النص المفهرس
صفحات 41-60
وسئل رحمه الله عن القلتين : هل حديثه صحيح أم لا؟ ومن قال : إنه قلة الجيل؛ وفى سؤر الهرة إذا أكلت نجاسة ثم شربت من ماء دون القلتين : هل يجوز الوضوء به أم لا ؟ فأجاب : الحمد لله . قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له : إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب ؛ والنتن؟ فقال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء))، وبئر بضاعة باتفاق العلماء وأهل العلم بها هي بثر ليست جارية ، وما يذكر عن الواقدي من أنها جارية أخر باطل ؛ فإن الواقدي لا يحتج به باتفاق أهل العلم ، ولا ريب أنه لم يكن بالمدينة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماء جار، وعين الزرقاء وعيون حمزة محدثة بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبئر بضاعة باقية إلى اليوم فى شرقي المدينة ، وهى معروفة . وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به، وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه، وصنف أبو عبد الله ٤١ محمد بن عبد الواحد المقدسى جزءارد فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره . وأما لفظ القلة فإنه معروف عنده أنه الجرة الكبيرة كالحب ، وكان صلى الله عليه وسلم يمثل بهما ، كما في الصحيحين أنه قال في سدرة المنتهى: ((وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر))، وهي قلال معروفة الصفة والمقدار ؛ فإن التمثيل لا يكون بمختلف متفاوت . وهذا مما يبطل كون المراد قلة الجميل ، لأن قلال الجبال فيها الكبار والصغار ، وفيها المرتفع كثيراً، وفيها ما هو دون ذلك، وليس فى الوجود ماء يصل إلى قلال الجبل إلا ماء الطوفان ، فحمل كلام النبى صلى الله عليه وسلم على مثل هذا بشبه الاستهزاء بكلامه . ومن عادته صلى الله عليه وسلم أنه يقدر المقدرات بأوعيتها ، كما قال : ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، والوسق حمل الجمل، وكما كان يتوضأ بلمد ويغتسل بالصاع ، وذلك من أوعية الماء، وهكذا تقدير الماء بالقلال مناسب ، فإن القلة وعاء الماء . وأما الهرة فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). ٤٢ وتنازع العلماء فيما إذا أكلت فأرة ونحوها ثم ولغت في ماء قليل على أربعة أقوال فى مذهب أحمد وغيره. قيل : إن الماء طاهر مطلقا . وقيل نجس مطلقا حتى تعلم طهارة فيها . وقيل : إن غابت غيبة يمكن فيها ورودها على ما يطهر فها كان طاهراً، وإلا فلا . وهذه الأوجه فى مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما . وقيل إن طال الفصل كان ظاهرا ، جعلا لريقها مطهرا لفمها لأجل الحاجة ، وهذا قول طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأحمد ، وهو أقوى الأقوال والله أعلم . وسئل عن رجل غمس يده فى الماء قبل أن يغسلها من قيامه من نوم الليل : فهل هذا الماء يكون طهوراً ؟ وما الحكمة فى غسل اليد إذا باتت طاهرة ؟ أفتونا مأجورين ؟ !. فأجاب : الحمد لله : أما مصيره مستعملا لا يتوضأ به فهذا فيه نزاع مشهور ، وفيه روايتان عن أحمد ، اختار كل واحدة طائفة من أصحابه ، فالمنع اختيار أبي بكر والقاضي وأكثر أتباعه ، ويروى ذلك عن الحسن وغيره . والثانية لا يصير مستعملا، وهي اختيار الخرقى وأبي محمد وغيرهما، ٤٣ وهو قول أكثر الفقهاء . وأما الحكمة فى غسل اليد ففيها ثلاثة أقوال : أحدها أنه خوف نجاسة تكون على اليد ؛ مثل مرور بده موضع الاستجمار مع العرق ؛ أو على زبلة ونحو ذلك . والثانى : أنه تعبد ولا يعقل معناه . والثالث : أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان ، كما فى الصحيحين عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنشق بمنخريه من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه))، فأمر بالغسل معللا بمبيت الشيطان على خيشومه ؛ فعلم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة ، والحديث معروف . وقوله: ((فإن أحدكم لا يدري أين بانت بده ؟ )) يمكن أن يراد به ذلك ؛ فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التى شهد لها النص بالاعتبار. والله أعلم . ٤٤ وقال رضي اللّ عنـ فصل وأما نهيه صلى الله عليه وسلم: « أن يغمس القائم من نوم الليل يده فى الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً)): فهو لا يقتضي تنجيس الماء بالاتفاق ، بل قد يكون لأنه يؤثر فى الماء أثراً وأنه قد يفضي إلى التأثير ، وليس ذلك بأعظم من النهي عن البول في الماء الدائم ، وقد تقدم أنه لا يدل على التنجيس . وأيضاً ففي الصحيحين عن أبي هريرة: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فاليستنثر بمنخريه من الماء؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه))، فعلم أن ذلك الغسل ليس مسبباً عن النجاسة ، بل هو معلل بميت الشيطان على خيشومه. والحديث المعروف: ((فإن أحدكم لايدري أين بانت يده )) يمكن أن يراد به ذلك ، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التى شهد لها النص بالاعتبار . وأما نهيه عن الاغتسال فيه بعد البول فهذا إن صح عن النبي ٤٥ صلى الله تعالى عليه وسلم فهو كنهيه عن البول فى المستحم ، وقوله : ((فإن عامة الوسواس منه )) ؛ فإنه إذا بال في المستحم ثم اغتسل حصل له وسواس ، وربما بقي شيء من أجزاء البول فعاد عليه رشاشه ، وكذلك إذا بال فى الماء ثم اغتسل فيه فقد يغتسل قبل الاستحالة مع بقاء أجزاء البول ؛ فنهى عنه لذلك . ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل، وهذا قد يكون لما فيه من تقدير الماء على غيره؛ لا لأجل نجاسته ولالصيرورته مستعملا؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: ((إن الماء لا يجنب)). وسئل أيضاً رحمه اللّ: عن الماء إذا غمس الرجل يده فيه : هل يجوز استعماله أم لا ؟ فأجاب : لا ينجس بذلك ، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء ؛ كالك ؛ وأبى حنيفة والشافعي وأحمد ؛ وعنه رواية أخرى: أنه بصير مستعملا. والله سبحانه وتعالى أعلم . ٤٦ وسئل عن الرجل يغتسل إلى جانب الحوض أو الجرن فى الحمام وغيره وهو ناقص ؛ ثم يرجع بعض الماء من على بدنه إلى الجرن : هل بصير ذلك الماء مستعملا أم لا ؟ وكذلك الجنب إذا وضع يده فى الماء أو الجرن : هل يصير مستعملا أم لا ؟ وعن مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا ؟ وعن الطاسة التى تحط على أرض الحمام، والماء المستعمل جار عليها ؛ ثم يغترف بها من الجرن الناقص من غير أن تغسل أفتونا مأجورين ؟ . فأجاب: الحمد لله. ما يطير من بدن المغتسل أو المتوضئ من الرشاش فى إناء الطهارة لا يجعله مستعملا . وكذلك غمس الجنب يده فى الإناء والجرن الناقص لا بصير مستعملا. وأما مقدار الماء الذي إذا اغتسل فيه الجنب لا يصير مستعملا : إذا كان كثيراً مقدار قلتين . ٤٧ وأما الطاسة التى توضع على أرض الحمام فالماء المستعمل طاهر لا ينجس إلا بملاقاة النجاسة ؛ فالأصل فى الأرض الطهارة حتى تعلم بجاستها ؛ لا سيما ما بين يدي الحياض الفائضة فى الحمامات ؛ فإن الماء يجري عليها كثيراً . والله أعلم . وسئل عن رجل تدركه الصلاة وهو فى مدرسة ؛ فيجد فى المدارس بركا فيها ماء له مدة كثيرة ، ومثل ماء الحمام الذي فى الحوض : فهل يجوز من ذلك الوضوء والطهارة أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. قد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه ، كحديث عائشة ؛ وأم سلمة ؛ وميمونة؛ وابن عمر - رضي الله عنهم -: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد ، حتى يقول لها : ((أبقى لي)) وتقول هي: ((أبق لي)). وفى صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال : كان الرجال والنساء يغتسلون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، ولم ٤٨ يكن بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء جار ولا حمام. فإذا كانوا يتوضؤون جميعاً ويغتسلون جميعاً من إناء واحد بقدر الفرق ، وهو بضعة عشر رطلا بالمصري أو أقل، وليس لهم ينبوع ولا أنبوب ، فتوضؤم واغتسالهم جميعاً من حوض الحمام أولى وأحرى، فيجوز ذلك وإن كان الحوض ناقصاً والأنبوب مسدوداً ؛ فكيف إذا كان الأنبوب مفتوحاً ؟ وسواء فاض أو لم يفض . وكذلك برك المدارس ، ومن منع غيره حتى ينفرد وحده بالاغتسال فهو مبتدع مخالف للسنة . وسئل شيخ الإسلام عن هؤلاء الذين يعبرون إلى الحمام ؛ فإذا أرادوا أن يغتسلوا من الجنابة وقف واحد منهم على الطهور وحده ؛ ولا يغتسل أحد معه حتى يفرغ واحداً بعد واحد ؛ فهل إذا اغتسل معه غيره لا يطهر ؟ وإن تطهر من بقية أحواض الحمام فهل يجوز وإن كان الماء باتنا فيها ؟ وهل الماء الذي يتقاطر من على بدن الجنب من الجماع طاهر أو نجس ؟ وهل ماء الحمام عندكونه مسخناً بالنجاسة نجس أم لا ؟ وهل الزنبور الذي ٤٩ يكون فى الحمام أيام الشتاء هو من دخان النجاسة يتنجس به الرجل إذا اغتسل وجسده مبلول أم لا ؟ والماء الذي يجري في أرض الحمام من اغتسال الناس طاهر أم بجس ؟ أفتونا ليزول الوسواس؟ ! . فأجاب: الحمد لله. قد ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يغترفان جميعاً. وفى رواية: أنها كانت تقول: (( دع لي)) ويقول هو: ((دعى لي)) من قلة الماء. وثبت أيضاً فى الصحيح أنه كان يغتسل هو وغير عائشة من أمهات المؤمنين من إناء واحد ، مثل ميمونة بنت الحارث وأم سلمة . وثبت عن عائشة أنها قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد قدر الفرق. والفرق بالرطل العراقى القديم ستة عشر رطلا ؛ وبالرطل المصري أقل من خمسة عشر رطلا . وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع . وثبت فى الصحيح عن ابن عمر أنه قال : كان الرجال والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضؤون من ماء واحد . وهذه السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا بمدينته على عهده دلت على أمور . ٥٠ أحدها هو اشتراك الرجال والنساء فى الاغتسال من إناء واحد ، وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر . وهذا مما انفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز، كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة. وإنما تنازع العلماء فيما إذا انفردت المرأة بالاغتسال أو خلت به : هل ينهى الرجل عن التطهر بسؤرها ؟ على ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره : أحدها : لا بأس بذلك مطلقاً . والثانى : بكره مطلقاً . والثالث : ينهى عنه إذا خلت به ؛ دون ما انفردت به ولم يخل به . وقد روى فى ذلك أحاديث فى السنن وليس هذا موضع هذه المسألة . فأما اغتسال الرجال والنساء جميعا من إناء واحد فلم يتنازع العلماء فى جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعاً، فاغتسال الرجال دون النساء جميعاً، أو النساء دون الرجال جميعاً أولى بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه. فمن كره أن يغتسل معه غيره؛ أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده فقد خرج عن إجماع المسلمين ، وفارق جماعة المؤمنين . ٥١ يوضح ذلك أن الآنية التى كان النبى صلى الله عليه وسلم وأزواجه والرجال والنساء يغتسلون منها كانت آنية صغيرة ، ولم يكن لها مادة لا أنبوب ولا غيره ، ولم يكن يفيض . فإذا كان تطهر الرجال والنساء جميعاً من تلك الآنية جازاً فكيف بهذه الحياض التى فى الحمامات وغير الحمامات ؛ التى يكون الحوض أكبر من قلتين ؟ فإن القلتين أكثر ماقيل فيها على الصحيح : أنها خمسمائة رطل بالعراقى القديم ، فيكون هذا الرطل المصري أكثر من ذلك بعشرات من الأرطال ؛ فإن الرطل العراقي القديم مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم ، وهذا الرطل المصري مائة وأربعة وأربعون درهما ، يزيد على ذلك بخمسة عشر درهما وثلاثة أسباع درهم ، وذلك أكثر من أوقية وربح مصرية ، فالخمسمائة وطل بالعراقى أربعة وستون الف درهم ؛ ومائتا درهم ؛ وخمسة وثمانون درهما؛ وخمسة أسباع درهم؛ وذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم : مائة وسبعة أرطال وسبع رطل . وهذا الرطل المصري أربعمائة رطل وستة وأربعون رطلا وكسر أوقية ، ومساحة القلتين ذراع وربع فى ذراع وربح طولا وعرضاً وعمقاً ، ومعلوم أن غالب هذه الحياض التى فى الحمامات المصرية وغير الحمامات أكثر من هذا المقدار بكثير ؛ فإن القلة نحو من هذه القرب الكائنة التى تستعمل بالشام ومصر ، فالقلتان قربتان بهذه القرب ، وهذا كله تقريب بلا ريب ، فإن تحديد القلتين إنما هو بالتقريب على أصوب القولين ، ٥٢ ومعلوم أن هذه الحياض فيها أضعاف ذلك ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتطهر هو وأزواجه من تلك الآنية : فكيف بالتطهر من هذه الحياض ؟ الأمر الثانى : أنه يجوز التطهر من هذه الحياض سواء كانت فائضة أو لم تكن، وسواء كانت الأنبوب نصب فيها أو لم تكن، وسواء كان الماء بائنا فيها أو لم يكن ؛ فإنها طاهرة والأصل بقاء طهارتها ، وهي بكل حال أكثر ماء من تلك الآنية الصغار التى كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون منها ؛ ولم تكن فائضة ولا كان بها مادة من أنبوب ولا غيره . ومن انتظر الحوض حتى يفيض ؛ ولم يغتسل إلا وحده ؛ واعتقد ذلك ديناً : فهو مبتدع مخالف للشريعة ؛ مستحق للتعزير الذي يردعه وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، ويعبدون الله باعتقادات فاسدة وأعمال غير واجبة ولا مستحبة . الأمر الثالث : الاقتصاد في صب الماء ، فقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: (( أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع)» والصاع أكثر ما قيل فيه : إنه ثمانية أرطال بالعراقى كما قال أبو حنيفة ؛ وأما أهل الحجاز وفقهاء الحديث - كمالك والشافعي وأحمد وغيرم - ٥٣ فعندم أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي . وحكاية أبى يوسف مع مالك في ذلك مشهورة لما سأله عن مقدار الصاع والمد ؟ فأمر أهل المدينة أن يأتوه بصعانهم حتى اجتمع عنده منها شيء كثير ، فلما حضر أبو يوسف قال مالك لواحد منهم: من أين لك هذا الصاع ؟ قال: حدثني أبى عن أبيه أنه كان يؤدي به صدقة الفطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر : حدثتنى أمي عن أمها أنها كانت تؤدي به ، يعني : صدقة حديقتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر نحو ذلك . وقال الآخر نحو ذلك . فقال مالك لأبى يوسف : أترى هؤلاء يكذبون؟ قال: لا ! والله ما يكذب هؤلاء، قال مالك: فأنا حررت هذا برطلكم يا أهل العراق ! فوجدته خمسة أرطال وثلثاً ، فقال أبو يوسف لمالك : قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ! ولو رأى صاحبى ما رأيت لرجع كما رجعت . فهذا النقل المتواتر عن أهل المدينة بمقدار الصاع والمد . وقد ذهب طائفة من العلماء - كابن قتيبة ، والقاضي أبي يعلى في تعليقه؛ وجدي أبي البركات - إلى أن صاع الطعام خمسة أرطال وثلث؛ وصاع الماء ثمانية ؛ واحتجوا بحجج : منها خبر عائشة : أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرق ، والفرق ستة عشر رطلا بالعراقي ، والجمهور على أن الصاع والمد في الطعام والماء ٥٤ واحد ، وهو أظهر ، وهذا مبسوط في موضعه . والمقصود هنا: أن مقدار طهور النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل ما بين ثمانية أرطال عراقية إلى خمسة وثلث ، والوضوء ربع ذلك ، وهذا بالرطل المصري أقل من ذلك . وإذا كان كذلك فالذي يكثر صب الماء حتى يغتسل بقنطار ماء أو أقل أو أكثر : مبتدع مخالف للسنة ، ومن تدين [ به] عوقب عقوبة تزجره وأمثاله عن ذلك كسائر المتدينين بالبدع المخالفة للسنة ، وهذا كله بين فى هذه الأحاديث . فإن قيل : إنما يفعل نحو هذا لأن الماء قد يكون نجسا أو مستعملا ؛ بأن تكون الآنية مثل الطاسة اللاصقة بالأرض قد تنجست بما على الأرض من النجاسة ؛ ثم غرف بها منه ، أو بأن الجنب غمس يده فيه فصار الماء مستعملا . أو قطر عليه من عرق سقف الحمام النجس ؛ أو المحتمل للنجاسة ، أو غمس بعض الداخلين أعضاءه فيه وهي نجسة فنجسته ؛ فلاحتمال كونه نجسا أو مستعملا احتطنا لديتنا وعدلنا إلى الماء الطهور بيقين ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)). ولقوله: ((من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه)». ٥٥ قيل : الجواب عن هذا من وجوه : أحدها : أن الاحتياط بمجرد الشك فى أمور المياه ليس مستحباً ولا مشروعا ، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك ، بل المشروع أن يني الأمر على الاستصحاب ، فإن قام دليل على النجاسة محسناه ؛ وإلا فلا يستحب أن يجتذب استعماله بمجرد احتمال النجاسة ، وأما إذا قامت أمارة ظاهرة فذاك مقام آخر . والدليل القاطع: أنه ما زال النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون يتوضؤون ويغتسلون ويشربون من المياه التى فى الآنية والدلاء الصغار والحياض وغيرها مع وجود هذا الاحتمال ، بل كل احتمال لا يستند إلى أمارة شرعية لم يلتفت إليه ؛ وذلك أن المحرمات نوعان: محرم لوصفه؛ ومحرم لكسبه. فالمحرم لكسبه كالظلم والربا والميسر؛ والمحرم لوصفه كالميتة والعم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به . والأول أشد تحريماً والتورع فيه مشهور ؛ ولهذا كان السلف يحترزون فى الأطعمة والثياب من الشبهات الناشئة من المكاسب الخبيثة . وأما الثانى : فإنما حرم لما فيه من وصف الخبث ، وقد أباح اللّه لنا طعام أهل الكتاب مع إمكان أن لا يذكوه التذكية الشرعية أو يسموا عليه غير الله، وإذا علمنا أنهم سموا عليه غير الله حرم ذلك ٥٦ فى أصح قولي العلماء ، وقد ثبت فى الصحيح من حديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن قوم يأتون باللحم ولا يدرى أسموا عليه أم لا؟ فقال: ((سموا أنتم وكلوا)) وأما الماء فهو في نفسه طهور ، ولكن إذا خالطته النجاسة وظهرت فيه صار استعماله استعمالا لذلك الخبيث ، فإنما نهى عن استعماله لما خالطه من الخبيث ، لا لأنه في نفسه خبيث ، فإذا لم يكن هنا أمارة ظاهرة على مخالطة الخبيث له كان هذا التقدير والاحتمال مع طيب الماء وعدم التغيير فيه : من باب الحرج الذي نفاه الله عن شريعتنا، ومن باب الآصار والأغلال المرفوعة عنا . وقد ثبت أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - توضأ من جرة نصرانية مع قيام هذا الاحتمال ، ومر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصاحب له بميزاب فقال صاحبه : ياصاحب الميزاب ! ماؤك طاهر أم نجس ؟ فقال عمر : يا صاحب الميزاب ! لا تخبره . فإن هذا ليس عليه . وقد نص على هذه المسألة الأئمة كأحمد وغيره ، نصوا على أنه إذا سقط عليه ماء من ميزاب ونحوه ولا أمارة تدل على النجاسة لم يلزم السؤال عنه ، بل يكره ، وإن سأل : فهل يلزم رد الجواب ؟ على وجهين . وقد استحب بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره السؤال وهو ضعيف . ٥٧ والوجه الثانى : أن يقول : هذه الاحتمالات هنا منتفية ؛ أو في غاية البعد فلا يلتفت إليها ، والالتفات إليها حرج ليس من الدين ، ووسوسة بأتى بها الشيطان ؛ وذلك أن الطاسات وغيرها من الآنية التى يدخل بها الناس الحمامات : طاهرة في الأصل ، واحتمال نجاستها أضعف من احتمال نجاسة الأوعية التى فى حوانيت الباعة ، فإذا كانت آنية الأدهان والألبان والخلول والعجين وغير ذلك من المائعات والجامدات والرطبة : محكوماً بطهارتها ؛ غير ملتفت فيها إلى هذا الوسواس : فكيف بطاسات الناس . وأما قول القائل : إنها تقع على الأرض : فنعم . وما عند الحياض من الأرض طاهر لا شبهة فيه ؛ فإن الأصل فيه الطهارة ، وما يقع عليه من المياه والسدر والخطمى والأشنان والصابون وغير ذلك : طاهر وأبدان الجنب من الرجال والنساء طاهرة . وقد ثبت فى الصحيح من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم لقيه فى بعض طرق المدينة ؛ قال: فانخلست منه؛ فاغتسلت ثم أتيته فقال: ((أين كنت))؟ فقلت : إنى كنت جنباً؛ فكرهت أن أجالسك وأنا جنب! فقال: ((سبحان الله! إن المؤمن لا لا ينجس)). وهذا متفق عليه بين الأئمة : أن بدن الجنب طاهر ، وعرقه طاهر ، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر ؛ ولو سقط الجنب ٥٨ فى دهن أو ماتح لم ينجسه بلا نزاع بين الأئمة ، بل وكذلك الحائض عرقها طاهر ، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن للحائض أن تصلي فى ثوبها الذي تحيض فيه ، وأنها إذا رأت فيه دماً أزالته وصلت فيه . فإذا كان كذلك : فمن أين ينجس ذلك البلاط ؟ أكثر ما يقال إنه قد يبول عليه بعض المغتسلين ؛ أو يبقى عليه ؛ أو يكون على بدن بعض المغتسلين نجاسة يطأ بها الأرض ، ونحو ذلك. وجواب هذا من وجوه : أحدها : أن هذا قليل نادر ؛ وليس هذا المتيقن من كل بقعة . الثانى : أن غالب من تقع منه نجاسة يصب عليها الماء الذي يزيلها . الثالث : أنه إذا أصاب ذلك البلاط شيء من هذا : فإن الماء الذي يفيض من الحوض والذي يصبه الناس : يطهر تلك البقعة وإن لم يقصد تطهيرها ؛ فإن القصد في إزالة النجاسة ليس بشرط عند أحد من الأئمة الأربعة ، ولكن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ذكروا وجهاً ضعيفاً فى ذلك ؛ ليطردوا قياسهم في مناظرة أبى حنيفة فى اشتراط النية في طهارة الحدث . كما أن زفر نفى وجوب النية فى ٥٩ التيمم طرداً لقياسه . وكلا القولين مطروح . وقد نص الأئمة على أن ماء المطر يطهر الأرض التى بصييها ، وغالب الماء الذي يصب على الأرض ليس بمستعمل ؛ فإن أكثر الماء الذي يصبه الناس لا يكون عن جنابة ، ولا يكون متغيراً . الوجه الثالث : أن يقال : هب أن الحوض وقعت فيه نجاسة محققة ؛ أو انغمس فيه جنب : فهذا ماء كثير . وقد ثبت عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يارسول الله! إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ؛ ولحوم الكلاب ؛ والنتن؟ فقال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)). قال الإمام أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح . وفى السنن عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب ؟ فقال: ((إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيءٍ))؛ وفى لفظ (( لم يحمل الخبث)). وبئر بضاعة بئر كسائر الآبار ، وهي باقية إلى الآن بالمدينة من الناحية الشرقية ، ومن قال : إنها كانت عينا جارية فقد غلط غلطاً بيناً ؛ فإنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عين جارية أصلا ، ولم يكن بها إلا الآبار ، منها يتوضؤون ويغتسلون ٦٠