النص المفهرس
صفحات 561-580
من الأسر كان له مطالبته بالفداء وليست ديناً ، والقرآن يدل على هذا (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْفَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) فأمر القول ، فإن الله قال : بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقداً ولا إذن الأب ، وكذلك قال: (وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ وَعَلَى الْمَلُودِلَهُ, فأوجب ذلك رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ ) ، عليه ولم يشترط عقداً ولا إذناً ، ونفقة الحيوان واجبة على ربه ، والمرتهن والمستأجر له فيه حق ، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربه كان أحق بالرجوع من الإنفاق على ولده ، فإذا قدر أن الراهن قال: لم آذن لك فى النفقة قال : هي واجبة عليك، وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر . وإذا كان المنفق قد رضي بأن يعتاض بمنفعة الرهن التى لا يطالبه بنظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه، فهذا خير محض مع الراهن . وكذلك لو قدر أن المؤتمن على حيوان الغير كالمودع والشريك والوكيل أنفق من مال نفسه واعتاض بمنفعة المال ؛ لأن هذا إحسان إلى صاحبه إذا لم ينفق عليه صاحبه . ومما يقال : إنه أبعد الأحاديث عن القياس : الحديث الذي في السنن عن الحسن ؛ عن قبيصة بن حريث ؛ عن سلمة بن المحبق ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى رجل وقع على جارية امرأته ٥٦١ إن كان استكرهها فهي حرة ، وعليه لسيدتها مثلها ، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها))، وقد روى فى لفظ آخر (( وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها )) وهذا الحديث تكلم بعضهم في إسناده ، لكنه حديث حسن ، وهم يحتجون بما هو دونه فى القوة ، ولكن لإشكاله قوى عندم تضعيفه . وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول هي صحيحة ، كل منها قول طائفة من الفقهاء : أحدها : أن من غير مال غيره بحيث يفوت مقصوده عليه فله أن يضمنه إياه بمثله ، وهذا كما إذا تصرف فى المغصوب بما أزال اسمه ، ففيه ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره . أحدها : أنه باق على ملك صاحبه وعلى الغاصب ضمان النقص ، ولا شيء له في الزيادة ، كقول الشافعي . والثانى : يملكه الغاصب بذلك ويضمنه لصاحبه ، كقول أبى حنيفة . والثالث : يخير المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل ، وهذا أعدل الأقوال وأقواها ؛ فإن فوت صفاته المعنوية مثل ٥٦٢ أن ينسيه صناعته ؛ أو يضعف قوته ؛ أو يفسد عقله ودينه فهذا أيضاً بخير المالك بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل ، ولو قطع ذنب بغلة القاضي . فعند مالك يضمنها بالبدل ، ويملكها لتعذر مقصودها على المالك فى العادة ؛ أو بخير المالك ، وكذلك السلطان إذا قطع آذان فرسه وذنبها . الأصل الثاني : أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة ، حتى الحيوان ، كما أنه فى القرض يجب فيه رد المثل ، وإذا افترض حيواناً رد مثله . كما افترض النبي صلى الله عليه وسلم بكراً ورد خيراً منه ، وكذلك فى المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة ، وكذلك إذا استثنى رأس المبيع ولم يذبحه . فإن الصحابة قضوا بشرائه . أي برأس مثله فى القيمة ، وهذا أحد القولين فى مذهب أحمد وغيره . وقصة داود وسليمان عليهما السلام من هذا الباب ، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرث القوم وهو بستانهم ، قالوا : وكان عيناً، والحرث اسم