النص المفهرس

صفحات 181-200

والقول بأن البرء كالوقت فى الخفين ضعيف ، فإن طهارة الجبيرة
لا توقيت فيها أصلا حتى يقال : إذا انقضى الوقت بطلت الطهارة .
بخلاف المسح على الخفين فإنه موقت ، ونزعها مشبه بخلع الخف ، وهو
أيضاً تشبيه فاسد ، فإنه إن شبه بخلعه قبل انقضاء المدة ظهر الفرق ،
وإنما يشبه هذا نزعها قبل البرء وفيه الوجهان ، وإن شبه بخلعه قبل
انقضاء المدة فوجود الخلع كعدمه ، فإنه لا يجوز له حينئذ أن يمسح
على الخفين ؛ لأن الشارع أمره بخلعها فى هذه الحال ، بخلاف الجبيرة
فإن الشارع لم يجعل لها وقتاً ، بل جعلها بمنزلة ما يتصل بالبدن من
جلد وشعر وظفر، وذاك إذا احتاج الرجل إلى إزالته أزاله ولم
تبطل طهارته .
وقد ذهب بعض السلف إلى بطلانها وأنه يطهر موضعه ، وهذا
مشبه قول من قال : مثل ذلك فى الجبيرة .
ومن الناس من يقول : خلع الخف لا يبطل الطهارة . والقول
الوسط أعدل الأقوال ، وإلحاق الجبيرة بما يتصل بالبدن أولى ، كالوسخ
الذي على بده والحناء ، والمسح على الجبيرة واجب لا يمكنه تخيير بينه
وبين الغسل ، فلو لم يجز المسح عليها إذا شدها وهو محدث نقل إلى
التيمم ، وقد قدمنا أن طهارة المسح بالماء فى محل الغسل الواجب عليه
أولى من طهارة المسح بالتراب فى غير محل الغسل الواجب ؛ لأن الماء
١٨١

أولى من التراب ، وما كان فى محل الفرض فهو أولى به مما يكون فى
غيره. فالمسح على الخفين وعلى الجبيرة وعلى نفس العضو : كل ذلك
خير من التيمم حيث كان ، ولأنه إذا شدها على حدث مسح عليها في
الجنابة ففي الطهارة الصغرى أولى .
وإن قيل : إنه لا يمسح عليها من الجنابة حتى يشدها على الطهارة
كان هذا قولا بلا أصل يقاس عليه ، وهو ضعيف جداً .
وإن قيل : بل إذا شدها على الطهارة من الجنابة مسح عليها بخلاف
ما إذا شدها وهو جنب .
قيل : هو محتاج إلى شدها على الطهارة من الجنابة ، فإنه قد
يجنب - والماء يضر جراحه ويضر العظم المكسور ويضر الفصاد -
فيحتاج حينئذ أن يشده بعد الجنابة ثم يمسح عليها . وهذه من
أحسن المسائل .
والمقصود هنا : أن مسح الخف لا يستوعب فيه الخف ، بل يجزي
فيه مسح بعضه كما وردت به السنة ، وهو مذهب الفقهاء قاطبة ، فعلم
بذلك أنه ليس كل ما بطن من القدم مسح ما يليه من الخف ، بل إذا
مسح ظهر القدم كان هذا المسح مجزئاً عن باطن القدم وعن العقب .
١٨٢

