النص المفهرس

صفحات 61-80

ويشربون ، مثل بئر أريس التى بقباء ؛ أو البئر التى بيرحاء ( حديقة
أبي طلحة )، والبئر التى اشتراها عثمان وحبسها على المسلمين ، وغير
هذه الآبار، وكان سقيهم للنخل والزرع من الآبار بالنواضح والسواني
ونحو ذلك. أو بماء السماء وما يأتي من السيول، فأما عين جارية
فلم تكن لهم .
وهذه العيون التى تسمى عيون حمزة إنما أحدثها معاوية في خلافته
وأمر الناس بنقل الشهداء من موضعها ، فصاروا ينبشونهم وم رطاب
لم ينتنوا ، حتى أصابت المسحاة رجل أحدم فانبعثت دما! وكذلك
عين الزرقاء محدثة ؛ لكن لا أدري متى حدثت ؟
وهذا أمر لا ينازع فيه أحد من العلماء العالمين بالمدينة وأحوالها،
وإنما ينازع في مثل هذا بعض أتباع علماء العراق ؛ الذين ليس لهم
خبرة بأحوال النبى صلى الله عليه وسلم ومدينته وسيرته . وإذا كان
النبى صلى الله عليه وسلم يتوضأ من تلك البئر التى يلقى فيها الحيض
ولحوم الكلاب والنتن : فكيف يشرع لنا أن نتنزه عن أمر فعله
النبى صلى الله عليه وسلم؟ وقد ثبت عنه أنه أنكر على من يتزه عما
يفعله، وقال: (( ما بال أقوام يشزهون عن أشياء أترخص فيها ؟ والله
إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده)).
٦١

ولو قال قائل : تتنزه عن هذا لأجل الخلاف فيه ؛ فإن من أهل
العراق من يقول، الماء إذا وقعت فيه نجاسة مجسته وإن كان كثيراً ؛
إلا أن يكون مما لا تبلغه النجاسة ؛ ويقدرونه بما لا يتحرك أحد طرفيه
بتحرك الطرف الآخر ، وهل العبرة بحركة المتوضئ أو بحركة المغتسل ؟
على قولين . وقدر بعضهم ذلك بعشرة أذرع فى عشرة أذرع. ويحتجون
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم
يغتسل منه)) ، ثم يقولون: إذا تنجست البئر فإنه ينزح منها دلاء
مقدرة فى بعض النجاسات ، وفى بعضها تنزح البثر كلها . وذهب
بعض متكلميهم إلى أن البئر تطم ، فهذا الاختلاف يورث شبهة فى
الماء إذا وقعت فيه نجاسة ؟
قيل لهذا القائل : الاختلاف إنما يورث شبهة إذا لم تتبين سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما إذا تبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم
أرخص فى شيء ؛ وقد كره أن تتنزه عما ترخص فيه ؛ وقال لنا :
((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) رواه
أحمد وابن خزيمة في صحيحه : فإن تنزهنا عنه عصينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم، والله ورسوله أحق أن ترضيه ، وليس لنا أن نغضب
رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبهة وقعت لبعض العلماء، كما كان عام
الحديبية ، ولو فتحنا هذا الباب لكنا نكره لمن أرسل هديا أن يستبيح
٦٢

