النص المفهرس

صفحات 201-220

كثير من الفقهاء . وابن عباس علم حديث الذي وقصته ناقته وهو
محرم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في
ثوبيه ، ولا تقربوه طيباً ولا تخمروا رأسه ، فإنه يبعث يوم القيامة
ملياً )) فأخذ بذلك ، وقال: الإحرام باق ، يجتنب المحرم إذا مات
ما يجتنبه غيره وعلى ذلك فقهاء الحديث وغيرهم .
وكذلك الشهيد . روى عن ابن عمر أنه سئل عن تغسيله ؟ فقال:
غسل عمر وهو شهيد. والأكثرون بلغهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم
في شهداء أحد وقوله: ((زملوم بكلومهم ودمائهم ، فإن أحدم يبعث
يوم القيامة وجرحه يثعب دما: اللون لون دم والريح ريح مسك)) ،
والحديث في الصحاح ، فأخذوا بذلك في شهيد المعركة إذا مات قبل
أن يرتث . ونظائر ذلك كثيرة .
واتفق العلماء على أن المحرم يعقد الإزار إذا احتاج إلى ذلك ؛ لأنه
إنما يثبت بالعقد . وكره ابن عمر للمحرم أن يعقد الرداء ، كأنه رأى
أنه إذا عقد عقدة صار بشبه القميص الذي ليس له بدان . واتبعه على
ذلك أكثر الفقهاء فكرهوه كراهة تحريم ، فيوجبون الفدية إذا فعل
ذلك. وأما كراهة تنزيه ، فلا يوجبون الفدية ، وهذا أقرب. ولم ينقل
أحد من الصحابة كراهة عقد الرداء الصغير الذي لا يلتحف ولا يثبت
بالعادة إلا بالعقد ، أو ما يشبهه مثل الخلال وربط الطرفين على حقوه
٢٠١

ونحو ذلك ، وأهل الحجاز أرضهم ليست باردة ، فكانوا يعتادون لبس
الأزر والأردية ، ولبس السراويل قليل فيهم ، حتى إن منهم من كان
لا يلبس السراويل قط ، منهم عثمان بن عفان وغيره ، بخلاف أهل
البلاد الباردة لو اقتصروا على الأزر والأردية لم يكفهم ذلك، بل
يحتاجون إلى القميص والخفاف والفراء والسراويلات؛ ولهذا قال الفقهاء :
يستحب مع الرداء الإزار ، لأنه يستر الفخذين. ويستحب مع القميص
السراويل لأنه أستر ومع القميص لا يظهر تقاطيع الخلق ، والقميص
فوق السراويل يستر ، بخلاف الرداء فوق السراويل فإنه لا يستر
تقاطيع الخلق .
وأما الرداء فوق السراويل فمن الناس من يستحبه تشبهاً بهم .
ومنهم من لا يستحبه لعدم المنفعة فيه ؛ ولأن عادتهم المعروفة لبسه
مع الإزار . ومن اعتاد الرداء ثبت على جسده بعطف أحد طرفيه ،
وإذا حج من لم يتعود لبسه وكان رداؤه صغيراً لم يثبت إلا بعقده ؛
وكانت حاجتهم إلى عقده كحاجة من لم يجد النعلين إلى الحفين . فإن
الحاجة إلى ستر البدن قد تكون أعظم من الحاجة إلى ستر القدمين ؛
والتحفي في المشي يفعله كثير من الناس . وأما إظهار بدنه للحر والبرد
والريح والشمس فهذا يضر غالب الناس .
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي بستر ذلك
٢٠٢

