النص المفهرس

صفحات 321-340

وكذلك تعليل النهى عن الصلاة في المقبرة بنجاسة التراب هو
ضعيف ، فإن النهي عن المقبرة مطلقاً، وعن اتخاذ القبور مساجد ،
ونحو ذلك مما يبين . أن النهى لما فيه من مظنة الشرك ، ومشابهة
المشركين.
وأيضاً فنجاسة تراب المقبرة فيه نظر، فإنه مبني على («مسألة
الاستحالة)) ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان مقبرة
للمشركين ، وفيه نخل ، وخرب . فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالنخل
فقطعت ، وجعلت قبلة المسجد ، وأمر بالخرب فسويت ، وأمر بالقبور
فنبشت ، فهذه مقبرة منبوشة ، كان فيها المشركون . ثم لما نبش
الموتى جعلت مسجداً مع بقاء ما بقي فيها من التراب ، ولو كان ذلك
التراب نجسا لوجب أن ينقل من المسجد التراب النجس ، لاسيما إذا
اختلط الطاهر بالنجس ، فإنه ينبغي أن ينقل ما يتيقن به زوال النجاسة ،
ولم يفعل ذلك ، ولم يؤمر باجتناب ذلك التراب ، ولا بإزالة ما يصيب
الأبدان والثياب منه .
فتبين أن الحكم معلق بظهور القبور ، لا يظن نجاسة التراب ؛
٠٥٠٠
وأيضاً من علل ذلك بالنجاسة ، فإن غايته أن يكره الصلاة عند
الاحتمال . كما قاله من كره الصلاة في المقبرة والحمام ، والأعطان، ولم
٣٢١

يجرمها كما ذهب إليه طائفة من العلماء ، لكن هذا قول ضعيف ؛ لأن
السنة فرقت بين معاطن الإبل ، ومبارك الغنم ؛ ولأنه استثنى كونها
مسجداً ، فلم تبق محلا للسجود ؛ ولأنه نهى عن ذلك نهياً مؤكداً بقوله
قبل أن يموت بخمس: (( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور
مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك ))
ولأنه لعن على ذلك بقوله: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا
قبور أنبيائهم مساجد )» يحذر ما فعلوا ولأنه جعل مثل هؤلاء شرار
الخليقة بقوله: (( إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره
مسجداً ، وصوروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند الله
يوم القيامة )) .
وأيضاً فإنه قد ثبت بسنته أن احتمال نجاسة الأرض لا يوجب
كراهة الصلاة فيها ، بل ثبت بسنته أن الأرض تطهر بما يصيبها من
الشمس والريح والاستحالة . كما هو قول طوائف من العلماء : كأبي
حنيفة، والشافعي ، في قول ، ومالك في قول ، وهو أحد القولين فى
مذهب أحمد . فإنه ثبت أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول فى
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا يرشون شيئاً من
ذلك . وثبت فى الصحيح عنه أنه كان يصلي فى نعليه ، وفي السنن عنه
أنه قال: ((إن اليهود لا يصلون فى نعالهم خالفوم)) وقال: ((إذا أتى
٣٢٢

أحدكم المسجد فلينظر فى نعليه : فإن كان فيها أذى فليدلكها بالتراب
فإن التراب لهما طهور )) فإذا كان قد جعل التراب بطهر أسفل الخف ؛
فلأن يطهر نفسه أولى وأحرى .
وأيضاً فمن المعلوم : أن غالب طرقات الناس تحتمل من النجاسة ،
نحو ما تحتمله المقبرة والحمام ، أو نحو ذلك أو أكثر من ذلك ، فلو
كان ذلك سبب النهي لنهى عن الصلاة في النعال مطلقاً؛ لأن هذا
الاحتمال فيها أظهر . فهذه السنن تبطل ذلك التعليل من وجهين :
من جهة أن هذا الاحتمال لم يلتفت إليه ، ومن جهة أن التراب
مطهر لما بلاقيه في العادة .
والمقصود هنا : الكلام فى الماء الجاري فى الحمام فنقول : إن كراهة
هذا الماء وتوقيه ، وغسل ما يصيب البدن والثوب منه ، إما أن يكون
على جهة الاستقذار ، وإما أن يكون على جهة النجاسة .
أما الأول فكما يغسل الإنسان بدنه وثيابه من الوسخ والدنس ،
ومن الوحل الذي يصيبه ، ومن المخاط والبصاق ، ومن المتى على القول
بطهارته ، وأشباه ذلك . ومثل هذا قد يكون في المياه المتغيرة بمقرها
ومما زجها ونحو ذلك . وهذا نوع غير النوع الذي تتكلم فيه الآن .
٣٢٣

