النص المفهرس
صفحات 401-420
فصل ونذكر هذا على قوله : ( أَوْلَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ ) . المراد به : الجماع . كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من العرب . وهو يروى عن علي رضي الله عنه وغيره. وهو الصحيح فى معنى الآية . وليس فى نقض الوضوء من مس النساء ، لا كتاب ولا سنة . وقد كان المسلمون دائماً يمسون نساءم . وما نقل مسلم واحد عن النبى صلى الله عليه وسلم : أنه أمر أحداً بالوضوء من مس النساء. وقول من قال : إنه أراد ما دون الجماع ، وإنه ينقض الوضوء . فقد روى عن ابن عمر والحسن ((باليد )) وهو قول جماعة من السلف فى المس بشهوة ، والوضوء منه حسن مستحب لإطفاء الشهوة ، كما يستحب الوضوء من الغضب لإطفائه . وأما وجوبه : فلا . وأما المس المجرد عن الشهوة: هما أعلى للنقض به أصلا عن السلف. ) لم يذكر فى القرآن الوضوء وقوله تعالى: (أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ٤٠١ منه ، بل إنما ذكر التيمم ، بعد أن أمر المحدث القائم للصلاة : بالوضوء . وأمر الجنب بالاغتسال فذكر الطهارة بالصعيد الطيب ، ولا بد أن يبين النوعين . وقوله : (أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ ) بيان لتيمم هذا. لم يذكر واحداً منها لبيان وقوله: (أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ) طهارة الماء . إذا كان قد عرف أصل هذا. فقوله ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَعْسِلُواْ ) وقوله: ( وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ ) فالآية ليس فيها إلا أن اللامس إذا لم يجد الماء يتيمم . فكيف يكون هذا من الحدث الأصغر ؟ يأمر من مس المرأة أن يتيمم، وهو لم يأمره أن يتوضأ . فكيف يأمر بالتيمم من لم يأمره بالوضوء؟ وهو إنما أمر بالتيمم من أمره بالوضوء والاغتال. ونظير هذا يطول . ومن تدبر الآية قطع بأن هذا هو المراد . فصل ودلت الآية على أن المسافر : يجامع أهله ، وإن لم يجد الماء ، ولا يكره له ذلك كما قاله الله في الآية. وكما دلت عليه الأحاديث. حديث أبى ذر وغيره . ٤٠٢ فصل وقوله: (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْةً مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) دليل على أن التيمم مطهر كالماء سواء . وكذلك ثبت فى صحيح السنة : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير)) رواه الترمذي وصححه ورواه أبو داود والنسائى. وفي الصحيح عنه: قال ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)). وهو - صلى الله عليه وسلم - جعل التراب طهوراً فى طهارة الحدث وطهارة الجنب . كما قال في حديث أبى سعيد ((إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيها ، فإن كان بهما أذى - أو خبث - فليدلكها بالتراب . فإن التراب لهما طهور )) وقال فى حديث أم سلمة ٤٠٣ ((ذيل المرأة يطهره ما بعده)). فدل على أن التيمم مطهر ، يجعل صاحبه ظاهراً ، كما يجعل الماء مستعمله فى الطهارة ظاهراً ، إن لم يكن جنباً ولا محدثاً . فمن قال : إن المتيمم جنب أو محدث ، فقد خالف الكتاب والسنة. بل هو متطهر . وقوله فى حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه ((أُصليت بأصحابك وأنت جنب ؟ )) استفهام . أي هل فعلت ذلك ؛ فأخبره عمرو رضي الله عنه: أنه لم يفعله بل تيمم لخوفه: أن يقتله البرد . فسكت صلى الله عليه وسلم عنه ، وضحك . ولم يقل شيئاً . فإن قيل: إن هذا إنكار عليه : أنه صلى مع الجنابة . فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز. فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر ما هو منكر ، فلما أخبره: أنه صلى بالتيمم . دل على أنه لم يصل وهو جنب . فالحديث حجة على من احتج به ، وجعل المتيمم جنباً ومحدثاً . والله يقول: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ ) فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر . والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب والسنة . فكيف يكون جنباً ٤٠٤ غير متطهر ؟ لكنها طهارة بدل . فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة وتطهر بالماء حينئذ . لأن البول المتقدم جعله محدثاً . والصعيد جعله مطهراً ، إلى أن يجد الماء . فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم لا أن الحدث كان مستمراً . ثم من قال : التيمم مبيح لا رافع ، فإن نزاعه لفظي . فإنه إن قال : إنه يبيح الصلاة مع الجنابة والحدث ، وإنه ليس بطهور ، فهو يخالف النصوص . والجنابة محرمة للصلاة . فيمتنع أن يجتمع المبيح والمحرم على سبيل التمام . فإن ذلك يقتضي اجتماع الضدين . والمتيمم غير منوع من الصلاة . فالمنع ارتفع بالاتفاق . وحكم الجنابة المنح . فإذا قيل بوجوده ، بدون مقتضاها - وهو المنح - فهذا نزاع لفظي . فصل وفى الآية دلالة على أن المتخلي لا يجب عليه غسل فرجه بالماء ، إنما يجب الماء في طهارة الحدث بسبيله . على أن إزالة النجو والخبث لا يتعين لها الماء ، فإنه على ذلك ندل النصوص ؛ إذ كان النبى صلى الله عليه وسلم أمر فيها تارة بالماء ، وتارة بغير الماء ، كما قد بسط فى مواضع . ٤٠٥ إذ المقصود هنا : التنبيه على ما دلت عليه الآية . فإن قوله : ( أَوَّجَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ) قص فى أنه عند عدم الماء يصلي وإن تغوط . بلا غسل . وقد ثبت فى السنة (( أنه يكفيه ثلاثة أحجار)) وأما مع العذر : فإنه قال: ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ ) وهذا يتناول كل قائم ، وهو يتناول من جاء من الغائط ، كما يتناول من خرجت منه الريح . فلو كان غسل الفرجين بالماء واجباً على القائم إلى الصلاة : لكان واجباً كوجوب غسل الأعضاء الأربعة . والقرآن يدل على أنه لا يجب عليه إلا ما ذكره من الغسل والمسح، وهو يدل على أن المتوضئ والمتيمم متطهر . والفرجان جاءت السنة بالاكتفاء فيها بالاستجمار . وقوله تعالى : (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُطَهِّرِينَ ) يدل على أن الاستنجاء مستحب، يحبه الله، لا أنه واجب . بل لما كان غير هؤلاء من المسلمين لا يستنجون بالماء - ولم يذمهم على ذلك بل أقرم . ولكن خص هؤلاء بالمدح - دل على جواز ما فعله غير هؤلاء . وأن فعل هؤلاء أفضل ، وأنه مما فضل الله به الناس بعضهم على بعض. ٤٠٦ فصل الترتيب فى الوضوء وغيره من العبادات والعقود : النزاع فيه مشهور . فمذهب الشافعي وأحمد : يجب . ومذهب مالك وأبى حنيفة : لا يجب . وأحمد قد نص على وجوبه نصوصاً متعددة. ولم يذكر المتقدمون - كالقاضي ، ومن قبله - عنه نزاعا . قال أبو محمد: لم أر عنه فيه خلافاً . قال : وحكى أبو الخطاب: رواية أخرى من أحمد : أنه غير واجب. قلت : هذه أخذت من نصه فى القبضة للاستنشاق . فلو أخر غسلها إلى ما بعد غسل الرجلين : ففيه عن أحمد روايتان منصوصتان . فإنه قال فى إحدى الروايتين : إنه لو نسيها حتى صلى: تمضمض واستنشق ، وأعاد الصلاة ، ولم يعد الوضوء ؛ لما فى السنن عن المقدام ابن معدي كرب (( أنه أتى بوضوء. فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً ، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق)). ٤٠٧ فغير أبي الخطاب فرق بينها وبين غيرهما ، بأن الترتيب إنما يجب فيما ذكر فى القرآن . ومما ليسا فى القرآن . وأبو الخطاب - ومن تبعه - رأوا هذا فرقا ضعيفا . فإن الأنف والفم لو لم يكونا من الوجه لما وجب غسلهما . ولهذا خرج الأصحاب: أنهما من الوجه. كما قال الخرقى وغيره ((والفم والأنف من الوجه )) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بهما غسل الوجه. يبدأ بغسل ما بطن منه . وقدم المضمضة ، لأن الفم أقرب إلى الظاهر من الأنف . ولهذا كان الأمر به أوكد . وجاءت الأحاديث الصحيحة بالأمر به ، ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل سائر الوجه . فإذا قيل بوجوبهما مع النزاع ، فهما كسائر ما نوزع فيه . مثل البياض الذي بين العذار والأذن ، فمالك وغيره يقول : ليس من الوجه . وفى التزمتين والتحذيف ثلاثة أوجه . قيل : هما من الرأس . وقيل : من الوجه . والصحيح : أن النزعتين من الرأس ، والتحذيف من الوجه . فلو نسى ذلك فهو كما لو نسى المضمضة والاستنشاق . فتسوية أبى الخطاب أقوى . ٤٠٨ وعلى هذا : فأحمد إنما نص على من ترك ذلك ناسيا . ولهذا قيل له : نسى المضمضة وحدها ؟ فقال : الاستنشاق عندي أوكد . يعنى إذا نسي ذلك وصلى . قال: يغسلها ، ويعيد الصلاة ، والإعادة إذا ترك الاستنشاق عنده أوكد ، للأمر به في الأحاديث الصحيحة ، وكذلك الحديث المرفوع، فإن جميع من نقل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أخبروا : أنه بدأ بها . وهذا حكى فعلاً واحداً . فلا يمكن الجزم بأنه كان متعمداً . وحينئذ فليس في تأخيرهما عمداً سنة ، بل السنة فى النسيان . فإن النسيان متيقن . فإن الظاهر : أنه كان ناسيا إذا قدر الشك . فإذا جاز مع التعمد ، فمع النسيان أولى . فالناسى معذور بكل حال بخلاف المتعمد . وهو القول الثالث . وهو الفرق بين المتعمد لتنكيس الوضوء وبين المعذور بنسيان أو جهل . وهو أرجح الأقوال . وعليه يدل كلام الصحابة ، وجمهور العلماء . وهو الموافق لأصول المذهب فى غير هذا الموضع. وهو المنصوص عن أحمد فى الصورة التى خرج منها أبو الخطاب . فمن ذلك: إذا أخل بالترتيب بين الذبح والحلق . فإن الجاهل يعذر بلا خلاف في المذهب . وأما العالم المتعمد: فعنه روايتان ، ٤٠٩ والسنة إنما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان يسأل عن ذلك؟ فيقول : افعل ، ولا حرج )، لأنهم قدموا وأخروا بلا علم. لم يتعمدوا المخالفة للسنة . وإلا فالقرآن قد جاء بالترتيب لقوله: (وَلَا تَحْلِقُواْ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: رُهُوسَكُمْ حَّ بَلُغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّهُ ) (( إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل وأحلق حتى أنحر)). وقوله ( ثُمَّلْيَقْضُوْتَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْبِلْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ) أدل على الترتيب من قوله: (إِنَّالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ ). لكن يقال : قد فرقوا بأن هذه عبادة واحدة مرتبط بعضها ببعض وتلك عبادات ، كالحج والعمرة والصلاة والزكاة. وهكذا فرق أبو بكر عبد العزيز بين الوضوء وغيره . فقال : ذلك كله من الحج : الدماء والذبح والحلق والطواف . والحج عبادة واحدة . ولهذا متى وطئ قبل التحلل الأول فسد الحج عند الجمهور . وهل يحصل كالدم وحده ، أو كالدم والحلق ؟ على روايتين . ومنها : إذا نسي بعض آيات السورة في قيام رمضان . فإنه لا يعيدها ، ولا يعيد ما بعدها ، مع أنه لو تعمد تنكيس آيات السورة ٤١٠ وقراءة المؤخر قبل المقدم : لم يجز بالاتفاق ، وإنما النزاع في ترتيب السور . نص على ذلك أحمد. وحكاه عن أهل مكة . سئل عن الإمام فى شهر رمضان يدع الآيات من السورة ، ترى لمن خلفه أن يقرأها؟ قال : نعم . ينبغي له أن يفعل. قد كانوا بمكة يوكلون رجلا يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها . فإذا كان ليلة الختمة أعاده . قال الأصحاب - كأبى محمد - وإنما استحب ذلك لتتم الختمة، ويكمل الثواب . فقد جعل أهل مكة وأحمد وأصحابه إعادة المنسي من الآيات وحده يكمل الختمة والثواب ، وإن كان قد أخل بالترتيب هنا . فإنه لم يقرأ تمام السورة. وهذا مأثور عن علي رضي الله عنه (« أنه نسي آية من سورة. ثم فى أثناء القراءة: قرأها؛ وعاد إلى موضعه)) ولم يشعر أحد أنه نسي إلا من كان حافظاً . فهكذا من ترك غسل عضو أو بعضه نسياناً يغسله وحده ؛ ولا يعيد غسل ما بعده ؛ فيكون قد غسله مرتين ، فإن هذا لا حاجة إليه . وهذا التفصيل يوافق ما نقل عن الصحابة والأكثرين : فإن الأصحاب وغيرم فعلوا كما نقله ابن المنذر عن علي ، ومكحول والنخعي، ٤١١ والزهري والأوزاعى ، فيمن نسي مسح رأسه ، فرأى فى لحيته بللا . فمسح به رأسه . فلم بأمروه بإعادة غسل رجليه . واختاره ابن المنذر . وقد نقل عن علي، وابن مسعود (( ما أبالي بأي أعضائى بدأت)) قال أحمد: إنما عنى به اليسرى على اليمنى ؛ لأن مخرجها من الكتاب واحد . ثم قال أحمد : حدثني جرير عن قابوس عن أبيه (( أن علياً سئل فقيل له : أحدنا يستعجل ، فيغسل شيئاً قبل شيء ؟ فقال : لا. حتى يكون كما أمره الله تعالى)) فهذا الذي ذكره أحمد عن علي يدل على وجوب الترتيب . وما نقله ابن المنذر فى صورة النسيان : يدل على أن الترتيب يسقط مع النسيان ، ويعيد المنسى فقط . فدل على أن التفصيل قول علي رضي الله عنه . وقد ذكر من أسقطه مطلقاً : ما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((لابأس أن تبدأ برجليك قبل يديك)). لكن قال أحمد وغيره : لا نعرف لهذا أصلا ؛ ونقلوا فى الوجوب ٤١٢ عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن . وهؤلاء أئمة التابعين. وصورة النسيان مرادة قطعاً . فتبين أنها قول جمهور السلف ، أو جميعهم. والأمر المنكر : أن تتعمد تنكيس الوضوء . فلا ريب أن هذا مخالف لظاهر الكتاب ، مخالف للسنة المتواترة . فإن هذا لو كان حازاً لكان قد وقع أحياناً، أو تبين جوازه - كما في ترتيب التسبيح -- لما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الكلام - بعد القرآن - أربع. وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر. لا يضرك بأيتهن بدأت)). ومما يدل على ذلك شرعاً ومذهباً : أن من نسى صلاة صلاها إذا ذكرها بالنص . وقد سقط الترتيب هنا فى مذهب أحمد بلا خلاف . ومذهب أبي حنيفة وغيره . ولكن حكى عن مالك : أنه لا يسقط . وقاسوا ذلك على ترتيب الطهارة . ٤١٣ وقول النبي صلى الله عليه وسلم (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، نص فى أنه يصليها فى أي وقت ذكر . وليس عليه غير ذلك . وقد سلم الأصحاب : أن ترتيب الجمع لا يسقط بالنسيان . وعموم الحديث يدل على سقوطه . فلو كانت المنسية هي الأولى من صلاتى الجمع : أعادها وحدها بموجب النص . ومن أوجب إعادة الثانية فقد خالف . وكذلك يقال فى سائر أهل الأعذار ، كالمسبوق إذا أدركهم فى الثانية : صلاها معهم ، ثم صلى الأولى . كما لو أدرك بعض الصلاة . وليس ترتيب صلانه على أول الصلاة بأعظم من ترتيب آخر الصلاة على أولها . وإذا كان هكذا سقط ما أدرك ، ويقضى ما سقط ؛ فهذا فى الصلاتين أولى؛ لا سيما وهو إذا لم يدرك من المغرب إلا تشهدا تشهد ثلاث تشهدات ، كما في حديث ابن مسعود المشهور في قصة مسروق وحديثه . وهذا أصل ثابت بالنص والإجماع ، يعتبر به نظائره : وهو سقوط الترتيب عن المسبوق . ٤١٤ وكانوا فى أول الإسلام لا يرتبون . فيصلون ما فاتهم ، ثم يصلون مع الإمام . لكن نسخ ذلك. وقد روى أن أول من فعله معاذ . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((قد سن لكم معاذ فاتبعوه)). والأئمة الأربعة: على أنه يقرأ فى ركعتى القضاء بالحمد وسورة. وكذلك لو أدرك الإمام ساجداً سجد معه بالنص واتفاق الأئمة . فقد سجد قبل القيام لمتابعة الإمام وإن لم يعتد به . لكنه لو فعل هذا عمداً لم يجز . فلو كبر وسجد ثم قام : لم تصح صلانه . لكن هذا يستدل به على أن الركعة الواحدة يجب فيها الترتيب . فإن هذا السجود - ولو ضم إليه بعد السلام ركوعاً مجرداً - لم يصر ذلك ركعة . بل عليه أن يأتى بركعة بعدها سجدتان ، لأنه أخل بالترتيب والموالاة . فكذلك إذا نسى الركوع حتى تشهد وسلم . ففيه قولان فى المذهب : هل تبطل صلاته ؟ والمنصوص إن لم يطل الفصل بني على ما مضى ، وهو قول الشافعي رحمه الله وغيره . وذهب طائفة من العلماء إلى سقوط الموالاة والترتيب فى الصلاة ٤١٥ مع النسيان. فقال مكحول ، ومحمد بن أسلم - فى المصلى: ينسى سجدة أو ركعة - يصليها متى ما ذكرها . ويسجد للسهو . وقال الأوزاعي .. لرجل نسى سجدة من صلاة الظهر . فذكرها فى صلاة العصر - يمضى فى صلاته . فإذا فرغ سجد . ويدل على هذا القول : أحاديث سجود السهو . فإنها تدل على أنه يتم الصلاة ، ثم يسجد للسهو ، ولو مع طول الفصل . وأما المسبوق : فالسجود الذى فعله مع الإمام : كان المتابعة الإمام. ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى بكرة ((زادك الله حرصاً؛ ولا تعد)) وهو متمكن من أن يأتى بالركعة بعد السلام فلا عذر له حتى (١) وإذا نسى ركناً من الأولى حتى شرع فى الثانية . ففيها قولان . مالك وأحمد لا يقولان بالتلفيق . بل تلغو المنسي ركنها . وتقوم هذه مقامها . ولكن هل يكون ذلك بالقراءة أو بالركوع ؟ فيه نزاع. والشافعي يقول : ما فعله بعد الركوع المنسي ، فهو لغو . لأن فعله في غير محله لا أن يفعل نظيره في الثانية . فيكون هو تمام الأول (١) خرم بالأصل . ٤١٦ كما لو سلم من الصلاة. ثم ذكر. فإن السلام يقع لغواً . فأحمد ومالك يقولان : هو إنما يقصد بما فعله أن يكون من الركعة الثانية . لم يقصد أن يكون من الأولى ، وهو إذا قرأ أو ركع فى الركعة الثانية : أمكن أن يجعلها هي الأولى . فإن الترتيب بين الركعات يسقط بالعذر ؛ فلا وجه لإبطال هذه ، ولا يكون فاعلا له في غير محله ، إلا إذا جعلت هذه ثانية . فإذا جعلت الأولى : كان قد فعله فی محله . وإذا قيل : هو قصد الثانية قبل ، وقصد بالسجود فيها السجود فى الثانية لرعاية ترتيبه في أبعاض الركعة بأن لا يجعل بعضها في ركعة غيرها : أولى من رعايتها فى الركعتين . فإن جعل الأولى ثانية يجوز للعذر ، كما في المسبوق . وأما جعل سجود الثانية تماماً للأولى : فلا نظير له فى الشرع . وبسط هذا له مكان آخر . والمقصود هنا : سقوط الترتيب فى الوضوء بالنسيان ، وكذلك سقوط الموالاة كما هو قول مالك . وكذلك بغير النسيان من الأعذار، مثل بعد الماء . كما نقل عن ابن عمر . فإن الصلاة نفسها إذا جاز فيها عدم الموالاة للعذر ؛ فالوضوء أولى ؛ بدليل صلاة الخوف فى حديث