النص المفهرس

صفحات 161-180

بحال ، فالتهي في حقه حكم مبتدأ ، لكن هل يثبت الحكم فى حق المكلف
قبل بلوغ الخطاب ؟ فيه ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد وغيرهم :
أحدها : أنه يثبت مطلقاً .
والثانى: لا يثبت مطلقاً .
والثالث : الفرق بين الحكم الناسخ والحكم المبتدأ .
وعلى هذا يقال : الجاهل لم يبلغه حكم الخطاب ، وقد يفرق بين
الناسي والجاهل : ألا ترى من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يعيدها
باتفاق المسلمين ؟ وكذلك من ترك شيئاً من فروضها نسياناً ثم ذكر
قبل أن يذكر أنه صلى بلا وضوء ، أو ترك القراءة أو الركوع ونحو
ذلك فإنه يعيد . وأما من نسي واجباً كالتشهد الأول فإنه يسجد قبل
السلام ، فإن تعمد تركه ففي بطلان صلاته وجهان : أشهرهما نبطل .
ولو نسيه مطلقاً لم تبطل صلاته، فهنا قد أثر النسيان في سقوط
الواجب مطلقاً .
وأما الجاهل فلو صلى غير عالم بوجوب الوضوء من لحم الإبل ،
أو صلى في مباركها غير عالم بالنهي ثم بلغه: ففي الإعادة روايتان ، لكن
الأظهر فى الحجة أنه لا يعيد ، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع .
١٦١

ومما يقرر هذا فى كلام الجاهل فى الصلاة أحاديث :
منها : حديث ابن مسعود حديث التشهد المستفيض : أنه قال كنا
نقول في الصلاة: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل
وميكائيل ، السلام على فلان وفلان. فنهام النبى صلى الله عليه وسلم
عن ذلك. وقال: ((إن اللّه هو السلام))، ولم يأمرهم بإعادة الصلوات
التى قالوا ذلك فيها ، مع أن هذا الكلام حرام فى نفسه ، فإنه لا يجوز
أن يدعى اللّه بالسلام، بل هو المدعو ، ولما كانوا جهالا بتحريم ذلك لم
يأمرهم بالإعادة. ومن ذلك الأعرابى الذي قال: اللهم ارحمنى ومحمداً ولا
ترحم معنا أحداً! وقال: ((لقد تحجرت واسعاً)) يريد رحمة الله.
وهذا الدعاء حرام ، فإنه سؤال الله أن لا يرحم من خلقه غيرهما . ومن
ذلك قول القائل ـ لما صلى بهم أبو موسى - أقرنت الصلاة بالبر
والزكاة ؟ فقال أبو موسى : ياحطان ! لعلك قلتها ؟ فقلت : ما قلتها
ولقد خشيت أن تنكغني بها ، ولم يأمرني أبو موسى بالإعادة .
وعلى هذا فكلام العامد في مصلحتها فيه روايتان عن أحمد :
إحداها : يجوز . وهو قول مالك.
والثانية : لا يجوز . وهو قول الشافعي .
١٦٢

وفيه رواية ثالثة : أن الكلام يبطل إلا إذا كان لمصلحتها ، سواء
كان عمداً أو سهواً .
وفيه رواية رابعة : إلا لمصلحتها سهواً ، وهو اختيار جدي.
وفيه رواية خامسة : تبطل إلا صلاة إمام تكلم لمصلحتها ؛ سواء
كان عمداً أو سهواً .
ومنشأ التردد أنه تكلم ذو اليدين ابتداء ؛ وتكلم جواباً للنبي
صلى الله عليه وسلم بقوله : بلى قد نسيت : بعد قول النى صلى الله
عليه وسلم: ((لم أنس ولم تقصر))، وتكلم النبي صلى الله عليه
وسلم بذلك وبقوله: ((أحق ما يقول ذو اليدين ؟ )) وتكلم المخاطبون
بتصديق ذي اليدين فقيل : إنما جاز ذلك لكونه لم يعتقد أنه في الصلاة،
وكذلك ذو اليدين سؤاله له هو بمنزلة سلامه والمؤمنين معه إتباعاً له ؛
فإنهم لم يكونوا يعلمون أنه نسي ، بل جوز أن تكون الصلاة قصرت،
وكذلك سائر الصحابة لو علموا أنه نسي وأن متابعة الناسي فى السلام
لا تجوز : لسبحوا به ؛ لكن لم يعلموا بجميع الأمرين قطعاً، بل
جوزوا أحدهما أو كلاهما ، بل كانوا يعتقدون وجوب المتابعة له في
الصلاة مطلقاً حتى يتبين لهم .
فقيل لهؤلاء : فالمصلون أجابوه بتصديق ذي اليدين مع علمهم بأنها
١٦٣