وأما اجتناب ذلك على جهة تنجيسه ، فمجته أن يقال : إن هذا
الماء فى مظنة أن تخالطه النجاسة ، وهو ما يكون فى الحمام من القيء
والبول ؛ فإن هذه النجاسة التى قد تكون في الحمام . فأما العذرة
أو الدم ، أو غير ذلك فلا تكاد تكون فى الحمام ، وإن كان فيها
نادراً تميز وظهر .
وأيضاً فقد يزال به نجاسة تكون على البدن ، أو الثياب . فإن
كثيراً ممن يدخل الحمام يكون على بدنه نجاسة ، إما من تخلى ، وإما
من حرض ، وإما غير ذلك ، فيغسلها فى الحمام . وكذلك بعض الآنية
قد يكون نجسا ، وقد يكون بعض ما يغسل فيها من الثياب نجسا .
وأيضاً فهذا الماء كثيراً ما يكون فيه الماء المستعمل في رفع الحدث
وهو يجس عند من يقول بنجاسته ، فهذه الحجة المعتمدة .
والجواب عنها مبنى على أصول ثلاثة :
أحدها : الجواب فيه من وجوه .
أحدها : أن يقال : الماء الفائض من حياض الحمام ، والمصبوب على
أبدان المغتسلين ، أو على أرض الحمام طاهر بيقين ، وما ذكر مشكوك
في إصابته لهذا الماء المعين ، فإنه وإن تيقن أن الحمام يكون فيه
٣٢٤

مثل هذا فلم يتيقن أن هذا الماء المعين أصابه هذا ، واليقين لا
يزول بالشك .
الوجه الثانى : أن يقال هذا بعينه وارد فى طين الشوارع لكثرة
ما يصيبه من أبوال الدواب ، وقد قال أصحاب أحمد وغيرم : بطهارته ،
بل النجاسة فى طين الشوارع أكثر ، وأثبت ؛ فإن الحمام وإن خالط
بعض مياهها نجاسة ، فإنه يندفع ، ولا يثبت بخلاف طين الشوارع .
الوجه الثالث : أن يقال: كما أن الأصل عدم النجاسة ، فالظاهر
موافق للأصل ، وذلك أنا إذا اعتبرنا ماتلاقيه النجاسة فى العادة ، ومالا تلاقيه
كان ما لا تلاقيه أكثر بكثير . فإن غالب المياه الجارية في أرض الحمام لا يلاقيها
فى العادة نجاسة ، وإذا اتفق الأصل والظاهر ، لم تبق المسألة من موارد
النزاع ، بل من مواقع الإجماع . ولهذا قلت : إنه لا يستحب غسل
ذلك تنجسا ، فإنه وسواس .
ولنا فيما إذا شك فى نجاسة الماء هل يستحب البحث عن نجاسته .
وجهان: أظهرهما لا يستحب البحث ، لحديث عمر . وذلك لأن حكم
الغائب إنما يثبت بعد العلم فى الصحيح ، الذي هو ظاهر مذهب أحمد ،
ومذهب مالك وغيرهما ، ولا إعادة على من لم يعلم - أن عليه
٣٢٥

نجاسة . وهذا وإن كان فى اجتنابها فى الصلاة فمسألة إصابتها لنا فيها
أيضاً وجهان .
الوجه الرابع : أنا إذا قدرنا أن الغالب التنجس ، فقد يعارض
الأصل والظاهر ، وفى مثل هذا كثيراً ما يجىء قولان فى مذهب الشافعي
وأحمد وغيرهما ، كثياب الكفار ونحو ذلك ، لكن مع مشقة الاحتراز
- كطين الشوارع - يرجحون الطهارة ، وإذا قيل بالتنجيس فى مثل
هذا عفى عن يسيره .
الأصل الثاني : أن نقول هب أن هذا الماء خالطته نجاسة ، لكنه
ماء جار ، فإنه ساح على وجه الأرض . والماء الجاري إذا خالطته نجاسة
ففيه للعلماء قولان.
أحدهما : أنه لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة ، وهذا أصح القولين،
وهو مذهب مالك ، وأحمد فى أحد القولين، اللذين يدل عليها نصه،
وهو مذهب أبي حنيفة ، مع شدة قوله فى الماء الدائم وهو القول القديم
للشافعي . ونهي النبى صلى الله عليه وسلم عن البول فى الماء الدائم،
والاغتسال فيه ، دليل على أن الجاري بخلاف ذلك . وهو دليل على
أنه لا يضره البول فيه ، والاغتسال فيه .
وأيضاً فإنه طاهر لم يتغير بالنجاسة : وليس فى الأدلة الشرعية
٣٢٦