للشجر والزرع ، فقضى داود بالغنيم لأصحاب الحرث كأنه ضمنهم ذلك بالقيمة ، ولم يكن لهم مال إلا الغتم فأعطام الغتم بالقيمة. وأما سليمان فحكم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان، فضمنهم إياه بالمثل وأعطاهم الماشية بأخذون منفعتها عوضاً ٥٦٣ عن المنفعة التى فاتت من حين تلف الحرث إلى أن يعود ، وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن كان أتلف له شجراً، فقال : يغرسه حتى يعود كما كان ، وقيل : ربيعة وأبو الزناد قالا : عليه القيمة، فغلظ الزهري القول فيها . وهذا موجب الأدلة ، فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب وقال : ( فَمَنِ الإمكان ، قال تعالى : (وَجَزَُّؤَأْسَيِئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا ) ، وقال : ( وَإِنْ أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) ، عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمبِهِ ) وقال: (وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ) فإذا أتلف نقداً أو حبوباً ونحو ذلك أمكن ضمانها بالمثل ، وإن كان المتلف ثياباً أو آنية أو حيواناً فهنا مثله من كل وجه ، وقد يتعذر. فالأمر دائر بين شيئين : إما أن يضمنه بالقيمة وهي درام مخالفة للمتلف في الجنس والصفة ، لكنها تساويه فى المالية ، وإما أن يضمنه بثياب من جنس ثياب المثل ، أو آنية من جنس آنيته ، أو حيوان من جنس حيوانه ، مع مراعاة القيمة بحسب الإمكان ، ومع كون قيمته بقدر قيمته ، فهنا المالية مساوية كما فى النقد ، وامتاز هذا بالمشاركة في الجنس والصفة فكان ذلك أمثل من هذا ، وما كان أمثل فهو أعدل فيجب الحكم به إذا تعذر المثل من كل وجه . ونظير هذا ما ثبت بالسنة واتفاق الصحابة من القصاص فى اللطمة ٥٦٤ والضربة ، وهو قول كثير من السلف ، وقد نص عليه أحمد فى رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التى شرحها الجوزجاني فى كتابه المسمى بالمترجم ، فقال طائفة من الفقهاء : المساواة متعذرة فى ذلك فيرجع إلى التعزير ؛ فيقال لهم : ما جاءت به الآثار هو موجب القياس ، فإن التعزير عقاب غير مقدر الجنس ولا الصفة ولا القدر ، والمرجع فيه إلى اجتهاد الوالي ، ومن المعلوم الأمر بضرب يقارب ضربه وإن لم يعلم أنه مساو له ، أقرب إلى العدل والمماثلة من عقوبة تخالفه فى الجنس والوصف غير مقدرة أصلا . واعلم أن الماتل من كل وجه متعذر حتى في المكيلات فضلا عن غيرها ؛ فإنه إذا أتلف صاعاً من بر فضمن بصاع من بر لم يعلم أن أحد الصاعين فيه من الحب ما هو مثل الآخر ، بل قد يزيد أحدهما على الآخر ، ولهذا قال تعالى: ( وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا فإن تحديد الكيل والوزن مما قد يعجز عنه البشر إِلَّا وُسْعَهَا ) ، ولهذا يقال : هذا أمثل من هذا إذا كان أقرب إلى المماثلة منه ؛ إذا لم يحصل المماثلة من كل وجه . الأصل الثالث : من مثل بعيده عتق عليه . وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما ، وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كعمر بن الخطاب ، كما قد ذكر فى غير هذا ٥٦٥ الموضع . فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل ، فإذا طاوعته فقد أفسدها على سيدها ؛ فإنها مع المطاوعة تبقى زانية ، وذلك ينقص قيمتها ولا يمكن سيدها من استخدامها كما كانت تمكن قبل ذلك ؛ لبغضه لها ولطمع الجارية فى السيد ؛ ولاستشراف السيد إليها ، لا سيما ويعسر على سيدها فلا يطيعها كما كانت تطيعه ، وإذا تصرف بالمال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل فقضى لها بالمثل ، ومعلوم أنها لو رضيت أن تبقى ملكا لها وتغرمه ما نقص من قيمتها لم يمتنع من ذلك ، وإنما المقضى به ما أبيح لها ، ولكن موجب هذا أن الأمة إذا أفسدها رجل على أهلها حتى طاوعت على الزنا فلأهلها أن يطالبوه ببدلها ووجب مثلها بناء على أن المثل يجب فى كل مضمون بحسب الإمكان ، وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة ، فإن الإكراه على الوطء مثلة ، فإن الوطء يجري مجرى الإتلاف . ولهذا قيل: إن من استكره عبده على التلوط به عتق عليه ، ولهذا لا يخلو من عقر أو عقوبة لا تجري مجرى منفعة الخدمة ، فهي لما صارت له بإفسادها على سيدها أوجب عليه مثلها كما فى المطاوعة ، وأعتقها عليه لكونه مثل بها . وقد يقال إنه يلزم على هذا إذا استكره عبده على الفاحشة عتق عليه ، ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت وضمنها ٥٦٦ مثلها ، إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها ، فإن كان بينهما فرق شرعى وإلا فموجب القياس التسوية ، وأما قوله عز وجل، ( وَلَا تُكْرِهُوا فَتِكُمْ عَلَى الِْغَاءِإِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَّ ◌ََِّغُوْ عَرَضَلْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ). فهذا النهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما نقل أن ابن أبي المنافق كان له من الإماء ما يكرههن على البغاء، وليس هو استكراها للأمة على أن يزني هو بها ، فإن هذا بمنزلة التمثيل بها ، وذاك إلزام لها بأن تذهب فتزني بنفسها، مع أنه قد يمكن أن يقال: العتق بالمثلة لم يكن مشروعا عند نزول الآية ثم شرع بعد ذلك . والكلام على هذا الحديث من أدق الأمور ، فإن كان ثابتاً فهذا الذي ظهر فى توجيهه وتخرجه على الأصول الثابتة وإن لم يكن ثابتاً فلا يحتاج إلى الكلام عليه . وبالجملة فما عرفت حديثاً صحيحاً إلا ويمكن تخرجه على الأصول الثابتة ، وقد تدبرت ما أمكنى من أدلة الشرع فما رأيت قياساً صحيحاً يخالف حديثاً صحيحاً، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح؛ بل متى رأيت قياساً يخالف أثراً فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء فضلا عمن هو دونهم ؛ فإن إدراك الصفات المؤثرة فى الأحكام على وجهها ٥٦٧ ومعرفة الحكم والمعانى التى تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس ، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم ؛ فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفاً للنصوص ؛ لخفاء القياس الصحيح عليهم كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التى تدل على الأحكام . فصل وأما قولهم : أن المضي فى الحج الفاسد على خلاف القياس فليس الأمر كذلك؛ فإن الله أمر بإتمام الحج والعمرة فعلى من شرع فيها أن يمضي فيها وإن كان متطوعا بالدخول باتفاق الأئمة ، وم متنازعون فيما سوى ذلك من التطوعات : هل تلزم بالشروع ؟ فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي إلى حين يتحلل ، وأن لا يطأ في الحج فإذا وطي في الحج لم يمنع وطؤه ما وجب عليه من إتمام الحج. ونظير هذا الصيام في رمضان، لما وجب عليه الإتمام بقوله: ( ثُمَّ فإذا أفطر لم يسقط عنه فطره ما وجب من أَتِّقُواْالصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ ) الإتمام ، بل يجب عليه إتمام صوم رمضان وإن أفسده ، وهذا لأن الصيام له حد محدود وهو غروب الشمس ، كما للحج وقت مخصوص ٥٦٨ وهو يوم عرفة وما بعده ، ومكان مخصوص وهو عرفة ومزدلفة ومنى ، فلا يمكنه إحلال الحج قبل وصوله إلى مكانه كما لا يمكنه إحلال الصيام، اللهم إلا إذا كان معذوراً