النص المفهرس

صفحات 521-540

الحلال والحرام بما يتعذر معرفته على غالب الناس فى غالب الأوقات ؟!
وقد أطلق فى غير حديث قوله: ((الماء طهور لا ينجسه شيء))
و ((الماء لا يجنب)) ولم يقدره، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة
لا يجوز . ومنطوق هذا الحديث يوافق تلك ، ومفهومه إنما بدل عند
من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب التخصيص بالذكر
لا الاختصاص بالحكم، وهذا لا يعلم هنا.
وحديث الأمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب ؛ لأن الآنية التى
بلغ فيها الكلب في العادة صغيرة ولعابه لزج يبقى في الماء ويتصل
بالإناء ، فيراق الماء ويغسل الإناء من ريقه الذي لم يستحل بعد ،
بخلاف ما إذا ولغ فى إناء كبير ، وقد نقل حرب عن أحمد فى كلب
ولغ في جب كبير فيه زيت فأمره بأ كله .
وبسط هذه المسائل له موضع آخر ، وإنما المقصود التنبيه على
مخالفة القياس وموافقته .
ــل
وقول القائل : إن تطهير الماء على خلاف القياس هو بناء على
هذا الأصل الفاسد ، وإلا فمن كان من أصله أن القياس أن الماء لا
٥٢١

ينجس إلا بالتغير فالقياس عنده تطهيره ؛ فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال
بزوالها ، وإذا كانت العلة التغير فإذا زال التغير زالت النجاسة، كما أن
العالية لما كانت في الخمر الشدة المطربة فإذا زالت طهرت. كيف والنجاسة فى
الماء واردة عليه كنجاسة الأرض ؟ ولكن قد يقال : هذا مبنى على
((مسألة الاستحالة)) وفيها نزاع مشهور ففي مذهب مالك وأحمد قولان
ومذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر أنها تطهر بالاستحالة ، ومذهب
الشافعي لا تطهر بالاستحالة .
وقول القائل: إنها تطهر بالاستحالة أصح، فإن النجاسة إذا
صارت ملحاً أو رماداً فقد تبدلت الحقيقة وتبدل الاسم والصفة ،
فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير لا تتناول الملح
والرماد والتراب ، لا لفظاً ولا معنى ، والمعنى الذي لأجله كانت تلك
الأعيان خبيثة معدوم فى هذه الأعيان ، فلا وجه للقول بأنها خبيثة
نجسة . والذين فرقوا بين ذلك وبين الخمر قالوا : الخمر بجست بالاستحالة
فطهرت بالاستحالة ، فيقال لهم : وكذلك البول والدم والعذرة إنما يجست
بالاستحالة فينبغى أن تطهر بالاستحالة .
فصل
وأما قول القائل : التوضؤ من لحوم الإبل على خلاف القياس ،
فهذا إنما قاله لأنها لحم واللحم لا يتوضأ منه ، وصاحب الشرع قد
٥٢٢

فرق بين لحم الغنم ولحم الإبل كما فرق بين معاطن هذه ومبارك
هذه ، فأمر بالصلاة فى هذا ونهى عن الصلاة في هذا ، فدعوى
المدعى أن القياس التسوية بينهما من جنس قول الذين قالوا ( إِنَّمَا
) والفرق بينهما ثابت فى نفس
اَلْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوَأْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَّمَ الرَّوَأْ
الأمر ، كما فرق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم فقال: ((الفخر والخيلاء
فى الفدادين أصحاب الإبل ، والسكينة في أهل الغم)) وروي فى الإبل:
((أنها جن خلقت من جن))! وروى: ((على ذروة كل بعير شيطان))
فالإبل فيها قوة شيطانية ، والغاذي شبيه بالمغتذى .
ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير :
لأنها دواب عادية ، بالاغتذاء بها يجعل في خلق الإنسان من العدوان
ما يضره فى دينه ، فهى الله عن ذلك لأن المقصود أن يقوم الناس
بالقسط ، والإبل إذا أكل منها تبقي فيه قوة شيطانية .
وفى الحديث الذي فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (( الغضب من الشيطان ، والشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ
النار بالماء)) قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((فإذا غضب أحدكم
فليتوضأ )) ، فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان فى ذلك من إطفاء
القوة الشيطانية مايزيل المفسدة ، بخلاف من لم يتوضأ منها فإن الفساد
حاصل معه ، ولهذا يقال: إن الأعراب بأكلهم لحوم الإبل مع عدم
٥٢٣