ما يوجب تنجيسه ، فإن الذين يقولون : إن الماء الجاري كالدائم تعتبر
فيه القلتان، فإذا كانت الحجرية أقل من قلتين ، نجسته . كما هو الجديد
من قولي الشافعي ، وأحد القولين فى مذهب أحمد ، فإنه لا حجة لهم
في هذا ، ولا أثر عن أحد من السلف ، إلا التمسك بقوله صلى الله
عليه وسلم: (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) وقياس الجاري على
الدائم ، وكلاهما لا حجة فيه .
أما الحديث فمنطوقه لا حجة فيه ، وإنما الحجة فى مفهومه ، ودلالة
مفهوم المخالفة لا تقتضي عموم مخالفة المنطوق فى جميع صور المسكوت،
بل تقتضي أن المسكوت ليس كالمنطوق ، فإذا كان بينها نوع فرق ثبت
أن تخصيص أحد النوعين بالذكر مع قيام المقتضى للتعميم كان لاختصاصه
بالحكم . فإذا قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ، دل أنه إذا لم
يبلغ قلتين لم يكن حكمه كذلك ، فإذا كان مالم يبلغ فرق فيه بين الماء
الجاري والدائم حصل المقصود ، لا سيما والحديث ورد جوابا عن
سؤالهم عن الماء الدائم الذي يكون بأرض الفلاة ، وما ينوبه من
السباع والدواب. فيبقى قوله: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) الوارد فى
بئر بضاعة متناولا للجاري . والفرق أن الجاري له قوة دفع النجاسة
عن غيره ، فإنه إذا صب على الأرض النجسة طهرها ، ولم يتنجس ،
فكيف لا يدفعها عن نفسه ؛ ولأن الماء الجاري يحيل النجاسة بجريانه .
٣٢٧

وأيضاً فإن القياس : هل هو تنجيس الماء بمخالطة النجاسة ؟ أو
عدم تنجيسه حتى تظهر النجاسة ؟ فيه قولان للأصحاب وغيرهم .
فمن قال بالأول ، قال : العفو عما فوق القلتين : كان للمشقة ؛
لأنه يشق حفظه من وقوع النجاسة فيه ؛ لأنه غالبا يكون فى الحياض
والغدران والآبار ؛ بخلاف القليل ، فإنه يكون فى الأوانى ، وهذا
المعنى موجود فى الجاري ، فإن حفظه من النجاسة أصعب من حفظ
الدائم الكثير .
ومن قال بالثانى وأن الأصل الطهارة حتى تظهر النجاسة ، كان التطهير
على قوله أوكد ، فإن القليل الدائم نجس ؛ لأنه قد يحمل الخبث ، كما
نبه عليه الحديث . وأما الجاري فإنه بقوة جريانه يحيل الخبث فلا يحمله ،
كما لا يحمله الكثير.
وإذا كان كذلك ؛ فهذه المياه الجارية فى حمام إذا خالطها بول أو
قى. أو غيرهما، كانت نجاسة قد خالطت ماء حاريا، فلا ينجس إلا
بالتغير ، والكلام فيما لم تظهر فيه النجاسة .
وإن قيل : إن ماء الحمام يخالطه السدر ، والخطمي ، والتراب ،
وغير ذلك مما يغسل به الرأس ، والأشنان والصابون والخناء
٣٢٨