كالمحصر فهذا كالمعذور فى الفطر، وهذا بخلاف الصلاة إذا أفسدها فإنه يبتديها ؛ لأن الصلاة يمكنه فعلها في أثناء الوقت والحج لا يمكنه فعله في أثناء الوقت . فصل وأما الأكل ناسياً ؛ فالذين قالوا : هو خلاف القياس قالوا : هو من باب ترك المأمور ، ومن ترك المأمور ناسيا لم تبرأ ذمته، كما لو ترك الصلاة ناسياً أو ترك نية الصيام ناسياً لم تبطل عبادته إلا من فعل محظور ، ولكن من يقول : هو على وفق القياس يقول : القياس أن من فعل محظورا ناسياً لم تبطل عبادته ؛ لأن من فعل محظوراً ناسياً فلا إثم عليه كما دل عليه قوله تعالى: (رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن تَسِينَآ وقد ثبت في الصحيح أن الله قال: ((قد فعلت)). أَوْأَخْطَأَنَا ) ، وهذا مما لا يتنازع فيه العلماء أن الناسي لا يأتم . لكن يتنازعون فى بطلان عبادته ، فيقول القائل إذا لم يأثم لم يكن قد فعل محرما ، ومن لم يفعل محرماً لم تبطل عبادته ، فإن العبادة إنما تبطل بترك واجب أو فعل محرم ، فإذا كان ما فعله من باب فعل المحرم وهو ناس فيه لم تبطل عبادته . وصاحب هذا القول يقول : القياس أن ٥٦٩ لا تبطل الصلاة بالكلام في الصلاة ناسياً ، وكذلك يقول: القياس أن من فعل شيئا من محظورات الإحرام ناسياً لافدية عليه . وقيل : الصيد هو من باب ضمان المتلفات كدية المقتول؛ بخلاف الطيب واللباس فإنه من باب الترفه ، وكذلك الحلق والتقليم هو فى الحقيقة من باب الترفه لا من باب متلف له قيمة ، فإنه لا قيمة لذلك ؛ فلهذا كان أعدل الأقوال أن لا كفارة فى شيء من ذلك إلا في جزاء الصيد . وطرد هذا أن من فعل المحلوف عليه ناسياً لا يحنث ؛ سواء حلف بالطلاق أو العتاق أو غيرهما ؛ لأن من فعل المنهى عنه ناسيا لم بعص ولم يخالف ، والحنث فى الأيمان كالمعصية فى الأمر والنهي . وكذلك من باشر النجاسة فى الصلاة ناسياً فلا إعادة عليه ؛ لأنه من باب فعل المحظور ؛ بخلاف ترك طهارة الحدث فإنه من باب المأمور . فإن قيل : الترك في الصوم مأمور به ؛ ولهذا يشترط فيه النية : بخلاف الترك فى هذه المواضع فإنه ليس مأموراً به ؛ فإنه لا يشترط فيه النية . قيل : لا ريب أن النية فى الصوم واجبة ولولا ذلك لما أثيب ؛ ٥٧٠ لأن الثواب لا يكون إلا مع النية ، وتلك الأمور إذا قصد تركها لله أثيب على ذلك أيضاً، وإن لم يخطر بقلبه قصد تركها لم يثب ولم يعاقب، ولو كان ناوياً تركها لله وفعله ناسياً لم يقدح نسيانه فى أجره ، بل يثاب على قصد تركها لله وإن فعلها ناسياً ، كذلك الصوم فإنما يفعله الناسى لا يضاف إليه ، بل فعله الله به من غير قصده ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه اللّه وسقاه))، فأضاف إطعامه وإسقاء. إلى الله لأنه لم يتعمد ذلك ولم يقصده، وما يكون مضافاً إلى الله لا ينهى عنه العبد، فإنما ينهى عن فعله والأفعال التى ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف ، ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير ؛ ونحو ذلك . يبين ذلك أن الصائم إذا احتلم في منامه لم يفطر ؛ ولو استمنى باختياره أفطر ، ولو ذرعه القىء لم يفطر ؛ ولو استدعى القىء أفطر . فلو كان ما يوجد بغير قصده بمنزلة ما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا . فإن قيل : فالمخطئ يفطر ، مثل من يأكل يظن بقاء الليل ثم تبين أنه طلع الفجر ؛ أو بأكل يظن غروب الشمس ثم تبين له أن الشمس لم تغرب . ٥٧١ قيل : هذا فيه نزاع بين السلف والخلف ، والذين فرقوا بين الناسي والمخطئ قالوا : هذا يمكن الاحتراز منه بخلاف النسيان ، وقاسوا ذلك على ما إذا أفطر يوم الشك ثم تبين أنه من رمضان ، ونقل