الوضوء منها صار فيهم من الحقد ما صار .
ولهذا أمر بالوضوء مما مست النار ، وهو حديث صحيح. وقد ثبت في
أحاديث صحيحة أنه أكل مما مست النار ولم يتوضأ، فقيل : إن الأول
منسوخ ، لكن لم يثبت أن ذلك متقدم على هذا، بل رواه أبو هريرة
وإسلامه متأخر عن تاريخ بعض تلك الأحاديث ، كحديث السويق الذي
كان بخيير فإنه كان قبل إسلام أبى هريرة، وقيل: بل الأمر بالتوضؤ
مما مست النار استحباب كالأمر بالتوضؤ من الغضب ، وهذا أظهر
القولين ، وهما وجهان في مذهب أحمد . فإن النسخ لايصار إليه إلا
عند التنافي والتاريخ، وكلاهما منتف، بخلاف حمل الأمر على الاستحباب
فإن له نظائر كثيرة .
وكذلك التوضؤ من مس الذكر ومس النساء هو من هذا الباب
لما فيه من تحريك الشهوة ، فالتوضؤ مما يحرك الشهوة كالتوضؤ من
الغضب، وما مسته النار : هو من هذا الباب ؛ فإن الغضب من الشيطان
والشيطان من النار ، وأما لحم الإبل فقد قيل : التوضؤ منه مستحب
لكن تفريق النبى صلى الله عليه وسلم بينه وبين لحم الغنم - مع أن ذلك
مسته النار والوضوء منه مستحب - دليل على الاختصاص ، وما فوق
الاستحباب إلا الإيجاب ، ولأن الشيطنة في الإبل لازمة وفيما مسته
النار عارضة ، ولهذا نهى عن الصلاة فى أعطانها للزوم الشيطان لها ،
بخلاف الصلاة فى مباركها فى السفر فإنه جاز لأنه عارض ، والحشوش
٥٢٤

مختضرة فهي أولى بالنهي من أعطان الإبل .
وكذلك الحمام بيت الشيطان ، وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة
عن أحمد روايتان ، على أن الحكم مما عقل معناه فيعدى ، أو ليس
كذلك ؟ والخبائث التى أبيحت للضرورة كلحوم السباع أبلغ فى
الشيطنة من لحوم الإبل ، فالوضوء منها أولى .
وقد تنازع العلماء فى الوضوء من النجاسة الخارجة من غير
السبيلين : كالفصاد، والحجامة ، والجرح ، والقيء ، والوضوء من مس
النساء لشهوة وغير شهوة ، والتوضؤ من مس الذكر ، والتوضؤمن
القهقهة ، فبعض الصحابة كان يتوضأ من مس الذكر كسعد وابن عمر
وكثير منهم لم يكن يتوضأ منه، والوضوء منه هل هو واجب أو
مستحب؟ فيه ، عن مالك وأحمد روايتان ، وإيجابه قول الشافعي .
وعدم الإيجاب مذهب أبى حنيفة .
وكذلك مس النساء لشهوة إذا قيل باستحبابه ، فهذا يتوجه، وأما
وجوب ذلك فلا يقوم الدليل إلا على خلافه ، ولا يقدر أحد قط أن
ينقل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أصحابه بالوضوء من مس
النساء ولا من النجاسات الخارجة ؛ لعموم البلوى بذلك ، وقوله تعالى :
( أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ) المراد به الجماع كما فسره بذلك ابن عباس وغيره
٥٢٥