لم تقصر وأنه نسى ، فظن بعضهم ذلك ؛ لأن جوابه واجب لا يبطل
الصلاة لحديث سعد بن المعلى ، وظن آخرون أن ذلك لمصلحة الصلاة
فجوزوا الكلام لمصلحة الصلاة عمداً ، وظن آخرون أن ذلك إنما كان
سهواً؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون أنه قد بقى عليهم بقية من الصلاة ؛ وأن
من بقى عليه بقية لا يتكلم .
ثم قال آخرون : هذا الكلام وكلام النبى صلى الله عليه وسلم
وذي اليدين مع كون ذلك سهواً فإنما كان لمصلحة الصلاة ، والمقصود
هنا أن من تكلم في صلب الصلاة علماً أنه فى صلاته بنحو هذا سهواً
وعمداً لمصلحة الصلاة : هل يكون بمنزلة هذا؟ هذا فيه قولان في مذهب
أحمد وغيره . فمن لم يسو بينهما قال : هذه الحال لم يكونوا في صلاة
لخروجهم منها سهواً ؛ وإن كانوا فى حكمها كما ذكرنا ؛ فلهذا شاع
هذا . ومن يسوى بينهما قال : سائر محظورات الصلاة هي فى مثل
هذه الحال كما هي في الصلاة نفسها ؛ فإن التفريق هنا إنما جاز لعذر
السهو فلا يفيد فعل شيء مما ينافى الصلاة ؛ ولهذا اتفقوا على أنه إذا
تعمد فى مثل هذه الحال ما يبطل الصلاة لغير مصلحة : بطلت صلاته ،
وإن كانت لا تبطل إذا فعل ذلك بعد سلام الإمام ؛ وذلك أن المصلي
صلى الصلاة وترك منافيها ؛ فإذا عفى عنه في أحدهما لعذر لم يجز
أن يعفى عنه فى الآخر لغير عذر ، كما لو زاد الفعل عمداً فإنه بعد
١٦٤

الذكر لو أطال الفصل عمداً : لم يكن له البناء ، بل يبتدئ الصلاة؛
ولهذا لو فعل منافيها سهواً . من كلام أو عمل كثير ونحو ذلك .-
لم يكن له مع ذلك أن يفرقها عمداً .
فتبين بهذا كله وجوب الموالاة فى الصلاة إلا فى حال العذر المسوغ
لذلك ، فالوضوء أولى بذلك .
فإن قيل : فما تقولون في الغسل ؟
قيل : المشهور عند أصحاب أحمد : الفرق بينهما . وعمدة ذلك
ما روى: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على بده لمعة لم يصبها
الماء فعصر عليها شعره)). وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
اغتسل من جنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء فقال: ((بجمته قبلها عليها))؛
رواه أحمد وابن ماجه من حديث أبى علي السروجي . وقد ضعف
أحمد وغيره حديثه . وروى ابن ماجه عن علي قال : جاء رجل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني اغتسلت من الجنابة فصليت الفجر
ثم أصبحت فرأيت موضعاً قدر الظفر لم يصبه ماء ؛ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((لو كنت مسحت عليه بيدك آجزاك)). وعن
ابن مسعود أن رجلا سأل النى صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغتسل
من الجنابة فيخطئ بعض جسده ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
١٦٥

