النص المفهرس

صفحات 221-240

فأجاب رضي الله عنه : نعم! حكمه حكم أهل الأعذار: مثل الاستحاضة
وسلس البول ؛ والمذي ؛ والجرح الذي لا برقأ؛ ونحو ذلك . فمن لم
يمكنه حفظ الطهارة مقدار الصلاة فإنه يتوضأ ويصلي ولا يضره ما خرج
منه في الصلاة ، ولا ينتقض وضوؤه بذلك باتفاق الأمة، وأكثر ما عليه
أن يتوضأ لكل صلاة .
وقد تنازع العلماء في المستحاضة ومن به سلس البول وأمثالهما ،
مثل من به ريح يخرج على غير الوجه المعتاد ؛ وكل من به حدث نادر .
فذهب مالك : أن ذلك ينقض الوضوء بالحدث المعتاد . ولكن الجمهور
- كأبى حنيفة؛ والشافعي ؛ وأحمد بن حنبل - يقولون : إنه يتوضأ
لكل صلاة أو لوقت كل صلاة . رواه أهل السنن وصحح ذلك غير
واحد من الحفاظ ؛ فلهذا كان أظهر قولي العلماء أن مثل هؤلاء يتوضؤون
لكل صلاة أو لوقت كل صلاة .
وأما ما يخرج في الصلاة دائماً فهذا لا ينقض الوضوء باتفاق العلماء .
وقد ثبت فى الصحيح : أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
كانت تصلي والدم يقطر منها ؛ فيوضع لها طست يقطر فيه الدم .
وثبت فى الصحيح أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلى
وجرحه يثعب دما. وما زال المسلمون على عهد النى صلى الله عليه وسلم
يصلون فى جراحاتهم .
٢٢١

وقد تنازع العلماء فى خروج النجاسة من غير السبيلين - كالجرح
والفصاد والحجامة والرعاف والقىء : فذهب مالك والشافعي :
لا ينقض. ومذهب أبي حنيفة وأحمد : ينقض . لكن أحمد يقول: إذا
کان کثیراً .
وتنازعوا في مس النساء ومس الذكر : هل ينقض فمذهب أبي
حنيفة : لا ينقض . ومذهب الشافعي : ينقض . ومذهب مالك : الفرق
بين المس لشهوة وغيرها . وقد اختلفت الرواية عنه هل يعتبر ذلك فى
مس الذكر ؟ واختلف في ذلك عن أحمد ؛ وعنه كقول أبي حنيفة أنه
لا ينقض شيء من ذلك وروايتان كقول مالك والشافعي .
واختلف السلف في الوضوء من ما مست النار : هل يجب أم لا؟
واختلفوا فى القهقهة في الصلاة : فمذهب أبى حنيفة تنقض . ومن قال:
إن هذه الأمور لا تنقض : فهل يستحب الوضوء منها ؟ على قولين .
وهما قولان في مذهب أحمد وغيره .
والأظهر فى جميع هذه الأنواع : أنها لا تنقض الوضوء . ولكن
يستحب الوضوء منها . فمن صلى ولم يتوضأ منها صحت صلاته، ومن
توضأ منها فهو أفضل . وأدلة ذلك مبسوطة فى غير هذا الموضع ،
ولكن كلهم يأمر بإزالة النجاسة ، ولكن إن كانت من الدم أكثر من ربع
٢٢٢