لوجوه متعددة، وقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ((إنما ذلك
عرق وليس بالحيضة)) تعليل لعدم وجوب الغسل لا لوجوب الوضوء ،
فإن وجوب الوضوء لا يختص بدم العروق ، بل كانت قد ظنت أن
ذلك العم هو دم الحيض الذي يوجب الغسل ، فبين لها النبى صلى الله
عليه وسلم أن هذا ليس هو دم الحيض الذي يوجب الغسل ، فإن
ذلك يرشح من الرحم كالعرق ، وإنما هذا دم عرق انفجر فى
الرحم ودماء العروق لا توجب الغسل . وهذه مسائل مبسوطة فى
مواضع أخر .
والمقصود هنا التنبيه على فساد [قول ] من يدعى التناقض في
معاني الشريعة أو ألفاظها ، ويزعم أن الشارع يفرق بين المتماثلين ،
بل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث بالهدى ودين الحق، بالحكمة
والعدل والرحمة ، فلا يفرق بين شيئين في الحكم إلا لافتراق صفاتهما
المناسبة للفرق ، ولا يسوي بين شيئين إلا لتماثلها في الصفات
المناسبة للتسوية .
والأظهر أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر ولا النساء ، ولا
خروج النجاسات من غير السبيلين ، ولا القهقهة ، ولا غسل الميت ،
فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح ، بل الأدلة الراجحة تدل على
عدم الوجوب ، لكن الاستحباب متوجه ظاهر ، فيستحب أن يتوضأ
٥٢٦

من مس النساء لشهوة ، ويستحب أن يتوضأ من الحجامة والقيء
ونحوها، كما فى السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ
والفعل إنما يدل على الاستحباب ، ولم يثبت عنه أنه أمر بالوضوء من
الحجامة . ولا أمر أصحابه بالوضوء إذا جرحوا، مع كثرة الجراحات.
والصحابة نقل عنهم فعل الوضوء لا إيجابه ،
وكذلك القهقهة في الصلاة ذنب ، ويشرع لكل من أذنب
أن يتوضأ ، وفى استحباب الوضوء من القهقهة وجهان فى مذهب
أحمد وغيره .
وأما الوضوء من الحدث الدائم لكل صلاة ففيه أحاديث متعددة
عن النبى صلى الله عليه وسلم قد صحح بعضها غير واحد من العلماء،
فقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكل صلاة أظهر ، وهو مذهب
أبى حنيفة والشافعى وأحمد ، والله أعلم.
فصل
وأما الحجامة فإنما اعتقد أن الفطر منها مخالف للقياس من اعتقد
أن الفطر مما خرج لا مما دخل ، وهؤلاء أشكل عليهم القيء والاحتلام
ودم الحيض والنفاس .
٥٢٧

وأما من تدبر أصول الشرع ومقاصده فإنه رأى الشارع لما
أمر بالصوم أمر فيه بالاعتدال حتى كره الوصال ، وأمر بتعجيل الفطر
وتأخير السحور ، وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود ، وكان من
العدل أن لا يخرج من الإنسان ما هو قيام قوته ، فالقيء يخرج الغذاء
والاستمناء يخرج المنى، والحيض يخرج الدم ، وبهذه الأمور قوام
البدن ، لكن فرق بين ما يمكن الاحتراز منه وما لا يمكن ، فالاحتلام
لا يمكن الاحتراز منه، وكذلك من ذرعه القيء، وكذا دم الاستحاضة
فإنه ليس له وقت معين ، بخلاف دم الحيض فإن له وقتاً معيناً ،
فالمحتجم أخرج دمه وكذلك المفتصد ، بخلاف من خرج دمه بغير اختياره
كالمجروح فإن هذا لا يمكن الاحتراز منه ، فكانت الحجامة من جنس
القيء والاستمناء والحيض ، وكان خروج دم الجرح من جنس الاستحاضة
والاحتلام وذرع القيء ، فقد تناسبت الشريعة وتشابهت ولم تخرج
عن القياس .
والأظهر أنه لا يفطر بالكحل ولا بالتقطير في الإحليل ، ولا
بابتلاع ما لا يغذى كالحصاة ، ولكن يفطر بالسعوط لقوله: ((وبالغ فى
الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)).
٥٢٨

