النص المفهرس

صفحات 241-260

وذلك يوجب الغسل ، والمذي يخرج عقيب تفكر ونظر ومس المرأة
لا الذكر ؛ فإذا كانوا لا يوجبون الوضوء بالنظر الذي هو أشد إفضاء
إلى خروج المنى : فيمس الذكر أولى .
والقول الثانى : أن يقال : اللمس سبب تحريك الشهوة كما فى
مس المرأة ، وتحريك الشهوة يتوضأ منه كما يتوضأ من الغضب وأكل
لحم الإبل ؛ لما فى ذلك من أثر الشيطان الذي يطفأ بالوضوء ؛ ولهذا
قال طائفة من أصحاب أبى حنيفة : إنما يتوضأ إذا انتشر انتشاراً
شديداً . وكذلك قال طائفة من أصحاب مالك : يتوضأ إذا انتشر ،
لكن هذا الوضوء من اللمس : هل هو واجب أو مستحب ؟ فيه نزاع
بين الفقهاء ليس هذا موضع ذكره ؛ فإن مسألة الذكر لها موضع آخر
وإنما المقصود هنا مسألة مس النساء .
والأظهر أيضا أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب ،
وهكذا صرح به الإمام أحمد فى إحدى الروايتين عنه ، وبهذا مجتمع
الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب ، ليس فيه نسخ
قوله: ((وهل هو إلا بضعة منك؟))، وحمل الأمر على الاستحباب
أولى من النسخ .
وكذلك الوضوء مما مست النار مستحب في أحد القولين فى
٢٤١

مذهب أحمد وغيره ، وبذلك يجمع بين أمره وبين تركه . فأما النسخ
فلا يقوم عليه دليل ، بل الدليل يدل على نقيضه . وكذلك خروج
النجاسات من سائر البدن غير السبيلين كالوضوء من القىء ، والرعاف،
والحجامة، والفصاد . والجراح: مستحب ، كما جاء عن النبي صلى الله
عليه وسلم والصحابة أنهم توضؤوا من ذلك . وأما الواجب فليس عليه
فى الكتاب والسنة ما يوجب ذلك .
وكذلك الوضوء من القهقهة مستحب فى أحد القولين فى مذهب
أحمد ، والحديث المأثور في أمر الذين قهقهوا بالوضوء : وجهه أنهم
أذنبوا بالضحك ، ومستحب لكل من أذنب ذنبا يتوضأ ويصلي ركعتين
كما جاء في السنن عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين
ويستغفر الله إلا غفر له)). والله أعلم .
وسئل
عن الرجل يمس المرأة : هل ينقض الوضوء أم لا ؟
فأجاب : إن توضأ من ذلك المس فحسن ، وإن صلى ولم يتوضأ
صحت صلاته فى أظهر قولي العلماء .
٢٤٢

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
إذا مس يد الصبى الأمرد : فهل هو من جنس النساء فى نقض
الوضوء ؟ وما جاء فى تحريم النظر إلى وجه الأمرد الحسن ؟ وهل هذا
الذي يقوله بعض المخالفين للشريعة : إن النظر إلى وجه الصبى الأمرد
عبادة ! وإذا قال لهم أحد هذا النظر حرام يقول : أنا إذا نظرت إلى
هذا أقول : سبحان الذي خلقه ، لا أزيد على ذلك ؟
فأجاب :
الحمد لله. إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره.
أحدهما : أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء . وهو المشهور من
مذهب مالك، ذكره القاضى أبو يعلى فى شرح المذهب .
والثانى : أنه لا ينقض الوضوء . وهو المشهور من مذهب الشافعي
والقول الأول أظهر ، فإن الوطء فى الدير يفسد العبادات التى
تفسد بالوطء فى القبل : كالصيام والإحرام والاعتكاف ، ويوجب الغسل
٢٤٣