وغير ذلك من الطاهرات التى تختلط به ، حتى لاتظهر فيه النجاسة .
قيل : إذا جاز أن تكون النجاسة ظاهرة فيه ، وجاز أن لا تكون
ظاهرة ، فالأصل عدم ظهورها ، وإذا كان قد على أنه تخالطه الطاهرات،
ورأيناه متغيراً ، أحلنا التغير على مخالطة الطاهرات ، إذ الحكم الحادث
يضاف إلى السبب المعلوم ، لا إلى المقدر المظنون . بل قد ثبت النص
بذلك فيما أصله الحظر ؛ كالصيد إذا جرح ، وغاب ، فإنه ثبت بالنص
إباحته ، وإن جاز أن يكون قد زهق بسب آخر أصابه ، فزهوقه إلى
السبب المعلوم ، وهو جرح الصائد أو كلبه ؛ وإن كان فى المسألة أقوال
متعددة ، فهذا هو الصواب الذي ثبت بالنص الصحيح الصريح .
الأصل الثالث : أن نقول: هب أن الماء تنجس ، فإنه صار نجاسة
على الأرض ، والنجاسة إذا كانت على الأرض بولا كانت أو غير بول،
فإنه يطهر بصب الماء عليها، إذا لم تبق عينها. كما أمر النبي صلى الله
عليه وسلم بذلك في حديث الأعرابي الذي بال فى المسجد . حيث
قال: ((لا تزرموه)) أي لا تقطعوا عليه بوله. ((فصبوا على
بوله ذنوبا من ماء )) وقال: (( إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)).
ولهذا قال أصحاب أحمد وغيره: إن نجاسة الأرض والبرك والحياض
المبنية ونحو ذلك ، مما لا ينقل ويحول ، يخالف النجاسة على المنقول
من الأبدان والثياب والآنية ، من ثلاثة أوجه :
٣٢٩

أحدها : أنه لا يشترط فيها العدد . لا من ولوغ الكلب
ولا غيره .
الثانى : أنه لا يشترط فيها الانفصال ، عن موضع النجاسة .
الثالث : أن الغسالة طاهرة قبل انفصالها عن موضع النجاسة .
وإذا كان كذلك فنقول : ما كان على أرض الحمام من بول وغيره ،
فإنه قد جرى عليه الماء بعد ذلك ، فطهرت الأرض مع طهارة الغسالة ،
وإذا كانت غسالة الأرض طاهرة زالت الشبهة بالكلية ، فإنه إن قال
قائل : قد يكون من الماء ما تزال به نجاسة عن البدن أو آنية .
أو ثوب .
قيل له : فهذه إذا كانت نجسة وأصابت الأرض لم تكن أعظم من
البول المصيب الأرض ، وإذا كانت تلك النجاسة تزول مع طهارة
الغسالة قبل الانفصال فهذه أولى ، وليس له أن يقول النجاسة منتفية ،
ومرور الماء المطهر مشكوك فيه ، لاسيما وقد يكون ذلك الماء المار مما
لا يزيل النجاسة، لكونه مستعملا . أو لتغيره بالطاهرات ؛ لأنه يقال له :
ليس الكلام في نجاسة معينة منتفية مشكوك فى زوالها ، وإنما الكلام
فيها يعتاد.
٣٣٠

ومن المعلوم بالعادات : أن الماء المطهر ، والجاري على أرض الحمام،
أكثر من النجاسات بكثير كثير . فيكون ذلك الماء قد طهر ما مر عليه
من نجس ، فإن اغتسال الناس من غير حدث ولا يجس فى الحمامات
أكثر من اغتسالهم من إحدى هاتين الطهارتين ، وهم يصبون على
أبدانهم من الماء القراح الذي ينفصل غير متغير أكثر من غيره ،
وإن كان فيه تغير يسير بيسير السدر والأشنان ، فهذا لا يخرجه عن
كونه مطهراً ، بل الراجح من القولين - وهو إحدى الروايتين
عن أحمد - التى نصها في أكثر أجوبته : أن الماء المتغير بالطاهر
كالحمص والباقلاء ، لا يخرج عن كونه طهوراً، ما دام اسم الماء يتناوله
كالماء المتغير بأصل الخلقة ، كماء البحر وغيره ، وما تغير بما يشق
صونه عنه من الطحلب ، وورق الشجر ، وغيرهما ، فإن شمول اسم الماء
فى اللغة لهذه الأصناف الثلاثة واحد .
فإن كان لفظ الماء فى قوله: (فَلَمْ تَجِدُواْمَآءَ ) يتناول أحد
هذه الأصناف ، فقد تناول الآخرين ، وقد ثبت أنه متناول للمتغير
ابتداء ، وطرداً لما يشق الاحتراز عنه ، فيتناول الثالث ، إذ الفرق
إنما يعود إلى أمر معهود ، وهو أن هذا يمكن الاحتراز عنه ، وهذا
لا يمكن ، وهذا الفرق غير مؤثر في اللغة، ويتناول اللفظ لمعناه ،
وشمول الاسم مسماه ، فيحتاج المفرق إلى دليل منفصل . وقد ثبت
٣٣١

