النص المفهرس
صفحات 541-560
فقالوا : إذا دخلت آلهتنا النار لكونها معبودة فهذا المعنى موجود فى المسيح فيجب أن يدخل النار ، وهو لا يدخل النار فهي لا تدخل النار ، وهذا قياس فاسد لظنهم أن العلة مجرد كونه معبوداً . وليس كذلك ، بل العلة أنه معبود ليس مستحقاً للثواب ، أو معبود لا ظلم. في إدخاله النار . فالمسيح والعزير والملائكة وغيرهم ممن عبد من دون الله وهو من عباد الله الصالحين وهو مستحق لكرامة اللّه بوعد الله وعدله وحكمته فلا يعذب بذنب غيره ، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى . والمقصود بإلقاء الأصنام فى النار إهانة عابديها، وأولياء الله لهم الكرامة دون الإهانة ، فهذا الفارق بين فساد تعليق الحكم بذلك الجامع . والأفيسة الفاسدة من هذا الجنس . فمن قال : إن الشريعة تأتي بخلاف مثل هذا القياس فقد أصاب، وهذا من كمال الشريعة واشتمالها على العدل والحكمة التى بعث الله بها رسوله . ومن لم يخالف مثل هذه الأقيسة الفاسدة بل سوى بين الشيئين باشتراكها فى أمر من الأمور لزمه أن يسوى بين كل موجودين لاشتراكها فى مسمى الوجود ، فيسوى بين رب العالمين وبين بعض ٥٤١ المخلوقين ، فيكون من الذين هم بربهم يعدلون ويشركون ، فإن هذا من أعظم القياس الفاسد ، وهؤلاء يقولون: ( تَاللَّهِإِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ ولهذا قال طائفة من السلف : إِذْ تُسَوِيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ) ، أول من قاس إبليس ، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ، أي : بمثل هذه المقاييس التى يشتبه فيها الشىء بما يفارقه . كأقيسة المشركين . ومن كان له معرفة بكلام الناس فى العقليات رأى عامة ضلال من ضل من الفلاسفة والمتكلمين بمثل هذه الأقيسة الفاسدة ، التى يسوى فيها بين الشيئين لاشتراكها فى بعض الأمور ، مع أن بينهما من الفرق ما يوجب أعظم المخالفة، واعتبر هذا بكلامهم فى وجود الرب ووجود المخلوقات ؛ فإن فيه من الاضطراب ما قد بسطناه فى غير هذا الموضع . وهذا الذي ذكرناه فى الإجارة بناء على تسليم قولهم : إن بيع الأعيان المعدومة لا يجوز . وهذه المقدمة الثانية والكلام عليها من وجهين . أحدهما : أن نقول : لا نسلم صحة هذه المقدمة ، فليس فى كتاب اللّه ولا سنة رسوله؛ بل ولا عن أحد من الصحابة أن بيع المعدوم ٥٤٢ لا يجوز ، لا لفظ عام ولا معنى عام ، وإنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التى هي معدومة كما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التى هي موجودة ، وليست العلة فى المنع لا الوجود ولا العدم بل الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر ، والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجوداً أو معدوماً . كالعبد الآبق والبعير الشارد ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمه ، بل قد يحصل وقد لا يحصل ، هو غرر لا يجوز بيعه وإن كان موجوداً ، فإن موجب البيع تسليم المبيع ، والبائع عاجز عنه، والمشترى إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة ، فإن أمكنه أخذه كان المشترى قد قمر البائع . وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشترى . وهكذا المعدوم الذي هو غرر ، فهى عن بيعه لكونه غرراً لا لكونه معدوماً ، كما إذا باع ما يحمل هذا الحيوان أو ما يحمل هذا البستان ، فقد يحمل وقد لا يحمل ، وإذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفه ، فهذا من القمار ، وهو من الميسر الذي نهى