كما يوجبه هذا ، فتكون مقدمات هذا فى باب العبادات كمقدمات هذا.
فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم فعليه دم كما لو مس أجنبية لشهوة .
وكذلك إذا مسه لشهوة وجب أن يكون كما لو مس المرأة لشهوة في
نقض الوضوء .
والذي لم ينقض الوضوء بمسه يقول: إنه لم يخلق محلا لذلك
فيقال له : لا ريب أنه لم يخلق لذلك وأن الفاحشة اللوطية من أعظم
المحرمات ، لكن هذا القدر لم يعتبر فى باب الوطء ؛ فإن وطىء فى الدبر
تعلق به ما ذكر من الأحكام وإن كان الدبر لم يخلق محلا للوطء، مع أن
نفرة الطباع عن الوطء فى الدبر أعظم من نفرتها عن الملامسة ، ونقض الوضوء
بالمس يراعى فيه حقيقة الحكمة، وهو أن يكون المس لشهوة عند الأكثرين :
كمالك وأحمد وغيرهما، كما يراعى مثل ذلك في الإحرام والاعتكاف وغير ذلك.
وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم ، حتى لو مس
أمه وأخته وبنته لشهوة انتقض وضوؤه: فكذلك الأمرد .
وأما الشافعى وأحمد فى رواية فيعتبر المظنة ، وهو : أن النساء
مظنة الشهوة فينقض الوضوء سواء بشهوة أو بغير شهوة، ولهذا لا ينقض
لمس المحارم، لكن لو لمس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة؛
وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة .
٢٤٤

والتلذذ بمس الأمرد كمصافته ونحو ذلك : حرام بإجماع المسلمين ،
كما يحرم التلذذ بمس ذوات محارمه والمرأة الأجنبية ، بل الذي عليه
أكثر العلماء أن ذلك أعظم إنما من التلذذ بالمرأة الأجنبية ، كما أن
الجمهور على أن عقوبة اللوطي أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية ، فيجب
قتل الفاعل والمفعول به ، سواء كان أحدهما محصناً أو لم يكن ، وسواء
كان أحدهما مملوكا للآخر أو لم يكن ، كما جاء ذلك فى السنن عن النبي
صلى الله عليه وسلم وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم ، وقتله
بالرجم كما قتل اللّه قوم لوط بالرجم ، وبذلك جاءت الشريعة في قتل
الزاني : أنه يرجم، فرجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك
والغامدية، واليهوديين؛ والمرأة التى أرسل إليها أنيساً وقال: ((اذهب
إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )) فاعترفت فرجها .
والنظر إلى وجه الأمرد لشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم
والمرأة الأجنبية بالشهوة ، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو شهوة
التلذذ بالنظر ، فلو نظر إلى أمه وأخته وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ
بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية : كان معلوما لكل أحد أن هذا حرام،
فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة .
وقول القائل : أن النظر إلى وجه الأمرد عبادة كقوله : إن النظر
إلى وجوه النساء أو النظر إلى وجوه محارم الرجل - كبنت الرجل
٢٤٥

وأمه وأخته - عبادة ، ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة
كان بمنزلة من جعل الفواحش عبادة ، قال تعالى (وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ
وَجَدْ نَا عَلَيْهَاَ ءَابَاءَنَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأَقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالَا
تَعْلَمُونَ )
ومعلوم أنه قد يكون فى صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم
من الاعتبار والدلالة على الخالق من جنس ما في صورة المرد : فهل
يقول مسلم : إن للإنسان أن ينظر بهذا الوجه إلى صور نساء العالم
وصور محارمه، ويقول : إن ذلك عبادة ؟ بل من جعل مثل هذا النظر عبادة
فإنه كافر مرتد يجب أن يستتاب ؛ فإن تاب وإلا قتل، وهو بمنزلة من جعل
إعانة طالب الفواحش عبادة؛ أو جعل تناول يسير الخمر عبادة ؛ أو جعل السكر
بالحشيشة عبادة . فمن جعل المعاونة على الفاحشة بقيادة أو غيرها عبادة
أو جعل شيئاً من المحرمات التى يعلم تحريمها من دين الإسلام عبادة :
فإنه يستتاب ؛ فإن تاب وإلا قتل، وهو مضاه للمشركين الذين (وَإِذَا
فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْ نَا عَلَيْهَا ءَابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ
عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة ، وكانوا يقولون :
لا نطوف فى الثياب التى عصينا الله فيها ، فهؤلاء إنما كانوا يطوفون عراة
على وجه اجتناب ثياب المعصية وقد ذكر عنهم ما ذكر فكيف بمن يجعل
جنس الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة ؟
٢٤٦