فقال: ((لا يصلين بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء))، ومجوز
الصلاة حافياً : فعلم أن ستر هذا إلى الله أحب من ستر القدمين
بالنعلين ؛ فإذا كان ذلك للحاجة العامة رخص فيه في البدن من غير
فدية فلأن يرخص فى هذا بطريق الأولى والأحرى .
فإن قيل : فينبغي أن يرخص فى لبس القميص والحية ونحوهما لمن
لم يجد الرداء .
قيل : الحاجة تندفع بأن يلتحف بذلك عرضاً مع ربطه وعقد
طرفيه فيكون كالرداء ، بخلاف ما إذا لم يمكنه الربط فإن طرفى القميص
والجية ونحوهما لا يثبت على منكبيه . وكذلك الأردية الصغار. فما وجده
المحرم من قميص وما يشبهه كالحبة ؛ ومن برنس وما يشبهه من ثياب
مقطعة : أمكنه أن يرتدي بها إذا ربطها ؛ فيجب أن يرخص له في
ذلك لو كان العقد فى الأصل محظوراً ؛ وكذلك إن كان مكروها ؛
فعند الحاجة تزول الكراهة ، كما رخص له أن يلبس الهميان لحفظ
ماله ، ويعقد طرفيه إذا لم يثبت إلا بالعقد ؛ وهو إلى ستر منكبيه
أحوج : فرخص له عقد ذلك عند الحاجة بلا ريب ، والنبى صلى الله
عليه وسلم لم يذكر فيما يحرم على المحرم وما ينهى عنه لفظاً عاماً يتناول
عقد الرداء ، بل سئل صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم من الثياب
فقال: ((لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات
٢٠٣

ولا الخفاف، إلا من لم يجد نعلين )) الحديث .
فنهى عن خمسة أنواع من الثياب التى تلبس على البدن وهي
القميص ، وفي معناه الجبة وأشباهها ؛ فإنه لم يرد تحريم هذه الخمسة
فقط ؛ بل أراد تحريم هذه الأجناس ونبه على كل جنس بنوع منها .
وذكر ما احتاج المخاطبون إلى معرفته ؛ وهو ما كانوا يلبسونه غالباً .
والدليل على ذلك : ما ثبت عنه فى الصحيحين أنه سئل قبل ذلك عمن
أحرم بالعمرة وعليه جبة فقال: ((انزع عنك الحية واغسل عنك أثر
الخلوق؛ واصنع في عمرتك ما كنت صانعاً في حجك)). وكان هذا
في عمرة القضية فعلم أن تحريم الجبة كان مشروعا قبل هذا ولم يذكرها
بلفظها في الحديث.
وأيضاً فقد ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال فى المحرم الذي وقصته
ناقته: ((ولا تخمروا رأسه)) وفى مسلم ((ووجهه؛ فإنه يبعث يوم
القيامة ملبياً)) ، فنهاهم عن تخمير رأسه لبقاء الإحرام عليه لكونه يبعث
يوم القيامة ملبياً، كما أمرهم أن لا يقربوه طيباً ؛ فعلم أن المحرم
ينهى عن هذا وهذا . وإنما فى هذا الحديث النهي عن لبس العمائم
فعلم أنه أراد النهي عن ذلك وعما يشبه فى تخمير الرأس ؛ فذكر
ما يخمر الرأس وما يلبس على البدن كالقميص والجمية ؛ وما يلبس
عليها جميعاً وهو البرنس ، وذكر ما يلبس فى النصف الأسفل من البدن
٢٠٤

وهو السراويل والثياب ؛ والتبان في معناه . وكذلك ما يلبس في
الرجلين وهو الخف ، ومعلوم أن الجرموق والجورب في معناه ، فهذا
ينهى عنه المحرم فكذلك يجوز عليه المسح للحلال ، والمحرم الذي جاز
له لبسه فإن الذي نهى عنه المحرم أمر بالمسح عليه .
وهذا كما أنه لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه
كان الموجود غالباً ؛ لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز ؛ بل الصواب
قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره كما هو أظهر الروايتين عن أحمد
لنهيه عن الاستجمار بالروث والرمة، وقال: ((إنهما طعام إخوانكم من
الجن))، فلما نهى عن هذين تعليلاً بهذه العلة علم أن الحكم ليس
مختصاً بالحجر وإلا لم يحتج إلى ذلك .
وكذلك أمره بصدقة الفطر بصاع من تمر أو شعير ؛ هو عند
أكثر العلماء لكونه كان قوتاً للناس ، فأهل كل بلد يخرجون من
قوتهم وإن لم يكن من الأصناف الخمسة ، كالذين يقتاتون الرز أو
الذرة ؛ يخرجون من ذلك عند أكثر العلماء ، وهو إحدى الروايتين
عن أحمد .
وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنا فى الاستجمار بكل
شيء ، بل الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالهي عنه من
٢٠٥