وحينئذ فإذا كان الخرق في موضع ومسح موضعاً آخر كان ذلك
مسحاً مجزئاً عن غسل جميع القدم ، لا سيما إذا كان الخرق فى مؤخر
الخف وأسفله ، فإن مسح ذلك الموضع لا يجب بل ولا يستحب ، ولو
كان الخرق فى المقدم فالمسح خطوط بين الأصابع .
فإن قيل : مرادنا أن ما بطن يجزي عنه المسح وما ظهر
يجب غسله .
قيل : هذا دعوى محل النزاع فلا تكون حجة ، فلا نسلم أن
ما ظهر من الخف المحرق فرضه غسله! فهذا رأس المسألة . فمن احتج
به كان مثبتاً للشيء بنفسه .
وإن قالوا بأن المسح إنما يكون على مستور أو مغطى ونحو ذلك :
كانت هذه كلها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس
المسألة بلا حجة أصلا. والشارع أمرنا بالمسح على الخفين مطلقاً ولم
يقيده ، والقياس يقتضي : أنه لا يقيد .
والمسح على الخفين قد اشترط فيه طائفة من الفقهاء شرطين :
هذا أحدهما : وهو أن يكون سائراً لمحل الفرض . وقد تبين
ضعف هذا الشرط .
١٨٣

والثانى : أن يكون الخف يثبت بنفسه. وقد اشترط ذلك الشافعى
ومن وافقه من أصحاب أحمد ، فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير أو
خيط متصل به أو منفصل عنه ونحو ذلك : لم يمسح ، وإن ثبت بنفسه
لكنه لا يستر جميع المحل إلا بالشد - كالزربول الطويل المشقوق:
يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين إلا بالشد - ففيه وجهان
أصمحها أنه يمسح عليه . وهذا الشرط لا أصل له فى كلام أحمد ، بل
المنصوص عنه فى غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا
بأنفسهما، بل بنعلين تحتها ، وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع
التعلين . فإذا كان أحمد لا يشترط فى الجوربين أن يثبتا بأنفسهما بل
إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما : فغيرهما بطريق الأولى ، وهنا قد ثبتا
بالتعلين وهما منفصلان عن الجوربين . فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطها
كان المسح عليها أولى بالجواز .
وإذا كان هذا فى الجوربين : فالزربول الذي لا يثبت إلا بسير
يشده به متصلا به أو منفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين .
وهكذا ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما : إذا ثبت
ذلك بشدهما بخيط متصل أو منفصل مسح عليهما بطريق الأولى .
فإن قيل : فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف ، وهو : أن
١٨٤

يلف على الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح
بهما ونحو ذلك .
قيل : في هذا وجهان ذكرهما الحلوانى . والصواب أنه يمسح على
اللفائف ، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب ، فإن تلك اللفائف إنما
تستعمل للحاجة فى العادة وفي نوعها ضرر : إما إصابة البرد ، وإما
التأذي بالحفاء، وإما التأذي بالجرح. فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين
فعلى اللفائف بطريق الأولى .
ومن ادعى فى شيء من ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم ، ولا
يمكنه أن ينقل المنع عن عشرة من العلماء المشهورين فضلا عن الإجماع.
والنزاع فى ذلك معروف فى مذهب أحمد وغيره ؛ وذلك أن أمل
المسح على الخفين خفي على كثير من السلف والخلف ؛ حتى إن طائفة
من الصحابة أنكروه ، وطائفة من فقهاء أهل المدينة وأهل البيت أنكروه
مطلقا، وهو رواية عن مالك ؛ والمشهور عنه جوازه في السفر
دون الحضر .
وقد صنف الإمام أحمد كتابا كبيراً فى ((الأشربة)) فى تحريم
المسكر ولم يذكر فيه خلافا عن الصحابة ، فقيل له فى ذلك فقال : هذا
صح فيه الخلاف عن الصحابة بخلاف المسكر . ومالك مع سعة علمه وعلو
١٨٥