المحل فهذه تجب إزالتها عند عامة الأمة ، ومع هذا إن كان الجرح
لا يرقأ مثل ما أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإنه يصلى
باتفاقهم ؛ سواء قيل : إنه ينقض الوضوء ؛ أو قيل : لا ينقض ، سواء
كان كثيراً أو قليلا؛ لأن الله تعالى يقول: (لَا يُكَلِفُ اللهُنَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا)، وقال تعالى: ( فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ، وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
وكلما عجز عنه العبد من واجبات الصلاة سقط عنه ؛ فليس له أن
يؤخر الصلاة عن وقتها ؛ بل يصلي في الوقت بحسب الإمكان ، لكن
يجوز له عند أكثر العلماء أن يجمع بين الصلاتين لعذر ؛ حتى إنه يجوز
الجمع للمريض والمستحاضة وأصحاب الأعذار فى أظهر قولي العلماء ، كما
استحب النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة أن تجمع بين الظهر
والعصر بغسل واحد فهذا للمعذور ، سواء أمكنه أن يجمع بين الصلاتين
بطهارة واحدة من غير أن يخرج منه شيء فى الصلاة : جاز له الجمع في
أظهر قولي العلماء .
وكذلك يجمع المريض بطهارة واحدة إذا كانت الطهارة لكل صلاة
تزيد فى مرضه. ولابد من الصلاة فى الوقت : إما بطهارة إن أمكنه
وإلا بالتيمم ؛ فإنه يجوز لمن عدم الماء أو غاف الضرر باستعماله إما لمرض
وإما لشدة البرد أن يتيمم وإن كان جنباً ؛ ولا قضاء عليه فى أظهر قولي
٢٢٣

العلماء. وإذا تيمم فى السفر لعدم الماء لم يعد باتفاق الأئمة .
وكذلك المريض إذا صلى قاعداً أو صلى على جنب لم يعد
باتفاق العلماء.
وكذلك العريان : كالذي تنكسر به السفينة ؛ أو يأخذ القطاع
ثيابه : فإنه يصلي عريانا ولا إعادة عليه باتفاق العلماء .
وكذلك من اشتبهت عليه القبلة وصلى ثم تبين له فيما بعد : لا يعيد
باتفاق العلماء ، وإن أخطأ مع اجتهاده لم يعد أيضاً عند جمهورم :
كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ، والمشهور فى مذهب الشافعي
أنه بعيد .
وقد تنازع العلماء فى التيمم لخشية البرد : هل يعيد ؟ وفيمن صلى
في ثوب نجس لم يجد غيره : هل بعيد؟ وفي مواضع أخر.
والصحيح في جميع هذا النوع : أنه لا إعادة على أحد من هؤلاء؛
بل يصلي كل واحد على حسب استطاعته ويسقط عنه ما عجز عنه : ولا
إعادة عليه ، ولم يأمر الله تعالى ولا رسوله أحداً أن يصلي الفرض
مرتين مطلقاً، بل من لم يفعل ما أمر به فعليه أن يصلي إذا ذكر بوضوء باتفاق
المسلمين : كمن نسى الصلاة ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
٢٢٤

((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) .. وهذه المسائل
مبسوطة (فى)١ غير هذا الموضع.
والمقصود هنا : بيان أن الله تعالى ما جعل على المسلمين من حرج
فى دينهم ، بل هو سبحانه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر.
ومسألة هذا السائل أولى بالرخصة ؛ ولهذا كانت متفقاً عليها بين العلماء.
وهذه المسائل مبسوطة في مواضع أخر. والله أعلم .
وسئل
عن رجل يصلي الخمس لا يقطعها ولم يحضر صلاة الجمعة : وذكر
أن عدم حضوره لها أنه يجد ربحا فى جوفه تمنعه عن انتظار الجمعة ،
وبين منزله والمكان الذي تقام فيه الجمعة قدر ميلين أو دونهما :
فهل العذر الذي ذكره كاف فى ترك الجمعة مع قرب منزله ؟
أفتونا مأجورين !.
فأجاب : بل عليه أن يشهد الجمعة ؛ ويتأخر بحيث يحضر ويصلي
مع بقاء وضوئه. وإن كان لا يمكنه الحضور إلا مع خروج الريح فليشهدها
وإن خرجت منه الريح ؛ فإنه لا يضره ذلك . والله أعلم .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٢٢٥