فصل
وأما قولهم : السلم على خلاف القياس فقولهم هذا من جنس
ما رووا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تبع ما ليس عندك
وأرخص فى السلم )) وهذا لم يرو فى الحديث وإنما هو من كلام بعض
الفقهاء ، وذلك أنهم قالوا : السلم بيع الإنسان ما ليس عنده فيكون
مخالفاً للقياس ، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام عن بيع
ما ليس عنده: إما أن يراد به بيع عين معينة فيكون قد باع مال
الغير قبل أن يشتريه ، وفيه نظر ، وإما أن يراد به بيع ما لا يقدر
على تسليمه وإن كان في الذمة ، وهذا أشبه ؛ فيكون قد ضمن له
شيئاً لا يدري هل يحصل أو لا يحصل ؟ وهذا فى السلم الحال إذا لم
يكن عنده ما يوفيه ، والمناسبة فيه ظاهرة .
فأما السلم المؤجل فإنه دين من الديون ، وهو كالابتياع بثمن
مؤجل ، فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلا فى الذمة وكون
العوض الآخر مؤجلا فى الذمة ؟ وقد قال تعالى: ( إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ ) وقال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون فى
٥٢٩

الذمة حلال فى كتاب الله وقرأ هذه الآية، فإباحة هذا على وفق
القياس لا على خلافه .
فصل
وأما الكتابة فقال من قال : هي خلاف القياس ؛ لكونه بيع ماله
بماله . وليس كذلك ، بل باعه نفسه بمال فى الذمة ، والسيد لا حق له
فى ذمة العبد وإنما حقه فى بدنه ، فإن السيد حقه مالية العبد في إنسانيته
فهو من حيث يؤمر وينهى إنسان مكلف . فيلزمه الإيمان والصلاة
والصيام لأنه إنسان والذمة العهد ، وإنما يطالب العبد بما في ذمته بعد
عتقه ، وحينئذ لا ملك للسيد عليه ، فالكتابة : بيعه نفسه بمال في
ذمته ، ثم إذا اشترى نفسه كان كسبه له ونفعه له ، وهو حادث على
ملكه الذي استحقه بعقد الكتابة ، لكن لا يعتق فيها إلا بالإذن ؛ لأن
السيد لم يرض بخروجه من ملكه إلا بأن يسلم له العوض ، فمتى لم
يحصل له العوض وعجز العبد عنه كان له الرجوع فى المبيع ، وهذا هو
القياس فى المعاوضات .
ولهذا يقول : إذا عجز المشترى عن الثمن لإفلاسه كان للبائع
الرجوع فى المبيع . فالعبد المكاتب مشتر لنفسه ، فعجزه عن أداء
العوض كعجز المشتري ، وهذا القياس فى جميع المعاوضات إذا عجز
٥٣٠