بالسنة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته ناقته: ((اغسلوه
بماء وسدر)) وكذلك قال للاتي غسلن ابنته: ((اغسلنها بماء وسدر))
وللذي أسلم: ((اغتسل بماء وسدر)) وهذا فيه كلام ليس
هذا موضعه .
وإذا تبين ما ذكرناه ظهر عظيم البدعة ، وتغيير السنة والشرعة ،
فيما يفعله طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين من فرط الوسوسة في
هذا الباب ، حتى صاروا إنما يفعلونه مضاهين لليهود ، بل السامرية
الذين يقولون لامساس .
وباب التحليل والتحريم - الذي منه باب التطهير والتنجيس -
دين الإسلام فيه وسط بين اليهود والنصارى ، كما هو وسط فى سائر
الشرائع ، فلم يشدد علينا في أمر التحريم والنجاسة كما شدد على
اليهود ، الذين حرمت عليهم طيبات أحلت لهم بظلمهم وبغيهم ، بل
وضعت عنا الآصار والأغلال ، التى كانت عليهم ، مثل قرض الثوب
ومجانبة الحائض فى المؤاكلة ، والمضاجعة ، وغير ذلك . ولم يحلل لنا
الخبائث كما استحلها النصارى ، الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله،
ولا يدينون دين الحق، فلا يجتنبون نجاسة ، ولا يحرمون خبيثاً ، بل غاية
أحدهم أن يقول طهر قلبك ، وصل . واليهودي إنما يعتنى بطهارة ظاهره
٣٣٢

لا قلبه، كما قال تعالى عنهم: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ
قُلُوبَهُمْ ) .
وأما المؤمنون فإن الله طهر قلوبهم وأبدانهم من الخبائث،
وأما الطيبات فأباحها لهم ، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه ،
كما يحب ربنا ويرضى .
وسئل
عمن يدخل الحمام هل يجوز له كشف العورة فى الخلوة ؟ وما
هو الذي يفعله من آداب الحمام ؟
فأجاب: لا يلزم المتطهر كشف عورته ، لا في الخلوة ، ولا فى
غيرها ، إذا طهر جميع بدنه . لكن إن كشفها في الخلوة لأجل
الحاجة: كالتطهر ، والتخلي، جاز كما ثبت في الصحيح: ((أن موسى
عليه السلام اغتسل عرياناً ، وأن أيوب عليه السلام اغتسل عرياناً))
وفي الصحيح ((أن فاطمة : كانت تستر النى صلى الله عليه وسلم
عام الفتح بثوب وهو يغتسل ، ثم صلى ثماني ركعات )) وهي التى يقال
لها صلاة الضحى . ويقال: إنها صلاة الفتح ، وفى الصحيح
أيضاً (( أن ميمونة سترته فاغتسل)).
٣٣٣

وعلى داخل الحمام أن يستر عورته ؛ فلا يمكن أحداً من نظرها
ولا لمسها ، سواء كان القيم الذي يغسله أو غيره ، ولا ينظر إلى عورة
أحد ولا بلمسها، إذا لم يحتج إلى ذلك لأجل مداواة أو غيرها ،
فذاك شىء آخر . وعليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب
الإمكان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً
فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك
أضعف الإيمان )) فيأمر بتغطية العورات فإن لم يمكنه ذلك وأمكنه أن
يكون حيث لا يشهد منكراً فليفعل ذلك ، إذ شهود المنكر من غير
حاجة ولا إكراه منهى عنه.
وليس له أن يسرف في صب الماء لأن ذلك منهى عنه مطلقاً ،
وهو في الحمام ينهى عنه لحق الحمامي ؛ لأن الماء الذي فيها مال من
أمواله له قيمة ، وعليه أن يلزم السنة فى طهارته ؛ فلا يحفو جفاء
النصارى ، ولا يغلو غلو اليهود . كما يفعل أهل الوسوسة، بل حياض
الحمام طاهرة ، ما لم تعلم نجاستها ، سواء كانت فائضة أو لم تكن ،
وسواء كانت الأنبوب نصب فيها ، أو لم تكن ، وسواء بات الماء أو
لم يبت ، وسواء تطهر منها الناس أو لم يتطهروا. فإذا اغتسل منها
جماعة جاز ذلك، فقد ثبت فى الصحيحين من غير وجه (( أن النى
صلى الله عليه وسلم كان يغتسل هو وامرأته من إناء واحد قدر
٣٣٤