وسئل
عمن به قروح فى بعض أعضاء الوضوء ويخرج من تلك القروح قيح ينتشر
على محل الفرض فى غير موضع القروح؛ ولا يمكن إزالة ذلك إلا إذا أزاله عن
القروح أيضاً ، وهو يجد المشقة فى إزالتها ، والأطباء لا يرون فى إزالتها
مضرة على صاحب هذه القروح ؛ غير أنه هو يجد الألم والمشقة في
إزالة ذلك بسبب تكرار الوضوء ، فهل يجب عليه إزالة ذلك ليصل الماء إلى ما
تستر من محل الفرض وإن كان عليه مشقة مع غلبة ظنه بعد تلك القروح أم لا؟.
فأجاب : الحمد لله. إذا كانت إزالته توجب زيادة المرض أو تأخر
البرء لم يجب عليه إزالته . وإن لم يكن فيه هذا ولا هذا أزاله ، اللهم
إلا أن يكون شيئا يسيرا من جنس الوسخ الذي على العين ونحو ذلك:
فليس عليه أن يزيل ذلك . والله أعلم .
٢٢٦

وسل
عمن يرى أن القىء ينقض الوضوء ، واستدل على ذلك أن النبى
صلى الله عليه وسلم قاء مرة وتوضأ، وروى حديثاً آخر: أنه قاء
مرة فغسل فمه وقال: ((هكذا الوضوء من القىء)): فهل يعمل بالحديث
الأول أم الثانى ؟ .
فأجاب: أما الحديث الثاني فما سمعت به .
وأما الأول فهو فى السنن، لكن لفظه: ((أنه قاء فأفطر)) فذكر
ذلك لثوبان فقال : صدق ! أنا صببت له وضوءه . ولفظ الوضوء لم
يجي فى كلام النبي صلى الله عليه وسلم إلا والمراد به الوضوء الشرعي،
ولم يرد لفظ الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا فى لغة اليهود ، فإنه قد
روى أن سلمان الفارسي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نجد فى
التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله فقال: ((من بركة الطعام الوضوء
قبله والوضوء بعده)). والله أعلم.
٢٢٧

وسئل عن الرعاف :
هل ينقض الوضوء أم لا؟
فأجاب : إذا توضأ منه فهو أفضل ، ولا يجب عليه فى أظهر
قولي العلماء .
وسئل
هل ينقض الوضوء النوم حالساً أم لا ؟ وإذا كان الرجل حالساً
محتبياً بيديه فنعس وانفلتت حبوته ، وسقطت يده على الأرض ، ومال
لكنه لم يسقط جنبه إلى الأرض : هل يجب عليه الوضوء أم لا ؟.
فأحاب الحمد لله. أما النوم اليسير من المتمكن بمقعدته فهذا لا
ينقض الوضوء عند جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم ، فإن النوم عندهم
ليس يحدث فى نفسه لكنه مظنة الحدث ، كما دل عليه الحديث الذي فى
السنن: ((العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء))، وفى
٢٢٨

رواية: (( فمن نام فليتوضأ )) .
ويدل على هذا ما فى الصحيحين : أن النبى صلى الله عليه وسلم
كان ينام حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ ؛ لأنه كان تنام عيناه
ولا ينام قلبه ، فكان يقظان . فلو خرج منه شيء لشعر به . وهذا
يبين أن النوم ليس بحدث في نفسه ؛ إذ لو كان حدثاً لم يكن فيه
فرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، كما في البول والغائط وغيرهم)
من الأحداث .
وأيضاً فإنه ثبت فى الصحيح: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان
يؤخر العشاء ، حتى كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفقون
برؤوسهم ، ثم يصلون ولا يتوضؤون . فهذا يبين أن جنس النوم
ليس بناقض ؛ إذ لو كان ناقضاً لانتقض بهذا النوم الذي يخفق
فيه رؤوسهم .
ثم بعد هذا للعلماء ثلاثة أقوال :
قيل : ينقض ما سوى نوم القاعد مطلقاً . كقول مالك وأحمد
فى رواية .
وقيل : لا ينقض نوم القاتم والقاعد ، وينقض نوم الراكع والساجد ؛
٢٢٩