ما يستبيحه الحلال الخلاف ابن عباس . ولكنا نستحب للجنب إذا صام
أن يغتسل الخلاف أبى هريرة . ولكنا نكره تطيب المحرم قبل الطواف
الخلاف عمر وابنه ومالك . ولكنا نكره له أن يلبى إلى أن يرمى
الجمرة بعد التعريف لخلاف مالك وغيره . ومثل هذا واسع لا ينضبط .
وأما من خالف فى شيء من هذا من السلف والأئمة رضي الله
عنهم : فهم مجتهدون قالوا بمبلغ علمهم واجتهادهم ، وهم إذا أصابوا فلهم
أجران ، وإذا أخطأوا فلهم أجر والخطأ محطوط عنهم ، فهم معذورون
لاجتهادم ، ولأن السنة البينة لم تبلغهم ، ومن انتهى إلى ما علم
فقد أحسن .
فأما من تبلغه السنة من العلماء وغيرهم وتبين له حقيقة الحال : فلم
يبق له عذر فى أن يتنزه عما ترخص فيه النبى صلى الله عليه وسلم ،
ولا يرغب عن سنته لأجل اجتهاد غيره ؛ فإنه قد ثبت عنه في
الصحيحين أنه بلغه أن أقواماً يقول أحدهم : أما أنا فأصوم لا أفطر .
ويقول الآخر : فأنا أقوم ولا أنام. ويقول الآخر : أما أنا فلا أتزوج
النساء. ويقول الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم! فقال: ((بل
أصوم وأفطر ، وأنام؛ وأتزوج النساء ، وآكل اللحم ، فمن رغب
عن سنتي فليس مني )) .
٦٣

ومعلوم أن طائفة من المنتسبين إلى العلم والدين يرون أن المداومة
على قيام الليل وصيام النهار وترك النكاح وغيره من الطيبات: أفضل
من هذا ، وهم فى هذا إذا كانوا مجتهدين معذورون . ومن على السنة
فرغب منها لأجل اعتقاد : أن ترك السنة إلى هذا أفضل ؛ وأن هذا
الهدى أفضل من هدى محمد صلى الله عليه وسلم: لم يكن معذوراً
بل هو تحت الوعيد النبوي بقوله: ((من رغب عن سنتى فليس مني)).
وفى الجملة ( باب الاجتهاد والتأويل ) باب واسع يؤول بصاحبه إلى
أن يعتقد الحرام حلالا ، كمن تأول فى ربا الفضل، والأنبذة المتنازع فيها،
وحشوش النساء، وإلى أن يعتقد الحلال حراماً ، مثل بعض ما ذكرناه
من صور النزاع ، مثل الضب وغيره ، بل يعتقد وجوب قتل المعصوم
أو بالعكس . فأصحاب الاجتهاد وإن عذروا وعرفت مراتبهم من العلم
والدين : فلا يجوز ترك ما تبين من السنة والهدى لأجل تأويلهم ،
والله أعلم .
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم : إنه قد يغمس يده فيه أو
ينغمس فيه الجنب . فإنه قد ثبت بالسنة أن هذا لا يؤثر فيه النجاسة :
فكيف تؤثر فيه الجنابة ؟ وقد أجاب الجمهور عن نهي النبى صلى الله
عليه وسلم عن (( أن يبول الرجل فى الماء الدائم ثم يغتسل منه)، بأجوبة .
٦٤

أحدها : أن النهي عن الاغتسال وعن البول؛ لأن ذلك قد يفضى
إلى الإكثار من ذلك حتى يتغير الماء ، وإذا بال ثم اغتسل فقد بصيبه
البول قبل استحالته . وهذا جواب من يقول : الماء لا ينجس إلا بالتغير
كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك، وأحمد فى رواية اختارها
أبو محمد البغدادي صاحب التعليقة .
الثانى: أن ذلك محمول على ما دون القلتين ؛ توفيقاً بين الأحاديث.
وهذا جواب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد .
الثالث : أن النص إنما ورد في البول ، والبول أغلظ من غيره ؛
لأن أكثر عذاب القبر منه ؛ وصيانة الماء منه ممكنة لأنه يكون باختيار
الإنسان ، فلما غلظ - وصيانة الماء عنه ممكنة ــ فرق بينه وبين
ما يعسر صيانة الماء عنه ؛ وهو دونه . وهذا جواب أحمد فى المشهور
عنه ؛ واختيار جمهور أصحابه .
الجواب الرابع : أنا نفرض أن الماء قليل ؛ وأن المغتسلين غمسوا
فيه أيديهم : فهذا بعينه صورة النصوص التى وردت عن النبي صلى الله
عليه وسلم؛ فإنه كان يغتسل هو والمرأة من أزواجه من إناء واحد .
وقد تنازع الفقهاء الذين يقولون بأن الماء المتطهر به بصير مستعملا إذا
غمس الجنب يده فيه : هل يصير مستعملا ؟ على قولين مشهورين .
٦٥