الله عنه . ومثل هذا إذا أكراه دواب لا يقدر على تسليمها ؛ أو عقاراً لا يمكنه تسليمه ، بل قد يحصل وقد لا يحصل ، فإنه إجارة غرر . ٥٤٣ الوجه الثاني أن نقول : بل الشارع صحح بيع المعدوم فى بعض المواضع ؛ فإنه ثبت عنه من غير وجه أنه نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد ، وهذا من أصح الحديث ، وهو فى الصحيح عن غير واحد من الصحابة ، فقد فرق بين ظهور الصلاح وعدم ظهوره ، فأحل أحدهما وحرم الآخر . ومعلوم أنه قبل ظهور الصلاح لو اشتراء بشرط القطع كما يشتري الحصرم ليقطع حصرما جاز بالانفاق ، وإنما نهى عنه إذا بيع على أنه باق ؛ فيدل ذلك على أنه جوزه بعد ظهور الصلاح أن يبيعه على البقاء إلى كمال الصلاح . وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم . ومن جوز بيعه فى الموضعين بشرط القطع ؛ ونهى عنه بشرط التبقية أو مطلقاً: لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة ، ولم يفرق بين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وما أذن فيه . وصاحب هذا القول يقول : موجب العقد التسليم عقيبه فلا يجوز التأخير . فيقال له : لا نسلم أن هذا موجب العقد : إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان على أنفسها، وكلاهما منتف ، فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع مستحق التسليم عقب العقد ، ولا العاقدان التزما ذلك ، بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه كما إذا باع معينا بدين حال ، وتارة يشترطان تأخير تسليم الثمن ٥٤٤ كما في السلم ؛ وكذلك فى الأعيان . وقد يكون للبائع مقصود صحيح فى تأخير التسليم كما كان لجابر حين باع بعيره من النبى صلى الله عليه وسلم واستثنى ظهره إلى المدينة ؛ ولهذا كان الصواب أنه يجوز لكل عاقد أن يستثنى من منفعة المعقود عليه ماله فيه غرض صحيح ، كما إذا باع عقاراً واستثنى سكناه مدة، أو دوابه واستثنى ظهرها ، أو وهب ملكا واستثنى منفعته، أو أعتق العبد واستثنى خدمته مدة ؛ أو ما دام السيد ، أو وقف عينا واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته ، وأمثال ذلك . وهذا منصوص أحمد وغيره ، وبعض أصحاب أحمد قال : لا بد إذا استثنى منفعة المبيع من أن يسلم العين إلى المشترى ثم يأخذها ليستوفى المنفعة ، بناء على هذا الأصل الفاسد ، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقب العقد . وهو قول ضعيف . وعلى هذا الأصل قال من قال : إنه لا يجوز الإجارة إلا لمدة تلي العقد ، وهؤلاء نظروا إلى ما يفعله الناس أحياناً جعلوه لازماً لهم في كل حال ، وهو من القياس الفاسد . وعلى هذا بنوا إذا باع العين المؤجرة ، فمنهم من قال : البيع باطل لكون المنفعة لا تدخل فى البيع فلا يحصل التسليم . ومنهم من قال : هذا مستثنى بالشرع ، بخلاف المستثنى بالشرط . ولو باع الأمة المزوجة صح بانفاقهم وإن كانت منفعة ٥٤٥ البضع للزوج ، وقد فرق من فرق بينهما بما قد بسط فى موضعه . والمقصود هنا : أن هذا كله تفريع على ذلك الأصل الضعيف ، وهو أن موجب العقد استحقاق التسليم عقبه ، والشرع لم يدل على هذا الأصل ؛ بل القبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين ، تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه بحسب الإمكان ، وتارة يكون موجب العقد تأخير التسليم لمصلحة من المصالح . وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم جوز بيع الثمر بعد بدو الصلاح مستحق الإبقاء إلى كمال الصلاح ، وعلى البائع السقي والخدمة إلى كمال الصلاح ، ويدخل فى هذا ما هو معدوم لم يخلق ، وهذا إذا قبض كان بمنزلة قبض العين المؤجرة ، فقبضه يبيح له التصرف فيه فى أظهر قولي العلماء ، وهو أصح الروايتين عن أحمد ، وقبضه لا يوجب انتقال الضمان إليه ، بل إذا تلف الثمر بعد بدو صلاحه كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهل المدينة مالك وغيره ، وهو مذهب أهل الحديث : أحمد رضي الله عنه وغيره ، وهو قول معلق للشافعي . وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئاً، بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟))، وليس مع المنازع دليل شرعى يدل على أن كل قبض جوز التصرف ينقل الضمان ، وما لم يجوز ٥٤٦ التصرف لم ينقل الضمان ؛ بل قبض العين المؤجرة يجوز التصرف ولا ينقل الضمان. ومن هذا الباب بيع المقائي ؛ فإن من العلماء من لم يجوز بيعها إلا لقطة لقطة لأنه بيع معدوم ، وجعلوا هذا من بيع الثمر قبل بدو صلاحه. ثم من هؤلاء من قال : إذا بيعت بعروقها كان كبيح أصل الشجر مع الثمر ، وذلك يجوز قبل ظهور صلاحه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: (( من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع))، فإذا اشترط الثمر دخل فى البيع ، وهنا جاز بيع الثمر قبل بدو صلاحه تبعاً للأصل ؛ ولهذا تكون خدمته على المشترى ، ومعلوم أن المقصود من الشجر هو الأصل والمقصود فى المقاتى هو الثمر ، فلا يقاس أحدهما بالآخر . ومن العلماء من جوز بيع المقاني كما هو قول مالك وغيره ، وهو قول في مذهب أحمد . وهذا أصح؛ فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه ، إذ لا تتميز لقطة عن لقطة ، وما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى عن بيعه كما تقدم، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن بيع الثمار التى يمكن تأخير بيعها حتى يبدو صلاحها ، فلم تدخل المقانى فى نهيه ، ولذلك كثير من العلماء أدخلوا ضمان البساتين فى نهيه فقالوا : إذا ضمن الحديقة لمن يعمل عليها حتى تثمر بشيء معلوم كان هذا بيعاً ٥٤٧ للثمر قبل بدو صلاحه ؛ فلا يجوز . ومن الناس من حكى الإجماع على منع هذا ، وليس كما قال : بل قد ثبت أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين ، ويستلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد ؛ لأنه كان وصيه ، وقد جوز ابن عقيل ضمانها مع الأراضي المؤجرة إذا لم يمكن إفراد أحدهما عن الآخر ، وجوز مالك ذلك تبعاً للأرض في قدر الثلث وقضية عمر بن الخطاب مما يشتهر مثلها فى العادة ولم ينقل أن أحداً من الصحابة أنكره ، فالصواب ما فعله عمر بن الخطاب ، إذ الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة ، ألا ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد ؟ ثم إذا استأجر أرضاً ليزرعها جاز هذا مع أن المستأجر مقصوده الحب ، لكن مقصوده ذلك بعمله هو لا بعمل البائع ، وكذلك الذي يستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيها حتى نثمر هو بمنزلة المستأجر ، ليس بمنزلة المشترى الذي يشتري ثمراً، وعلى البائع مؤونة خدمتها وسقيها. فإن قيل: هذه أعيان، والإجارة لا تكون على الأعيان . قيل : الجواب من وجهين : أحدهما : أن الأعيان هنا حصلت بعمله هو من الأصل المستأجر ، ٥٤٨ كما حصل الحب بعمله المؤجر فى أرض . وإذا قيل : الحب حصل من بذره والثمر حصل من شجر المؤجر : كان هذا فرقاً لا أثر له فى الشرع ، ألا ترى أن المساقاة كالمزارعة ؟ والمساقي يستحق جزءاً من الثمرة الحاصلة من أصل المالك ؛ والمزارع يستحق جزءاً من الزرع الثابت فى أرض المالك وإن كان البذر من المالك ؛ وكذلك إن كان البذر منه كما ثبت بالسنة وإجماع الصحابة ، فالبذر يتلف لا يعود إلى صاحبه ، وقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم، فالأرض والنخل والماء كان للنبي صلى الله عليه وسلم، واستحقوا بعملهم جزءاً من الثمر كما استحقوا جزءاً من الزرع ؛ وإن كان البذر منهم والشجر من النبي صلى الله عليه وسلم ، فعلم أن هذا الفرق لا تأثير له فى الشرع ، وإذا لم يؤثر فى المساقاة والمزارعة التى يكون النماء مشتركاً لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى ؛ فإن استئجار الأرض ليس فيه من النزاع ما فى المزارعة ، فإذا كانت إجارتها أجوز من المزارعة فيإجارة الشجر أجوز من المساقاة . الوجه الثانى : أن نقول : هذا كإجارة الظئر والبئر ونحو ذلك ، والكلام على هذا هو الكلام على الأصل الثانى في الإجارة ، فنقول: قول القائل: إن إجارة الظئر على خلاف القياس إنما هو لاعتقاده أن ٥٤٩ الإجارة لا تكون إلا على منافع أعراض لا تستحق بها أعيان ، وهذا القدر لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ، بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان التى تحدث شيئاً بعد شيء مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع، كالثمر ، والشجر ؛ واللبن فى الحيوان ؛ ولهذا سوى بين هذا وهذا فى الوقف ؛ فإن الأصل بحبيس الأصل وتسبيل الفائدة فلا بد أن يكون الأصل باقيا وأن تكون الفائدة تحدث مع بقاء الأصل ، فيجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى ، ويجوز أن تكون ثمرة ڪوقف الشجر، ويجوز أن تكون لبناً كوقف الماشية للانتفاع بلبها. وكذلك («باب التبرعات )) فإن العارية والعرية والمنحة هي إعطاء العين لمن ينتفع بها ثم يردها ، فالمنحة إعطاء الماشية لمن يشرب لبنها ثم يردها ، والعربة إعطاء الشجرة لمن يأكل ثمرها ثم يردها ، والسكنى إعطاء الدار لمن يسكنها ثم يعيدها ، فكذلك فى الإجارة تارة تكريه العين المنفعة التى ليست أعياناً كالسكنى والركوب، وتارة للعين التى تحدث شيئاً بعد شيء مع بقاء الأصل ، كلبن الظئر ونقح البئر والعين ، فإن الماء واللبن لما كانا شيئاً بعد شيء مع بقاء الأصل كان كالمنفعة، والمسوغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك ، وهو حدث، والمقصود بالعقد شيئاً فشيئاً سواء كان الحادث عيناً أو منفعة؛ إذكونه ٥٥٠ جسما أو معنى قائماً بالجسم لا أثر له في جهة الجواز مع اشتراكها فى المقتضى للجواز ، بل هذا أحق بالجواز ؛ فإن الأجسام أكمل من صفاتها ؛ ولا يمكن العقد عليها إلا كذلك. وطرد هذا أكثر فى الظهر من الحيوان للإرضاع ، ثم الظئر تارة تستأجر بأجرة مقدرة ، وتارة بطعامها وكسوتها ، وتارة يكون طعامها وكسوتها من جملة الأجرة . وأما الماشية إذا عقد على لبنها بعوض فتارة يشتري لبنها مع أن علفها وخدمتها على المالك ، وتارة على أن ذلك على المشتري ، فهذا الثانى بشبه ضمان البساتين ، وهو بالإجارة أشبه ، لأن اللبن تسقيه الطفل فيذهب وينتفع به ، فهو كاستئجار العين يستقى بمامها أرضه ، بخلاف من يقبض اللبن فإنه هنا قبض العين المعقود عليها ، وتسمية هذا بيعا وهذا إجارة نزاع لفظي، والاعتبار بالمقاصد . ومن الفقهاء من يجعل اختلاف العبارات مؤثراً في صحة العقد وفساده، حتى إن من هؤلاء من يصحح العقد بلفظ دون لفظ، كما يقول بعضهم إن السلم الحال لا يجوز ، وإذا كان بلفظ البيع جاز : ويقول بعضهم : إن المزارعة على أن يكون البذر من