ابن عمر ، وأحاديث سجود السهو . ٤١٧ وأما حديث صاحب اللمعة ، التى كانت فى ظهر قدمه : فمثل هذا لا ينسى . فدل أنه تركها تفريطاً . والموالاة فى غسل الجنابة : لا يجب ، للحديث الذي فيه أنه ((رأى فى بدنه موضعاً لم يصبه الماء ، فعصر عليه شعره )) والأصحاب فرقوا بينه وبين الوضوء . فإنه لا يجب ترتيه ، فكذلك الموالاة . ومالك يوجب الموالاة . وإن لم يوجب الترتيب في الوضوء . وأما فى الغسل : فالبدن كعضو واحد . والعضو الواحد لا ترتيب فيه بالاتفاق . وأما تعمد تفريق الغسل: فهو كتعمد تفريق غسل العضو الواحد . لكن فرق بينهما ؛ فإن غسل الجنابة كإزالة النجاسة ، لا يتعدى حكم الماء محله ؛ بخلاف الوضوء. فإن حكمه طهارة جميع البدن ، والمغسول أربعة أعضاء . وهذا محل نظر . والجنب إذا وجد بعض ما يكفيه استعمله . وأما المتوضئ : ففيه قولان للأصحاب . ومن جوز ذلك جعل الوضوء يتفرق للعذر ، وجعل ما غسل يحصل به بعض الطهارة . وكذلك الماسح على الخفين إذا خلعها . هل يقتصر على مسح الرجلين أو يعيد الوضوء ؟ فيه قولان ، هما روايتان . وقد قيل : إن المأخذ هو الموالاة . وقيل : إن المأخذ أن ٤١٨ الوضوء لا ينتقض ، فإذا عاد الحدث إلى الرجل عاد إلى جميع الأعضاء وهذا عند العذر : فيه نزاع كما تقدم . وقد يكون الترتيب شرطاً لا يسقط بجهل ولا نسيان . كما فى الحديث الصحيح : ((من ذبح قبل الصلاة فإنما هو شاة لحم)) فالذبح للأضحية : مشروط بالصلاة قبله ، وأبو بردة بن نيار رضي الله عنه كان جاهلا . فلم يعذره بالجهل . بل أمره بإعادة الذبح . بخلاف الذين قدموا في الحج : الذبح على الرمي ، أو الحلق على ما قبله . فإنه قال ((افعل ولا حرج)) فهاتان سنتان: سنة فى الأضحية، إذا ذبحت قبل الصلاة : أنها لا تجزئ . وسنة في الهدى ، إذا ذبح قبل الرمي جهلا : أجزأ . والفرق بينهما - والله أعلم - أن الهدى صار نسكا بسوقه إلى الحرم وتقليده وإشعاره . فقد بلغ محله فى المكان والزمان . فإذا قدم جهلا: لم يخرج عن كونه هدياً؛ وأما الأضحية : فإنها قبل الصلاة لاتتميز عن شاة اللحم. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من ذبح قبل الصلاة، فإنما هي شاة لحم قدمها لأهله ، وإنما هي نسك بعد الصلاة . كما قال تعالى: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ) وقال: (إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ ) فصار فعله قبل هذا الوقت : كالصلاة قبل وقتها . ٤١٩ فهذا وقت الأضحية ؛ وقته بعد فعل الصلاة ، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فى الأحاديث الصحيحة، وهو قول الجمهور من العلماء : مالك وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل ، وغيرم. وإنما قدر وقتها بمقدار الصلاة : الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد ، كالخرقي . وفي الأضحية : يشترط فى أحد القولين أن يذبح بعد الإمام. وهو قول مالك. وأحد القولين في مذهب أحمد. ذكره أبو بكر. والحجة فيه: حديث جابر فى الصحيح . نزلت (لَانُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وقد قيل : إن قوله فى ذلك وكذلك فى الإفاضة من عرفة قبل الإمام قولان في مذهب أحمد : يجب فيه دم . فهذا عند من يوجبه بمنزلة انباع المأموم الإمام فى الصلاة . فصل وما ذكره من نصه على قراءة ما نسى : يدل على أن الترتيب يسقط بالنسيان في القراءة. وقد ذكر أحمد وأصحابه : أن موالاة الفاتحة واجبة، وإذا تركها لعذر نسيان، قالوا - واللفظ لأبى محمد - وإن كثر ذلك - أي الفصل - استأنف قراءتها إلا أن يكون المسكوت ٤٢٠