وهو نظير غمس المتوضئ يده بعد غسل وجهه عند من يوجب الترتيب
كالشافعي وأحمد . والصحيح عندم : الفرق بين أن ينوى الغسل أو
لا ينويه ؛ فإن نوى مجرد الغسل صار مستعملا، وإن نوى مجرد الاعتراف
لم يصر مستعملا، وإن أطلق لم يصر مستعملا على الصحيح .
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعترف
من الإناء بعد غسل وجهه ، كما ثبت عنه أنه اعترف منه فى الجنابة ،
ولم يحرج على المسلمين في هذا الموضع ، بل قد علمنا يقيناً أن أكثر
توضؤ المسلمين واغتسالهم على عهده كان من الآنية الصغار ، وأنهم
كانوا يغمسون أيديهم فى الوضوء والغسل جميعاً فمن جعل الماء مستعملا
بذلك فقد ضيق ما وسعه الله .
فإن قيل: فنحن تحترز من ذلك لأجل قول من ينجس الماء المستعمل.
قيل : هذا أبعد عن السنة ؛ فإن نجاسة الماء المستعمل نجاسة حسية
كنجاسة الدم ومحوه - وإن كان إحدى الروايتين عن أبى حنيفة -
فهو مخالف لقول سلف الأمة وأئمتها ؛ مخالف للنصوص الصحيحة والأدلة
الجلية ، وليست هذه المسألة من موارد الظنون ، بل هي قطعية بلا
ريب ، فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه توضأ
وصب وضوءه على جابر ، وأنهم كانوا يقتتلون على وضوئه ، كما يأخذون
٦٦

نخامته ! وكما اقتسموا شعره عام حجة الوداع .
فمن تجس الماء المستعمل كان بمنزلة من تجس شعور الآدميين ، بل
بمنزلة من يجس البصاق كما يروى عن سلمان .
وأيضاً فيدن الجنب طاهر بالنص والإجماع ، والماء الطاهر إذا لاقى
محلا ظاهراً لم ينجس بالإجماع.
وأما احتجاجهم بتسمية ذلك طهارة ؛ وأنها ضد النجاسة : فضعيف
من وجهين :
أحدهما : أنه لا يسلم أن كل طهارة فضدها النجاسة ؛ فإن الطهارة
تنقسم إلى : طهارة خبث وحدث ، طهارة عينية وحكمية .
الثانى : أنا نسلم ذلك ونقول : النجاسة أنواع كالطهارة ، فيراد
بالطهارة الطهارة من الكفر والفسوق ، كما يراد بالنجاسة ضد ذلك ،
كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ ◌َجَسُ )، وهذه النجاسة لا تفسد الماء
بدليل أن سؤر اليهودي والنصراني طاهر ، وآنيتهم التى يصنعون فيها
المائعات ويغمسون فيها أيديهم طاهرة ، وقد أهدى اليهودي للنبي صلى
الله عليه وسلم شاة مشوية وأكل منها لقمة ، مع علمه أنهم باشروها .
وقد أجاب صلى الله عليه وسلم يهوديا إلى خبز شعير وإحالة سنخة.
٦٧