العامل لا يجوز ، وإذا عقده بلفظ الإجارة جاز! وهذا قول بعض أصحاب أحمد وهذا ضعيف ؛ فإن الاعتبار ٥٥١ فى العقود بمقاصدها ، وإذا كان المعنى المقصود في الموضعين واحد فتجويزه بعبارة دون عبارة كتجويزه بلغة دون لغة ، نعم إذا كان أحد اللفظين يقتضي حكماً لا يقتضيه الآخر فهذا له حكم آخر ؛ وليس هذا موضع بسط هذه المسائل . وإنما المقصود التنبيه على ما يقال: إنه موافق للقياس أو مخالفه ، وإن الشارع إذا سوى بين شيئين كما سوى بين الاستئجار على الرضاع والخدمة فالفارق بينها عدم التأثير ، وهو كون هذا عينا وهذا منفعة ، وإذا فرق بين شيئين فالجامع بينهما ليس هو وحده مناط الحكم بل للفارق تأثير . فصل ومن هذا الباب قول من يقول : حمل العقل على خلاف القياس . فيقال : لا ريب أن من أتلف مضموناً كان ضمانه عليه ، والناس متنازعون فى العقل : هل تحمله العاقلة ابتداء أو تحملا ؟ كما تنازعوا في صدقة الفطر التى يجب على الغير ؛ كصدقة الفطر عن الزوجة والولد : هل تجب ابتداء أو تحملا ؟ وفى ذلك نزاع معروف فى مذهب أحمد وغيره ، وعلى ذلك يننى لو أخرجها الذي يخرج عنه بدون إذن ٥٥٢ المخاطب بها ، فمن قال : هي واجبة على المخاطب بحملا قال : تجزئ . ومن قال : هي واجبة عليه ابتداء قال : هي كأداء الزكاة عن الغير . ولذلك تنازعوا فى العقل إذا لم تكن عاقلة : هل يجب فى ذمة القاتل أم لا ؟ والعقل فارق غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم ؛ وذلك أن دية المقتول مال كثير ، والعاقلة إنما تحمل الخطأ لا تحمل العمد بلا نزاع ، وفي شبه العمد نزاع ، والأظهر أنها لا تحمله ، والخطأ مما يعذر فيه الإنسان ؛ فإيجاب الدية في ماله ضرر عظيم به من غير ذنب تعمده ، ولا بد من إيجاب بدل المقتول . فالشارع أوجب على من عليهم موالاة القاتل ونصره أن يعينوه على ذلك ، فكان هذا كإيجاب النفقات التى تجب للقريب ؛ أو تجب للفقراء والمساكين ، وإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو ؛ فإن هذا أسير بالدية التى تجب عليه ، وهي لم تجب باختيار مستحقها ولا باختياره كالديون التى تجب بالقرض والبيع ، وليست أيضاً قليلة فى الغالب كإبدال المتلفات ، فإن إتلاف مال كثير بقدر الدية خطأ نادر جداً بخلاف قتل النفس خطأ ، فما سبيه العمد فى نفس أو مال فالمتلف ظالم مستحق فيه للعقوبة ، وما سببه الخطأ فى الأموال فقليل في العادة ؛ بخلاف الدية . ٥٥٣ ولهذا كان عند الأكثرين لا تحمل العاقلة إلا ماله قدر كثير . فعند مالك وأحمد لا تحمل ما دون الثلث ، وعند أبى حنيفة ما دون السن والموضحة ، فكان إيجابها من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين ، كبني السبيل والفقراء والمساكين والأقارب المحتاجين . ومعلوم أن هذا من أصول الشرائع التى بها قيام مصلحة العالم ، فإن اللّه لما قسم خلقه إلى غني وفقير ولا تتم مصلحتهم إلا بسد خلة الفقراء وحرم الربا الذي يضر الفقراء ؛ فكان الأمر بالصدقة من جنس الهي عن الربا ؛ ولهذا جمع الله بين هذا وهذا فى مثل قوله تعالى : ( يَمْحَقُ وفى مثل قوله تعالى: (وَمَآءَاتَيْتُممِّن اَللَّهُ الرّبَواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ )، رِّبًّا لِيَرْبُواْ فِى أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانَيْتُمْ مِّنْ زَّكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ). وقد ذكر الله فى آخر البقرة أحكام الأموال، وهي ثلاثة أصناف: عدل ؛ وفضل ؛ وظلم؛ فالعدل: البيع ؛ والظلم : الربا ؛ والفضل : الصدقة . فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم ، وذم المربين وبين عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى . فالعقل من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض الناس على بعض ، كحق المسلم ؛ وحق ذي الرحم. وحق الجار ؛ وحق المملوك والزوجة . ٥٥٤ فصل والأحكام التى يقال: إنها على خلاف القياس نوعان : نوع مجمع عليه ونوع متنازع فيه . فما لا نزاع فى حكمه تبين أنه على وفق القياس الصحيح ، ويذبني على هذا أن مثل هذا هل يقاس عليه أم لا ؟ فذهب طائفة من الفقهاء إلى أن ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه ، ويحكى هذا عن أصحاب أبي حنيفة. والجمهور أنه يقاس عليه، وهذا هو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما . وقالوا : إنما ينظر إلى شروط القياس ، فما علمت علته ألحقنا به ما شاركه فى العلة ، سواء قيل : إنه على خلاف القياس أو لم يقل ، وكذلك ما على انتفاء الفارق فيه بين الأصل والفرع، والجمع بدليل العلمة كالجمع بالعلة، وأما إذا لم يقم دليل على أن الفرع كالأصل فهذا لا يجوز فيه القياس، سواء قيل : إنه على وفق القياس أو خلافه ، ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها ما كان فى معناها . ٥٥٥ وحقيقة الأمر أنه لم يشرع شيء على خلاف القياس الصحيح ، بل ما قيل : إنه على خلاف القياس : فلا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التى خالفها واقتضى مفارقته لها في الحكم، وإذا كان كذلك فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه كحكمه ، وإلا كان من الأمور المفارقة له . وأما المتنازع فيه فمثل ما يأتى حديث بخلاف أمر فيقول القائلون : هذا بخلاف القياس ، أو بخلاف قياس الأصول ، وهذا له أمثلة من أشهرها المصراة فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصروا الإبل ولا الغنم ، فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر)) وهو حديث صحيح، فقال قائلون : هذا يخالف قياس الأصول من وجوه : منها : أنه رد المبيع بلا عيب ولا خلف فى صفة . ومنها : أن الخراج بالضمان ، فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وهنا قد ضمنه . ومنها : أن اللبن من ذوات الأمثال ، فهو مضمون بمثله . ومنها : أن مالا مثل له يضمن بالقيمة من النقد وهنا ضمنه بالتمر . ٥٥٦ ومنها : أن المال المضمون يضمن بقدره، لا بقدر بدله بالشرع، وهنا قدر بالشرع . فقال المتبعون للحديث : بل ما ذكرتموه خطأ ، والحديث موافق للأصول ، ولو خالفها لكان هو أصلا كما أن غيره أصل ، فلا تضرب الأصول بعضها ببعض ، بل يجب اتباعها كلها ، فإنها كلها من عند الله . أما قولهم : رد بلا عيب ولا فوات صفة ، فليس فى الأصول ما يوجب الحصار الرد فى هذين الشيئين ، بل التدليس نوع ثبت به الرد وهو من جنس الخلف في الصفة ، فإن البيع تارة تظهر صفاته بالقول وتارة بالفعل ، فإذا ظهر أنه على صفة وكان على خلافها فهو تدليس ، وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر ، وليس كذلك واحد من الأمرين ، ولكن فيه نوع تدليس . وأما قوله: ((الخراج بالضمان)) فأولا حديث المصراة أصح منه باتفاق أهل العلم، مع أنه لامنافاة بينها، فإن الخراج ما يحدث فى ملك المشترى ، ولفظ الخراج اسم للغلة: مثل كسب العبد، وأما اللبن ونحوه فملحق بذلك ، وهنا كان اللبن موجوداً فى الضرع فصار جزءاً من المبيع ، ولم يجعل الصاع عوضاً عما حدث بعد العقد بل عوضاً عن ٥٥٧ اللبن الموجود فى الضرع وقت العقد ، وأما تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع فلأن اللبن المضمون اختلط باللبن الحادث بعد العقد فتعذرت معرفة قدره ، فلهذا قدر الشارع البدل قطعاً للنزاع ، وقدر بغير الجنس لأن التقدير بالجنس قد يكون أكثر من الأول أو أقل فيفضى إلى الربا ، بخلاف غير الجنس فإنه كأنه ابتاع لذلك اللبن الذي تعذرت معرفة قدره بالصاع من التمر ، والتمر كان طعام أهل المدينة ، وهو مكيل مطعوم يقتات به، كما أن اللبن مكيل مقتات ، وهو أيضاً يقتات به بلا صنعة ، بخلاف الحنطة والشعير فإنه لا يقتات به إلا بصنعة ، فهو أقرب الأجناس التى كانوا يقتاتون بها إلى اللبن . ولهذا كان من موارد الاجتهاد أن جميع الأمصار يضمنون ذلك بصاع من تمر ، أو يكون ذلك لمن يقتات التمر ، فهذا من موارد الاجتهاد كأمره في صدقة الفطر بصاع من شعير أو تمر . ومن ذلك قول بعضهم: إن أمره للمصلى خلف الصف وحده بالإعادة على خلاف القياس ، فإن الإمام يقف وحده والمرأة تقف خلف الرجال وحدها كما جاءت به السنة . وليس الأمر كذلك ، فان الإمام بسن فى حقه التقدم بالاتفاق ، والمؤتمون يسن في حقهم الاصطفاف بالاتفاق ، فكيف يشبه هذا بهذا ٥٥٨ وذلك لأن الإمام يؤتم به فإذا كان أمامهم رأوه ، وكان اقتدائم به أكمل . وأما المرأة فإنها تقف وحدها إذا لم يكن هناك امرأة غيرها ، فالسنة فى حقها الاصطفاف ؛ لكن قضية المرأة تدل على شيئين . تدل على أنه إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر الدخول في الصف صلى وحده للحاجة ، وهذا هو القياس ؛ فإن الواجبات تسقط للحاجة ، وأمره بأن يصاف غيره من الواجبات ، فإذا تعذر ذلك سقط للحاجة ؛ كما سقط غير ذلك من فرائض الصلاة للحاجة في مثل صلاة الخوف محافظة على الجماعة . وطرد ذلك إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام ، فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة أمامه ، وهو قول طوائف من أهل العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد ، وإن كانوا لا يجوزون التقدم على الإمام إذا أمكن ترك التقدم عليه . وفي الجملة : فليست المصافة أوجب من غيرها ، فإذا سقط غيرها للعذر فى الجماعة فهي أولى بالسقوط . ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه فى الشرع ساقط الوجوب وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور ، فلم يوجب الله ما يعجز عنه ٥٥٩ العبد ، ولم يحرم ما يضطر إليه العبد . ومن ذلك قول بعضهم فى الحديث الصحيح الذي فيه: ((إن الرهن مركوب ومحلوب ، وعلى الذي يركب ويحلب النفقة)) أنه على خلاف القياس ، وليس كذلك : فإن الرهن إذا كان حيواناً فهو محترم فى نفسه ، ولما لكه فيه حق، وللمرتهن فيه حق، وإذا كان بيد المرتهن فلم يركب ولم يحلب ذهبت منفعته باطلة ، وقد قدمنا أن اللبن يجري مجرى المنفعة، فإذا استوفى المرتهن منفعته وعوض عنها نفقته كان فى هذا جمع بين المصلحتين وبين الحقين ، فإن نفقته واجبة على صاحبه والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجباً ، وله فيه حق فله أن يرجع يبدله ، والمنفعة تصلح أن تكون بدلا فأخذها خير من أن تذهب على صاحبها وتذهب باطلا . وقد تنازع الفقهاء فيمن أدى عن غيره واجباً بغير إذنه كالدين . فمذهب مالك وأحمد فى المشهور عنه له أن يرجع به عليه ، ومذهب أبى حنيفة والشافعي ليس له ذلك . وإذا أنفق نفقة تجب عليه مثل أن ينفق على ولده الصغير أو عبده : فبعض أصحاب أحمد قال : لا يرجع ؛ وفرقوا بين النفقة والدين والمحققون من أصحابه سووا بينها ، وقالوا : الجميع واجب ، ولو افتداء ٥٦٠