النص المفهرس
صفحات 341-360
وسل عن ترك دخول الحمام ؟ فأجاب : من ترك دخول الحمام لعدم حاجته إليه فقد أحسن ، ومن دخلها مع كشف عورته، والنظر إلى عورات الناس، أو ظلم الحمامي فهو عاص مذموم ، ومن تنعم بها لغير حاجة فهو منقوص مرجوح ، ومن تركها مع الحاجة إليها حتى يكثر وسخه وقمله فهو جاهل مذموم . وسئل عن رجل عامي سئل عن عبور الحمام ؟ ونقل حديثاً عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأسند الحديث إلى كتاب مسلم هل صح هذا أو لا ؟. فأجاب: ليس لأحد لا فى كتاب مسلم ، ولا غيره من كتب الحديث، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه حرم الحمام ، بل الذي فى السنن أنه ٣٤١ قال: (( ستفتحون أرض العجم وتجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمامات ، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتى فلا يدخل الحمام إلا بمزر ، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتى فلا تدخل الحمام إلا مريضة أو نفساء))، وقد تكلم بعضهم فى هذا الحديث . والحمام من دخلها مستور العورة ، ولم ينظر إلى عورة أحد ، ولم يترك أحداً يمس عورته ولم يفعل فيها محرما، وأنصف الحمامي ، فلا إثم عليه ، وأما المرأة فتدخلها للضرورة مستورة العورة . وهل تدخلها إذا تعودتها وشق عليها ترك العادة ؟ فيه وجهان في مذهب أحمد وغيره . أحدهما : لها أن تدخلها ، كقول أبي حنيفة واختاره ابن الجوزي . والثانى: لا ندخلها ، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وأحمد، وغيره ، والله أعلم . ٣٤٢ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله أيما أفضل للجنب أن ينام على وضوء ؟ أو يكره له النوم على غير وضوء ؟ وهل يجوز له النوم فى المسجد إذا توضأ من غير عذر أم لا ؟ . فأجاب: الجنب يستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء ، لكن يكره له النوم إذا لم يتوضأ ، فإنه قد ثبت فى الصحيح: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل هل يرقد أحدنا وهو جنب ؟ فقال : نعم! إذا توضأ للصلاة)). ويستحب الوضوء عند النوم لكل أحد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ((إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم قل : اللهم إنى أسلمت نفسي إليك ، ووجهت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك، والجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، ونبيك الذي أرسلت )) . ٣٤٣ وليس للجنب أن يلبث في المسجد ، لكن إذا توضأ جاز له اللبث فيه عند أحمد وغيره ، واستدل بما ذكره بإسناده عن هشام بن سعد: (( أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كانوا يتوضؤون وم جنب. ثم يجلسون في المسجد. ويتحدثون)). وهذا ؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم : أمر الجنب بالوضوء عند النوم ، وقد جاء في بعض الأحاديث أن ذلك كراهة أن تقبض روحه وهو نائم ، فلا تشهد الملائكة جنازته ، فإن في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب)) وهذا مناسب لنهيه عن اللبث فى المسجد فإن المساجد بيوت الملائكة، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم والبصل عند دخول المسجد. وقال: ((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ». فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنب بالوضوء عند النوم، دل ذلك على أن الوضوء يرفع الجنابة الغليظة ، وتبقى مرتبة بين المحدث وبين الجنب لم يرخص له فيما يرخص فيه للمحدث من القراءة، ولم يمنع مما يمنع منه الجنب من اللبث فى المسجد ، فإنه إذا كان وضوؤه عند النوم يقتضي شهود الملائكة له ، دل على أن الملائكة تدخل المكان الذي هو فيه إذا توضأ ؛ ولهذا يجوز الشافعي وأحمد للجنب المرور فى المسجد ، بخلاف قراءة القرآن ، فإن الأئمة الأربعة متفقون على منعه من ذلك ؛ فعلم أن ٣٤٤ منعه من القرآن أعظم من منعه من المسجد . وقد تنازع العلماء فى منح الكفار من دخول المسجد ، والمسلمون خير من الكفار ، ولو كانوا جنباً ، فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبى هريرة لما لقيه وهو جنب، فا نخنس منه فاغتسل ثم أناء فقال: ((أين كنت ؟ )) قال: إني كنت جنباً فكرهت أن أجالسك إلا على طهارة، فقال: ((سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس )). وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ). فلبث المؤمن الجنب إذا توضأ في المسجد أولى من لبث الكافر فيه عند من يجوز ذلك ، ومن منع الكافر لم يجب أن يمنح المؤمن المتوضئ ، كما نقل عن الصحابة . وإذا كان الجنب يتوضأ عند النوم ، والملائكة تشهد جنازته حينئذ، على أن النوم لا يبطل الطهارة الحاصلة بذلك ، وهو تخفيف الجنابة ، وحينئذ فيجوز أن ينام فى المسجد حيث ينام غيره ، وإذا كان النوم الكثير ينقض الوضوء ، فذاك هو الوضوء الذي يرفع الحدث الأصغر ، ووضوء الجنب هو تخفيف الجنابة ، وإلا فهذا الوضوء لا يبيح له ما يمنعه الحدث الأصغر: من الصلاة ، والطواف ومس المصحف . ٣٤٥ باب التيمم قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما . قال الله تعالى: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنْتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ اُلْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُوْ صَعِيدًاطَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). ٣٤٦ والتيمم فى اللغة: هو القصد، ومنه قوله تعالى: ( وَلَا تَيَعَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بَِاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْفِيهِ) وقوله: (وَلَآءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ) ومنه قول امرىء القيس : تيممت الماء الذى دون ضارج يميل عليها الظل عرمضها طامي لكن لما قال الله تعالى: (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) كان التيمم المأمور به: هو تيمم الصعيد الطيب، للتمسح به ، فصار لفظ التيمم إذا أطلق فى عرف الفقهاء انصرف إلى هذا التيمم الخاص ، وقد يراد بلفظ التيمم نفس مسح اليدين والوجه ، فسمى المقصود بالتيمم نيمما . وهذا التيمم المأمور به فى الآية هو من خصائص المسلمين ، ومما فضلهم الله به على غيرهم من الأمم ، ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن ني قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً . فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) وهذا لفظ البخاري . ٣٤٧ وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون)). ولمسلم أيضاً عن حذيفة بن اليمانى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( فضلت على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً ، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء )). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً، أنما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت : وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم » . (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًاطَيّبًا) نكرة في سياق الإثبات ، وقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَنْ تَذْ بَحُو أَبَقَرَةً) وقوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) كقوله : ( فَصِيَامُ ثَلَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) وقوله : وقوله : ( فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ تَثَةِ أَيَّامٍ ) وهذه