحسب الإمكان فلا إعادة عليه ،
سواء كان العذر نادراً أو معتاداً ؛ فإن الله لم يوجب على العبد الصلاة
المعينة مرتين ، إلا إذا كان قد حصل منه إخلال بواجب ، أو فعل محرم.
فأما إذا فعل الواجب بحسب الإمكان. فلم يأمره مرتين، ولا أمر الله
أحداً أن يصلي الصلاة ويعيدها ؛ بل حيث أمره بالإعادة لم يأمره بذلك
ابتداء ، كمن صلى بلا وضوء ناسياً ، فإن هذا لم يكن مأموراً بتلك
الصلاة ، بل اعتقاد أنه مأمور خطأ منه ، وإنما أمره الله أن يصلي
بالطهارة ، فإذا صلى بغير طهارة كان عليه الإعادة، كما أمر النبي صلى الله
عليه وسلم الذي توضأ وترك موضع ظفر من قدمه لم يصبه الماء أن يعيد
الوضوء والصلاة . وكما أمر المسيء فى صلاته أن يعيد الصلاة. وكما أمر
٤٤٨

المصلي خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة .
فأما العاجز عن الطهارة ، أو الستارة ، أو استقبال القبلة ، أو عن
اجتناب النجاسة ، أو عن إكمال الركوع ، والسجود ، أو عن قراءة
الفاتحة ، ونحو هؤلاء ممن يكون عاجزاً عن بعض واجباتها . فإن هذا
يفعل ما قدر عليه ، ولا إعادة عليه؛ كما قال تعالى: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ) وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
منه ما استطعتم)).
وسل
عن المرأة إذا كانت بعيدة عن الحمام (١) وحصل لها جنابة، وتخشى
من الغسل في البيت من البرد . هل لها أن تتيمم وتصلي ؟ وإذا
أراد زوجها الجماع ، وتخاف من البرد عليه وعليها . هل له أن يتيمم ؟
أو يغتسل مع القدرة . وتتيمم هي ؟ أم يترك الجماع. فإذا جامعها
وأرادت الدخول إلى الحمام للتطهر ، هل تقيمم وتجمع بين الصلاتين؟
أو تصلي في الحمام بالغسل ؟ وهل لها إذا طهرت من الحيض ولم تغتسل
أن تقيمم ويجامعها زوجها أم لا ؟ وهل يحتاج التيمم للجنابة إلى وضوء
(١) هذه من مسائل تيسير العبادات لأرباب الضرورات
٤٤٩

أم لا ؛ وإذا احتاج هل يقدم الوضوء ، أم التيمم ؟ وهل يحتاج التيمم
لكل صلاة ؟ أم يصلي الصلوات بتيمم واحد ؟ وإذا طهرت المرأة آخر
النهار - أو آخر الليل - وعجزت عن الغسل للبرد وغيره. هل
تتيمم وتصلي ؟ وهل تقضي صلاة اليوم الذي طهرت فيه ؟
أو الليلة؟
ومن أصابه جرح أو كسر وعصبه هل يمسح على العصابة . أم يتيمم
عن الوضوء للمجروح . وبعض الأعضاء يعجز عن إمرار الماء عليه بسبب
الجرح أو الكسر ، وهل يترك الجماع فى هذه الحالة ، أو يفعله ويتيمم
ولو على أن مدة المداواة تطول فيطول تيمعه؟ وهل للمرأة أيضا منع الزوج
من الجماع إذا كانت لا تقدر على الغسل ؟ أم تطيعه وتقيمم ؟ ومن وجد
الحمام بعيداً متى وصل إليه خرج الوقت هل يتيمم أم يذهب إليه ولو
خرج الوقت ؟ ومن خاف فوات الجماعة إذا تطهر بالماء هل يتيمم ليحصل
على الجماعة ، أم لا ؟ ومن معه رفقة يريدون الجمع فهل الأفضل له الجمع
معهم لتحصيل الجماعة؟ أم يصلي وحده فى الوقت ؟ وقد يكون هو
إمامهم ، فأيما أفضل في حقه جمعا ، أم الصلاة وحده فى وقت كل
صلاة ؟ ومن كان له صناعة يعملها هو وصناع آخر ، ويشق عليه الصلاة
فى وقتها ، ويبطل الصناع هل يجمع بين الصلاتين ؟ وكذلك إذا كان
فى حراثة وزراعة ويشق عليه طلب الماء هل يتيمم ويصلي ؟ ومن يتيمم
٤٥٠