الفرق)) فهذا إناء صغير لا يفيض ، ولا أنبوب فيه ، وهما يغتسلان
منه جميعاً، وفى لفظ: ((فأقول : دع لي ويقول: دعي لي )).
وفى صحيح البخاري عن ابن عمر: ((أن الرجال والنساء كانوا
يتوضؤون على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من إناء واحد)) وقد
ثبت عنه أنه كان يتوضأ بالمد ، ويغتسل بالصاع . والصاع عند أكثر
العلماء يكون بالرطل المصري أقل من خمسة أرطال ، نحو خمسة إلا
ربعاً ، والمد ربع ذلك . وقيل هو نحو من سبعة أرطال بالمصري .
وليس للإنسان أن يقول : الطاسة إذا وقعت على أرض الحمام
تنجست ، فإن أرض الحمام الأصل فيها الطهارة ، وما يقع فيها من
نجاسة كبول فهو يصب عليه من الماء ما يزيله ، وهو أحسن حالا من
الطرقات بكثير ، والأصل فيها الطهارة ، بل كما يتيقن أنه لا بد أن
يقع على أرضها نجاسة ، فكذلك يتيقن أن الماء بعم ما تقع عليه
النجاسة ، ولو لم يعلم ذلك ، فلا يجزم على بقعة بعينها أنها نجسة ،
إن لم يعلم حصول النجاسة فيها . والله أعلم .
٣٣٥

ما تقول السادة العلماء - رضى الله عنهم أجمعين-
فيمن دخل الحمام بلا مئزر ، مكشوف العورة : هل يحرم ذلك أم
لا ؟ وهل يجب على ولي الأمر منع من يفعل ذلك أم لا ؟ وهل يجب
على ولي الأمر أيضاً أن يلزم مستأجر الحمام أن لا يمكن أحداً من
دخول حمامه مكشوف العورة أم لا ؟ وفيمن يقعد في الحمام وقت
صلاة الجمعة ويترك الصلاة : هل يمنع من ذلك أم لا ؟ أفتونا ،
وابسطوا القول في ذلك .
فأجاب : شيخ الإسلام بقية السلف الكرام ، الشيخ تقي الدين
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية .
الحمد لله: نعم يحرم عليه ذلك باتفاق الأئمة، وقد صح عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه نهى الناس عن الحمام، وفى السنن عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من
ذكور أمتى فلا يدخل الحمام إلا بمثزر)» وفى الحديث: ((نهى النساء
من الدخول مطلقاً إلا لمعذرة)) وفى الحديث الثابت عنه الذي استشهد
به البخاري حديث معاوية بن حيدة القشيري أنه قال له: ((احفظ
٣٣٦

عورتك إلا من زوجتك؛ أو ما ملكت يمينك )) قال : قلت : فإذا
كان القوم بعضهم فى بعض ، قال : إن استطعت أن لا يرينها أحد
فلا يرينها ، قال : قلت : يا رسول الله! إذا كان أحدنا خاليا، قال:
فالله أحق أن يستحيى منه من الناس)) أخرجه أبو داود والنسائي
والترمذي ، وقال حسن . وابن ماجه .
وعلى ولاة الأمور النهي عن ذلك ، وإلزام الناس بأن لا يدخل
أحد الحمام مع الناس إلا مستور العورة ، وإلزام أهل الحمام بأنهم
لا يمكنون الناس من دخول حماماتهم إلا مستوري العورة ، ومن لم
يطع الله ورسوله وولاة الأمر من أهل الحمام ، والداخلين : عوقب
عقوبة بليغة تردعه وأمثاله من أهل الفواحش، الذين لا يستحيون لا من
اللّه ولا من عباده؛ فإن إظهار العورات من الفواحش. وقد قال
( قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُو ◌ْفُرُوجَهُمْ) وغض
تعالى :
البصر واجب عما لا يحل التمتع بالنظر إليه : من النسوة الأجنبيات ،
ونحو ذلك ، وعن العورات ، وإن لم يكن بالنظر إليها لذة لفحش ذلك.
ولهذا كان على داخل الحمام أن يغض بصره عمن كان مكشوف
العورة ، وإن كان ذلك الرجل قد عصى بكشفها ، وعليه أن يأمر
المكشوف بالاستتار ، فإن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
الذي يجب على الناس ، وكذلك حفظ الفروج يكون عن الاستمتاع
٣٣٧