((يغسل ذلك المكان ثم يصلي ))، رواه البيهقي من رواية عاصم بن
عبد العزيز الأشجعي ، قال البخاري : فيه نظر ! وقال ابن حبان :
يخطئ كثيراً . وقال الدار قطني : ليس بالقوى .
والفرق المعنوي : أن أعضاء الوضوء متعددة يجب فيها الترتيب
عندهم ؛ فوجبت فيها الموالاة ، والبدن فى الغسل كالعضو الواحد :
لا يجب فيه ترتيب فلا يجب فيه موالاة أيضاً ؛ فإن حكم الوضوء
يتعدى محله ؛ فإنه يغسل أربعة أعضاء فيطهر جميع البدن ، وأما
الجنابة فتشبه إزالة النجاسة : لا يتعدى حكمه محله ، فكل ما غسل
شيئاً ارتفع عنه الجنابة ، كما ترتفع النجاسة عن محل الغسل ، فإذا غسل
بعض أعضاء الوضوء لم يرتفع شيء من الحدث ، لا عنه ولا عن غيره
بدليل أنه لا يباح له مس المصحف به .
وقد يقال : هذا لا يؤثر فى الموالاة ؛ فإن وجوب الموالاة فى
الشيء الواحد أقوى من وجوبها فى الاثنين ؛ بخلاف الترتيب ؛ فإنه
لا يكون إلا بين شيئين ولا بد أن يكونا مختلفين ؛ إذ المتماثلات
- كالطوافات والسعيات - لا يكون بينها ترتيب ؛ ولهذا لم يجب
الترتيب عند أحمد ومالك فى الركعات ، بل من نسى ركناً من ركعة
فلم يذكر حتى قرأ فى الثانية : قامت مقامها ، وغسل الجنابة عبادة
واحدة الاتصال فيها أظهر منه في الوضوء ، وهي عبادة فى نفسها
١٦٦

تعتبر لها النية ؛ بخلاف إزالة النجاسة فإنها لا تتعين لها النية إلا فى وجه
ضعيف التزموه في الخلاف الجدلي ، كما ذكره أبو الخطاب ومن تبعه
وليس بشيء ، فيمكن أن يقال : الموالاة فيها واحدة .
وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد عصر على اللمعة بعد
جفافها فى الزمن المعتدل ، وأن الوضوء لا يجوز فيه ذلك : فالفرق
أن تارك اللمعة في الرجل مفرط بخلاف المغتسل من الجنابة فإنه لايرى
بدنه كما يرى رجليه ، فاللمعة إذا كانت في ظهره أو حيث لا يراه ولا
يمكنه مسه كان معذوراً فى تركها ، فلهذا لم تجب فيه الموالاة ، بخلاف
ما لا يعذر فيه، والله أعلم.
وعلى هذا فلو قيل بسقوط الترتيب بالعذر لتوجه . وقد يخرج
حديث تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه - وهو إحدى
الروايتين المنصوصتين - على هذا، وأن تاركها لم يعلم وجوبهما فكان
معذوراً بالترك ، فلم يجب الترتيب فى ذلك ، بخلاف من لم يعذر
كمنكس الأعضاء الظاهرة ، ولكن نظيره حديث العهد بالإسلام : إذا
اعتقد أن الوضوء غسل اليدين والرجلين فغسلها فقط ، أو من ترك
غسل وجهه أو يديه لجرح أو مرض وغسل سائر أعضاء الوضوء ثم
زال العذر قبل انتقاض الوضوء : فهنا إذا قيل : يغسل ما ترك أولا
ولا يضره ترك الترتيب : كان متوجهاً على هذا الأصل. والله أعلم.
١٦٧

وسل
عمن يغسل أطرافه فوق الخمس مرات ، وإذا أتى المسجد يبسط
سجادته تحت قدميه ؟ إلى آخر السؤال .
فأجاب : ماذكره من الوسوسة فى الطهارة مثل غسل العضو أكثر
من ثلاث مرات ، والامتناع من الصلاة على حصر المسجد ، ونحو
ذلك : هو أيضاً بدعة وضلالة باتفاق المسلمين ، ليس ذلك مستحباً ولا
طاعة ولا قربة .
ومن فعل ذلك على أنه عبادة وطاعة فإنه ينهى عن ذلك ، فإن
امتنع عزر على ذلك ، فقد كان عمر رضى الله عنه يعزر الناس على
الصلاة بعد العصر ، مع أن جماعة فعلوه لما روى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه فعله وداوم عليه ، لكن لما كان ذلك من خصائصه صلى الله
عليه وسلم، وكان النبى صلى اللّه عليه وسلم قد نهى عن الصلاة
بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس : كان
عمر يضرب من فعل هذه الصلاة ، فضرب هؤلاء المبتدعين فى الطهارة
والصلاة لكونها بدعة مذمومة باتفاق المسلمين: أولى وأحرى. والله أعلم.
١٦٨

