النص المفهرس
صفحات 81-100
باب الآنية سئل عن أوانى النحاس المطعمة بالفضة - كالطاسات وغيرها - هل حكمها حكم آنية الذهب والفضة أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . أما المضبب بالفضة من الآنية وما يجري مجراها من الآلات - سواء سمى الواحد من ذلك إناء أو لم يسم - وما يجري مجرى المضبب كالمباخر ، والمجامر ، والطشوت ، والشمعدانات وأمثال ذلك : فإن كانت الضبة بسيرة لحاجة مثل تشعيب القدح وشعيرة السكين ونحو ذلك مما لا يباشر بالاستعمال : فلا بأس بذلك . ومراد الفقهاء بالحاجة هنا : أن يحتاج إلى تلك الصورة كما يحتاج إلى التشعيب والشعيرة ، سواء كان من فضة أو نحاس أو حديد أو غير ذلك ، وليس مرادم أن يحتاج إلى كونها من فضة ، بل هذا يسمونه في مثل هذا ضرورة ، والضرورة تبيح الذهب والفضة مفرداً وتبعاً ، حتى لو احتاج إلى شد أسنانه بالذهب ؛ أو اتخذ أنفا من ذهب ونحو ذلك : جاز - كما جاءت به السنة - مع أنه ذهب ومع أنه مفرد. وكذلك لو لم يجد ما يشربه إلا في إناء ذهب أو فضة جاز له ٨١ شربه ، ولو لم يجد ثوباً يقيه البرد أو يقيه السلاح أو يستر به عورته إلا ثوباً من حرير منسوج بذهب أو فضة جاز له لبسه ؛ فإن الضرورة تبيح أكل الميتة والهم ولحم الخنزير بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة مع أن تحريم المطاعم أشد من تحريم الملابس ؛ لأن تأثير الخبائث بالممازجة والمخالطة للبدن أعظم من تأثيرها بالملابسة والمباشرة للظاهر ، ولهذا كانت النجاسات التى يحرم ملابستها يحرم أكلها ، ويحرم من أكل السموم ونحوها من المضرات ما ليس بنجس ، ولا يحرم مباشرتها . ثم ما حرم لحبث جنسه أشد مما حرم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء ؛ فإن هذا يحرم القدر الذي يقتضى ذلك منه ويباح للحاجة ؛ كما أبيح للنساء لبس الذهب والحرير لحاجتهن إلى التزين ؛ وحرم ذلك على الرجال ، وأبيح للرجال من ذلك اليسير كالعلم ؛ ونحو ذلك مما ثبت فى السنة ؛ ولهذا كان الصحيح من القولين فى مذهب أحمد وغيره جواز التداوي بهذا الضرب دون الأول ، كما رخص النبى صلى الله عليه وسلم للزبير وطلحة فى لبس الحرير من حكة كانت بهما. ونهى عن التداوي بالخمر، وقال: ((إنها داء وليست بدواء))، ونهى عن الدواء الخبيث ؛ ونهى عن قتل الضفدع لأجل التداوي بها ، وقال: ((إن نقنقتها تسبيح))، وقال: ((إن اللّه لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها ))؛ ولهذا استدل بإذنه للعرنيين فى التداوي بأبوال الإبل وألبانها على أن ذلك ليس من الخبائث المحرمة النجسة ؛ لنهيه عن التداوي بمثل ٨٢ ذلك؛ ولكونه لم يأمر بغسل ما يصيب الأبدان والثياب والآنية من ذلك . وإذا كان القائلون بطهارة أبوال الإبل تنازعوا فى جواز شربها لغير الضرورة ؛ وفيه عن أحمد روايتان منصوصتان : فذاك لما فيها من القذارة الملحق لها بالمخاط والبصاق والمنى ؛ ونحو ذلك من المستقدرات التى ليست بنجسة، التى يشرع النظافة منها، كما يشرع تتف الإبط ، وحلق العانة ؛ وتقليم الأظفار ؛ وإحفاء الشارب . ولهذا أيضاً كان هذا الضرب محرما فى باب الآنية والمنقولات على الرجال والنساء، فآنية الذهب والفضة حرام على الصنفين ، بخلاف التحلي بالذهب ولباس الحرير فإنه مباح للنساء . وباب الخبائث بالعكس ؛ فإنه يرخص فى استعمال ذلك فيما ينفصل عن بدن الإنسان مالا يباح إذا كان متصلا به ، كما يباح إطفاء الحريق بالخمر ، وإطعام الميتة للبزاة والصقور ؛ وإلباس الدابة الثوب النجس ؛ وكذلك الاستصباح بالدهن النجس فى أشهر قولي العلماء وهو أشهر الروايتين عن أحمد ، وهذا لأن