والثانى : يراد بالطهارة الطهارة من الحدث ، وضد هذه نجاسة
الحدث ، كما قال أحمد فى بعض أجوبته لما سئل عن نحو ذلك : إنه
أجس الماء . فظن بعض أصحابه أنه أراد نجاسة الجنب ؛ فذكر ذلك
رواية عنه. وإنما أراد أحمد نجاسة الحدث ، وأحمد رضي الله عنه
لا يخالف سنة ظاهرة معلومة له قط ، والسنة في ذلك أظهر من أن
تخفى على أقل أتباعه ، لكن نقل عنه أنه قال : اغسل بدنك منه .
والصواب أن هذا لا يدل على النجاسة ؛ فإن غسل البدن من الماء
المستعمل لا يجب بالاتفاق، ولكن ذكروا عن أحمد رحمه الله فى
استحباب غسل البدن منه : روايتين . الرواية التى تدل على الاستحباب
لأجل الشبهة ، والصحيح أن ذلك لا يجب ولا يستحب ؛ لأن هذا
عمل النبى صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يغسلون ثيابهم بما بصيهم
من الوضوء .
الثالث : يراد بالطهارة الطهارة من الأعيان الخبيثة التي هي نجسة ،
والكلام في هذه النجاسة بالقول بأن الماء المستعمل صار بمنزلة الأعيان
الخبيثة ؛ كالدم والماء المنجس ونحو ذلك : هو القول الذي دلت النصوص
والإجماع القديم والقياس الجلى على بطلانه . وعلى هذا تجميع هذه المياه
التى فى الحياض ؛ والبرك التى فى الحمامات والطرقات وعلى أبواب المساجد
وفى المدارس ؛ وغير ذلك : لا يكره التطهر بشيء منها وإن سقط فيها
٦٨

الماء المستعمل ، وليس للإنسان أن يتنزه عن أمر ثبتت فيه سنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالرخصة لأجل شبهة وقعت لبعض العلماء رضي
الله عنهم أجمعين.
وقد تبين بما ذكرناه جواب السائل عن الماء الذي يقطر من بدن
الجنب بجماع أو غيره ، وتبين أن الماء طاهر ، وأن التنزه عنه أو عن
ملامسته للشبهة التى فى ذلك بدعة مخالفة للسنة ، ولا نزاع بين المسلمين
أن الجنب لومس مغتسلا لم يقدح فى صحة غسله .
وأما المسخن بالنجاسة فليس بنجس باتفاق الأئمة إذا لم يحصل له
ما ينجسه ، وأما كراهته ففيها نزاع ، لا كراهة فيه فى مذهب الشافعي،
وأبي حنيفة ؛ ومالك وأحمد فى إحدى الروايتين عنهما ، وكرهه مالك
وأحمد فى الرواية الأخرى عنهما . وهذه الكراهة لها مأخذان :
أحدهما : احتمال وصول أجزاء النجاسة إلى الماء ؛ فيبقى مشكوكا
فى طهارته شكا مستنداً إلى أمارة ظاهرة ، فعلى هذا المأخذ متى كان
بين الوقود والماء حاجز حصين كمياه الحمامات لم يكره ؛ لأنه قد تيقن
أن الماء لم تصل إليه النجاسة . وهذه طريقة طائفة من أصحاب أحمد
كالشريف أبى جعفر وابن عقيل وغيرهما .
٦٩

والثانى : أن سبب الكراهة كونه سخن بإيقاد النجاسة ؛ واستعمال
النجاسة مكروه عندم ؛ والحاصل بالمكروه مكروه . وهذه طريقة القاضي
وغيره . فعلى هذا إنما الكراهة إذا كان التسخين حصل بالنجاسة . فأما
إذا كان غالب الوقود طاهراً أوشك فيه لم تكن هذه المسألة .
وأما دخان النجاسة : فهذا مبنى على أصل ، وهو أن العين النجسة
الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة
مثل أن يصير ما يقع فى الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحاً طيباً
كغيرها من الملح ، أو يصير الوقود رماداً وخرسفا وقصرملا ونحو
ذلك - ففيه للعلماء قولان :
أحدهما : لا يطهر . كقول الشافعى ؛ وهو أحد القولين فى مذهب
مالك ؛ وهو المشهور عن أصحاب أحمد ؛ وإحدى الروايتين عنه ؛
والرواية الأخرى : أنه طاهر ؛ وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك فى أحد
القولين ؛ وإحدى الروايتين عن أحمد .
ومذهب أهل الظاهر وغيرم : أنها تطهر. وهذا هو الصواب المقطوع
به ؛ فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظا ولا معنى ؛ فليست
محرمة ولا في معنى المحرم ، فلا وجه لتحريمها ، بل تتناولها نصوص
الحل ؛ فإنها من الطيبات . وهي أيضاً فى معنى ما اتفق على حله ،
٧٠