لأن القائم والقاعد لا ينفرج فيهما مخرج الحدث كما ينفرج من
الراكع والساجد .
وقيل : لا ينقض نوم القائم والقاعد والراكع والساجد ، بخلاف
المضطجع وغيره. كقول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثالثة . لكن مذهب
أحمد التقييد بالنوم اليسير .
وحجة هؤلاء: حديث فى السنن: (( ليس الوضوء على من نام
قائماً أو قاعداً أو راكعا أو ساجداً لكن على من نام مضطجعاً )) ، فإنه
إذا نام مضطجعاً استرخت مفاصله فيخرج الحدث ، بخلاف القيام والقعود
والركوع والسجود ، فإن الأعضاء متماسكة غير مسترخية ، فلم يكن
هناك سبب يقتضي خروج الخارج .
وأيضاً فإن النوم فى هذه الأحوال يكون يسيراً فى العادة ؛ إذ لو
استئقل لسقط . والقاعد إذا سقطت يداه إلى الأرض فيه قولان .
والأظهر فى هذا الباب أنه إذا شك المتوضئ : هل نومه مما ينقض أو
ليس مما ينقض؟ فإنه لا يحكم بنقض الوضوء؛ لأن الطهارة ثابتة بيقين فلا تزول
بالشك. والله أعلم
.
٢٣٠

وسئل :
هل لمس كل ذكر ينقض الوضوء من الآدميين والحيوان ؟ وهل
باطن الكف هو ما دون باطن الأصابع ؟.
فأجاب : لمس فرج الحيوان غير الإنسان لا ينقض الوضوء حياً ولا
ميتاً باتفاق الأئمة، وذكر بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي فيه وجهين.
وإنما تنازعوا في مس فرج الإنسان خاصة .
وبطن الكف يتناول الباطن كله بطن الراحة والأصابع . ومنهم
من يقول : لا ينقض بحال : كأبى حنيفة وأحمد في رواية .
وسئل
عن رجل وقعت يده بباطن كفه وأصابعه على ذكره : فهل
ينتقض وضوؤه أم لا ؟ .
فأجاب : إذا لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوؤه .
٢٣١

وسل
عما إذا قبل زوجته أو ضمها فأمذى: هل يلزمه وضوء أم لا ؟.
فأجاب : أما الوضوء ، فينتقض بذلك، وليس عليه إلا الوضوء ،
لكن يغسل ذكره وأننبيه .
وسئل
عن لمس النساء هل ينقض الوضوء أم لا ؟.
فأجاب: الحمد لله. أما نقض الوضوء بلمس النساء فللفقهاء فيه
ثلاثة أقوال : طرفان ووسط .
أضعفها : أنه ينقض اللمس وإن لم يكن لشهوة إذا كان الملموس
مظنة للشهوة . وهو قول الشافعي ؛ تمسكا بقوله تعالى: (أَوْلَمَسْتُمُ
اُلِنِسَآءَ ) ، وفى القراءة الأخرى: ( أو لمستم ).
٢٣٢