هل يقرأ القرآن فى غير الصلاة ؟ ويصلي ورده بالليل ؟ وهل للمرأة
الجنب أو الحائض أن تقرأ على ولدها الصغير؟ ومن لم يجد ترابا هل
يتيمم على البساط أو الحصير إذا كان فيها غبار ؟.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. من أصابته جنابة من احتلام أو
جماع ، حلال أو حرام ، فعليه أن يغتسل ويصلي ، فإن تعذر عليه
الاغتسال لعدم الماء أو لتضرره باستعماله : مثل أن يكون مريضاً يزيد
الاغتسال فى مرضه ، أو يكون الهواء بارداً، وإن اغتسل خاف أن
يمرض بصداع أو زكام أو نزلة ، فإنه يتيمم ويصلي . سواء كان رجلا
أو امرأة ، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها ، وليس للمرأة أن
تمنع زوجها من الجماع. بل له أن يجامعها ، فإن قدرت على الاغتسال
وإلا تيممت .
وكذلك الرجل إن قدر على الاغتسال وإلا تيمم ، وله أن يجامعها
قبل دخول الحمام ، فإن قدرت على أن تغتسل وتصلي خارج الحمام فعلت،
وإن خافت أن تفوتها الصلاة استترت فى الحمام وصلت ، ولا تفوت
الصلاة، والجمع بين الصلاتين بطهارة كاملة بالماء خير من أن يفرق
بين الصلاتين بالتيمم ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -
المستحاضة أن يجمع بين الصلاتين بغسل واحد ، وجعل ذلك خيراً من
التفريق بوضوء .
٤٥١

وأيضا فالجمع بين الصلاتين مشروع لحاجة دنيوية ، فلأن يكون
مشروعا لتكميل الصلاة أولى ، والجامع بين الصلاتين مصل فى الوقت،
والنبى - صلى الله عليه وسلم ــ جمع بين الظهر والعصر بعرفة في
وقت الظهر ؛ لأجل تكميل الوقوف واتصاله ؛ وإلا فقد كان يمكنه أن
ينزل فيصلي ، فجمع بين الصلاتين لتكميل الوقوف ، فالجمع لتكميل
الصلاة أولى .
وأيضا فإنه جمع بالمدينة للمطر، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم لم
يكن يتضرر بالمطر ، بل جمع لتحصيل الصلاة فى الجماعة، والجمع لتحصيل
الجماعة خير من التفريق والانفراد، والجمع بين الصلاتين خير من الصلاة
فى الحمام ، فإن أعطان الإبل والحمام نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
الصلاة فيها ، والجمع مشروع . بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها )) ثم
إنه لما نام عن الصلاة انتقل، وقال: (( هذا واد حضرنا فيه الشيطان،
فأخر الصلاة عن الوقت المأمور به لكون البقعة حضر فيها الشيطان ،
وتلك البقعة تكره الصلاة فيها وتجوز ؛ لكن يستحب الانتقال عنها، وقد
نص على ذلك أحمد بن حنبل وغيره .
والحمام وأعطان الإبل مسكن الشياطين ؛ ولهذا حرم الصلاة فيها ،
والجمع مشروع للمصلحة الراجحة ، فإذا جمع لئلا بصلي فى أماكن
٤٥٢