عن بعض السلف أنه يقضي فى مسألة الغروب دون الطلوع ؛ كما لو استمر الشك . والذين قالوا : لا يفطر فى الجميع قالوا : حجتنا أقوى، ودلالة الكتاب والسنة على قولنا أظهر ؛ فإن الله قال : مجمع بين النسيان ( رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا )، والخطأ ؛ ولأن من فعل لمحظورات الحج والصلاة مخطئاً كمن فعلها ناسياً ، وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس ، ولم يذكروا فى الحديث أنهم أمروا بالقضاء ولكن هشام بن عروة قال: لا بد من القضاء ، وأبوه أعلم منه وكان يقول : لا قضاء عليهم . وثبت في الصحيحين أن طائفة من الصحابة كانوا يأكلون حتى يظهر لأحدم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأحدهم: (( إن وسادك لعريض ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل ))، ولم ينقل أنه أمرم بقضاء، وهؤلاء جهلوا الحكم فكانوا مخطئين . وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال : لا نقضي فإنا لم نتجانف لإثم. وروى عنه أنه قال : نقضى؛ ولكن ٥٧٢ إسناد الأول أثبت ، وصح عنه أنه قال : الخطب يسير . فتأول ذلك من تأوله على أنه أراد خفة أمر القضاء ، لكن اللفظ لا بدل على ذلك . وفى الجملة فهذا القول أقوى أثراً ونظراً، وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس ، وبه يظهر أن القياس فى الناسي أنه لا يفطر ، والأصل الذي دل عليه الكتاب والسنة أن من فعل محظوراً ناسياً لم يكن قد فعل منهياً عنه ، فلا يبطل بذلك شيء من العبادات ، ولا فرق بين الوطء وغيره ، سواء كان فى إحرام أو صيام . فصل وأما قول القائل : إنهم يقولون ذلك فيما يروى عن بعض الصحابة فهذا باب واسع ، والذي يلتزمه إنما كان من أقوال الصحابة ، فقال بعضهم بقول ، وقال بعضهم بخلافهم ، فقد يكون أحد القولين مخالفاً للقياس الصحيح بل وللنص الصريح . والذي لا ريب فيه أنه حجة ما كان من سنة الخلفاء الراشدين الذي سنوه للمسلمين ، ولم ينقل أن أحداً من الصحابة خالفهم فيه ، فهذا لا ريب أنه حجة بل إجماع . وقد دل عليه قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء ٥٧٣ الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل بدعة ضلالة)). مثال ذلك حبس عمر وعثمان رضي الله عنهما للأرضين المفتوحة وترك قسمتها على الغانمين . فمن قال : إن هذا لا يجوز قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر، وقال: إن الإمام إذا حبسها نقض حكمه لأجل مخالفة السنة ، فهذا القول خطأ وجرأة على الخلفاء الراشدين : فإن فعل النبى صلى الله عليه وسلم في خيبر إنما يدل على جواز ما فعله لا يدل على وجوبه ، فلو لم يكن معنا دليل يدل على عدم وجوب ذلك لكان فعل الخلفاء الراشدين دليلا على عدم الوجوب ؛ فكيف وقد ثبت أنه فتح مكة عنوة كما استفاضت به الأحاديث الصحيحة ؛ بل تواتر ذلك عند أهل المغازي والسير ؟ فإنه قدم حين نقضوا العهد ونزل بمر الظهران ، ولم يأت أحد منهم يصالحه ولا أرسل إليهم أحداً يصالحهم. بل خرج أبو سفيان يتجسس الأخبار فأخذه العباس وقدم به كالأسير ، وغايته أن يكون العباس أمنه فصار مستأمنا ، ثم أسلم فصار من المسلمين ، فكيف يتصور أن يعقد عقد صلح الكفار بعد إسلامه بغير إذن منهم ؟ مما يبين ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم علق الأمان بأسباب، كقوله: (( من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ، ومن دخل المسجد ٥٧٤ ـو آمن؛ ومن أغلق بابه فهو آمن))، فأمن من لم يقاتله ، فلـ كانوا معاهدين لم يحتاجوا إلى ذلك، وأيضا فسمام النبي صلى الله على سلم طلقاء ؛ لأنه أطلقهم بعد القدرة عليهم كما يطلق الأسير ، فصار زلة من أطلقهم من الأسر كثمامة بن أثال وغيره ، وأيضا فإنه أذ ، قتل جماعة منهم من الرجال والنساء . وأيضا فقد ثبت عنه فى الصحاح أنه قال في خطبته: ((إ كة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساء ن نهار))، ودخل مكة وعلى رأسه المغفر لم يدخلها بإحرام ، فلـ كانوا قد صالحوه لم يكن قد أحل له شيء ، كما لو صالح مدينة مـ دائن الحل لم تكن قد أحلت ، فكيف يحل له البلد الحرام وأهـ سالمون له صلح معه ؟ وأيضا فقد قاتلوا خالداً وقتل طائفة منهم . وفى الجملة: من تدبر الآثار المنقولة على بالاضطرار أن مكة فتحـ ـوة ، ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقسم أرضها كما لم يسترز حالها ، ففتح خيبر عنوة وقسمها ، وفتح مكة عنوة ولم يقسمها لم جواز الأمرين. والأقوال في هذا الباب ثلاثة : إما وجوب قسم العقار كقو شافعي؛ وإما تحريم قسمه ووجوب تحبيسه كقول مالك؛ وإما التخيـ ٥٧٥ بينهما كقول الأكثرين : الثوري، وأبى حنيفة ؛ وأبى عبيد . وهو ظاهر مذهب أحمد ، وعنه كالقولين الأولين. ومن أشكل ما أشكل على الفقهاء من أحكام الخلفاء الراشدين : امرأة المفقود؛ فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه لما أجل امرأته أربع سنين وأمرها أن تزوج بعد ذلك ؛ ثم قدم المفقود خيره عمر بين امرأته وبين مهرها ، وهذا مما اتبعه فيه الإمام أحمد وغيره. وأما طائفة من متأخرى أصحابه فقالوا : هذا يخالف القياس ، والقياس أنها باقية على نكاح الأول ، إلا أن نقول : الفرقة تنفذ ظاهراً وباطنا فهي زوجة الثانى، والأول قول الشافعي والثاني قول مالك . وآخرون أسرفوا فى إنكار هذا حتى قالوا : لو حكم حاكم بقول عمر لنقض حكمه ؛ لبعده عن القياس . وآخرون أخذوا ببعض قول عمر وتركوا بعضه فقالوا : إذا تزوجت فهي زوجة الثانى ، وإذا دخل بها الثانى فهي زوجته ولا ترد إلى الأول . ومن خالف عمر لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر ، ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر ؛ فإن هذا مبنى على ٥٧٦ ـل، وهو وقف العقود إذا تصرف الرجل فى حق الغيـ : هل يقع تصرفه مردوداً أو موقوفا على إجازته ؟ على ورين هما روايتان عن أحمد : أحدهما : الرد في الجملة على تفصيل عنه، والرد مطلقا قول الشـ والثاني : أنه موقوف ؛ وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ، النكاح والبيع والإجارة وغير ذلك ، فظاهر مذهب أحمـ عرف إذا كان معذوراً لعدم تمكنه من الاستئذان وحاجةـ ـرف وقف على الإجازة بلا نزاع ، وإن أمكنه الاستئذان به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع ، فالأول مثل من عنده عرف أصحابها كالغصوب والعوارى ونحوهما إذا تعذرت عليه ، الأموال ويئس منها ؛ فإن مذهب أبى حنيفة ومالك وأحـ دق به عنهم ، فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيرين بين الإمضاء مين ، وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة ؛ فإن الملتقط يأخذ يف ويتصرف فيها ، ثم إن جاء صاحبها كان مخيراً بين إمضاء ، المطالبة بها ، فهو تصرف موقوف ، لكن تعذر الاستئذان جة إلى التصرف . وكذلك الموصى بما زاد على الثلث وصيته موقوفة على إجازة ٥٧٧ عند الأكثرين ، وإنما يخيرون عند الموت ، ففي المفقود المنقطع خبره إن قيل : إن امرأته تبقى إلى أن يعلم خبره ، بقيت لا أيما ولا ذات زوج إلى أن نصير مجوزاً ، وتموت ولم تعلم خبره ، والشريعة لم تأت بمثل هذا ، فلما أجلت أربع سنين ولم ينكشف خبره حكم بموته ظاهراً. وإن قيل : إنه يسوغ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة فإنما ذلك لاعتقاد. موته ، وإلا فلو علم حياته لم يكن مفقوداً ، كما ساغ التصرف فى الأموال التى تعذر معرفة أصحابها ، فإذا قدم الرجل تبين أنه كان حيا ، كما إذا ظهر صاحب المال والإمام قد نصرف فى زوجته بالتفريق ، فيبقى هذا التفريق موقوفا على إجازته ، فإن شاء أجاز ما فعله الإمام ، وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه . ولو أذن للإمام أن يفرق بينهما ففرق وقعت الفرقة بلا ريب ، وحينئذ فيكون نكاح الأول صحيحا . وإن لم يجز ما فعله الإمام كان التفريق باطلا من حين اختار امرأته لا ما قبل ذلك ، بل المجهول كالمعدوم ، كما فى اللقطة فإنه إذا ظهر مالكها لم يبطل ما تقدم قبل ذلك ، وتكون باقية على نكاحه من حين اختارها ؛ فتكون زوجته ، فيكون القادم مخيراً بين إجازة ما فعله الإمام ورده ، وإذا أجازه فقد أخرج البضع عن ملكه . وخروج البضع من ملك الزوج متقوم عند الأكثرين ، كمالك ٥٧٨ والشافعي وأحمد في أنص الروايتين عنه، وهو مضمون بالمسمى كما يقوله مالك وأحمد فى إحدى الروايتين عنه ، والشافعي يقول ؛ هو مضمون بمهر المثل ، والنزاع بينهم فيما إذا شهد شهود أنه طلق امرأته ورجعوا عن الشهادة ، فقيل : لا شيء عليهم ؛ بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم ، وهو قول أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين ؛ اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبى يعلى وأصحابه وقيل : عليهم مهر المثل وهو قول الشافعي ، وهو وجه فى مذهب أحمد ، وقيل : عليهم المسمى وهو مذهب مالك، وهو أشهر فى نصوص أحمد ، وقد نص على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمى ، والكتاب والسنة دلا على هذا القول ، ففي سورة الممتحنة فى قول الله تعالى: ( وَسْتَلُواْمَآ أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْمَا أَنَفَقُوْ )، وقوله: ( فَشَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنَفَقُواْ ). وهذا المسمى دون مهر المثل ، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوج المختلفة أن يأخذ ما أعطاها ولم يأمر بمهر المثل ، وهو إنما يأمر فى المعاوضات المطلقة بالعدل ، وهو مبسوط فى غير هذا الموضع، فقصة عمر تنبني على هذا . والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة ، ثبت ٥٧٩ ذلك عنهم فى قضايا متعددة ، ولم يعلم أن أحداً أنكر ذلك ، مثل قصة ابن مسعود في صدقته عن سيد الجارية التى ابتاعها بالثمن ، الذي كان له عليه فى ذمته لما تعذرت عليه معرفته ، وكتصدق الغال بالمال المغلول لما تعذر قسمته بين الجيش ؛ وإقرار معاوية على ذلك . وغير ذلك من القضايا ، مع أن القول بوقف العقود مطلقاً هو الأظهر فى الحجة ، وهو قول الجمهور ، وليس ذلك إضراراً أصلا ، بل صلاح بلا فساد ، فإن الرجل قد يرى أن يشترى لغيره أو يبيع له ، أو يستأجر له أو يوجب له ، ثم يشاوره فإن رضي وإلا فلم يصبه ما يضره ، وكذلك في تزويج موليته ونحو ذلك . وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه ، فمسألة المفقود هي مما يقف فيها تعريف الإمام على إذن الزوج إذا جاء كما يقف تصرف الملتقط على إذن المالك إذا جاء ، والقول برد المهر إليه لخروج امرأته من ملكه ، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به : هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثانى ؟ وفيه روايتان عن أحمد . والصواب أنه إنما يرجع بمهره هو ؛ فإنه الذي استحقه ، وأما المهر الذي أصدقها الثانى فلا حق له فيه . وإذا ضمن الأول للثانى المهر فهل يرجع به عليها ؟ فيه روايتان : ٥٨٠