قدره قال فى ((كتاب السر)): لأقولن قولا لم أقله قبل ذلك في
علانية . وتكلم بكلام مضمونه إنكاره : إما مطلقا ، وإما فى الحضر .
وخالفه أصحابه في ذلك ، وقال ابن وهب : هذا ضعف له حيث لم يقله
قبل ذلك علانية .
والذين جوزوه منع كثير منهم من المسح على الجرموقين الملبوسين
على الخفين . والثلاثة منعوا المسح على الجوربين وعلى العمامة : فعلم أن
هذا الباب مما هابه كثير من السلف والخلف ، حيث كان الغسل هو
الفرض الظاهر المعلوم ؛ فصاروا يجوزون المسح حيث يظهر ظهوراً لا
حيلة فيه ، ولا يطردون فيه قياساً صحيحاً ولا يتمسكون بظاهر النص
المبيح، وإلا فمن تدبر ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطى القياس
حقه : علم أن الرخصة منه فى هذا الباب واسعة ؛ وأن ذلك من محاسن
الشريعة ومن الحنيفية السمحة التى بعث بها .
وقد كانت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تمسح على
خمارها ، فهل تفعل ذلك بدون إذنه ؟! وكان أبو موسى الأشعري
وأنس بن مالك بمسحان على القلانس ؛ ولهذا جوز أحمد هذا وهذا
فى إحدى الروايتين عنه ؛ وجوز أيضاً المسح على العمامة ؛ لكن أبو
عبد الله بن حامد رأى أن العمامة التي ليست محنكة المقتطعة : كان
أحمد بكره لبسها . وكذا مالك بكره لبسها أيضاً لما جاء
١٨٦

فى ذلك من الآثار ؛ وشرط فى المسح عليها أن تكون مخنكة .
واتبعه على ذلك القاضى وأتباعه ، وذكروا فيها - إذا كان لها
ذؤابة - وجهين .
وقال بعض أصحاب أحمد : إذا كان أحمد فى إحدى الروايتين
يجوز المسح على القلانس الدنيات - وهي القلانس الكبار - فلأن
يجوز ذلك على العمامة بطريق الأولى والأحرى . والسلف كانوا يحتكون
عمائهم لأنهم كانوا يركبون الخيل ويجاهدون فى سبيل الله ؛ فإن لم يربطوا
العمائم بالتحنيك وإلا سقطت ولم يمكن معها طرد الخيل ؛ ولهذا ذكر
أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة لأجل أنهم
كانوا في زمنه م المجاهدون . وذكر إسحاق بن راهويه بإسناد. أن
أولاد المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العام بلا تحنيك ؛ وهذا لأنهم
كانوا في الحجاز فى زمن التابعين لا يجاهدون . ورخص إسحق وغيره
فى لبسها بلا نحنيك، والجند المقاتلة لما احتاجوا إلى ربط عمائهم
صاروا يربطونها : إما بكلاليب ؛ وإما بعصابة ونحو ذلك . وهذا معناه
معنى التحنيك ، كما أن من السلف من كان يربط وسطه بطرف عمامته ،
والمناطق يحصل بها هذا المقصود. وفى نزع العمامة المربوطة بعصابة وكلاليب
من المشقة ما فى نزع المحنكة .
وقد ثبت المسح على العمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه
١٨٧

صحيحة ، لكن العلماء فيها على ثلاثة أقوال :
منهم من يقول : الفرض سقط بمسح مابدا من الرأس ؛ والمسح
على العمامة مستحب . وهذا قول الشافعي وغيره .
ومنهم من يقول : بل الفرض سقط بمسح العمامة ومسح مابدا من
الرأس ؛ كما فى حديث المغيرة. وهل هو واجب لأنه فعله في حديث
المغيرة ؛ أو ليس بواجب لأنه لم يأمر به فى سائر الأحاديث؟ على
روايتين. وهذا قول أحمد المشهور عنه .
ومنهم من يقول : بل إنما كان المسح على العمامة لأجل الضرر ،
وهو ما إذا حصل بكشف الرأس ضرر من برد ومرض ؛ فيكون من
جنس المسح على الجبيرة ، كما جاء : أنهم كانوا فى سرية فشكوا البرد
فأحرم أن يمسحوا على التساخين والعصائب - والعصائب هي العائم -
ومعلوم أن البلاد الباردة يحتاج فيها من يمسح التساخين والعصائب مالا
يحتاج إليه فى أرض الحجاز ، فأهل الشام والروم ونحو هذه البلاد
أحق بالرخصة فى هذا وهذا من أهل الحجاز ، والماشون فى الأرض
الخزنة والوعرة أحق بجواز المسح على الخف من الماشين فى الأرض
السهلة ، وخفاف هؤلاء في العادة لابد أن يؤثر فيها الحجر ؛ فهم برخصة
المسح على الخفاف المخرقة أولى من غيرم .
١٨٨