المعاوض عما عليه من العوض كان للآخر الرجوع في عوضه ، ويدخل
فى ذلك عجز الرجل عن الصداق ، وعجز الزوج عن الوطء ، وطرده
عجز الرجل عن العوض في الخلع والصلح عن القصاص .
ـل
وأما الإجارة فالذين قالوا : هي على خلاف القياس قالوا : إنها بيع
معدوم ، لأن المنافع معدومة حين العقد وبيع المعدوم لا يجوز .
ثم إن القرآن جاء بإجارة الظئر للرضاع فى قوله تعالى: (فَإِنْ
فقال كثير من الفقهاء : إن إجارة
أَرْضَعْنَ لَكُمْفَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ،
الظئر للرضاع على خلاف قياس الإجارة ، فإن الإجارة عقد على منافع
وإجارة الظئر عقد على اللبن ، واللبن من باب الأعيان لا من باب
المنافع، ومن العجب أنه ليس فى القرآن ذكر إجارة جازة إلا هذه،
وقالوا : هذه خلاف القياس ، والشىء إنما يكون خلاف القياس إذا
كان النص قد جاء فى موضع بحكم وجاء فى موضع بشابه ذلك بنقيضه
فيقال : هذا خلاف لقياس ذلك النص . وليس فى القرآن ذكر
الإجارة الباطلة حتى يقال : القياس يقتضى بطلان هذه الإجارة ، بل
فيه ذكر جواز هذه الإجارة وليس فيه ذكر فساد إجارة تشبهها ،
بل ولا فى السنة بيان إجارة فاسدة تشبه هذه، وإنما أصل قولهم
٥٣١

ظنهم أن الإجارة الشرعية إنما تكون على المنافع التى هي أعراض
لا على أعيان هي أجسام، وسفبين إن شاء الله كشف هذه الشبهة .
ولما اعتقد هؤلاء أن إجارة الظئر على خلاف القياس صار بعضهم
يحتال لإجرائها على القياس الذي اعتقدوه ، فقالوا : المعقود عليه فيها
هو إلقام الثدي أو وضعه فى الحجر ، أو نحو ذلك من المنافع التى
هى مقدمات الرضاع ، ومعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى
المقصود بعقد الإجارة ، وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة ولا معقوداً
عليها، بل ولا قيمة لها أصلا، وإنما هو كفتح الباب لمن اكترى داراً أو حانوناً،
أو كصعود الدابة لمن اكترى دابة ، ومقصود هذا هو السكنى ومقصود هذا
هو الركوب ، وإنما هذه الأعمال مقدمات ووسائل إلى المقصود بالعقد .
ثم هؤلاء الذين جعلوا إجارة الظئر على خلاف القياس طردوا
ذلك فى مثل ماء البئر والعيون التى تنبع في الأرض ، فقالوا : أدخلت
ضمناً وتبعاً فى العقد ، حتى إن العقد إذا وقع على نفس الماء كالذي
يعقد على عين تنبع ليسقى بها بستانه أو ليسوقها إلى مكانه ليشرب
منها وينتفع بمأنها قالوا : المعقود عليه الإجراء فى الأرض ، أو نحو
ذلك مما يتكلفونه ، ويخرجوا الماء المقصود بالعقود عن أن يكون
معقوداً عليه .
٥٣٢

ومحن نلبه على هذين الأصلين : على قول من جعل الإجارة على
خلاف القياس ، وعلى قول من جعل إجارة الظئر ومحوها على
خلاف القياس .
أما الأول فنقول : قولهم : الإجارة بيع معدوم وبيع المعدوم
على خلاف القياس : مقدمتان مجملتان فيها تلبيس : فإن قولهم : الإجارة
بيع إن أرادوا أنها البيع الخاص الذي يعقد على الأعيان ، فهو
باطل ، وإن أرادوا البيع العام الذي هو معاوضة إما على عين وإما
على منفعة ، فقولهم فى المقدمة الثانية : أن بيع المعدوم لا يجوز إنما
يسلم - إن سلم - في الأعيان لا فى المنافع ، ولما كان لفظ البيع يحتمل هذا
وهذا تنازع الفقهاء فى الإجارة : هل تنعقد بلفظ البيع ؟ على وجهين .
والتحقيق : أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت ، فأي لفظ
من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما انعقد به العقد ، وهذا عام
فى جميع العقود ، فإن الشارع لم يحد فى ألفاظ العقود حداً بل ذكرها
مطلقة ، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية
والرومية وغيرهما من الألسن العجمية فهي تنعقد بما بدل عليها من
الألفاظ العربية ، ولهذا وقع الطلاق والعتاق بكل لفظ يدل عليه ،
وكذلك البيع وغيره .
وطرد هذا النكاح ، فإن أصح قولي العلماء أنه ينعقد بكل لفظ
٥٣٣