القول الثانى : أن اللمس لا ينقض بحال وإن كان لشهوة . كقول
أبى حنيفة وغيره . وكلا القولين يذكر رواية عن أحمد ؛ لكن ظاهر
مذهبه كمذهب مالك ، والفقهاء السبعة : أن اللمس إن كان لشهوة
نقض وإلا فلا . وليس فى المسألة قول متوجه إلا هذا القول أو
الذي قبله .
فأما تعليق النقض بمجرد اللمس فهذا خلاف الأصول ، وخلاف
إجماع الصحابة ، وخلاف الآثار . وليس مع قائله نص ولا قياس .
فإن كان اللمس فى قوله تعالى: ( أو لمستم النساء) إذا أريد به اللمس
باليد والقبلة ونحو ذلك - كما قاله ابن عمر وغيره -: فقد علم أنه
حيث ذكر مثل ذلك فى الكتاب والسنة فإنما يراد به ما كان لشهوة ،
(وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى
مثل قوله فى آية الاعتكاف :
الْمَسَجِدِ ) ، ومباشرة المعتكف لغير شهوة لا تحرم عليه بخلاف المباشرة
لشهوة . وكذلك المحرم - الذي هو أشد - لو بلشر المرأة لغير شهوة
لم يحرم عليه ولم يجب عليه به دم .
وكذلك قوله: (ثُمَ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَشُّوهُنَّ)، وقوله:
؛ فإنه لو مسها
(لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ)
مسيساً خالياً من غير شهوة لم يجب به عدة ، ولا يستقر به مهر ؛ ولا
تنتشر به حرمة المصاهرة باتفاق العلماء ، بخلاف ما لومس المرأة لشهوة
٢٣٣

ولم يخل بها ولم يطأها : ففى استقرار المهر بذلك نزاع معروف بين
العلماء فى مذهب أحمد وغيره .
فمن زعم أن قوله: ( أو لمستم النساء ) يتناول اللمس وإن لم
يكن لشهوة فقد خرج عن اللغة التى جاء بها القرآن ، بل وعن لغة
الناس فى عرفهم ، فإنه إذا ذكر المس الذي يقرن فيه بين الرجل
والمرأة علم أنه مس الشهوة، كما أنه إذا ذكر الوطء المقرون بين
الرجل والمرأة علم أنه الوطء بالفرج لا بالقدم .
وأيضاً فإنه لايقول: إن الحكم معلق بلمس النساء مطلقاً ؛ بل
بصنف من النساء وهو ما كان مظنة الشهوة . فأما مس من لا يكون
مظنة - كذوات المحارم والصغيرة - فلا ينقض بها . فقد ترك
ما ادعاه من الظاهر واشترط شرطاً لا أصل له بنص ولا قياس ؛
فإن الأصول المنصوصة تفرق بين اللمس لشهوة واللمس لغير شهوة ،
لا تفرق بين أن يكون الملموس مظنة الشهوة أو لا يكون ، وهذا هو
المس المؤثر فى العبادات كلها ؛ كالإحرام والاعتكاف والصيام وغير ذلك
وإذا كان هذا القول لا يدل عليه ظاهر اللفظ ولا القياس : لم يكن
له أصل في الشرع .
وأما من علق النقض بالشهوة فالظاهر المعروف فى مثل ذلك دليل
٢٣٤

له ؛ وقياس أصول الشريعة دليل . ومن لم يجعل اللمس ناقضاً بحال
فإنه يجعل اللمس إنما أريد به الجماع؛ كما فى قوله تعالى: (وَإِن
، ونظائره كثيرة . وفى السنن :
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ)
أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ ؛
لكن تكلم فيه .
وأيضاً فمن المعلوم أن مس الناس نساءهم مما تعم به البلوى ، ولا
يزال الرجل يمس امرأته ؛ فلو كان هذا مما ينقض الوضوء لكان
النبى صلى الله عليه وسلم بينه لأمته ؛ ولكان مشهوراً بين الصحابة ،
ولم ينقل أحد أن أحداً من الصحابة كان يتوضأ بمجرد ملاقاة يده
لامر أنه أو غيرها ، ولا نقل أحد في ذلك حديثاً عن النبى صلى الله عليه
وسلم: فعلم أن ذلك قول باطل . والله أعلم.
وسل
عن مس النساء : هل ينقض الوضوء أم لا ؟
فأجاب : فيه ثلاثة أقوال الفقهاء :
أحدها : أنه لا ينقض بحال . كقول أبى حنيفة وغيره .
٢٣٥