ثم المانع من ذلك يقول : إذا ظهر بعض القدم لم يجز المسح ،
فقد يظهر شيء يسير من القدم كموضع الخرز - وهذا موجود في كثير
من الخفاف - فإن منعوا من المسح عليها ضيقوا تضييقا يظهر خلافه
للشريعة بلا حجة معهم أصلا .
فإن قيل : هذا لا يمكن غسله حتى يقولوا : فرضه الغسل ، وإن
قالوا : هذا يعفى عنه لم يكن لهم ضابط فيما يمنع وفيما لا يمنع.
والذي يوضح هذا أن قولهم : إذا ظهر بعض القدم إن أرادوا
ظهوره للبصر فأبصار الناس مع اختلاف إدراكها قد يظهر لها من
القدم مالا يمكن غسله ، وإن أرادوا ما يظهر ويمكن مسه باليد فقد يمكن
غسله بلا مس . وإن قالوا : ما يمكن غسله فالإمكان يختلف ، قد
يمكن مع الجرح ولا يمكن بدونه، فإن سم الخياط يمكن غسله إذا
وضع القدم فى مغمزه وصبر عليه حتى يدخل الماء فى سم الخياط ، مع
أنه قد لا يتيقن وصول الماء عليه إلا بخضخضة ونحوها ، ولا يمكن غسله
كما يغسل القدم ، وهذا على مذهب أحمد أقوى ؛ فإنه يجوز المسح
على العمامة إذا لبست على الوجه المعتاد وإن ظهر من جوانب الرأس
ما يمسح عليه ، ولا يجب مسح ذلك .
وهل يجوز المسح على الناصية مع ذلك ؟ فيه عنه روايتان . فلم
١٨٩

يشترط فى الممسوح أن يكون سائراً لجميع محل الفرض، وأوجب الجمع
بين الأصل والبدل على إحدى الروايتين . والشافعي أيضا يستحب
ذلك كما يستحبه أحمد فى الرواية الأخرى : فعل أن المعتبر في اللباس
أن يكون على الوجه المعتاد ، سواء ستر جميع محل الفرض أو لم يستره.
والخفاف قد اعتيد فيها أن تلبس مع الفتق والخرق وظهور بعض
الرجل ؛ وأما ما تحت الكعبين فذاك ليس بخف أصلا ، ولهذا يجوز
للمحرم لبسه مع القدرة على النعلين فى أظهر قولي العلماء كما سنذكره
إن شاء الله تعالى ، ونبين نسخ الأمر بالقطع ؛ وأنه إنما أمر به حين لم
يشرع البدل أيضاً .
فالمقدمة الثانية من دليلهم - وهو قولهم : يمكن الجمع بين الأصل
والبدل - ممنوع على أصل الشافعي وأحمد ؛ فإن عندهما يجمع بين
التيمم والغسل فيما إذا أمكن غسل بعض البدن دون البعض ؛ لكون
الباقى جريحا ؛ أو لكون الماء قليلا ، ويجمع بين مسح بعض الرأس
مع العمامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام تبوك ؛ فلو قدر أن
الله تعالى أوجب مسح الخفين كما أوجب غسل جميع البدن: أمكن
أن يغسل ما ظهر ويمسح ما بطن ؛ كما يفعل مثل ذلك فى الجبيرة ؛
فإنه إذا ربطها على بعض مكان مسح الجبيرة وغسل أو مسح ما ينهما
تجمع بين الغسل والمسح فى عضو واحد . فتبين أن سقوط غسل ماظهر
١٩٠