طعام الجن وعلف دوابهم ، ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لايتوقون
الاستجمار بما نهى عنه من ذلك ؛ بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه
لا يوجد من يفعله فى العادة الغالبة .
وكذلك هذه الأصناف الخمسة نهى عنها وقد سئل ما يلبس المحرم
من الثياب ، وظاهر لفظه أنه أذن فيما سواها ؛ لأنه سئل عما يلبس
لا عما لا يلبس ؛ فلو لم يفد كلامه الإذن فيما سواها لم يكن قد أجاب
السائل ، لكن كان الملبوس المعتاد عندم مما يحرم على المحرم هذه الخمسة
- والقوم لهم عقل وفقه - فيعلم أحدث أنه إذا نهى عن القميص وهو
طاق واحد فلأن ينهى عن المبطنة ؛ وعن الجبة المحشوة ؛ وعن الفروة
التى هي كالقميص ؛ وما شاكل ذلك: بطريق الأولى والأحرى ؛ لأن
هذه الأمور فيها ما في القميص وزيادة فلا يجوز أن يأذن فيها مع
نهيه عن القميص .
وكذلك التبان أبلغ من السراويل ، والعمامة تلبس في العادة فوق
غيرها : إما قلنسوة أو كلمة أو نحو ذلك ، فإذا نهى عن العامة التى
لا تباشر الرأس فيهيه عن القلنسوة والكلمة ونحوها مما يباشر الرأس :
أولى ؛ فإن ذلك أقرب إلى تخمير الرأس والمحرم أشعث أغبر .
ولهذا قال في الحديث الصحيح - حديث المباهاة -: (( أنه
٢٠٦

بدنو عشية عرفة فيباهي الملائكة بأهل الموقف فيقول : انظروا إلى
عبادي ! أنونى شيئاً غبراً ما أراد هؤلاء؟)) وشعث الرأس واغبرار.
لا يكون مع تخميره ؛ فإن المخمر لا يصيبه الغبار ولا يشعث بالشمس
والريح وغيرهما ؛ ولهذا كان من لبد رأسه يحصل له نوع متعة بذلك
يؤمر بالحلق فلا يقصر ، وهذا بخلاف القعود في ظل أو سقف أو خيمة
أو شجر أو ثوب يظلل به ؛ فإن هذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
لأن ذلك لا يمنع الشعث ولا الاغبرار وليس فيه تخمير الرأس.
وإنما تنازع الناس فيمن يستظل بالمحمل ؛ لأنه ملازم للراكب كما
تلازمه العمامة لكنه منفصل عنه ، فمن نهى عنه اعتبر ملازمته له ، ومن
رخص فيه اعتبر انفصاله عنه. فأما المنفصل الذي لا يلازم فهذا يباح
بالإجماع. والمتصل الملازم منهى عنه باتفاق الأئمة .
ومن لم يلحظ المعانى من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب
وفحواه من أهل الظاهر ؛ كالذين يقولون: إن قوله: (فَلاَتَقُل ◌َّمَّ
أنٍّ ) لا يفيد النهي عن الضرب . وهو إحدى الروايتين عن داود ؛
واختاره ابن حزم ، وهذا فى غاية الضعف ، بل وكذلك قياس الأولى
وإن لم يدل عليه الخطاب ، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا
فإنكاره من بدع الظاهرية التى لم يسبقهم بها أحد من السلف ، فما زال
السلف يحتجون بمثل هذا وهذا .
٢٠٧