الشياطين، كان قد أحسن، والمرأة إذا لم يكن يمكنها الجمع بطهارة
الماء جمعت بطهارة التيمم ، فإن الصلاة بالتيمم فى الوقت المشروع خير
من التفريق ومن الصلاة في الأماكن المنهي عنها ، وإذا أمكن الرجل
والمرأة أن يتوضآ ويتيما فعلا، فإن اقتصرا على التيمم أجزأهما فى إحدى
الروايتين للعلماء.
ومذهب أبي حنيفة ومالك لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التيمم
- بين الأصل والبدل - بل إما هذا وإما هذا . ومذهب الشافعي
وأحمد: بل يغتسل بالماء ما أمكنه ، ويتيمم للباقى . وإذا توضأ وتيمم
فسواء قدم هذا أو هذا ، لكن تقديم الوضوء أحسن ، ويجوز أن
يصلي الصلوات بتيمم واحد ، كما يجوز بوضوء واحد ، وغسل واحد ،
فى أظهر قولي العلماء . وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصعيد الطيب طهور المسلم ولو
لم يجد الماء عشر سنين . فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن
ذلك خير )) .
والمرأة إذا طهرت من الحيض فإن قدرت على الاغتسال وإلا تيممت
وصلت ، فإن طهرت في آخر النهار صلت الظهر والعصر . وإن طهرت
فى آخر الليل صلت المغرب والعشاء ، ولا يقضى أحد ما صلاه بالتيمم.
وإذا كان الجرح مكشوفا وأمكن مسحه بالماء فهو خير من التيمم ،
٤٥٣

وكذلك إذا كان معصوباً أوكسر عظمه فوضع عليه جبيرة فمسح ذلك
بالماء خير من التيمم ، والمريض والجريح والمكسور إذا أصابته جنابة
بجماع وغيره والماء يضره يتيمم ويصلي ، أو يمسح على الجبيرة ويغسل
سائر بدنه إن أمكنه ويصلي .
وليس للمرأة أن تمنع زوجها الجماع، بل يجامعها . فإن قدرت
على الاغتسال ، وإلا تيممت وصلت . وإذا طهرت من الحيض لم يجامعها
إلا بعد الاغتسال ، وإلا تيممت ووطها زوجها. ويتيمم الواطئ حيث
يتيمم للصلاة.
وإذا دخل وقت الصلاة كطلوع الفجر ، ولم يمكنه إذا اغتسل أن
يصلي حتى تطلع الشمس : لكون الماء بعيداً ، أو الحمام مغلوقة ، أو
لكونه فقيراً وليس معه أجرة الحمام ، فإنه يتيمم ويصلي فى الوقت ،
ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت . وأما إذا استيقظ وقد ضاق
الوقت عن الاغتسال ، فإن كان الماء موجوداً فهذا يغتسل ويصلي بعد
طلوع الشمس عند أكثر العلماء ، فإن الوقت فى حقه من حين استيقظ
بخلاف اليقظان فإن الوقت في حقه من حين طلوع الفجر .
ولا بد من الصلاة فى وقتها ، ولا يجوز تأخيرها عن الوقت لأحد
أصلا ، لا بعذر ، ولا بغير عذر. لكن يصلي فى الوقت بحسب الإمكان
٤٥٤

فيصلي المريض بحسب حاله فى الوقت . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم
العمران بن حصين: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع
فعلى جنب )) فيصلي في الوقت قاعدا ، ولا يصلي بعد خروج الوقت
قائماً ، وكذلك العراة ، كالذين انكسرت بهم السفينة يصلون فى الوقت
عراة ، ولا يؤخرونها ليصلوا فى الثياب بعد الوقت .
وكذلك من اشتبهت عليه القبلة ، فيصلى فى الوقت بالاجتهاد ،
والتقليد ، ولا يؤخرها ليصني بعد الوقت باليقين .
وكذلك من كان عليه نجاسة فى بدنه أو ثوبه لا يمكنه إزالتها حتى
تفوت الصلاة ، فيصلي بها في الوقت، ولا يفوت الصلاة ليصلي طاهرا.
وكذلك من حبس فى مكان نجس ، أو كان فى حمام ، أو غير
ذلك مما نهى عن الصلاة فيه ، ولا يمكنه الخروج منه حتى تفوت الصلاة
فإنه يصلي في الوقت ، ولا يفوت الصلاة ليصلي فى غيره . فالصلاة فى
الوقت فرض بحسب الإمكان ، والاستطاعة . وإن كانت صلاة ناقصة
حتى الخائف يصلي صلاة الخوف فى الوقت بحسب الإمكان ، ولا يفوتها
ليصلي صلاة أمن بعد خروج الوقت، حتى في حال المقاتلة يصلي ويقاتل
ولا يفوت الصلاة ليصلي بلا قتال ، فالصلاة المفروضة فى الوقت وإن
كانت ناقصة خير من تفويت الصلاة بعد الوقت وإن كانت كاملة ؛
٤٥٥