والله سبحانه قد أمر فى كتابه بغض البصر، وهو نوعان : غض البصر
عن العورة ، وغضها عن محل الشهوة .
فالأول كغض الرجل بصره عن عورة غيره ، كما قال النبى صلى الله
عليه وسلم: (( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ! ولا تنظر المرأة إلى
عورة المرأة ! ))، ويجب على الإنسان أن يستر عورته كما قال النبى
صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن حيدة: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك
أو ما ملكت يمينك))، قلت : فإذا كان أحدنا مع قومه ؟ قال :
((إن استطعت أن لايربنها أحد فلا يرينها )) ، قلت : فإذا كان أحدنا
خالياً؟ قال: ((فالله أحق أن يستحيى منه من الناس)). ويجوز [ أن ]
يكشف بقدر الحاجة كما يكشف عند التخلي ، وكذلك إذا اغتسل الرجل
وحده بجنب ما يستره ، فله أن يغتسل عرياناً كما اغتسل موسى عرياناً
وأيوب ، وكما في اغتساله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح واغتساله فى
حديث ميمونة .
وأما النوع الثانى من النظر: كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة
الأجنبية ، فهذا أشد من الأول ، كما أن الخمر أشد من الميتة والدم
ولحم الخنزير وعلى صاحبها الحد . وتلك المحرمات إذا تناولها غير مستحل
لها كان عليه التعزير ؛ لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي
الخمر ، وكذلك النظر إلى عورة الرجل لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى
٢٤٧

النساء ونحوهن ؛ وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب ،
وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية
وذوات المحارم لشهوة ، والخالق سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها
وليس خلق الأمرد بأعجب في قدرته من خلق ذي اللحية ،
ولا خلق النساء بأعجب فى قدرته من خلق الرجال ؛ بل تخصيص
الإنسان التسبيح بحال نظره إلى الأمرد دون غيره: كتخصيصه
التسبيح بنظره إلى المرأة دون الرجل ، وما ذاك لأنه دل على عظمة
الخالق عنده، ولكن لأن الجمال يغير قلبه وعقله، وقد يذهله ما رآه
فيكون تسبيحه بما يحصل فى نفسه من الهوى . كما أن النسوة لما
رأين يوسف (أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِ يَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرَّ إِنْ هَذَا إِلََّ مَلَكٌ
كَرِيمٌ ) .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))
وإذا كان اللّه لا ينظر إلى الصور والأموال وإنما ينظر إلى القلوب
والأعمال : فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به ؟ وقد قال
تعالى: (وَلَا تَمُذَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجَا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا )،
وقال في المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمٍّ وَإِن يَقُولُواْ
تَسْمَعْ لِقَوْلِ كَهُمْ خُشُبُ مُسَنِدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَهِمْ هُمُ الْعَدُ فَاحْذَرْهُمْ قَهُ الَّأَ
٢٤٨

فإذا كان هؤلاء
يُؤْفَكُونَ ) ،
المنافقون الذين تعجب الناظر أجسامهم لما فيهم من البهاء والرواء والزينة
الظاهرة - وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة - قد ذكر الله عنهم ما
ذكر: فكيف بمن ينظر إليه لشهوة ؟ وذلك أن الإنسان قد ينظر
إليه لما فيه من الإيمان والتقوى ؛ وهنا الاعتبار بقلبه وعمله لا بصورته
وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة الدالة على المصور فهذا حسن. وقد
ينظر إليه من جهة استحسان خلقه كما ينظر إلى الجيل والبهائم، وكما ينظر
إلى الأشجار : فهذا أيضاً إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرياسة
والمال فهو مذموم ؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَثَّعْنَا بِهِ= أَزْوَجَامِّنْهُمْ
زَهْرَةَ الْحَيَوْةِالدُّنْيَاَ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ )
وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين وإنما فيه راحة النفس
فقط - كالنظر إلى الأزهار - فهذا من الباطل الذي يستعان به
على الحق .
وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراماً بلا
ريب ، سواء كانت شهوة تمتع بنظر الشهوة أو كان نظرا بشهوة الوطء
وفرق بين ما يجده الإنسان عند نظره الأشجار والأزهار وما يجده
عند نظره النسوان والمردان ؛ فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعى ،
فصار النظر إلى المرد ثلاثة أقسام :
٢٤٩