تسمى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع . فيدل ذلك على أنه يتيمم أي صعيد طيب اتفق . والطيب هو الطاهر ، والتراب الذي ينبعث مراد من النص بالإجماع ، وفيما سواء نزاع سنذكره إن شاء الله تعالى. ٣٤٨ وقوله : (فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) قد اتفق القراء السبعة على قراءة أيديكم بالإسكان : بخلاف قوله فى الوضوء: (وَأَرْجُلَكُمْ) فإن بعض السبعة قرأوا: (وَأَرْجُلَكُمْ) بالنصب، قالوا : إنها معطوفة على المغسول، تقديره: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. وأرجلكم إلى الكعبين كذلك . قال علي بن أبى طالب وغيره من السلف ، قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ علي الحسن والحسين: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى اُلْكَعْبَيْنِ) بالخفض فسمع ذلك علي بن أبي طالب ، وكان يقضي بين الناس فقال : وأرجلكم يعني بالنصب، وقال هذا من المقدم المؤخر فى الكلام . وكذلك ابن عباس قرأها بالنصب ، وقال عاد الأمر إلى الغسل ، ولا يجوز أن يكون ذلك عطفاً على المحل ، كما يظنه بعض الناس كقول بعض الشعراء : فلسنا بالجيال ولا الحديدا معاوي : إننا بشر فأسجح فإنما يسوغ في حرف التأكيد مثل المبانى، وأما حروف المعانى فلا يجوز ذلك فيها . والباء هنا للإلصاق، ليست للتوكيد ، ولهذا لم يقرأ القراء هنا وأيديكم، كما قرأوا هناك وأرجلكم؛ لأنه لو قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، أو امسحوا بها، لكان يكتفى بمجرد المسح من غير إيصال للطهور إلى الرأس ، وهو خلاف الإجماع ، فلما كانت الباء للإلصاق دل على أنه لابد من إلصاق الممسوح به ، فدل ذلك على ٣٤٩ استعمال الطهور ، ولهذا كانت هذه الباء لا تدل على التبعيض عند أحد من السلف ، وأئمة العربية . ولا قال الشافعي إن التبعيض يستفاد من الباء ؛ بل أنكر إمام الحرمين وغيره من أصحابه ذلك ، وحكوا كلام أئمة العربية فى إنكار ذلك ، ولكن من قال بذلك استند إلى دلالة أخرى . (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج وقوله تعالى : وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) دلت هذه الآية على أن التراب طهور كما صرحت بذلك السنة الصحيحة فى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، وعن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير )) رواه الإمام أحمد، وأبو داود والنسائى. والترمذي وهذا لفظه . وقال : حديث حسن صحيح . وقد اتفق المسلمون على أنه إذا لم يجد الماء فى السفر تيمم وصلى، إلى أن يجد الماء ، فإذا وجد الماء فعليه استعماله . وكذلك تيمم الجنب : ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف ٣٥٠ إلى أنه يتيمم إذا عدم الماء في السفر ، إلى أن يجد الماء ، فإذا وجده كان عليه استعماله ، وقد روي عن عمر وابن مسعود إنكار تيمم الجنب ، وروي عنهما الرجوع عن ذلك ، وهو قول أكثر الصحابة : كعلي ، وعمار، وابن عباس ، وأبى ذر ، وغيرهم . وقد دل عليه آيات من كتاب الله وخمسة أحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم . منها : حديث عمار بن ياسر ، وعمران بن حصين ، كلاهما فى الصحيحين ، ومنها: حديث أبى ذر الذي صححه الترمذي، ومنها : حديث عمرو بن العاص ، وحديث الذي شج فأفتوه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاء العي السؤال)) ففى الصحيح عن عمر أنه قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بالوضوء فتوضأ ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس ، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم ، قال : ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ! قال : أصابتني جنابة : ولا ماء ، قال : عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك )) رواه البخاري ومسلم . وفى الصحيحين عن عمار بن ياسر قال: (( بعثني النبى صلى الله عليه وسلم فى حاجة ، فأجنبت ، فلم أجد الماء فتمرغت فى الصعيد ، كما تمرغ الدابة ، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له . فقال : إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ، ثم ضرب بيديه الأرض ٣٥١ ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه ؛ وهذا لفظ مسلم . فصل وقد تنازع العلماء فى التيمم : هل يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى حين القدرة على استعمال الماء ؟ أم الحدث قائم ولكنه تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع ؟ وهذه مسألة نظرية . وتنازعوا هل يقوم مقام الماء ، فيتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت ، ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل ، كما يصلي بالماء ، ولا يبطل بخروج الوقت ، كما لا يبطل الوضوء ؟ على قولين مشهورين وهو نزاع عملي . فذهب أبي حنيفة أنه يتيمم قبل الوقت ، ويبقى بعد الوقت ، ويصلي به ما شاء كالماء ، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن البصري ، والزهري ، والثوري ، وغيرهم . وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل . والقول الثانى : أنه لا يتيمم قبل الوقت ، ولا يبقى بعد خروجه . ٣٥٢ ثم من هؤلاء من يقول : يتيمم لوقت كل صلاة ، ومنهم من يقول يتيمم لفعل كل فريضة ، ولا يجمع به فرضين . وغلا بعضهم فقال : ويتيمم لكل نافلة ، وهذا القول فى الجملة هو المشهور من مذهب مالك ، والشافعى، وأحمد . قالوا : لأنه طهارة ضرورية، والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها ، فإذا تيمم فى وقت يستغنى عن التيمم فيه لم يصح تيممه ، كما لو تيمم مع وجود الماء . قالوا: ولأن الله أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء ، فإن لم يجد الماء تيمم ، وكان ظاهر الخطاب يوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء والتيمم؛ لكن لما ثبت فى الصحيح: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات كلها بوضوء واحد)) رواه مسلم فى صحيحه : دلت السنة على جواز تقديم الوضوء قبل وقت وجوبه ، وبقي التيمم على ظاهر الخطاب ، وعلل ذلك بعضهم بأنه مأمور بطلب الماء عند كل صلاة ، وذلك يبطل تيممه . وورد عن علي ، وعمرو بن العاص ، وابن عمر ، مثل قولهم. ولنا أنه قد ثبت بالكتاب والسنة: أن التراب طهور ، كما أن الماء طهور . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك ، فإن ذلك خير )) فجعله مطهراً عند عدم الماء مطلقاً . فدل على أنه مطهر ٣٥٣ للمتيمم ، وإذا كان قد جعل المتيمم مطهراً كما أن المتوضئ مطهر ، ولم يقيد ذلك بوقت ، ولم يقل إن خروج الوقت ببطله ، كما ذكر أنه ببطله القدرة على استعمال الماء ، دل ذلك على أنه بمنزلة الماء عند عدم الماء ، وهو موجب الأصول . فإن التيمم بدل عن الماء ، والبدل يقوم مقام المبدل فى أحكامه ، وإن لم يكن مماثلا له في صفته ، كصيام الشهرين ، فإنه بدل عن الإعتاق وصيام الثلاث والسبع فإنه بدل عن الهدي فى التمتع ، وكصيام الثلاثة الأيام فى كفارة اليمين فإنه بدل عن التكفير بالمال ، والبدل يقوم مقام المبدل ، وهذا لازم لمن يقيس التيمم على الماء في صفته ، فيوجب المسح على المرفقين ، وإن كانت آية التيمم مطلقة ، كما قاس عمار لما تمرغ فى التراب كما تتمرغ الدابة ، فمسح جميع بدنه كما يغسل جميع بدنه ، وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم فساد هذا القياس، وأنه يجزئك من الجنابة التيمم الذي يجزئك فى الوضوء ، وهو مسح الوجه واليدين ؛ لأن البدل لا تكون صفته كصفة المبدل ، بل حكمه حكمه، فإن التيمم مسح عضوين ، وهما العضوان المغسولان فى الوضوء، وسقط العضوان الممسوحان ، والتيمم عن الجنابة يكون فى هذين العضوين ، بخلاف الغسل . والتيمم ليس فيه مضمضة ولا استنشاق ، بخلاف الوضوء، والتيمم ٣٥٤ لا يستحب فيه تثنية ولا تثليث ، بخلاف الوضوء، والتيمم بفارق صفة الوضوء من وجوه ، ولكن حكمه حكم الوضوء ؛ لأنه بدل منه ، فيجب أن يقوم مقامه كسائر الأبدال ، فهذا مقتضى النص والقياس . فإن قيل : الوضوء يرفع الحدث ، والتيمم لا يرفعه ؟ قيل : عن هذا جوابان : أحدهما : أنه سواء كان يرفع الحدث أو لا يرفعه ؛ فإن الشارع جعله طهوراً عند عدم الماء يقوم مقامه ، فالواجب أن يثبت له من أحكام الطهارة ما يثبت للماء ، ما لم يقم دليل شرعى على خلاف ذلك . الوجه الثاني : أن يقال : قول القائل يرفع الحدث أو لا يرفعه ليس تحته نزاع عملي ، وإنما هو نزاع اعتباري لفظي ، وذلك أن الذين قالوا : لا يرفع الحدث ، قالوا : لو رفعه لم يعد إذا قدر على استعمال الماء ، وقد ثبت بالنص والإجماع أنه يبطل بالقدرة على استعمال الماء . والذين قالوا : يرفع الحدث ، إنما قالوا برفعه رفعاً مؤقتاً إلى حين القدرة على استعمال الماء ، فلم يتنازعوا فى حكم عملي شرعى ، ولكن تنازعهم ينزع إلى قاعدة أصولية تتعلق بمسألة تخصيص العلمة ، وأن ٣٥٥ المناسبة هل تنخرم بالمعارضة ، وأن المانع المعارض المقتضى هل يرفعه أم لا يرفعه اقتضاؤه مع بقاء ذاته . وكشف الغطاء عن هيئة النزاع ، أن لفظ العلة يراد به العلة التامة وهو مجموع ما يستلزم الحكم، بحيث إذا وجد وجد الحكم ، ولا يتخلف عنه ؛ فيدخل في لفظ العلة على هذا الاصطلاح جبر العلمة وشروطها ، وعدم المانع . إما لكون عدم المانع يستلزم وصفاً ثبوتياً على رأي ، وإما لكون العدم قد يكون جبراً من المقتضى على رأي ، وهذه العلة متى تخصصت وانتقضت فوجد الحكم بدونها دل على فسادها ، كما لو علل معلل قصر الصلاة بمطلق العذر . قيل له : هذا باطل ، فإن المريض ونحوه من أهل الأعذار لا يقصرون ، وإنما يقصر المسافر خاصة ، فالقصر دائر مع السفر وجوداً وعدما ، ودوران الحكم مع الوصف وجوداً وعدما دليل على المدار عليه للدائر ، وكما لو علل وجوب الزكاة بمجرد ملك النصاب ، قيل له : هذا ينتقض بالملك قبل الحول . وقد يراد بلفظ العلة ما يقتضى الحكم ، وإن توقف على ثبوت شروط وانتفاء موانع . وقد يعبر عن ذلك بلفظ السبب ، فيقال : الأسباب المثبتة للإرث ٣٥٦ ثلاثة : رحم ، ونكاح ، وولاء . وعند أبي حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين يثبت بعقد الموالاة وغيرها ، فالعلة هنا قد يتخلف عنها الحكم المانع : كالرق ، والقتل ، واختلاف الدين . فإذا أريد بالعلة هذا المعنى جاز تخصيصها لفوات شرط ووجود مانع . فأما إن لم يبين المعلل بين صورة النقض وبين غيرها فرقاً مؤثراً بطل تعليله ، فإن الحكم اقترن بالوصف تارة كما في الأصل ، وتخلف عنه تارة كما فى الأصل، ويختلف عنه تارة كما فى صورة النقض . والمستدل إن لم يبين أن الفرع مثل الأصل دون صورة النقض، فلم يكن إلحاقه بالأصل فى ثبوت الحكم أولى من إلحاقه بصورة النقض في انتفائه ؛ لأن الوصف موجود فى الصور الثلاث ، وقد اقترن به الحكم فى الواحدة دون الأخرى ، وشككنا فى الصورة الثالثة . وهذا كما لو اشترك ثلاثة فى القتل: فقتل الأولياء واحداً ، ولم يقتلوا آخر إما لبذل الدية ، وإما لإحسان كان له عندهم ، والثالث لم يعرف أهو كالمقتول أو كالعفو عنه، فإنا لا نلحقه بأحدهما إلا بدليل يبين مساواته له دون مساواته للآخر . إذا عرف هذا فالأصوليون والفقهاء متنازعون فى استحلال الميتة ٣٥٧ عند الضرورة ، فمنهم من يقول : قد استحل المحظور مع قيام السبب الحاظر ، وهو ما فيها من حيث التغذية . ومنهم من يقول : الضرورة ما أزالت حكم