من القدم لم يمكن لأنه لا يجمع بين الأصل والبدل ؛ بل لأن مسح
ظهر الخف ولو خطاً بالأصابع يجزئ عن جميع القدم فلا يجب غسل
شيء منه ، لا ما ظهر ولا ما بطن ، كما أمر صاحب الشرع لأمته، إذ
أحرم إذا كانوا مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم ثلاثة أيام ولياليهن . لا
من غائط ولا بول ولا نوم ، فأي خف كان على أرجلهم دخل فى
مطلق النص ؟.
كما أن قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يلبس المحرم من الثياب؟
فقال: (( لا يلبس القميص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا
الخفاف ! ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعها حتى يكونا أسفل من
الكعبين)) هكذا رواه ابن عمر، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب
بذلك لما كان بالمدينة ولم يكن حينئذ قد شرعت رخصة البدل. فلم
يرخص لهم لا فى لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار ، ولا فى لبس
الخف مطلقاً .
ثم إنه في عرفات بعد ذلك قال: ((السراويل لمن لم يجد الإزار ،
والخفاف لمن لم يجد النعلين))، هكذا رواه ابن عباس وحديثه في
الصحيحين، ورواه جابر وحديثه في مسلم ، فأرخص لهم بعرفات في البدل،
فأجاز لهم لبس السراويل إذا لم يجدوا الإزار بلا فتق ، وعليه جمهور
العلماء ، فمن اشترط فتقه خالف النص . وأجاز لهم حينئذ لبس الخفين
١٩١

إذا لم يجدوا النعلين بلا قطع ، فمن اشترط القطع فقد خالف النص ،
فإن السراويل المفتوق والخف المقطوع لا يدخل في مسمى السراويل
والخف عند الإطلاق ، كما أن القميص إذا فتق وصار قطعاً لم بسم
سراويل ، وكذلك البرنس وغير ذلك. فإنما أمر بالقطع أولاً لأن رخصة
البدل لم تكن شرعت ، فأحريم بالقطع حينئذ لأن المقطوع بصير كالنعلين،
فإنه ليس بخف . ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين ، فلم يدخل
فى إذنه في المسح على الخفين .
ودل هذا على أن كل ما يلبس تحت الكعبين من مداس وجمجم
وغيرهما كالخف المقطوع تحت الكعبين أولى بالجواز ، فتكون
إباحته أصلية كما تباح النعلان، لا أنه أبيح على طريق البدل ، وإنما المباح على
طريق البدل هو الخف المطلق والسراويل .
ودلت نصوصه الكريمة وألفاظه الشريفة التى هي مصابيح الهدى
على أمور يحتاج الناس إلى معرفتها قد تنازع فيها العلماء :
منها : أنه لما أذن للمحرم إذا لم يجد النعلين يلبس الخف: إما مطلقا وإما مع
القطع: كان ذلك إذنا في كل ما يسمى خفا، سواء كان سليما أو معيبا. وكذلك
لما أذن في المسح على الخفين كان ذلك إذنا في كل خف ، وليس المقصود قياس
حكم على حكم حتى يقال : ذاك أباح له لبسه وهذا أباح المسح عليه ،
بل المقصود أن لفظ الخف فى كلامه بتناول هذا بالإجماع . فعلم أن لفظ
١٩٢