والثانى: أنه إن كان له شهوة نقض وإلا فلا . وهو قول مالك
وغيره من أهل المدينة .
والثالث : ينقض فى الجملة وإن لم يكن بشهوة . وهو قول
الشافعي وغيره .
وعن أحمد بن حنبل ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة ، لكن المشهور
عنه قول مالك .
والصحيح فى المسألة أحد قولين ؛ إما الأول وهو عدم النقض
مطلقاً، وإما القول الثانى وهو النقض إذا كان بشهوة. وأما وجوب الوضوء
من مجرد مس المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال ، ولا يعرف هذا
القول عن أحد من الصحابة ، ولا روى أحد عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه أمر المسلمين أن يتوضؤوا من ذلك ؛ مع أن هذا الأمر غالب
لا يكاد يسلم فيه أحد فى عموم الأحوال ؛ فإن الرجل لا يزال يناول
امرأته شيئاً وتأخذه بيدها ، وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به ،
فلو كان الوضوء من ذلك واجباً لكان النبى صلى الله عليه وسلم
يأمر بذلك مرة بعد مرة ويشيع ذلك ، ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو
بأخبار الآحاد ، فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحداً
من المسلمين بشيء من ذلك - مع عموم البلوى به - علم أن
ذلك غير واجب .
٢٣٦

وأيضاً فلو أمرم بذلك لكانوا ينقلونه ويأمرون به . ولم ينقل
عن أحد من الصحابة أنه أمر بالوضوء من مجرد المس العاري عن
شهوة ، بل تنازع الصحابة فى قوله تعالى: ( أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ) ،
فكان ابن عباس وطائفة يقولون : الجماع ، ويقولون : الله حيي كريم
يكني بما يشاء عما شاء . وهذا أصح القولين .
وقد تنازع عبد الله بن عمر والعرب وعطاء ابن أبى رباح والموالى:
هل المراد به الجماع أو ما دونه ؟ فقالت العرب : هو الجماع. وقالت:
الموالي هو ما دونه . وتحاكموا إلى ابن عباس فصوب العرب
وخطأ الموالي .
وكان ابن عمر يقول : قبلة الرجل امرأته ومسها بيده من الملامسة،
وهذا قول مالك وغيره من أهل المدينة . ومن الناس من يقول : إن
هذا قول ابن عمر وابن مسعود ؛ لكونهما كانا لا يريان التيمم للجنب ؛
فيتأولان الآية على نقض الوضوء . ولكن قد صرح في الآية أن
الجنب يتيمم.
وقد ناظر أبو موسى ابن مسعود بالآية فلم يجبه ابن مسعود بشيء
وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه: فعلم أن ذلك كان من عدم استحضاره
الموجب الآية .
٢٣٧

ومعلوم أن الصحابة الأكابر الذين أدركوا النبى صلى الله عليه وسلم
لو كانوا يتوضؤون من مس نسائهم مطلقاً؛ ولو كان النبي صلى الله عليه
وسلم أمرم بذلك: لكان هذا مما يعلمه بعض الصغار ؛ كابن عمر وابن
عباس وبعض التابعين ، فإذا لم ينقل ذلك صاحب ولا تابع : كان ذلك
دليلا على أن ذلك لم يكن معروفاً بينهم ، وإنما تكلم القوم في تفسير
الآية ، والآية إن كان المراد بها الجماع فلا كلام ، وإن كان أريد بها
ما هو أعم من الجماع فيقال: حيث ذكر الله تعالى فى كتابه مس النساء
ومباشرتهن ونحو ذلك : فلا يريد به إلا ما كان على وجه الشهوة
واللذة، وأما اللمس العاري عن ذلك فلا يعلق الله به حكما من الأحكام
(وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى
أصلا ، وهذا كقوله تعالى :
الْمَسَجِدِ )، فهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء يعلمون أن
المعتكف لو مس امرأته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه ، وقد ثبت فى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يدفى رأسه إلى عائشة
رضي الله عنها فترجله وهو معتكف . ومعلوم أن ذلك مظنة مسه لها
ومسها له .
وأيضاً فالإِحرام أشد من الاعتكاف ولو مسته المرأة لغير شهوة لم
يأثم بذلك ولم يجب عليه دم . وهذا الوجه يستدل به من وجهين : من
جهة ظاهر الخطاب ؛ ومن جهة المعنى والاعتبار ؛ فإن خطاب الله تعالى
٢٣٨