استعمال الخبائث فيها يجري مجرى الإتلاف ليس فيه ضرر ، وكذلك فى الأمور المنفصلة ، بخلاف استعمال الحرير والذهب فإن هذا غاية السرف والفخر والخيلاء. وبهذا يظهر غلط من رخص من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم فى إلباس دابته الثوب الحرير ؛ قياساً على إلياس الثوب النجس ! فإن هذا بمنزلة من يجوز افتراش الحرير ووطأ. قياساً على المصورات ؛ أو ٨٣ من يبيح بحلية دابته بالذهب والفضة قياساً على من يبيح إلباسها الثوب النجس ، فقد ثبت بالنص تحريم افتراش الحرير كما ثبت تحريم لباسه . وبهذا يظهر أن قول من حرم افتراشه على النساء - كما هو قول المراوزة من أصحاب الشافعي - أقرب إلى القياس من قول من أباحه للرجال ؛ كما قاله أبو حنيفة. وإن كان الجمهور على أن الافتراش كاللباس يحرم على الرجال دون النساء ؛ لأن الافتراش لباس ، كما قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس . إذ لا يلزم من إباحة التزين على البدن إباحة المنفصل ؛ كما فى آنية الذهب والفضة . فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين : الذكر والأشى. وإذا تبين الفرق بين ما يسميه الفقهاء فى هذا الباب حاجة ، وما يسمونه ضرورة : فيسير الفضة التابع يباح عندم للحاجة ، كما فى حديث أنس: (( إن قدح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لما انكسر شعب بالفضة))، سواء كان الشاعب له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان هو أنساً . وأما إن كان اليسير للزينة ففيه أقوال فى مذهب أحمد وغيره : التحريم ، والإباحة ، والكراهة . قيل : والرابع : أنه يباح من ذلك ٨٤ مالا يباشر بالاستعمال ، وهذا هو المنصوص عنه ، فينهى عن الضبة في موضع الشرب دون غيره ، ولهذاكره حلقة الذهب فى الإناء اتباعا لعبد الله بن عمر فى ذلك ، فإنه كره ذلك ، وهو أولى ما اتبح فى ذلك . وأما ما يروى عنه مرفوعا: (( من شرب فى إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك )) فإسناده ضعيف ، ولهذا كان المباح من الضبة إنما يباح لنا استعماله عند الحاجة ، فأما بدون ذلك ؟ قيل : بكره . وقيل : يحرم ؛ ولذلك كره أحمد الحلقة فى الإناء اتباعا لعبد الله ابن عمر . والكراهة منه : هل تحمل على التنزيه أو التحريم ؟ على قولين لأصحابه . وهذا المنع هو مقتضى النص والقياس ، فإن تحريم الشيء مطلقاً يقتضي تحريم كل جزء منه، كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضى ذلك ، وكذلك تحريم الأكل والشرب فى آنية الذهب والفضة يقتضي المنع من أبعاض ذلك ، وكذلك النهي عن لبس الحرير اقتضى النهى عن أبعاض ذلك ، لولا ما ورد من استثناء موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع فى الحديث الصحيح ، ولهذا وقع الفرق فى كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلام سائر الناس بين باب النهي والتحريم وباب الأمر والإيجاب ، فإذا نهى عن شيء نهى عن بعضه ، وإذا أمر بشيء كان أمراً بجميعه . ٨٥ ولهذا كان النكاح حيث أمر به كان أمراً بمجموعه ، وهو العقد والوطء، وكذلك إذا أبيح كما في قوله: (فَأَنكِحُواْ مَاطَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ) (وَأَنكِحُوْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ : (حَتَّى تَنكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ )، مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّ بِكُمْ) ، (( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)). وحيث حرم النكاح كان تحريماً لأبعاضه، حتى يحرم العقد مفرداً والوطء