كما أنه إذا قال فى الحديث الصحيح: ((والذي نفسي بيده لايؤمن
- كررها ثلاثاً - قالوا : من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن
جاره بوائقه))، فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوائقه : فكيف من
فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه ؟ كما فى الصحيح عنه أنه قيل له :
أي الذنب أعظم؟ قال: (( أن تجعل لله نداً وهو خلقك))، قيل :
ثم ماذا؟ قال: (( أن تقتل ولدك خشية أن بطعم معك))، قيل: ثم
أي؟ قال: ((أن تزانى بحليلة جارك))، ومعلوم أن الجار لا يعرف
هذا فى العادة : فهذا أولى بسلب الإيمان ممن لا تؤمن بوائقه ولم
يفعل مثل هذا .
وكذلك إذا قال : (فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْ أ ◌َسْلِيمًا ) ، فإذا
كان هؤلاء لا يؤمنون فالذين لا يحكمونه ويردون حكمه ويجدوا حرجاً مما
قضى؛ لاعتقادم أن غيره أصح منه أو أنه ليس بحكم سديد أشد وأعظم .
وكذلك إذا قال: (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِيُوَآدُونَ مَنْ
، فإذا كان بموادة المحاد لا يكون مؤمناً فأن لا
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )
يكون مؤمناً إذا حاد بطريق الأولى والأحرى . وكذلك إذا نهى
الرجل أن يستنجي بالعظم والروثة لأنهما طعام الجن وعلف دوابهم :
فإنهم يعلمون أن نهيه عن الاستنجاء بطعام الإنس وعلف دوابهم أولى
٢٠٨

وإن لم يدل ذلك اللفظ عليه . وكذلك إذا نهى عن قتل الأولاد مع
الإملاق : فيهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى وأحرى .
فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة إلى معرفته ؛ وقد يكون
المسكوت عنه أولى بالحكم . فتخصيص القميص دون الجباب ؛ والعائم
دون القلانس ؛ والسراويلات دون التبابين : هو من هذا الباب ؛
لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أذن فيه .
وكذلك أمره بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابى - مع مافيه
من اختلاط الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير -
لا لأن النجاسة لا تزول بغير ذلك؛ بل الشمس والريح والاستحالة
تزيل النجاسة أعظم من هذا : ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول
فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئاً
من ذلك .
وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءاً كاملا ثم لبس
الخفين جاز له المسح بلا نزاع ، ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها
الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ففيه قولان هما روايتان عن أحمد :
إحداهما : يجوز المسح . وهو مذهب أبى حنيفة .
٢٠٩

والثانية : لا يجوز . وهو مذهب مالك والشافعى. قال هؤلاء :
لأن الواجب ابتداء اللبس على الطهارة ؛ فلو لبسها وتوضأ وغسل
رجليه فيها : لم يجز له المسح حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما
فيلبسه بعده . وكذلك فى تلك الصورة قالوا : يخلع الرجل الأولى ثم
يدخلها فى الخف، واحتجوا بقوله: ((إنى أدخلت القدمين الخفين وهما
طاهرتان )) ، قالوا : وهذا أدخلها وليستا طاهرتين .
والقول الأول هو الصواب بلا شك . وإذا جاز المسح لمن توضأ
خاربا ثم لبسها فلأن يجوز لمن توضأ فيها بطريق الأولى ؛ فإن هذا
فعل الطهارة فيها واستدامها فيها ، وذلك فعل الطهارة خارجا عنها ،
وإدخال هذا قدميه الخف مع الحدث وجوده كعدمه ، لا ينفعه ولا
يضره . وإنما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ذلك ، فإن هذا ليس بفعل
محرم كمس المصحف مع الحدث.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني أدخلتها الخف وهما طاهرتان))
حق ؛ فإنه بين أن هذا علة لجواز المسح ، فكل من أدخلها طاهرنين
فله المسح . وهو لم يقل: إن من لم يفعل ذلك لم يمسح، لكن دلالة
اللفظ عليه بطريق المفهوم والتعليل ، فينبغي أن ينظر حكمة التخصيص :
هل بعض المسكوت أولى بالحكم ؟ ومعلوم أن ذكر إدخالهما طاهرتين
هو المعتاد ؛ وليس غسلهما فى الخفين معتادا ؛ وإلا فإذا غسلهما
٢١٠