الخف يتناول هذا وهذا ، فمن ادعى في أحد الموضعين أنه أراد بعض
أنواع الخفاف فعليه البيان . وإذا كان الخف في لفظه مطلقاً - حيث
أباح لبسه للمحرم ، وكل خف جاز للمحرم لبسه وإن قطعه ــ جاز
له أن يمسح عليه إذا لم يقطعه .
الثانى: أن المحرم إذا لم يجد نعلين ولا ما يشبه النعلين - من
خف مقطوع أو جمجم أو مداس أو غير ذلك - فإنه يلبس أي
خف شاء ولا يقطعه . هذا أصح قولي العلماء ، وهو ظاهر مذهب
أحمد وغيره ؛ فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم أذن بذلك في عرفات بعد
نهيه عن لبس الخف مطلقاً، وبعد أمره من لم يجد أن يقطع ، ولم
يأمرهم بعرفات بقطع ؛ مع أن الذين حضروا بعرفات كان كثير منهم
أو أكثرم لم يشهدوا كلامه بالمدينة ، بل حضر من مكة واليمن
والبوادي وغيرها خلق عظيم حجوا معه لم يشهدوا جوابه بالمدينة على
المنبر ، بل أكثر الذين حجوا معه لم يشهدوا ذلك الجواب .
وذلك الجواب لم يذكره ابتداء لتعليم جميع الناس ، بل سأله
سائل وهو على المنبر : ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال : لا يلبس
القميص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف:
إلا من لم يجد فعلين فليلبس خفين وليقطعها حتى يكونا أسفل من
الكعبين ، وابن عمر لم يسمع منه إلا هذا، كما أنه في المواقيت لم
١٩٣

يسمع إلا ثلاث مواقيت قوله: ((أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل
الشام الجحفة، وأهل نجد قرن))، قال ابن عمر: وذكر لي ــ ولم
أسمع - أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل اليمن يلملم ، وهذا
الذي ذكر له صحيح قد ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه
وسلم من رواية ابن عباس ، فابن عباس أخبر : أن النبي صلى الله عليه
وسلم وقت لأهل اليمن يلهم ، ولأهل المدينة ذا الخليفة ، ولأهل الشام
الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يعلم. وقال: ((هن
لهن ولكل آت أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ،
ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة))
فكان عند ابن عباس من العلم بهذه السنة ما لم يكن عند ابن عمر .
وفى حديثه ذكر أربع مواقيت ، وذكر أحكام الناس كلهم إذا حروا
عليها أو أحرموا من دونها .
والنبى صلى الله عليه وسلم كان يبلغ الدين بحسب ما أمر الله به،
فلما كان أهل المدينة قد أسلموا وأسلم أهل نجد وأسلم من كان من
ناحية الشام وقت الثلاث ، وأهل اليمن إنما أسلموا بعد ذلك ، ولهذا
لم ير أكثرم النبي صلى الله عليه وسلم بل كانوا مخضرمين، فلما
أسلموا وقت النبى صلى الله عليه وسلم وقال: (( أتاكم أهل اليمن ! م
أرق قلوبا وألين أفئدة ، الإيمان يمانى، والفقه يمانى، والحكمة يمانية))
١٩٤

ثم قد روى عنه أنه لما فتحت أطراف العراق وقت لهم ذات عرق ،
كما روى مسلم هذا من حديث جابر ، لكن قال ابن الزبير فيه: أحسبه
عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وقطع به غيره . وروى ذلك من حديث
عائشة ، فكان ما سمعه هؤلاء أكثر مما سمعه غيرهم .
وكذلك ابن عباس وجابر في ترخيصه في الخف والسراويل ، ففى
الصحيحين عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو يخطب بعرفات يقول: ((السراويلات لمن لم يجد الإزار، والخفان
لمن لم يجد النعلين)).
وفي صحيح مسلم عن جابر: (( من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم
يجد إزاراً فليلبس سراويل )). فهذا كلام مبتدأ منه صلى الله عليه وسلم
بين فيه فى عرفات - وهو أعظم تجمع كان له - أن من لم يجد إزاراً
فليلبس السراويل ، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين . ولم يأمر
بقطع ولا فتق ، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما
سمعوا أمره بقطع الخفين ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ،
فعلم أن هذا الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع
بعد بالمدينة ، وأنه بالمدينة إنما أرخص فى لبس النعلين وما يشبهها من
المقطوع ، فدل ذلك على أن من عدم ما يشبه الخفين يلبس الخف .
١٩٥