وسل
أيما أفضل : المداومة على الوضوء أم ترك المداومة ؟
فأجاب : أما الوضوء عند كل حدث ففيه حديث بلال المعروف عن
بريدة بن حصيب قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا
فقال: (( يا بلال ! بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت
خشخشتك أمامي ! دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ،
فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت : لمن هذا القصر ؟
فقالوا : لرجل عربى . فقلت : أنا عربي ! لمن هذا القصر ؟ فقالوا :
لرجل من قريش. قلت : أنا رجل من قريش ! لمن هذا القصر ؟
فقالوا : لعمر بن الخطاب))، فقال بلال : يا رسول الله! ما أذنت قط
إلا صليت ركعتين ، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها فرأيت
أن الله على ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بها))،
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وهذا يقتضى استحباب الوضوء عند كل حدث ، ولا يعارض ذلك
الحديث الذي فى الصحيح عن ابن عباس قال : كنا عند النى صلى الله
١٦٩

عليه وسلم فجاء من الغائط، فأتى بطعام فقيل له : ألا تتوضأ !؟ قال:
((لم أصل فأتوضأ))، فإن هذا ينفى وجوب الوضوء، وينفي أن يكون
مأموراً بالوضوء لأجل مجرد الأكل ، ولم نعلم أحداً استحب الوضوء
للأكل . وهل يكره أو يستحب ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد .
فمن استحب ذلك احتج بحديث سلمان أنه قال للنبي صلى الله عليه
وسلم : قرأت فى التوراة إن : من بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء
بعده . ومن كرهه قال : لأن هذا خلاف سنة المسلمين ، فإنهم لم
يكونوا يتوضؤون قبل الأكل ، وإنما كان هذا من فعل اليهود فيكره
التشبه بهم . وأما حديث سلمان فقد ضعفه بعضهم .
وقد يقال : كان هذا فى أول الإسلام لما كان النبى صلى الله عليه
وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء ، ولهذا كان
يسدل شعره موافقة لهم، ثم فرق بعد ذلك ، ولهذا صام عاشوراء لما قدم
المدينة ، ثم إنه قال قبل موته: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع))
يعنى : مع العاشر ، لأجل مخالفة اليهود .
١٧٠

وسئل رحم الله تعالى:
عن قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنكم تأتون يوم القيامة غراً
محجلين من آثار الوضوء ))، وهذه صفة المصلين فيم يعرف غيرم من
المكلفين التاركين والصبيان ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . هذا الحديث دليل على أنه إنما
يعرف من كان أغر محجلا، وم الذين يتوضؤون للصلاة. وأما الأطفال
فهم تبع للرجال . وأما من لم يتوضأ قط ولم يصل: فإنه دليل على
أنه لا يعرف يوم القيامة .
١٧١

باب المسح على الخفين
مثل رحم الله
عن أقوال العلماء في المسح على الخفين : هل من شرطه أن يكون
الخف غير مخرق حتى لا يظهر شيء من القدم ؟ وهل للتخريق حد؟
وما القول الراجح بالدليل كما قال تعالى: ( فَإِن ◌َزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُوهُ إِلَى اللّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) ؛ فإن الناس
يحتاجون إلى ذلك ؟
فأجاب : هذه المسألة فيها قولان مشهوران للعلماء ، فمذهب مالك
وأبى حنيفة وابن المبارك وغيرهم : أنه يجوز المسح على ما فيه خرق
يسير مع اختلافهم في حد ذلك، واختار هذا بعض أصحاب أحمد .
ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنه لا يجوز المسح إلا على
ما يستر جميع محل الغسل. قالوا: لأنه إذا ظهر بعض القدم كان فرض
ما ظهر الغسل ؛ وفرض ما بطن المسح ؛ فيلزم أن يجمع بين الغسل
١٧٢