مفرداً، كما فى قوله: (وَلَا شَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَاقَدْ سَلَفَ) وكما فى قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَتُكُمْ) الآية إلى آخرها، وكما فى قوله: (( لا ينكح المحرم ولا ينكح )» ونحو ذلك . ولهذا فرق مالك وأحمد - في المشهور عنه - بين من حلف ليفعلن شيئاً ففعل بعضه: أنه لا يبر ، ومن حلف لا يفعل شيئاً ففعل بعضه : أنه يحنث . وإذا كان تحريم الذهب والحرير على الرجال وآنية الذهب والفضة على الزوجين يقتضي شمول التحريم لأبعاض ذلك : بقي اتخاذ اليسير لحاجة أو مطلقاً ، فالاتخاذ اليسير فيه تفصيل ؛ ولهذا تنازع العلماء فى جواز اتخاذ الآنية بدون استعمالها ، فرخص فيه أبو حنيفة ؛ والشافعي وأحمد في قول ؛ وإن كان المشهور عنها تحريمه ؛ إذ الأصل أن ماحرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي. ٨٦ وأما إن كانت الفضة التابعة كثيرة ففيها أيضاً قولان فى مذهب الشافعي وأحمد ، وفى تحديد الفرق بين الكثير واليسير ؛ والترخيص فى لبس خاتم الفضة أو تحلية السلاح من الفضة ؛ وهذا فيه إباحة بسير الفضة مفرداً؛ لكن في اللباس والتحلى وذلك يباح فيه مالا يباح في باب الآنية كما تقدم التنبيه على ذلك ؛ ولهذا غلط بعض الفقهاء من أصحاب أحمد ؛ حيث حكى قولا بإباحة يسير الذهب تبعاً فى الآنية عن أبي بكر عبد العزيز ، وأبو بكر إنما قال ذلك فى باب اللباس والتحلي ؛ كعلم الذهب ومحوه . وفي يسير الذهب في ( باب اللباس ) عن أحمد أقوال : أحدها : الرخصة مطلقاً؛ لحديث معاوية ((نهى عن الذهب إلا مقطعاً)) ولعل هذا القول أقوى من غيره، وهو قول أبى بكر . والثانى : الرخصة فى السلاح فقط . والثالث : في السيف خاصة ، وفيه وجه بتحريمه مطلقاً ؛ لحديث أسماء (( لا يباح من الذهب ولا خريصة)) والخريصة عين الجرادة ، لكن هذا قد يحمل على الذهب المفرد دون التابع ؛ ولا ريب أن هذا ٨٧ محرم عند الأئمة الأربعة ؛ لأنه قد ثبت عن التى صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن خاتم الذهب ؛ وإن كان قد لبسه من الصحابة من لم يبلغه النهى . ولهذا فرق أحمد وغيره بين يسير الحرير مفرداً كالتكة فنهى عنه ؛ وبين يسيره تبعا كالعلم ؛ إذ الاستثناء وقع فى هذا النوع فقط . فكما يفرق فى الرخصة بين اليسير والكثير : فيفرق بين التابع والمفرد، ويحمل حديث معاوية ((إلا مقطعاً)) على التابع لغيره ، وإذا كانت الفضة قد رخص منها فى باب اللباس والتحلي في اليسير وإن كان مفرداً : فالذين رخصوا في اليسير أو الكثير التابع فى الآنية ألحقوها بالحرير الذي أبيح بسيره تبعا للرجال فى الفضة التى أبيح يسيرها مفرداً أولا ؛ ولهذا أبيح - في أحد قولي العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد - حلية المنطقة من الفضة؛ وما يشبه ذلك من لباس الحرب كالخوذة؛ والجوشن؛ والران ؛ وحمائل السيف . وأما تحلية السيف بالفضة فليس فيه هذا الخلاف ، والذين منعوا قالوا : الرخصة وقعت فى باب اللباس دون باب الآنية ؛ وباب اللباس أوسع كما تقدم. وقد يقال: إن هذا أقوى ؛ إذ لا أثر فى هذه الرخصة. والقياس كما ترى . ٨٨ وأما المضب بالذهب فهذا داخل فى النهي ؛ سواء كان قليلا أو كثيراً ، والخلاف المذكور فى الفضة منتف ههنا، لكن فى بسير الذهب فى الآنية وجه للرخصة فيه . وأما التوضؤ والاغتسال من آنية الذهب والفضة : فهذا فيه نزاع معروف فى مذهب أحمد، لكنه مركب على إحدى الروايتين ، بل أشهرهما عنه فى الصلاة فى الدار المغصوبة ؛ واللباس المحرم كالحرير والمغصوب والحج بالمال الحرام ؛ وذبح الشاة بالسكين المحرمة ؛ ونحو ذلك مما فيه أداء واجب واستحلال محظور فأما على الرواية الأخرى التى يصحح فيها الصلاة والحج ويبيح الذبح : فإنه يصحح الطهارة من آنية الذهب والفضة. وأما على المنع فلأصحابه قولان : ( أحدهما ) : الصحة . كما هو قول الخرقى وغيره. و ( الثانى): البطلان. كما هو قول أبى بكر ؛ طردا لقياس الباب . والذين نصروا قول الخرقى أكثر أصحاب أحمد: فرقوا بفرقين : أحدهما : أن المحرم هنا منفصل عن العبادة ؛ فإن الإناء منفصل عن المتطهر بخلاف لابس المحرم وآ كله والجالس عليه ؛ فإنه مباشر له ، قالوا : فأشبه ما لو ذهب إلى الجمعة بدابة مغصوبة . وضعف آخرون هذا الفرق بأنه لا فرق بين أن يغمس يده فى الإناء المحرم وبين أن ٨٩ يغترف منه ، وبأن النبى صلى الله عليه وسلم جعل الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ، وهو حين الصباب الماء فى بطنه يكون قد انفصل عن الإناء . والفرق الثاني - وهو أفقه - : قالوا : التحريم إذا كان فى ركن العبادة وشرطها أثر فيها ، كما إذا كان فى الصلاة فى اللباس أو البقعة. وأما إذا كان فى أجنبى عنها لم يؤثر، والإناء فى الطهارة أجنبى عنها فلهذا لم يؤثر فيها . والله أعلم . وسئل عن جلود الحمر ؛ وجلد مالا يؤكل لحمه ، والميتة : هل تطهر بالدباغ أم لا ؟ أفتونا مأجورين ! فأجاب: الحمد لله رب العالمين . أما طهارة جلود الميتة بالدباغ ففيها قولان مشهوران للعلماء فى الجملة : أحدهما : أنها تطهر بالدباغ . وهو قول أكثر العلماء ، كأبى حنيفة والشافعى وأحمد فى إحدى الروايتين . ٩٠ والثانى: لا تطهر . وهو المشهور فى مذهب مالك ، ولهذا يجوز استعمال المدبوغ في الماء دون المائعات ، لأن الماء لا ينجس بذلك ، وهو أشهر الروايتين عن أحمد أيضاً ، اختارها أكثر أصحابه ، لكن الرواية الأولى هي آخر الروايتين عنه ، كما نقله الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه أنه كان يذهب إلى حديث ابن عكيم ثم ترك ذلك بآخرة. وحجة هذا القول شيئان : أحدهما : أنهم قالوا : هي من الميتة ولم يصح فى الدباغ شيء ، ولهذا لم يرو البخاري ذكر الدباغ في حديث ميمونة من قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وطعن هؤلاء فيما رواه مسلم وغيره ، إذ كانوا أئمة لهم فى الحديث اجتهاد . وقالوا : روى ابن عيينة الدباغ عن الزهري ، والزهري كان يجوز استعمال جلود الميتة بلا دباغ ، وذلك يبين أنه ليس فى روايته ذكر الدباغ ، وتكلموا فى ابن وعلة . والثاني : أنهم قالوا : أحاديث الدباغ منسوخة بحديث ابن عكيم ، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما كتب إلى جهينة: ((كنت رخصت في جلود الميتة فإذا أتاكم كتابى هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). فكلا هاتين الحجتين مأثورة عن الإمام أحمد نفسه فى جوابه ومناظراته فى الرواية الأولى المشهورة . ٩١ وقد احتج القائلون بالدباغ ما فى الصحيحين عن عبد الله بن عباس : أن النبى صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: ((هلا استمتعتم بإهابها؟!)) قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة. قال: ((إنما حرم من الميتة أكلها)). وفى رواية لمسلم: ((ألا أخذوا إهابها! فدبغوه فانتفعوا به)». وعن سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: مانت لنا شاة فدبغنا مسكها ، فما زلنا ننبذ فيه حتى صار شناً . وعن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)). قلت: وفى رواية له عن عبد الرحمن ابن وعلة : إنا نكون بالمغرب ومعنا البربر والمجوس ، نؤتى بالكبش قد ذبحوه ونحن لا نأكل ذبائحهم ، ونؤتى بالسقاء يجعلون فيه الدلوك ؟ فقال ابن عباس : قد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ((دباغه طهوره)). وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائى . وفى رواية عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جلود الميتة؟ فقال: ((دباغها طهورها)). رواه الإمام أحمد والنسائى . وعن سلمة بن المحبق رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببيت بفنائه قربة معلقة فاستقى ، فقيل : أنها ٩٢ ميتة! فقال: ((ذكاة الأديم دباغه)). رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى . وأما حديث ابن عكيم فقد طعن بعض الناس فيه بكون حامله مجهولا، ونحو ذلك مما لا يسوغ رد الحديث به . قال عبد الله بن عكيم: أنانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بشهر أو شهرين: ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). رواه الإمام أحمد . وقال: ما أصلح إسناده؟ !. وأبو داود وابن ماجه والنسائى والترمذي . وقال حديث حسن . وأجاب بعضهم عنه بأن الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ ، كما نقل ذلك النضر بن شميل وغيره من أهل اللغة . وأما بعد الدبغ فإنما هو أديم ، فيكون النهي عن استعمالها قبل الدبغ . فقال المانعون : هذا ضعيف ، فإن فى بعض طرقه : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في أرض جهينة ((إني كنت رخصت لكم فى جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). رواه الطبرانى فى المعجم الأوسط من رواية فضالة بن مفضل بن فضالة المصري . وقد ضعفه أبو حاتم الرازي ، لكن هو شديد في التزكية . وإذا كان النهي بعد الرخصة فالرخصة إنما كانت فى المدبوغ . وتحقيق الجواب أن يقال : حديث ابن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوغ . وأما الرخصة المتقدمة فقد قيل : إنها كانت للمدبوغ ٩٣ وغيره ، ولهذا ذهب طائفة ــ منهم الزهرى وغيره - إلى جواز استعمال جلود الميتة قبل الدباغ تمسكا بقوله المطلق فى حديث ميمونة ، وقوله : ((إنما حرم من الميتة أكلها))، فإن هذا اللفظ يدل على التحريم، ثم لم يتناول الجلد . وقد رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن عباس قال : مانت شاة لسودة بنت زمعة فقالت يارسول الله ! صلى الله عليك وسلم ماتت فلانة. تعنى: الشاة. فقال: ((فلولا أخذتم مسكها؟!)) فقالت: آخذ مسك شاة قد ماتت ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما قال: ( لَّا أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ وَإِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً وأنكم لا تطعمونه ، إن تدبغوه ( أَؤْدَمًا مَسْفُومًا أَوْلَحْمَ خِزِيرٍ تنتفعوا به))، فأرسلت إليها فاخت مسكها فدبغته ، فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها . فهذا الحديث يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد ، وإنما ذكر الدباغ لإبقاء الجلد وحفظه ، لالكونه شرطا في الحل . وإذا كان كذلك فتكون الرخصة لجهينة فى هذا ، والنسخ عن هذا ، فإن الله تعالى ذكر تحريم الميتة في سورتين مكيتين : الأنعام والنحل. ثم فى سورتين مدنيتين : البقرة والمائدة، والمائدة من آخر القرآن نزولا كما روى ((المائدة آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها)). وقد ذكر الله فيها من التحريم مالم يذكره في غيرها، وحرم النبى صلى ٩٤ الله عليه وسلم أشياء مثل : أكل كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير . وإذا كان التحريم زاد بعد ذلك