فالنص والقياس يقتضي تحليلها .
وأيضاً فقد اتفقوا كلهم على الخمر إذا صارت خلا بفعل الله تعالى
صارت حلالا طيباً ، واستحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر ،
والذين فرقوا بينهما قالوا : المر بجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة
بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير . وهذا الفرق ضعيف ؛ فإن جميع
النجاسات نجست أيضاً بالاستحالة ؛ فإن الهم مستحيل عن أعيان
طاهرة ، وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل عن
مادة طاهرة مخلوقة .
وأيضاً فإن الله تعالى حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبث،
كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب ، وهذه الأعيان المتنازع
فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث وإنما فيها وصف الطيب .
فإذا عرف هذا : فعلى أصبح القولين فالدخان والبخار المستحيل
عن النجاسة طاهر؛ لأنه أجزاء هوائية ونارية ومائية ؛ وليس فيه شيء من
وصف الخبث.
وعلى القول الآخر فلا بد أن يعفى من ذلك عما يشق الاحتراز
منه، كما يعفى عما يشق الاحتراز منه على أصح القولين. ومن حكم بنجاسة
٧١

ذلك ولم يعف عما يشق الاحتراز منه فقوله أضعف الأقوال .
هذا إذا كان الوقود نجساً . فأما الطاهر كالخشب والقصب
والشوك فلا يؤثر باتفاق العلماء ، وكذلك أرواث ما يؤكل لحمه من
الإبل والبقر والغنم والخيل ؛ فإنها طاهرة فى أصح قولي العلماء .
والله أعلم .
وأما الماء الذي يجري على أرض الحمام مما يفيض وينزل من أبدان
المغتسلين غسل النظافة وغسل الجنابة وغير ذلك فإنه طاهر ، وإن كان
فيه من الغسل كالسدر والخطمى والأشنان مافيه ، إلا إذا علم فى بعضه
بول أو قىء أو غير ذلك من النجاسات : فذلك الماء الذي خالطته
هذه النجاسات له حكم. وأما ماقبله وما بعده فلا يكون له حكمه بلا
نزاع ، لا سيما وهذه المياه جارية بلا ريب ، بل ماء الحمام الذي هو فيه
إذا كان الحوض فائضاً فإنه جار فى أصح قولي العلماء ، وقد نص على
ذلك أحمد وغيره من العلماء ، وهو بمنزلة ما يكون فى الأنهار من حفرة
ومحوها ؛ فإن هذا الماء وإن كان الجريان على وجهه فإنه يستخلف
شيئاً فشيئاً ؛ ويذهب ويأتي ما بعده ؛ لكن يبطئ ذهابه بخلاف الذي
يجري جميعه .
وقد تنازع العلماء فى الماء الجاري على قولين :
٧٢

أحدهما : لا ينجس إلا بالتغير. وهذا مذهب أبي حنيفة مع تشديده
في الماء الدائم، وهو أيضاً مذهب مالك ، والقول القديم للشافعي ،
وهو أنص الروايتين عن أحمد واختيار محققي أصحابه.
والقول الآخر للشافعي؛ وهي الرواية الأخرى عن أحمد: أنه كالدائم
فتعتبر الجرية .
والصواب الأول ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الدائم
والجارى في نهيه عن الاغتسال فيه والبول فيه ، وذلك يدل على الفرق
بينها ، ولأن الجاري إذا لم تغيره النجاسة فلا وجه لنجاسته .
وقوله: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)» إنما دل على
ما دونهما بالمفهوم ، والمفهوم لا عموم له فلا يدل ذلك على أن ما دون
القلتين يحمل الخبث ، بل إذا فرق فيه بين دائم وجار أو إذا كان فى
بعض الأحيان يحمل الخبث كان الحدث معمولا به . فإذا كان طاهراً
بيقين وليس فى نجاسته نص ولا قياس وجب البقاء على طهارته مع
بقاء صفاته ، وإذا كان حوض الحمام الفائض إذا كان قليلا ووقع فيه
بول أو دم أو عذرة ولم تغيره : لم ينجسه على الصحيح، فكيف بالماء
الذي جميعه يجري على أرض الحمام ؟ فإنه إذا وقعت فيه نجاسة ولم
تغيره لم ينجس.
٧٣