والمسح ، أي : بين الأصل والبدل ، وهذا لا يجوز ؛ لأنه إما أن
يغسل القدمين وإما أن يمسح على الخفين .
والقول الأول أصح ، وهو قياس أصول أحمد ونصوصه في العفو
عن يسير العورة وعن يسير النجاسة ونحو ذلك ؛ فإن السنة وردت
بالمسح على الخفين مطلقا، قولا من النبى صلى الله عليه وسلم وفعلا،
كقول صفوان بن عسال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كنا سفراً - أو مسافرين - أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ولياليهن
إلا من جنابة ، ولكن لا ننزع من غائط وبول ونوم)) رواه أهل السنن
وصححه الترمذي ؛ فقد بين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر
أمته أن لا ينزعوا أخفافهم فى السفر ثلاثة أيام من الغائط والبول والنوم؛
ولكن ينزعوها من الجنابة .
وكذلك أمره لأصحابه أن يمسحوا على التساخين والعصائب؛ والتساخين
هي الخفان فإنها تسخن الرجل ، وقد استفاض عنه في الصحيح أنه
مسح على الخفين ؛ وتلقى أصحابه عنه ذلك فأطلقوا القول بجواز المسح
على الخفين ، ونقلوا أيضا أمره مطلقا: كما فى صحيح مسلم عن شريح
ابن هانئ قال : أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت
عليك بابن أبي طالب فاسأله فإنه كان يسافر مع النبى صلى الله عليه
وسلم، فسألناه فقال: (( جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام
١٧٣

للمسافر ويوما وليلة للمقيم)). أي : جعل له المسح على الخفين، فأطلق
ومعلوم أن الخفاف فى العادة لا يخلو كثير منها عن فتق أو خرق لاسيما
مع تقادم عهدها ، وكان كثير من الصحابة فقراء لم يكن يمكنهم تجديد
ذلك. ولما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فى الثوب الواحد
فقال : أو لكلكم ثوبان ؟! وهذا كما أن ثيابهم كان يكثر فيها الفتق
والخرق حتى يحتاج لترقيع : فكذلك الخفاف .
والعادة في الفتق اليسير في الثوب والخف أنه لا يرقع ، وإنما يرقع
الكثير ، وكان أحدثم يصلي في الثوب الضيق حتى إنهم كانوا إذا سجدوا
تقلص الثوب فظهر بعض العورة ، وكان النساء نهين عن أن يرفعن
رؤوسهن حتى يرفع الرجال رؤوسهم ، لئلا يرين عورات الرجال من
ضيق الأزر ، مع أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارج الصلاة ؛ بخلاف
ستر الرجلين بالخف ، فلما أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بالمسح على
الخفاف مع علمه بما هي عليه فى العادة ؛ ولم يشترط أن تكون سليمة من
العيوب : وجب حمل أمره على الإطلاق ، ولم يجز أن يقيد كلامه
إلا بدليل شرعى .
وكان مقتضى لفظه أن كل خف يلبسه الناس ويمشون فيه : فلهم
أن يمسحوا عليه وإن كان مفتوقا أو مخروقا من غير تحديد لمقدار ذلك،
فإن التحديد لا بد له من دليل . وأبو حنيفة يحده بالربح كما يحد مثل
١٧٤

ذلك فى مواضع ، قالوا : لأنه يقال رأيت الإنسان إذا رأيت أحد
جوانبه الأربع ، فالربع يقوم مقام الجميع ، وأكثر الفقهاء ينازعون فى
هذا ويقولون : التحديد بالربح ليس له أصل من كتاب ولا سنة .
وأيضاً فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بلغوا سنته وعملوا
بها لم ينقل عن أحد منهم تقييد الحف بشيء من القيود ، بل أطلقوا
المسح على الخفين مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا
عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقاً .
وأيضاً فكثير من خفاف الناس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر
منه بعض القدم ؛ فلو لم يجز المسح عليها بطل مقصود الرخصة، لاسيما
والذين يحتاجون إلى ليس ذلك م المحتاجون ؛ وم أحق بالرخصة من
غير المحتاجين ؛ فإن سبب الرخصة هو الحاجة ؛ ولهذا قال النبى صلى
الله عليه وسلم لما سئل عن الصلاة فى الثوب الواحد: ((أو لكلكم ثوبان))
بين أن فيكم من لا يجد إلا ثوبا واحدا ، فلو أوجب الثوبين لما أمكن
هؤلاء أداء الواجب .
ثم إنه أطلق الرخصة ، فكذلك هنا ليس كل إنسان مجد خفاً
سليما ، فلو لم يرخص إلا لهذا لزم المحاويج خلع خفافهم، وكان إلزام
غيرهم بالخلع أولى . ثم إذا كان إلى الحاجة فالرخصة عامة ، وكل من
١٧٥

لبس خفاً وهو متطهر فله المسح عليه ، سواء كان غنيا أو فقيرا، وسواء
كان الخف سليما أو مقطوعا ؛ فإنه اختار لنفسه ذلك ، وليس هذا
مما يجب فعله للّه تعالى - كالصدقة والعتق - حتى تشترط فيه السلامة
من العيوب .
وأما قول المنازع : إن فرض ما ظهر الغسل وما بطن المسح .
فهذا خطأ بالإجماع ، فإنه ليس كل ما بطن من القدم يمسح على الظاهر
الذي بلاقيه من الخف ، بل إذا مسح ظهر القدم أجزاء . وكثير من
العلماء لا يستحب مسح أسفله، وهو إنما يمسح خططاً بالأصابع ،
فليس عليه أن يمسح جميع الخف كما عليه أن يمسح الجبيرة ، فإن
مسح الجبيرة يقوم مقام غسل نفس العضو ، فإنها لما لم يمكن نزعها إلا
بضرر صارت بمنزلة الجلد وشعر الرأس وظفر اليد والرجل ، بخلاف
الخف فإنه يمكنه نزعه وغسل القدم، ولهذا كان مسح الجبيرة واجباً
ومسح الخفين جائزاً ، إن شاء مسح وإن شاء خلع .
ولهذا فارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه :
أحدها : أن هذا واجب وذلك جائز .
الثاني : أن هذا يجوز فى الطهارتين : الصغرى والكبرى ؛ فإنه
لا يمكنه إلا ذلك ، ومسح الخفين لا يكون فى الكبرى بل عليه أن
١٧٦

يغسل القدمين كما عليه أن يوصل الماء إلى جلد الرأس والوجه ، وفى
الوضوء يجزئه المسح على ظاهر شعر الرأس وغسل ظاهر اللحية
الكثيفة : فكذلك الخفاف يمسح عليها فى الصغرى ؛ فإنه لما احتاج
إلى لبسها صارت بمنزلة ما يستر البشرة من الشعر الذي يمكن إيصال
الماء إلى باطنه ، ولكن فيه مشقة ، والغسل لا يتكرر .
الثالث : أن الجبيرة يمسح عليها إلى أن يحلها ؛ ليس فيها توقيت؛
فإن مسحها للضرورة ؛ بخلاف الخف فإن مسحه موقت عند الجمهور ؛
فإن فيه خمسة أحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم، لكن لو كان
فى خلعه بعد مضي الوقت ضرر - مثل : أن يكون هناك برد شديد
متى خلع خفيه تضرر كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها ؛ أو كان في
رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه فينقطع عنهم فلا يعرف الطريق ؛ أو
يخاف إذا فعل ذلك من عدو أو سبع ؛ أو كان إذا فعل ذلك فاته
واجب ونحو ذلك - فهنا قيل : إنه يتيمم : وقيل : إنه يمسح عليهما
للضرورة . وهذا أقوى لأن لبسها هنا صار كليس الجبيرة من بعض
الوجوه ، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوماً وليلة وثلاثة أيام
ولياليهن ، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم ، والمفهوم
لا عموم له ؛ فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل
بهذه الأحاديث .
١٧٧

وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر لما خرج من دمشق إلى
المدينة يبشر الناس بفتح دمشق ومسح أسبوعاً بلا خلع ! فقال له
عمر : أصبت السنة! وهو حديث صحيح. وليس الخف كالجبيرة
مطلقاً ؛ فإنه لا يستوعب بالمسح بحال ؛ ويخلع فى الطهارة الكبرى ؛
ولا بد من لبسه على طهارة . لكن المقصود : أنه إذا تعذر خلعه
فالمسح عليه أولى من التيمم ، وإن قدر أنه لا يمكن خلعه فى الطهارة
الكبرى فقد صار كالجبيرة ، يمسح عليه كله كما لو كان على رجله
جبيرة يستوعبها .
وأيضاً فإن المسح على الخفين أولى من التيمم ؛ لأنه طهارة بالماء
فى ما يغطى موضع الغسل ؛ وذلك مسح بالتراب فى عضوين آخرين
فكان هذا البدل أقرب إلى الأصل من التيمم ؛ ولهذا لو كان جريحاً
وأمكنه مسح جراحه بالماء دون الغسل : فهل يمسح بالماء أو يتيمم ؟
فيه قولان . هما روايتان عن أحمد ، ومسحها بالماء أصح ؛ لأنه إذا
جاز مسح الجبيرة ومسح الخف وكان ذلك أولى من التيمم فلأن يكون
مسح العضو بالماء أولى من التيمم بطريق الأولى .
الرابع : أن الجبيرة يستوعبها بالمسح كما يستوعب الجلد ؛ لأن
مسحها كغسله ، وهذا أقوى على قول من يوجب مسح
جميع الرأس .
١٧٨