السبب وهو التحريم إزالة اقتضاء للحظر ، فلم يبق في هذه الحال حاظر ، إذ يمتنع زوال الحظر مع وجود مقتضيه التام . وفصل النزاع : أنه إن أريد بالسبب الحاظر : السبب التام ، وهو ما يستلزم الحظر ، فهذا يرتفع عند المخمصة ، فإن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ، والحل ثابت فى هذه الحال ، فيمتنع وجود السبب المستلزم له ، وإن أريد بالسبب المقتضى للحظر لولا المعارض الراجح ، فلا ريب أن هذا موجود حال الحظر ، لكن المعارض الراجح أزال اقتضاءه للحظر ، فلم يبق فى هذه الحال مقتضياً ، فإذا قدر زوال المخمصة عمل السبب عمله لزوال المعارض له . وهكذا القول في كون التيمم يرفع الحدث أو لا يرفعه ، فإنه فرع على قول من يقول : إنه يرفع الحدث ، فصاحب هذا القول إذا تبين له أنه يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود هذا المعنى ليس بممتنع ، والشرع قد دل عليه ، فجعل التراب طهوراً ، والماء يكون طهوراً إذا أزال الحدث ، وإلا مع وجود الجنابة ٣٥٨ يمتنع حصول الطهارة ، فصاحب هذا القول إنما قال : إنه يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود ، وهذا ممكن ليس بممتع ، والشرع قد دل عليه ، فجعل التراب طهوراً، وإنما يكون طهوراً إذا أزال الحدث ، وإلا فمع بقاء الحدث لا يكون طهورا . ومن قال: إنه ليس برافع ولكنه مبيح، والحدث هو المانع للصلاة ، وأراد بذلك أنه مانع تام ، كما يكون مع وجود الماء ، فهذا غالط ، فإن المانع التام مستلزم للمنع ، والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها ، ووجود الملزوم بدون اللازم ممتنع . وإن أريد أن سبب المنع قائم ولكن لم يعمل عمله لوجود الطهارة الشرعية الرافعة لمنعه ، فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء حصل منعه فى هذه الحال ، فهذا صحيح . وكذلك من قال: هو رافع للحدث. إن أراد بذلك أنه يرفعه كما يرفعه الماء ، فلا يعود إلا بوجود سبب آخر كان غالطاً ، فإنه قد ثبت بالنص والإجماع : أنه إذا قدر على استعمال الماء استعمله ، وإن لم يتجدد بعد الجنابة الأولى جنابة ثانية ، بخلاف الماء . وإن قال : أريد برفعه أنه رفع منع المانع فلم يبق مانعاً إلى حين وجود الماء ، فقد أصاب ، وليس بين القولين نزاع شرعى عملي . ٣٥٩ وعلى هذا فيقال : على كل من القولين لم يبق الحدث مانعا مع وجود طهارة التيمم ، والنبي - صلى الله عليه وسلم ــ قد جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا ، لكن جعل طهارته مقيدة إلى أن يجد الماء ، ولم يشترط فى كونه مطهراً شرطا آخر ، فالمتيمم قد صار طاهرا وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء ، فما لم يجد الماء فالمنع زائل ، إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة ، كما يوجب طهارة الماء، وحينئذ فيكون طهورا قبل الوقت وبعد الوقت وفى الوقت، كما كان الماء طهورا فى هذه الأحوال الثلاثة ، وليس بين هذا فرق مؤثر إلا إذا قدر على استعمال الماء ، فمن أبطله بخروج الوقت فقد خالف موجب الدليل . وأيضاً فالنى صلى الله عليه وسلم جعل ذلك رخصة عامة لأمته ، ولم يفصل بين أن يقصد التيمم بفرض أو نفل ، أو تلك الصلاة أو غيرها كما لم يفصل فى ذلك فى الوضوء ، فيجب التسوية بينهما ، والوضوء قبل الوقت فيه نزاع ، لكن النزاع في التيمم أشهر . وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت فكذلك الآخر ، كلاهما متطهر فعل ما أمر الله به ؛ ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء المتوضئ والمغتسل بالمتيمم ، كما فعل عمرو بن العاص وأقره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكما فعل ابن عباس حيث وطئ جارية له ثم صلى بأصحابه بالتيمم ، وهو مذهب الأئمة الأربعة ، ومذهب أبي ٣٦٠