أحدها : ما يقرن به الشهوة فهو حرام بالاتفاق .
والثاني : ما يجزم أنه لا شهوة معه : كنظر الرجل الورع إلى ابنه
الحسن وابنته الحسنة وأمه ؛ فهذا لا يقرن به شهوة إلا أن يكون الرجل
من أفجر الناس ، ومتى اقترنت به الشهوة حرم .
وعلى هذا من لا يميل قلبه إلى المرد - كما كان الصحابة ؛ وكالامم
الذين لا يعرفون هذه الفاحشة ؛ فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق بين
هذا الوجه وبين نظره إلى ابنه وابن جاره وصى أجنبي، ولا يخطر
بقلبه شيء من الشهوة لأنه لم يعتد ذلك وهو سليم القلب من مثل
ذلك ، وقد كانت الإمام على عهد الصحابة يمشين فى الطرقات وهن
متكشفات الرؤوس وتخدم الرجال مع سلامة القلوب ، فلو أراد الرجال
أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس، فى مثل هذه البلاد
والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين : كان هذا من باب الفساد .
وكذلك المرد الحسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزمنة
التى يخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة ، فلا يمكن الأمرد الحسن
من التبرج ولا من الجلوس فى الحمام بين الأجانب ، ولا من رقصه
بين الرجال ، ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس ، والنظر إليه : كذلك .
وإنما وقع النزاع بين العلماء فى القسم الثالث من النظر ، وهو :
٢٥٠

النظر إليه لغير شهوة لكن مع خوف ثورانها ؟ فيه وجهان فى مذهب
أحمد ؛ أصحها - وهو المحكى عن نص الشافعي - أنه لا يجوز.
والثاني: يجوز لأن الأصل عدم ثورانها فلا يحرم بالشك ، بل قد يكره.
والأول هو الراجح ، كما أن الراجح فى مذهب الشافعي وأحمد
أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة
منتفية ، لكن لأنه يخاف ثورانها ؛ ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية لأنها
مظنة الفتنة ، والأصل أن كل ما كان سبباً للفتنة فإنه لا يجوز ؛ فإن
الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة ؛ ولهذا
كان النظر الذي يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لمصلحة راجحة ،
مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما ، فإنه يباح النظر للحاجة لكن مع
عدم الشهوة .
وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز .
ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه أو أدامه وقال: إنى لا أنظر
لشهوة : كذب فى ذلك ؛ فإنه إذا لم يكن معه داع يحتاج معه إلى النظر
لم يكن النظر إلا لما يحصل فى القلب من اللذة بذلك ، وأما نظرة
الفجأة فهي عفو إذا صرف بصره ، كما ثبت فى الصحيح عن جرير
قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال :
٢٥١

((اصرف بصرك))، وفي السنن أنه قال لعلي رضي الله عنه: ((ياعلي!
لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية)).
وفى الحديث الذي فى المسند وغيره: ((النظر سهم مسموم من
سهام إبليس))، وفيه: (( من نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره
عنها أورث الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة)) - أو كما
قال - ولهذا يقال : إن غض البصر عن الصورة التى نهى عن النظر
إليها - كالمرأة والأمرد الحسن - يورث ذلك ثلاث فوائد
جليلة القدر :
إحداها : حلاة الإيمان ولذته التى هي أحلى وأطيب ما تركه لله
فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، والنفس تحب النظر إلى
هذه الصور لاسيما نفوس أهل الرياضة والصفا ، فإنه يبقى فيها رقة
يجتذب بسببها إلى الصور ، حتى تبقى تجذب أحدم وتصرعه كما يصرعه
السبع ؛ ولهذا قال بعض التابعين : ما أنا على الشاب التائب من سبع
يجلس إليه بأخوف عليه من حدث جميل يجلس إليه ! وقال بعضهم :
اتقوا النظر إلى أولاد الملوك فإن لهم فتنة كفتة العذارى .
وما زال أئمة العلم والدين - كشيوخ الهدى وشيوخ الطريق -
يوصون بترك صحبة الأحداث حتى يروى عن فتح الموصلي أنه قال :
٢٥٢

صحبت ثلاثين من الأبدال كلهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث
وقال بعضهم : ما سقط عبد من عين الله إلا بصحبة هؤلاء الأنتان .
ثم النظر يؤكد المحبة ، فيكون علاقة لتعلق القلب بالمحبوب؛ ثم
صبابة لانصباب القلب إليه ؛ ثم غراما للزومه للقلب كالغريم الملازم
لغرمه؛ ثم عشقا إلى أن يصير تتيما، والمتيم المعبد، وتيم الله عبد الله،
فيبقى القلب عبداً لمن لا يصلح أن يكون أخا بل ولا خادماً، وهذا
إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله كما قال تعالى فى حق
يوسف: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع زوجها فيما وقعت فيه من
السوء ، ويوسف عليه السلام مع عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه
بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة : عصمه الله بإخلاصه لله ؛ تحقيقاً
لقوله: (لَأُغْوِيَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ). قال تعالى:
والغي
(إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلََّ مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ )
هو اتباع الهوى .
وهذا الباب من أعظم أبواب اتباع الهوى . ومن أحر بعشق الصور من
المتفلسفة كابن سينا وذويه ، أو من الفرس كما يذكر عن بعضهم ؛
أو من جهال المتصوفة : فإنهم أهل خلال وغي ، فهم مع مشاركة
اليهود فى الغي والنصارى في الضلال زادوا على الأمتين في ذلك ؛ فإن
٢٥٣