فى القرآن بذكر اللمس والمس والمباشرة للنساء ونحو ذلك : لا يتناول
ما تجرد عن شهوة أصلا ، ولم يتنازع المسلمون فى شيء من ذلك إلا فى
آية الوضوء، والنزاع فيها متأخر ؛ فيكون ما أجمعوا عليه قاضياً على
ما تنازع فيه متأخروم .
وأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئاً من
الأحكام ، ولا جعله موجباً لأمر ، ولا منهياً عنه فى عبادة ولا اعتكاف
ولا إحرام ؛ ولا صلاة ولا صيام ؛ ولا غير ذلك ، ولا جعله ينشر
حرمة المصاهرة ؛ ولا يثبت شيئاً غير ذلك ، بل هذا فى الشرع كما لو
مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من المس الذي لم يجعله الله سبباً
الإيجاب شيء ولا تحريم شيء.
وإذا كان كذلك كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفاً للأصول الشرعية
المستقرة ، مخالفاً للمنقول عن الصحابة ، وكان قولا لا دليل عليه من
كتاب ولا سنة ؛ بل المعلوم من السنة مخالفته ، بل هذا أضعف ممن
جعل المنى نجساً ، فإن القول بنجاسة التي ضعيف ، فإذا كان النى صلى
اللّه عليه وسلم لم يأمر أحداً بغسل ما يصيب بدنه أو ثيابه من المني مع
كثرة ما كان يصيب الناس من ذلك فى حياته ؛ وقد أمر الحائض أن
تغسل ما أصاب ثوبها من الهم مع أن ذلك قليل بالنسبة لإصابة المنى
للرجال ؛ ولو كان ذلك واجباً لبينه ، بل كان يغسل ويمسح تقذراً ،
٢٣٩

كما كانت عائشة رضى الله عنها تارة تغسله وتارة تفركه من ثوبه صلى
الله عليه وسلم .
وكان سعد بن أبى وقاص وابن عباس يقولان : أمطه عنك ولو
بإذخرة فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق ، وكانت عمرة تغسله من ثوبه ،
فإن كان فى اعتقاده نجاسة المنى فهذا نزاع بين الصحابة ، والسنة تفصل
بينهم . فإذا كانت نجاسة المني ضعيفة فى السنة لكون النبي صلى الله عليه
وسلم لم يأمر بذلك لعموم البلوى به ، لكن هذا أضعف لكون الصحابة
لم يحك أحد منهم مجرد اللمس العاري عن الشهوة ناقضاً، وإنما تنازعوا
في اللمس المعتاد للشهوة كالقبلة والغمز باليد ونحو ذلك .
وأيضاً فإيجاب الوضوء من جنس اللمس كمس النساء ومس الذكر
إن لم يعلل بكونه مظنة تحريك الشهوة وإلا كان مخالفاً للأصول ،
فأما إذا علل بتحريك الشهوة كان مناسباً للأصول، وهنا للفقهاء طريقان:
أحدهما : قول من يقول : إن ذلك مظنة خروج الناقض، فأقيمت
المظنة مقام الحقيقة . وهذا قول ضعيف ؛ فإن المظنة إنما تقام مقام
الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية وكانت المظنة تفضى إليها غالبا ؛ وكلاهما
معدوم ؛ فإن الخارج لو خرج لعلم به الرجل . وأيضا فإن مس الذكر
لا يوجب خروج شيء فى العادة أصلا ؛ فإن المني إنما يخرج بالاستمناء
٢٤٠