وهذا يتضح بمسألة أخرى؛ وهو : أن الأرض وإن كانت ترابا أو
غير تراب إذا وقعت عليها نجاسة من بول أو عذرة أو غيرهما: فإنه إذا صب
الماء على الأرض حتى زالت عين النجاسة : فالماء والأرض طاهران
وإن لم ينفصل الماء فى مذهب جماهير العلماء ، فكيف بالبلاط ؟ ولهذا
قالوا : إن السطح إذا كانت عليه نجاسة وأصابه ماء المطر حتى أزال
عينها كان ما ينزل من الميازيب طاهرا ؛ فكيف بأرض الحمام ؟ فإذا كان
بها بول أو قيء فصب عليه ماء حتى ذهبت عينه : كان الماء والأرض
طاهرين وإن لم يجر الماء ؛ فكيف إذا جرى وزال عن مكانه ؟
والله أعلم.
وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع؛ وذكرنا بضعة
عشر دليلا شرعيا على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه ، فإذا كانت
طاهرة فكيف بالمستحيل منها أيضاً ؟ وطهارة هذه الأدوات بينة فى
السنة ، فلا يجعل الخلاف فيها شبهة يستحب لأجله اتقاء ما خالطته ؛
إذ قد ثبت بالسنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
كانوا يلابسونها . وأما روت ما لا يؤكل لحمه كالبغال والحمير : فهذه
بجسة عند جمهور العلماء . وقد ذهب طائفة إلى طهارتها؛ وأنه لاينجس
من الأروات والأبوال إلا بول الآدمي وعذرته ؛ لكن على القول المشهور
قول الجمهور إذا شك فى الروثة : هل هي من روث ما يؤكل لحمه أو
٧٤

من روث ما لا يؤكل لحمه ؟ ففيها قولان للعلماء هما وجهان فى مذهب أحمد :
أحدهما: بحكم بنجاستها ؛ لأن الأصل فى الأرواث النجاسة .
والثاني: وهو الأصح: يحكم بطهارتها ؛ لأن الأصل فى الأعيان
الطهارة . ودعوى أن الأصل في الأروات النجاسة ممنوع ؛ فلم يدل على
ذلك لا نص ولا إجماع ، ومن ادعى أصلا بلا نص ولا إجماع فقد
أبطل ، وإذا لم يكن معه إلا القياس فروت ما يؤكل لحمه طاهر ؛ فكيف
يدعى أن الأصل نجاسة الأروات ؟
إذا عرف ذلك . فإن تيقن أن الوقود نجس فالدخان من مسائل
الاستحالة كما تقدم . وأما إذا تيقن طهارته فلا نزاع فيه . وإن شك:
هل فيه نجس ؟ فالأصل الطهارة ، وإن تيقن أن فيه رونا وشك فى
نجاسته فالصحيح الحكم بطهارته . وإن على اشتماله على طاهر ونجس
وقلنا بنجاسة المستحيل عنه : كان له حكمه فيما يصيب بدن المغتسل ،
يجوز أن يكون من الطاهر ويجوز أن يكون من النجس ، فلا ينجس
بالشك ، كما لو أصابه بعض رماد مثل هذا الوقود ، فإنا لا تحكم بنجاسة
البدن بذلك وإن تيقنا أن فى الوقود نجسا ؛ لإ مكان أن يكون هذا
الرماد غير نجس ، والبدن طاهر بيقين فلا نحكم بنجاسته بالشك .
وهذا إذا لم يختلط الرماد النجس بالطاهر ؛ أو البخار النجس بالطاهر.
٧٥