هذا وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتطليق نفسه وتهذيب أخلاقه ،
وللمعشوق من الشفاء فى مصالحه وتعليمه وتأديبه وغير ذلك : فمضرة
ذلك أضعاف منفعته. وأين إثم ذلك من منفعته؟ وإنما هذا كما يقال:
إن فى الزنا منفعة لكل منها بما يحصل له من التلذذ والسرور .
ويحصل لها من الجعل وغير ذلك ! وكما يقال : إن فى شرب الخمر
منافع بدنية ونفسية . وقد قال فى الخمر والميسر: (قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ
كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) ، وهذا قبل التحريم ،
دع ما قاله عند التحريم وبعده .
وباب التعلق بالصور هو من جنس الفواحش ، وباطنه من باطن
الفواحش وهو من باطن الإثم ، قال تعالى: (وَذَرُواْظَهِرَ اُلْإِثْمِ
وَبَاطِنَهُ )، وقال تعالى: (قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ،
وقد قال: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاَ ءَابَاءَنَا وَاُللَّهُ أَمَرَنَا بِأَ قُلْ إِنَّ اللَّهَ
لَا يَأْمُرُ بِاَلْفَحْشَةِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ).
وليس بين أئمة الدين نزاع في أن هذا ليس بمستحب كما أنه ليس
بواجب ، فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج من إجماع المسلمين ؛
بل واليهود والنصارى؛ بل وعما عليه عقلاء بني آدم من جميع الأمم ،
وهو ممن اتبع هواء بغير هدى من الله، (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّبَعَ هَوَكَهُ بِغَيْرِ
وقد قال
هُدَى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَلَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)،
٢٥٤

تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى)،
وقال تعالى (وَلَا تَتَّعِ الْهَوَىِ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الهِنَّالَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ
عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُو ◌ْيَوْمَ الْحِسَابِ ) .
وأما من نظر إلى المرد ظانا أنه ينظر إلى الجمال الإلهي وجعل هذا
طريقاً له إلى الله - كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفة - فقوله
هذا أعظم كفراً من قول عباد الأصنام ومن كفر قوم لوط ، فهؤلاء
من شر الزنادقة المرتدين الذين يجب قتلهم بإجماع كل الأمة ؛ فإن عباد
الأصنام قالوا: (مَا تَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وهؤلاء يجعلون
الله موجوداً فى نفس الأصنام وحالا فيها ؛ فإنهم لا يريدون بظهوره
وتجليه فى المخلوقات أنها دالة عليه وآيات لهم ؛ بل يريدون أنه سبحانه
هو ظهر فيها وتجلى فيها ، ويشبهون ذلك بظهور الماء فى الزجاجة ؛
والزبد فى اللبن ؛ والزيت فى الزيتون ، والدهن فى السمسم ؛ ونحو
ذلك مما يقتضى حلول نفس ذاته فى مخلوقاته أو اتحاده بها فى جميع
المخلوقات ، نظير ما قالته النصارى فى المسيح خاصة، يجعلون المرد مظاهر
الجمال فيقررون هذا الشرك الأعظم طريقاً إلى استحلال الفواحش ، بل
إلى استحلال كل محرم ، كما قيل لأفضل متأخريهم - التلمسانى - :
إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق . فما الفرق بين أمي وأختي
٢٥٥