على ما في السورة المكية التى استندت إليها الرخصة المطلقة : فيمكن أن يكون تحريم الانتفاع بالعصب والإهاب قبل الدباغ ثبت بالنصوص المتأخرة ، وأما بعد الدباغ فلم يحرم ذلك قط ، بل بين أن دباغه طهوره وذكاته ، وهذا يبين أنه لا يباح بدون الدباغ . وعلى هذا القول فالناس فيما يطهره الدباغ أقوال : قيل : إنه يطهر كل شيء حتى الخمير . كما هو قول أبى يوسف وداود. وقيل : يطهر كل شيء سوى الخمير . كما هو قول أبى حنيفة . وقيل : يطهر كل شىء إلا الكلب والحمير . كما هو قول الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أحمد على القول بتطهير الدباغ ، والقول الآخر في مذهبه - وهو قول طوائف من فقهاء الحديث - أنه إنما يطهر ما يباح بالذ كاة ، فلا يطهر جلود السباع . ومأخذ التردد : أن الدباغ هل هو كالحياة فيطهر ما كان طاهراً في الحياة، أو هو كالذكاة فيطهر ما طهر بالذكاة؟ والثانى أرجح. ٩٥ ودليل ذلك : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع، كما روى عن أسامة بن عمير الذهلي أن النبى صلى الله عليه وسلم ((نهى عن جلود السباع)). رواه أحمد وأبو داود والنسائى. زاد الترمذي (( أن تفرش)). وعن خالد بن معدان قال : وفد المقدام بن معدي كرب على معاوية فقال : أنشدك بالله! هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع والركوب عليها ؟ قال: نعم ! رواه أبو داود والنسائي . وهذا لفظه. وعن أبى ريحانة ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمور)). رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه . وروى أبو داود والنسائى عن معاوية عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر)). رواه أبو داود. وفى هذا القول جمع بين الأحاديث كلها . والله أعلم. وسئل شيخ الإسلام عن عظام الميتة وحافرها ؛ وقرنها ؛ وظفرها ؛ وشعرها ؛ وريشها ؛ وأنفحتها : هل ذلك كله نجس أم طاهر أم البعض منه طاهر والبعض بجس؟ فأجاب : أما عظم الميتة وقرنها ؛ وظفرها ؛ وما هو من جنس ٩٦ ذلك كالحافر ونحوه ، وشعرها وريشها ؛ ووبرها : ففي هذين النوعين للعلماء ثلاثة أقوال : أحدها : نجاسة الجميع . كقول الشافعي فى المشهور عنه ؛ وذلك رواية عن أحمد . والثاني : أن العظام ونحوها نجسة ، والشعور ونحوها طاهرة . وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد . والثالث: أن الجميع طاهر . كقول أبي حنيفة؛ وهو قول في مذهب مالك وأحمد . وهذا القول هو الصواب ؛ وذلك لأن الأصل فيها الطهارة ؛ ولا دليل على النجاسة . وأيضاً فإن هذه الأعيان هي من الطيبات ليست من الخبائث ، فتدخل فى آية التحليل ؛ وذلك لأنها لم تدخل فيما حرمه الله من الخبائث لا لفظاً ولا معنى؛ فإن الله تعالى حرم الميتة، وهذه الأعيان لا تدخل فيما حرمه الله لا لفظاً ولا معنى: أما اللفظ فلأن قوله تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) لا يدخل فيها الشعور وما أشبها ؛ وذلك لأن الميت ضد الحي ، والحياة نوعان : ٩٧ حياة الحيوان وحياة النبات ، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية ، وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء . وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) إنما هو بما فارقته الحياة الحيوانية دون النباتية ؛ فإن الشجر والزرع إذا يبس لم ينجس بانفاق المسلمين ، وقد قال تعالى : وقال : ) ، وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَحْيَابِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا فموت الأرض لا يوجب ( أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهُ يُحِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا). ) نجاستها باتفاق المسلمين ، وإنما الميتة المحرمة : ما فارقها الحس والحركة الإرادية . وإذا كان كذلك فالشعر حياته من جنس حياة النبات ؛ لا من جنس حياة الحيوان ؛ فإنه ينمو ويغتذي ويطول كالزرع ، وليس فيه حس ولا يتحرك بإرادته ، فلا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها فلا وجه لتنجيسه . وأيضاً فلو كان الشعر جزءاً من الحيوان لما أبيح أخذه فى حال الحياة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم ؟ فقال (( ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت)). رواه أبو داود وغيره . وهذا متفق عليه بين العلماء ، فلو كان حكم الشعر حكم السنام والآلية لما جاز قطعه فى حال الحياة ، ولا كان طاهراً حلالا . فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف إذا جز من الحيوان كان ظاهراً حلالا : على أنه ليس مثل اللحم . ٩٨ وأيضاً فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى شعره )) حلق رأسه للمسلمين، وكان صلى الله عليه وسلم يستنجي ويستجمر. فمن سوى بين الشعر والبول والعذرة فقد أخطأ خطأ بيناً . وأما العظام ونحوها : فإذا قيل : إنها داخلة في الميتة لأنها تحس وتألم. قيل لمن قال ذلك: أنتم لم تأخذوا بعموم اللفظ ؛ فإن ما لا نفس له سائلة كالذباب والعقرب والخنفساء لا ينجس عندكم وعند جمهور العلماء ، مع أنها ميتة موناً حيوانياً . وقد ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)). ومن تجس هذا قال فى أحد القولين : إنه لا ينجس المائعات الواقع فيها لهذا الحديث . وإذا كان كذلك : على أن علة نجاسة الميتة إنما هو احتباس الدم فيها ، فما لا نفس له سائلة ليس فيه دم سائل ، فإذا مات لم يحتبس فيه الدم ؛ فلا ينجس . فالعظم ونحوه أولى بعدم التنجيس من هذا ؛ فإن العظم ليس فيه دم سائل ، ولا كان متحركا بالإرادة إلا على وجه التبع . فإذا كان الحيوان الكامل الحساس المتحرك بالإرادة لا ينجس لكونه ليس فيه دم سائل : فكيف ينجس العظم الذي ليس فيه دم سائل ؟ ٩٩ ومما يبين صحة قول الجمهور : أن الله سبحانه إنما حرم علينا الدم المسفوح ، كما قال تعالى: (قُللَا أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِ فإذا عفي عن الدم يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْدَمَا مَسْفُوحًا ) ؛ غير المسفوح مع أنه من جنس الدم : علم أنه - سبحانه - فرق بين الدم الذي يسيل وبين غيره ؛ ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم فى المرق وخطوط الدم فى القدور بين ، ويأكلون ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبرت بذلك عائشة ، ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود ، والله تعالى حرم ما مات حتف أنفه أو بسبب غير جارح محدد ، فيرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ، وحرم النبى صلى الله عليه وسلم ما صيد بعرض المعراض ، وقال: ((إنه وقيذ)) دون ما صيد بحده، والفرق بينهما إنما هو سفح الدم ؛ فدل على أن سبب التنجيس هو احتقان الدم واحتباسه ، وإذا سفح بوجه خبيث بأن يذكر عليه غير اسم الله كان الخبث هنا من جهة أخرى ، فإن التحريم يكون تارة لوجود الدم، ونارة لفساد التذكية كذكاة المجوسي والمرتد ، والذكاة فى غير المحل . وإذا كان كذلك فالعظم والقرن والظفر والظلف وغير ذلك ليس فيه دم مسفوح ، فلا وجه لتنجيسه ، وهذا قول جمهور السلف ، قال الزهري كان خيار هذه الأمة يمتشطون بأمشاط من عظام الفيل ، وقد ١٠٠