المنهى عنه ، وعن إظهارها لمن ليس له أن يراها، كما ينهى الرجل عن
مس عورة غيره ، كما ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم
نهى أن يباشر الرجل الرجل في ثوب واحد ، وأن تباشر المرأة المرأة
فى ثوب واحد ، وأمر بالتفريق فى المضاجع بين الصبيان إذا بلغوا
عشر سنين. كما بين ذلك النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((احفظ
عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك )) لما قال له : يا رسول
الله عوراتنا، ما نأتي؟ وما نذر ؟ ... فإذا كان القوم بعضهم في بعض،
قال: ((إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها )) قال : قلت : فإذا
كان أحدنا خاليا، قال: ((فالله أحق أن يستحيى منه من الناس))
فأمر بسترها فى الخلوة . وهذا واجب عند أكثر العلماء .
وأما إذا اغتسل في مكان خال بجنب حائط أو شجرة ونحو ذلك فى
بيته أو حمام أو نحو ذلك فإنه يجوز له كشفها فى هذه الصورة ، عند
الجمهور. كما ثبت في الصحيح: (( أن موسى اغتسل عريانا)) وأن
أيوب: ((اغتسل عريانا)) وأن فاطمة كانت تستر النبى صلى الله عليه
وسلم بثوب ثم يغتسل .
وهذا كشف للحاجة بمنزلة كشفها عند التخلي والجماع بمقدار الحاجة
•٠
ولهذا كره العلماء للمتخلى أن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض .
٣٣٨

وتنازعوا فى نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر : هل بكر.
أو لا يكره ؟ أم يكره وقت الجماع خاصة ؟ على ثلاثة أقوال معروفة ،
في مذهب أحمد ، وغيره .
وقد كره غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره النزول في الماء
بغير مئزر، ورووا عن الحسن والحسين أو أحدهما أنه كره ذلك ، وقال :
إن للماء سكانا .
وأما فتح الحمام وقت صلاة الجمعة ، وتمكين المسلمين من دخولها
هذا الوقت ، وقعودم فيها تاركين لما فرضه الله عليهم من السعي إلى
الجمعة ، فهذا أيضا محرم باتفاق المسلمين ، وقد حرم الله بعد النداء إلى
الجمعة البيع الذي يحتاج إليه الناس في غالب الأوقات ، وكان هذا
تنبيها على ما دونه ، من قعود فى الحمام ، أو بستان ، أو غير ذلك ،
والجمعة فرض باتفاق المسلمين ، فلا يجوز تركها لغير عذر شرعي وليس
دخول الحمام من الأعذار باتفاق المسلمين ، بل إن كان لتنعم كان آتما
عاصيا ، وإن كانت عليه جنابة أمكنه الاغتسال قبل ذلك ، وليس له أن
يؤخر الاغتسال ، ولا يجوز ترك الصلاة .
بل على ولاة الأمور أمر جميع من يجب عليه الجمعة بها من أهل
الأسواق والدور وغيرهم ، ومن تخلف عن هذا الواجب عوقب على
٣٣٩

ذلك عقوبة تحمله وأمثاله على فعل ذلك . فقد ثبت فى الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات
أو ليطبعن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)) وقال: (( من
ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه)).
وهذا الذي ذكرناه من وجوب أمر من تجب عليه الجمعة بها،
ونهيه عما يمنعه من الجمعة متفق عليه بين الأئمة. والله أعلم . كتبه
أحمد بن تيمية .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
الحمد لله: وحسبى الله ونعم الوكيل، يحرم كشف العورة في الحمام
وغيره من غير مسوغ شرعى ، وعلى ولي الأمر أيده الله منع من يفعل
ذلك بطريقة شرعية ، وعليه أيضاً إلزام مستأجر الحمام بأن لا يمكن أحداً
من دخوله على الوجه الممنوع ، ولا يحل لأحد ممن خوطب بأداء
الجمعة تركها من غير عذر ، وليس دخول الحمام بمجرده عذراً فى تركها
والله أعلم .
٣٤٠