في الخف فهو أبلغ ؛ وإلا فأي فائدة فى نزع الخف ثم لبسه من غير
إحداث شيء فيه منفعة ؟ وهل هذا إلا عبث محض بنزه الشارع عن
الأمر به ؟ ولو قال الرجل لغيره: أدخل مالي وأهلي إلى بيتى - وكان
فى بيته بعض أهله وماله . هل يؤمر بأن يخرجه ثم يدخله؟
ويوسف لما قال لأهله: (ادْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ)، وقال
موسى: ( يَقَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ)، وقال الله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ مَامِنِينَ) : فإذا قدر أنه كان بمصر بعضهم ،
أو كان بالأرض المقدسة بعض ؛ أو كان بعض الصحابة قد دخل الحرم
قبل ذلك : هل كان هؤلاء يؤمرون بالخروج ثم الدخول ؟
فإذا قيل : هذا لم يقع . قيل : وكذلك غسل الرجل قدميه فى
الخف ليس واقعاً فى العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره ، لأنه ليس إذاً
فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال . فهذا وأمثاله من باب الأولى .
وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار، أو استجمر
بمنهي عنه كالروث والرمة وباليمين : هل يجزئه ذلك؟ والصحيح أنه
إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به ، وأما إذا
استجمر بالعظم واليمين فإنه يجزئه ؛ فإنه قد حصل المقصود بذلك
وإن كان عاصياً ، والإعادة لا فائدة فيها ، ولكن قد يؤمر بتنظيف
٢١١

العظم مما لوثه به ، كما لو كان عنده خمر فأمر بإتلافها فأراقها في المسجد
فقد حصل المقصود من إتلافها لكن هو آثم بتلويث المسجد فيؤمر
بتطهيره ، بخلاف الاستجمار بتمام الثلاث فإن فيه فعل تمام المأمور
وتحصيل المقصود .
وسئل
عن الخف إذا كان فيه خرق يسير : هل يجوز المسح عليه أم لا؟
فأجاب : وأما الخف إذا كان فيه خرق يسير ففيه نزاع مشهور .
فأكثر الفقهاء على أنه يجوز المسح عليه ، كقول أبي حنيفة ومالك .
والقول الثاني : لا يجوز . كما هو المعروف من مذهب الشافعى وأحمد
قالوا : لأن ما ظهر من القدم فرضه الغسل وما استتر فرضه المسح ،
ولا يمكن الجمع بين البدل والمبدل منه .
والقول الأول هو الراجح ، فإن الرخصة عامة ، ولفظ الخف
يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه ، لا سيما والصحابة كان فيهم
فقراء كثيرون ، وكانوا يسافرون ، وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون
في بعض خفافهم خروق ، والمسافرون قد يتخرق خف أحدم ولا
٢١٢

يمكنه إصلاحه في السفر ، فإن لم يجز المسح عليه لم يحصل
مقصود الرخصة .
وأيضاً فإن جمهور العلماء يعفون عن ظهور يسير العورة ، وعن
يسير النجاسة التى بشق الاحتراز عنها : فالخرق اليسير فى الخف كذلك.
وقول القائل : إن ما ظهر فرضه الغسل : ممنوع ، فإن الماسح
على الخف لا يستوعبه بالمسح كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه دون
أسفله وعقبه ، وذلك يقوم مقام غسل الرجل ، فمسح بعض الخف
كاف عما يحاذي الممسوح وما لا يحاذيه . فإذا كان الخرق فى العقب
لم يجب غسل ذلك الموضع ولا مسحه ، ولو كان على ظهر القدم لا
يجب مسح كل جزء من ظهر القدم ، و ( باب المسح على الخفين ) مما
جاءت السنة فيه بالرخصة حتى جاءت بالمسح على الجوارب والعمائم
وغير ذلك ، فلا يجوز أن يتناقض مقصود الشارع من التوسعة
بالحرج والتضييق .
وسئل
هل يجوز المسح على الجورب كالخف أم لا ؟ وهل يكون الخرق
الذي فيه الطعن مانعاً من المسح ، فقد يصف بشرة شيء من محل
٢١٣