الثالث : أنه دل على أنه يلبس سراويل بلا فتق . وهو قول
الجمهور والشافعي وأحمد .
الرابع : أنه دل على أن المقطوع كالنعلين يجوز لبسهما مطلقاً ،
ولبس ما أشبها من جمجم ومداس وغير ذلك . وهذا مذهب أبي
حنيفة ووجه فى مذهب أحمد وغيره ، وبه كان يفتى جدي أبو البركات
رحمه الله فى آخر عمره لما حج.
وأبو حنيفة رحمه اللّه تعالى تبين له من حديث ابن عمر : أن
المقطوع لبسه أصل لا بدل له ، فيجوز لبسه مطلقاً . وهذا فهم صحيح
منه دون فهم من فهم أنه بدل .
والثلاثة تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص فى البدل
وهو الخف ولبس السراويل ، فمن لبس السراويل إذا عدم الأصل فلا
فدية عليه . وهذا فهم صحيح .
وأحمد فهم من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنه ناسخ
للقطع المتقدم . وهذا فهم صحيح .
وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفا
أو سراويل إذا لم يفتقه وإن عدم ، كما قال ذلك ابن عمر وغيره .
١٩٦

وزاد أن الرخصة في ذلك إنما هي للحاجة ، والمحرم إذا احتاج إلى محظور
فعله وافتدى .
وأما الأكثرون فقالوا : من لبس البدل فلا فدية عليه ، كما أباح
ذلك النبى صلى الله عليه وسلم بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق ،
قالوا : والناس كلهم محتاجون إلى لبس ما يسترون به عوراتهم وما
يلبسونه في أرجلهم ، فالحاجة إلى ذلك عامة ، وما احتاج إليه العموم لم
يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية ، بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو
برد، ومن ذلك حاجة لعارض؛ ولهذا أرخص النبى صلى الله عليه
وسلم للنساء فى اللباس مطلقاً من غير فدية ، ونهى المحرمة عن النقاب
والقفازين ؛ فإن المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها فى
ستره فدية .
وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار
والنعال ، وابن عمر رضى الله عنه لما لم يسمع إلا حديث القطع أخذ
بعمومه ، فكان يأمر النساء بقطع الخفاف ؛ حتى أخبروه بعد هذا
أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء فى لبس ذلك، كما أنه لما
سمع قوله: ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)) أخذ
بعمومه فى حق الرجال والنساء ، فكان يأمر الحائض أن لا تنفر حتى
تطوف . وكذلك زيد بن ثابت كان يقول ذلك ، حتى أخبروهما أن النبي
١٩٧

صلى الله عليه وسلم رخص للحيض أن ينفرن بلا وداع.
وتناظر فى ذلك زيد وابن عباس وابن الزبير لما سمعا نهي النبى
صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير أخذاً بالعموم ، فكان ابن
الزبير يأمر الناس بمنح نسائهم من لبس الحرير ، وكان ابن عمر ينهى
عن قليله وكثيره ، فينزع خيوط الحرير من الثوب ، وغيرهما سمع
الرخصة للحاجة، وهو الإرخاص للنساء وللرجال فى اليسير وفيما يحتاجون
إليه للتداوى وغيره ؛ لأن ذلك حاجة عامة .
وهكذا اجتهاد العلماء رضي الله عنهم فى النصوص: يسمع أحدم
النص المطلق فيأخذ به ، ولا يبلغه ما يبلغ مثله من تقييده وتخصيصه
والله لم يحرم على الناس فى الإحرام ولا غيره ما يحتاجون إليه حاجة
عامة ، ولا أمر مع هذه الرخصة فى الحاجة العامة أن يفسد الإنسان
خفه أو سراويله بقطع أو فتق، كما أفتى بذلك ابن عباس وغيره ممن
سمع السنة المتأخرة ، وإنما أمر بالقطع أولا ليصير المقطوع كالنعل ، فأحر
بالقطع قبل أن يشرع البدل ؛ لأن المقطوع يجوز لبسه مطلقاً ، وإنما
قال: ((لمن لم يجد)) لأن القطع مع وجود الفعل إفساد للخف ،
وإفساد المال من غير حاجة : منهى عنه ، بخلاف ما إذا عدم الخف ،
فلهذا جعل بدلا في هذه الحال لأجل فساد المال ، كما فى الصحيحين
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه
١٩٨