وابنتى: تكون هذه حلالا وهذه حراما ؟ فقال الجميع عندنا سواء :
لكن هؤلاء المحجوبون قالوا : حرام. فقلنا : حرام عليكم ! .
ومن هؤلاء الحلولية والاتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض
الأشخاص : إما ببعض الأنبياء كالمسيح ؛ أو ببعض الصحابة كقول الغالية
فى علي ؛ أو ببعض الشيوخ كالخلاجية ونحوم ؛ أو ببعض الملوك ؛ أو
ببعض الصور كصور المرد ! ويقول أحدم : أنا أنظر إلى صفات خالقي
وأشهدها فى هذه الصورة .
والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله
ورسوله ، ولو قال مثل هذا الكلام في نبي كريم لكان كافراً: فكيف
إذا قاله فى صى أمرد ؟ فقبح الله طائفة يكون معبودها من جنس
موطونها . وقد قال تعالى: (وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَن تَنَّخِذُ واْلَئِكَةَ وَالنَّبِِّنَ أَرْبَابًا
أَيَأْمُرَّكُم بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُ مُسْلِمُونَ ) ،
فإذا كان من اتخذ
الملائكة والنبيين أربابا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون لله كفاراً : فكيف بمن
اتخذ بعض المخلوقات أربابا مع قوله أن الله فيها أومتحد بها ؟ فوجودها
وجوده ونحو ذلك من المقالات ؟ .
وأما الفائدة الثانية في غض البصر فهو : أنه يورث نور القلب
والفراسة، قال تعالى عن قوم لوط: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ)،
٢٥٦

فالتعلق فى الصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسكر القلب ، بل
جنونه كما قيل:
سكران : سكر هوى ، وسكر مدامة
فمتى إفاقة من به سكران ؟
وقيل :
قالوا : جننت بمن تهوى ؟ فقلت لهم :
العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون فى الحين
وذكر سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال: ( اَللَّهُ نُورُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) ، وكان شاه بن شجاع الكرماني لا تخطئ له
فراسة ، وكان يقول : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة؛
وغض بصره عن المحارم ؛ وكف نفسه عن الشهوات ؛ وذكر خصلة
خامسة وهي أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة . والله تعالى
يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله فغض بصره عما حرم بعوضه
اللّه عليه من جنسه بما هو خير منه ؛ فيطلق نور بصيرته ويفتح عليه
٢٥٧

باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال بصيرة القلب .
والفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته ، فيجعل الله له سلطان
النصرة مع سلطان الحجة. وفى الأثر: ((الذي يخالف هواء يفرق الشيطان من
ظله )) ، ولهذا يوجد فى المتبع لهواه من الذل ـ ذل النفس وضعفها
ومهانتها - ما جعله الله لمن عصاه فإن الله جعل العزة لمن أطاعه والذلة
لمن عصاه، قال تعالى: (يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَرَ الْأَعَزُّ
مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) وقال تعالى: ( وَلَاتَهِنُواْ وَلَا
◌َّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ اُلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ).
ولهذا كان فى كلام الشيوخ : الناس يطلبون العز من أبواب الملوك
ولا يجدونه إلا في طاعة الله. وكان الحسن البصري يقول: وإن هملجت
بهم البراذين وطقطقت بهم البغال فإن ذل المعصية في رقابهم ، يأبى الله
إلا أن يذل من عصاه . ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ،
ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه . وفى دعاء القنوت :
((إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت)).
والصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم لسان صدق فى الأمة لم
يكونوا يستحبون مثل هذا؛ بل ينهون عنه ، ولهم فى الكلام فى ذم صحبة
الأحداث ، وفي الرد على أهل الحلول ، وبيان مباينة الخالق للمخلوق:
٢٥٨

مالا يتسع هذا الموضع لذكره ، وإنما استحسنه من تشبه بهم من
هو عاص أو فاسق أو كافر؛ فتظاهر بدعوى الولاية للّه وتحقيق
الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله وأهل التفاق والبهتان.
والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة ، ويجعل لأعدائه
الصفقة الخاسرة . والله أعلم .
٢٥٩

وسئل
عن أكل لحم الإبل: هل ينقض الوضوء أم لا . وهل
حديثه منسوخ ؟ .
فأجاب: الحمد لله. قد ثبت فى صحيح مسلم عن جابر بن سمرة
- رضي الله عنه - ((أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم
أنتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال: إن شئت فتوضأ ، وإن شئت فلا تتوضأ .
قال: أنتوضأ من لحوم الإبل . قال : نعم ، توضأ من لحوم الإبل .
قال : أصلي في مرابض الغنم ؟ قال: نعم ، قال أصلي فى مبارك الإبل؟
قال : لا)).
وثبت ذلك فى السنن من حديث البراء بن عازب . قال أحمد فيه
حديثان صحيحان : حديث البراء ، وحديث جابر بن سمرة ، وله شواهد
من وجوه أخر .
منها: ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (( توضؤوا من لحوم الإبل ، ولا توضؤوا من
٢٦٠