الفرض ؟ وإذا كان فى الخف خرق بقدر النصف أو أكثر هل يعفى
عن ذلك أم لا ؟
فأجاب : نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما ،
سواء كانت مجلدة أو لم تكن . فى أصح قولي العلماء . ففي السنن :
أن النبى صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه . وهذا الحديث
إذا لم يثبت فالقياس يقتضى ذلك ، فإن الفرق بين الجوربين والنعلين
إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ، ومعلوم أن مثل هذا
الفرق غير مؤثر في الشريعة ، فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو
قطنا أو كتاناً أو صوفاً، كما لم يفرق بين سواد اللباس فى الإحرام
وبياضه ومحظوره ومباحه ، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف : فهذا
لا تأثير له ، كما لا تأثير لكون الجلد قويا ، بل يجوز المسح على ما
ببقى وما لا يبقى .
وأيضاً فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى
المسح على هذا سواء ، ومع التساوي فى الحكمة والحاجة يكون التفريق
بينهما تفريقاً بين المتماثلين ، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح
الذي جاء به الكتاب والسنة ، وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله
ومن فرق بكون هذا ينفذ الماء منه وهذا لا ينفذ منه : فقد ذكر
فرقا طرديا عديم التأثير .
٢١٤

ولو قال قائل : يصل الماء إلى الصوف أكثر من الجلد فيكون
المسح عليه أولى للصوق الطهور به أكثر: كان هذا الوصف أولى
بالاعتبار من ذلك الوصف وأقرب إلى الأوصاف المؤثرة ، وذلك أقرب
إلى الأوصاف الطردية ، وكلاهما باطل .
وخروق الطعن لا تمنع جواز المسح ، ولو لم تستر الجوارب إلا
بالشد جاز المسح عليها على الصحيح ، وكذلك الزربول الطويل الذي
لا يثبت بنفسه ولا يستر إلا بالشد . والله أعلم ؟
وقال رحم الله:
لما ذهبت على البريد وجد بنا السير وقد انقضت مدة المسح، فلم يمكن النزع
والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة ، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف،
فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة كما قلنا فى الجبيرة ، ونزلت
حديث عمر وقوله: لعقبة بن عامر: (( أصبت السنة)) على هذا توفيقاً
بين الآثار ثم رأيته مصرحاً به فى مغازي ابن عائد : أنه كان قد
ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق ، ذهب بشيراً بالفتح
من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة ، فقال له عمر : منذكم لم تنزع خفيك ؟
فقال : منذ يوم الجمعة ! قال : أصبت ! فحمدت الله على الموافقة.
٢١٥

وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا ، وهو: أنه إذا كان بتضرر
ينزع الخف صار بمنزلة الجبيرة . وفى القول الآخر : أنه إذا خاف
الضرر بالنزع تيمم ولم يمسح، وهذا كالروايتين لنا إذا كان جرحه
بارزاً يمكنه مسحه بالماء دون غسله فهل يمسحه أو يتيمم له ؟ على
روايتين. والصحيح المسح ، لأن طهارة المسح بالماء أولى من طهارة
المسح بالتراب ؛ ولأنه إذا جاز المسح على حائل العضو فعليه أولى .
وذلك أن طهارة المسح على الخفين طهارة اختيارية ، وطهارة
الجبيرة طهارة اضطرارية ، فماسح الخف لما كان متمكناً من الغسل
والمسح وقت له المسح ، وماسح الجبيرة لما كان مضطراً إلى مسحها لم
يوقت ، وجاز فى الكبرى ، فالخف الذي يتضرر بنزعه جبيرة . وضرره
يكون بأشياء : إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم : إذا نزعه ينال رجليه
ضرر ، أو يكون الماء بارداً لا يمكن معه غسلهما ، فإن نزعهما تيمم ،
فمسحهما غير من التيمم . أو يكون خائفاً إذا نزعهما وتوضأ : من عدو
أو سبع ، أو انقطاع عن الرفقة في مكان لا يمكنه السير وحده ؛ ففى
مثل هذه الحال له ترك طهارة الماء إلى التيمم : فلأن يجوز ترك طهارة
الغسل إلى المسح أولى . ويلحق بذلك إذا كان عادماً لماء ومعه
قليل يكفي لطهارة المسح لا لطهارة الغسل ، فإن نزعهما تيمم ، فالمسح
عليهما خير من التيمم .
٢١٦