يناجي ربه ، فلا ببزقن بين يديه ولا عن يمينه! ولكن عن شماله أو
تحت قدمه )) هذه رواية أنس . وفى الصحيحين عن أبي هريرة قال :
رأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة فى قبلة المسجد فأقبل على الناس
فقال: (( ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم
أن يستقبل فيتنفع فى وجهه ؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره
أو تحت قدمه ، فإن لم يجد - قال هكذا ــ ونفل فى ثوبه ووضع
بعضه على بعض )) فأمر بالبصاق فى الثوب إذا تعذر لا لأن البصاق في
الثوب بدل شرعى ، لكن مثل ذلك بلوث الثوب من غير حاجة .
وفى الاستجمار أمر بثلاثة أحجار فمن لم يجد فثلاث حثيات من
تراب ، لأن التراب لا يتمكن به كما يتمكن بالحجر لا لأنه بدل شرعى .
ونظائره كثيرة ، فدلت نصوصه الكريمة على أن الصواب فى هذه المسائل
توسعة شريعته الحنيفية ، وأنه ما جعل على أمته من حرج . وكل قول
دلت عليه نصوصه قالت به طائفة من العلماء رضي الله عنهم، فلم مجمع
الأمة - ولله الحمد - على رد شيء من ذلك ، إذ كانوا لا يجتمعون
على ضلالة ، بل عليهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى اللّه وإلى الرسول
وإذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول تبين كمال دينه وتصديق
بعضه البعض. وأن من أفتى من السلف والخلف بخلاف ذلك ــ مع اجتهاده
وتقواه لله بحسب استطاعته - فهو مأجور في ذلك لا إثم عليه، وإن
١٩٩

كان الذي أصاب الحق فيعرفه له أجران وهو أعلى منه ، كالمجتهدين فى
جهة الكعبة .
وابن عمر - رضي الله عنه- كان كثير الحج وكان يفتى الناس فى
المناسك كثيراً ، وكان فى آخر عمره قد احتاج إليه الناس وإلى علمه
ودينه ؛ إذ كان ابن عباس مات قبله ، وكان ابن عمر يفتى بحسب ما
سمعه وفهمه ؛ فلهذا يوجد فى مسائله أقوال فيها ضيق ، لورعه ودينه
رضي الله عنه وأرضاه ، وكان قد رجع عن كثير منها : كما رجع عن
أمر النساء بقطع الخفين ، وعن الحائض أمر أن لا تنفر حتى تودع ،
وغير ذلك . وكان يأمر الرجال بالقطع، إذ لم يبلغه الخبر الناسخ .
وأما ابن عباس فكان يبيح للرجال لبس الخف بلا قطع إذا لم
يجدوا النعلين ، لما سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم بعرفات . وكذلك
كان ابن عمر ينهى المحرم عن الطيب حتى يطوف اتباعا لعمر . وأما
سعد وابن عباس وغيرهما من الصحابة فبلغتهم سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم من طريق عائشة رضي الله عنها أنه تطيب لإحرامه قبل أن
يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت ، فأخذوا بذلك .
وكذلك ابن عمر رضي الله عنه كان إذا مات المحرم يرى إحرامه
قد انقطع ، فلما مات ابنه كفنه فى خمسة أثواب ، واتبعه على ذلك
٢٠٠