فأما إذا اختلطا بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر : فما أصاب الإنسان
يكون منها جميعاً ؛ ولكن الوقود في مقره لا يكون مختلطا ، بل رماد
كل نجاسة بيقى في حيزها .
فإن قيل : لو اشتبه الحلال بالحرام كاشتباه أخته بأجنبية ، أو الميتة
بالمذكاة اجتنبها جميعاً . ولو اشتبه الماء الطاهر بالنجس: فقيل : يتحرى
للطهارة إذا لم يكن النجس نجس الأصل ، بأن يكون بولا ، كما قاله
الشافعي . وقيل : لا يتحرى ؛ بل يجتنبهما كما لو كان أحدهما بولا.
وهو المشهور من مذهب أحمد وطائفة من أصحاب مالك. وقيل : يتحرى
إذا كانت الآنية أكبر ، وهذا مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب
أحمد . وفي تقدير الكبير نزاع معروف عندهم ، فهنا أيضاً اشتبهت
الأعيان النجسة بالطاهرة فاشتبه الحلال بالحرام :
قيل : هذا صحيح ، ولكن مسألتنا ليست من هذا الباب ، فإنه
إذا اشتبه الحلال بالحرام اجتنبهما ؛ لأنه إذا استعملهما لزم استعمال الحرام
قطعاً وذلك لا يجوز ، فهو بمنزلة اختلاط الحلال بالحرام على وجه لا
يمكن تمييزه كالنجاسة إذا ظهرت فى الماء ، وإن استعمل أحدهما من غير
دليل شرعى كان ترجيحاً بلا مرجح؛ وهما مستويان في الحكم فليس
استعمال هذا بأولى من هذا : فيجتلبان جميعاً .
٧٦

وأما اشتباه الماء الطاهر بالنجس فإنما نشأ فيه النزاع لأن الطهارة
بالطهور واجبة ؛ وبالنجس حرام ، فقد اشتبه واجب بحرام . والذين
منعوا التحري قالوا : استعمال النجس حرام . وأما استعمال الطهور فإنما
يجب مع العلم والقدرة ؛ وذلك منتف هنا: ولهذا تنازعوا: هل يحتاج
إلى أن يعدم الطهور بخلط أوراقه ؟ على قولين مشهورين ؛ أصحها أنه
لا يجب ؛ لأن الجهل كالعجز . والشافعي رحمه اللّه إنما جوز التحري
إذا كان الأصل فيها الطهارة ؛ لأنه حينئذ يكون قد استعمل ما أصله
طاهر وقد شك فى تنجسه ، فيبقى الأمر فيه على استصحاب الحال .
والذين نازعوه قالوا : ما صار نجسا بالتغير فهو بمنزلة جس الأصل ؛
وقد زال الاستصحاب بيقين النجاسة ، كما لو حرمت إحدى امرأتيه
برضاع أو طلاق أو غيرهما ؛ فإنه بمنزلة من تكون محرمة الأصل عنده
ومسألة اشتباه الحلال بالحرام ذات فروع متعددة .
وأما إذا اشتبه الطاهر بالنجس وقلنا : يتحرى ؛ أو لا يتحرى :
فإنه إذا وقع على بدن الإنسان أو توبه أو طعامه شيء من أحدهما
لا ينجسه ؛ لأن الأصل الطهارة وما ورد عليه مشكوك فى نجاسته ،
ونحن منعنا من استعمال أحدهما لأنه ترجيح بلا مرجح . فأما
تنجس ما أصابه ذلك فلا يثبت بالشك ، نعم ! لو أصابا ثوبين حكم
بنجاسة أحدهما ، ولو أصابا بدنين فهل يحكم بنجاسة أحدهما ؟ هذا
٧٧