الخامس : أن الجبيرة يمسح عليها وإن شدها على حدث عند أكثر
العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ؛ وهو الصواب .
ومن قال : لا يمسح عليها إلا إذا لبسها على طهارة ليس معه إلا
قياسها على الخفين ، وهو قياس فاسد ؛ فإن الفرق بينهما ثابت من
هذه الوجوه ، ومسحها كمسح الجلدة ومسح الشعر ؛ ليس كمسح الخفين
وفى كلام الإمام أحمد ما يبين ذلك وأنها ملحقة عنده بجلدة الإنسان
لا بالخفين ، وفى ذلك نزاع ؛ لأن من أصحابه من يجعلها كالحفين ويجعل
البرء كانقضاء مدة المسح فيقول ببطلان طهارة المحل ، كما قالوا فى
الخف ، والأول أصح، وهو : أنها إذا سقطت سقوط برء كان بمنزلة
حلق شعر الرأس وتقليم الأظفار ، وبمنزلة كشط الجلد لا يوجب إعادة
غسل الجنابة عليها إذا كان قد مسح عليها من الجنابة ، وكذلك فى
الوضوء لا يجب غسل المحل ولا إعادة الوضوء، كما قيل: إنه يجب
فى خلع الخف ، والطهارة وجبت فى المسح على الخفين ليكون إذا
أحدث يتعلق الحدث بالخفين ؛ فيكون مسحها كغسل الرجلين، بخلاف
ما إذا تعلق الحدث بالقدم فإنه لا بد من غسله .
ثم قيل : إن المسح لا يرفع الحدث عن الرجل ، فإذا خلعها
كان كأنه لا يمسح عليها فيغسلها عند من لا يشترط الموالاة ، ومن
يشترط الموالاة يعيد الوضوء . وقيل : بل حدثه ارتفع رفعاً مؤقتاً
١٧٩

إلى حين انقضاء المدة وخلع الخف ، لكن لما خلعه انقضت الطهارة فيه .
والطهارة الصغرى لا تتبعض لا فى ثبوتها ولا في زوالها ؛ فإن حكمها
يتعلق بغير محلها ، فإنها غسل أعضاء أربعة والبدن كله بصير طاهراً ،
فإذا غسل عضو أو عضوان لم يرتفع الحدث حتى يغسل الأربعة ، وإذا
انتقض الوضوء فى عضو انتقض فى الجميع .
ومن قال هذا قال : إنه بعيد الوضوء ومثل هذا منتف في الجبيرة
فإن الجبيرة يمسح عليها فى الطهارة الكبرى ولا يجزئ فيها البدل ،
فعلم أن المسح عليها كالمسح على الجلد والشعر .
ومن قال من أصحابنا : إنه إذا سقطت لبره بطلت الطهارة أو
غسل محلها ، وإذا سقطت لغير برء : فعلى وجهين ، فإنهم جعلوها
مؤقتة بالبرء ، وجعلوا سقوطها بالبرء كانقطاع مدة المسح .
وأما إذا سقطت قبل البرء فقيل : هي كما لو خلع الخف قبل
المدة . وقيل : لا تبطل الطهارة هنا ، لأنه لا يمكن غسلها قبل البرد،
بخلاف الرجل فإنه يمكن غسلها إذا خلع الخف ، فلهذا فرقوا بينها
وبين الخف فى أحد الوجهين ، فإنه إذا تعذر غسلها بقيت الطهارة
بخلاف ما بعد البرء فإنه يمكن غسل محلها .
١٨٠