بل الصلاة بعد تفويت الوقت عمدا لا تقبل من صاحبها ، ولا يسقط
عنه إثم التفويت المحرم . ولو قضاها باتفاق المسلمين .
فصل
وأما إذا خاف فوات الجنازة أو العيد، أو الجمعة ، ففي التيمم
نزاع. والأظهر أنه يصليها بالتيمم ، ولا يفوتها ، وكذلك إذا لم يمكنه
صلاة الجماعة الواجبة إلا بالتيمم ، فإنه يصليها بالتيمم .
ومذهب أحمد في إحدى الروايتين أنه يجوز التيمم للجنازة ،
مع أنه لا يختلف قوله فى أنه يجوز أن يعيدها بوضوء ، فليست العلة
على مذهبه تعذر الإعادة ؛ بخلاف أبي حنيفة فإنه إنما علل ذلك بتعذر
الإعادة ، وفرق بين الجنازة، وبين العيد والجمعة . وأحمد لا يعلل بذلك
فكيف والجمعة لا تعاد ! وإنما تصلى ظهرا . وليست صلاة الظهر كالجمعة .
وكذلك إذا لم يمكنه صلاة الجمعة الواجبة إلا بالتيمم ، فإنه يصليها
بالتيمم ، والجمع بين الصلاتين حيث بشرع فى الصلاة في وقتها ليس
بمفوت، ولا يشترط للقصر ولا للجمع نية عند أكثر العلماء، وهو
مذهب مالك وأبى حنيفة ، وهو أحد القولين فى مذهب أحمد ؛ بل
عليه يدل كلامه ، وهو المنصوص عنه .
٤٥٦

والقول الآخر : اختيار بعض أصحابه، وهو قول الشافعي .
والجمع بين الصلاتين يجوز لعذر ، فالمسافر إذا جد به السير جمع
بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء . والمسافرون إذا غلب عليهم
النعاس وشق عليهم انتظار العشاء جمعوا بينها وبين المغرب ، ولو كان
الإمام لا ينام ، فصلاته بهم إماماً جامعاً بين الصلاتين خير من صلاته
وحده غير جامع .
والحراث إذا خاف إن طلب الماء يسرق ماله ، أو يتعطل عمله
الذي يحتاج إليه صلى بالتيمم. وإن أمكنه أن يجمع بين الصلاتين
بوضوء فهو خير من أن يفرق بينهما ، وكذلك سائر الأعذار الذين يباح
لهم التيمم : إذا أمكنهم الجمع بينها بطهارة الماء فهو خير من التفريق
بينها بطهارة التيمم ، والجمع بين الصلاتين لمن له عذر كالمطر والربح
الشديدة الباردة ؛ ولمن به سلس البول ، والمستحاضة : فصلاتهم
بطهارة كاملة جمعاً بين الصلاتين ، خير من صلاتهم بطهارة ناقصة
مفرقا بينها .
والمريض أيضاً له أن يجمع بين الصلاتين ، لا سيما إذا كان مع
الجمع صلاته أكمل . إما لكال طهارته ، وإما لإمكان القيام ، ولو
كانت الصلاتان سواء . لكن إذا فرق بينهما زاد مرضه ، فله
الجمع بينها .
٤٥٧