مبنى على ما إذا تيقن الرجلان أن أحدهما أحدث أو أن أحدهما طلق
امرأته ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه لا يجب على واحد منهما طهارة ولا طلاق ، كما هو
مذهب الشافعى وغيره وأحد القولين فى مذهب أحمد ؛ لأن الشك
فى رجلين لا فى واحد ؛ فكل واحد منهما له أن يستصحب حكم
الأصل في نفسه .
والثاني : أن ذلك بمنزلة الشخص الواحد ، وهو القول الآخر فى
مذهب أحمد ، وهو أقوى ؛ لأن حكم الإيجاب أو التحريم يثبت قطعاً
فى حق أحدهما ، فلا وجه لرفعه عنهما جميعاً .
وسر ما ذكرناه أنه إذا اشتبه الطاهر بالنجس فاجتنابهما جميعاً واجب
لأنه يتضمن لفعل المحرم ، واجتناب أحدهما لأن تحليله دون الآخر
تحكم ؛ ولهذا لما رخص من رخص فى بعض الصور عضده بالتحري ؛
أو به واستصحابه الحلال . فأما ما كان حلالا بيقين ولم يخالطه ماحكم
بأنه نجس فكيف ينجس ؟ ولهذا لو تيقن أن فى المسجد أو غيره بقعة
بجسة ، ولم يعلم عينها ، وصلى فى مكان منه ولم يعلم أنه المتنجس: صحت
صلاته ؛ لأنه كان طاهراً بيقين ولم يعلم أنه نجس ، وكذلك لو أصابه
شيء من طين الشوارع لم يحكم بنجاسته وإن علم أن بعض طين الشوارع
٧٨

يجس . ولا يفرق في هذا بين العدد المنحصر وغير المنحصر ؛ وبين
القلتين والكثير ؛ كما قيل مثل ذلك في اشتباه الأخت بالأجنبية ؛ لأنه
هناك اشتبه الحلال بالحرام ، وهنا شك فى طريان التحريم على الحلال.
وإذا شك فى النجاسة : هل أصابت الثوب أو البدن ؟ فمن العلماء
من يأمر بنضحه؛ ويجعل حكم المشكوك فيه النضح ؛ كما يقوله مالك .
ومنهم من لا يوجب ذلك . فإذا احتاط ونضح المشكوك فيه كان حسنا
كما روى في نضح أنس للحصير الذي اسود من طول ما لبس، ونضح
عمر ثوبه ؛ ونحو ذلك . والله أعلم .
وسل
عن أناس فى مفازة ومعهم قليل ماء ، فولغ الكلب فيه وم فى
مفازة معطشة فما الحكم فيه ؟
فأجاب : يجوز لهم حبسه لأجل شربه إذا عطشوا ولم يجدوا ماء
طيباً ؛ فإن الخبائث جميعاً تباح للمضطر ، فله أن يأكل عند الضرورة
الميتة والدم ولحم الخنزير ، وله أن يشرب عند الضرورة ما يرويه
كالمياه النجسة والأبوال التى ترويه ، وإنما منعه أكثر الفقهاء عن شرب
٧٩
٠

الحمر ؛ قالوا : لأنها تزيده عطشا.
وأما التوضؤ بماء الولوغ فلا يجوز عند جماهير العلماء ، بل يعدل
عنه إلى التيمم .
ويجب على المضطر أن يأكل ويشرب ما يقيم به نفسه، فمن
اضطر إلى الميتة أو الماء النجس فلم يشرب ولم يأكل حتى مات : دخل
النار ، ولو وجد غيره مضطراً إلى ما معه من الماء الطيب أو النجس
فعليه أن يسقيه إياه ويعدل إلى التيمم ، سواء كان عليه جنابة أو حدث
صغير ، ومن اغتسل وتوضأ وهناك مضطر من أهل الملة أو الذمة أو
دوابهم المعصومة فلم يسقه : كان آ ثماً عاصياً ، والله أعلم ؟
٨٠