وأصل ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((يمسح المقيم يوماً
وليلة ، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)) منطوقه إباحة المسح هذه المدة ،
والمفهوم لا عموم له ، بل يكفى أن لا يكون المسكوت كالمنطوق ، فإذا
خالفه فى صورة حصلت المخالفة ، فإذا كان فيما سوى هذه المدة لا يباح
مطلقاً ، بل يحظر نارة ويباح أخرى حصل العمل بالحديث ، وهذا
واضح، وهي مسألة نافعة جداً .
فإنه من باشر الأسفار فى الحج والجهاد والتجارة وغيرها : رأى
أنه فى أوقات كثيرة لا يمكن نزع الحفين والوضوء إلا بضرر يباح التيمم
بدونه ، واعتبر ذلك بما لو انقضت المدة والعدو بإزائه ، ففائدة النزع
الوضوء على الرجلين ، فحيث يسقط الوضوء على الرجلين يسقط النزع
وقد يكون الوضوء واجباً لو كانتا بارزتين ، لكن مع استثارهما يحتاج
إلى قلعهما وغسل الرجلين ثم لبسهما ثانياً إذا لم تتم مصلحته إلا بذلك
بخلاف ما إذا استمر فإن طهارته باقية ، وبخلاف ما إذا توضأ ومسح
عليهما : فإن ذلك قد لا يضره .
ففى هذين الموضعين لا يتوقت إذا كان الوضوء ساقطاً فينتقل إلى
التيمم ، فإن المسح المستمر أولى من التيمم ، وإذا كان فى النزع
واللبس ضرر يبيح التيمم: فلأن يبيح المسح أولى . والله أعلم ؟
٢١٧

وسئل رضى اللّه عنه
عن قلع الجبيرة بعد الوضوء : هل ينقض الوضوء أم لا ؟
فأجاب : الحمد لله . هذا فيه نزاع ، والأظهر أنه لا ينتقض
الوضوء كما أنه لا يعيد الغسل . لأن الجبيرة كالجزء من العضو .
والله أعلم ؟
وسئل
عن المسح فوق العصابة ؟
فأجاب : الحمد لله. إن خافت المرأة من البرد ونحوه مسحت على
خمارها ؛ فإن أم سلمة كانت تمسح خمارها ، وينبغي أن تمسح مع
هذا بعض شعرها ، وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع
بين العلماء ؟.
٢١٨

باب نواقض الوضوء
سئل رحمه اللّه
عن رجل يخرج من ذكره قيح لا ينقطع : فهل تصح صلاته مع
خروج ذلك ؟ أفتونا مأجورين !
فأجاب : لا يجوز أن يبطل الصلاة ، بل يصلي بحسب إمكانه .
فإن لم تنقطع النجاسة قدر ما يتوضأ ويصلي: صلى بحسب حاله بعد أن
يتوضأ وإن خرجت النجاسة فى الصلاة ، لكن يتخذ حفاظاً يمنع من
انتشار النجاسة . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عما إذا توضأ وقام يصلي وأحس بالنقطة فى صلاته : فهل تبطل
صلاته أم لا ؟
٢١٩

فأجاب : مجرد الإحساس لا ينقض الوضوء ؛ ولا يجوز له الخروج
من الصلاة الواجبة بمجرد الشك ؛ فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يجد الشيء فى الصلاة ؟ فقال :
(( لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)).
وأما إذا تيقن خروج البول إلى ظاهر الذكر فقد انتقض وضوؤه
وعليه الاستنجاء ، إلا أن يكون به سلس البول فلا تبطل الصلاة
بمجرد ذلك إذا فعل ما أمر به . والله أعلم ؟
وسئل أيضاً رحم الله
عن رجل كما شرع في الصلاة يحدث له رياح كثيرة ؛ حتى في
الصلاة يتوضأ أربع مرات أو أكثر ؛ إلى حين يقضي الصلاة يزول
عنه العارض ؛ ثم لا يعود إليه إلا فى أوقات الصلاة ، وهو لا يعلم ما
سبب ذلك ؟ : هل هو من شدة حرصه على الطهارة ؟ وقد يشق عليه
كثرة الوضوء ، وما يعلم هل حكمه حكم صاحب الأعذار أم لا لسبب
أنه لا يعاوده إلا في وقت الصلاة ؟ وما تطيب نفسه أن يصلي
بوضوء واحد ؟ .
٢٢٠