وقال أحمد بن حنبل : يجوز الجمع إذا كان لشغل . قال القاضي
أبو يعلى : الشغل الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة . وقال الشيخ موفق
الدين بن قدامة المقدسي : مبينا عن هؤلاء ؛ وهو المريض ، ومن له
قريب يخاف موته ، ومن يدافع أحداً من الأخبتين ، ومن يحضره
طعام وبه حاجة إليه ، ومن يخاف من سلطان يأخذه ، أو غريم يلازمه
ولا شيء معه يعطيه ، والمسافر إذا خاف فوات القافلة ، ومن يخاف
ضرراً فى ماله ، ومن يرجو وجوده ، ومن يخاف من غلبة النعاس
حتى يفوته الوقت ، ومن يخاف من شدة البرد . وكذلك في الليلة
المظلمة إذا كان فيها وحل . فهؤلاء بعدرون وإن تركوا الجمعة والجماعة ،
كذا حكاه ابن قدامة فى ((مختصر الهداية)). فإنه يبيح لهم الجمع بين
الصلاتين على ما قاله الإمام أحمد بن حنبل ، والقاضي أبو يعلى .
والصناع والفلاحون إذا كان في الوقت الخاص مشقة عليهم: مثل
أن يكون الماء بعيداً في فعل صلاة ، وإذا ذهبوا إليه وتطهروا تعطل
بعض العمل الذي يحتاجون إليه ، فلهم أن يصلوا فى الوقت المشترك
فيجمعوا بين الصلاتين ، وأحسن من ذلك أن يؤخروا الظهر إلى قريب
العصر فيجمعوها ويصلوها مع العصر ، وإن كان ذلك جمعاً فى آخر وقت
الظهر، وأول وقت العصر . ويجوز مع بعد الماء أن يتيمم ويصلي في
الوقت الخاص . والجمع بطهارة الماء أفضل. والحمد لله وحده.
٤٥٨

فصل
كل من جاز له الصلاة بالتيمم : من جنب ، أو محدث ، حاز له
أن يقرأ القرآن خارج الصلاة ، ويمس المصحف ، ويصلي بالتيمم النافلة .
والفريضة ، ويرقي بالقرآن وغير ذلك . فإن الصلاة أعظم من القراءة .
فمن صلى بالتيمم كانت قراءته بالتيمم أولى، والقراءة خارج الصلاة أوسع
منها فى الصلاة ، فإن المحدث يقرؤه خارج الصلاة ، وكل ما يفعله بطهارة
الماء في الوضوء والغسل ، يفعله بطهارة التيمم إذا عدم الماء ، أو خاف
الضرر باستعماله .
وإذا أمكن الجنب الوضوء دون الغسل ، فتوضأ وتيمم عن الغسل
جاز ، وإن تيمم ولم يتوضأ ففيه قولان . قيل : يجزيه عن الغسل ،
وهو قول مالك وأبى حنيفة . وقيل : لا يجزيه ، وهو قول الشافعي ،
وأحمد بن حنبل .
وإذا تيمم بالتراب الذي تحت حصر بيته جاز ، وكذلك إذا كان
هناك غبار لاصق ببعض الأشياء وتيمم بذلك التراب اللاصق جاز . وأما
قراءة الجنب والحائض للقرآن فالعلماء فيه ثلاثة أقوال :
٤٥٩

قيل : يجوز لهذا ولهذا. وهو مذهب أبى حنيفة والمشهور من
مذهب الشافعي وأحمد .
وقيل : لا يجوز للجنب ، ويجوز للحائض . إما مطلقا ، أو إذا
خافت النسيان . وهو مذهب مالك . وقول في مذهب أحمد وغيره .
فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه
شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن
نافع عن ابن عمر (( لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئا))
رواه أبو داود وغيره . وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة ؛ بخلاف
روايته عن الشاميين ، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات ، ومعلوم
أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ولم يكن ينهاهن عن قراءة القرآن. كما لم يكن ينهاهن عن الذكر والدعاء
بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين . وأمر
الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض،
وكذلك بمزدلفة ومنى ، وغير ذلك من المشاعر .
وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد ، ولا يصلي ، ولا أن
يقضي شيئاً من المناسك : لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له فى
٤٦٠