يدل عليه ، لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج ، وهذا مذهب جمهور
العلماء كأبى حنيفة ومالك ، وهو أحد القولين فى مذهب أحمد ، بل
نصوصه لم تدل إلا على هذا الوجه ، وأما الوجه الآخر من أنه إنما ينعقد
يلفظ الإنكاح والتزويج فهو قول أبى عبد الله ابن حامد وأتباعه، كالقاضي
أبي يعلى ومتبعيه . وأما قدماء أصحاب أحمد وجمهورهم فلم يقولوا بهذا
الوجه ، وقد نص أحمد فى غير موضع على أنه إذا قال : أعتقت أُمتى
وجعلت عتقها صداقها انعقد النكاح ، وليس هنا لفظ إنكاح
وتزويج ، ولهذا ذكر ابن عقيل وغيره : أن هذا يدل على أنه لا يختص
النكاح بلفظ .
وأما ابن حامد فطرد قوله وقال : لا بد أن يقول مع ذلك :
وتزوجتها ، والقاضي أبو يعلى جعل هذا خارجاً عن القياس ، فجوز
النكاح هنا بدون لفظ الإنكاح والتزويج . وأصول الإمام أحمد ونصوصه
تخالف هذا ، فإن من أصله أن العقود تنعقد بما بدل على مقصودها
من قول أو فعل ، فهو لا يرى اختصاصها بالصيغ . ومن أصله أن
الكناية مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى إظهار النية ، ولهذا قال
بذلك في الطلاق والقذف وغير ذلك .
والذين قالوا إن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج من
أصحاب الشافعى قالوا : لأن ما سوى اللفظين كتابة ؛ والكنابة لا يثبت
٥٣٤

حكمها إلا بالنية ، والنية باطن ، والنكاح مفتقر إلى شهادة ، والشهادة
إنما تقع على السمع ، فهذا أصل أصحاب الشافعي الذين خصوا عقد
النكاح باللفظين.
وابن حامد وأتباعه وافقوم ، لكن أصول أحمد ونصوصه تخالف
هذا ؛ فإن هذه المقدمات باطلة على أصله . أما قول القائل : ما سوى
هذين كناية ، فإنما يستقيم أن لو كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة
بعرف الشرع ، كما يقوله الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد كالخرقي
والقاضي أبي يعلى وغيرها : أن الصريح في الطلاق هو الطلاق والفراق
والسراح لمجيء القرآن بذلك .
فأما جمهور العلماء كأبى حنيفة ومالك وغيرهما: وجمهور أصحاب أحمد
كأبى بكر وابن حامد وأبى الخطاب وغيرهم ؛ فلا يوافقون على هذا
الأصل ، بل منهم من يقول : الصريح هو لفظ الطلاق فقط ، كأبى حنيفة
وابن حامد وأبى الخطاب وغيرهما من أصحاب أحمد وبعض أصحاب الشافعي
ومنهم من يقول : بل الصريح أعم من هذه الألفاظ كما يذكر عن
مالك ، وهو قول أبى بكر وغيره من أصحاب أحمد، والجمهور يقولون :
كلا المقدمتين المذكورتين أن صريح الطلاق تليه مقدمة باطلة .
أما قولهم : إن هذه الألفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس
٥٣٥

كذلك ، بل لفظ السراح والفراق فى القرآن مستعمل في غير الطلاق
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُهُوهُنَّ
قال تعالى :
مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَ سَرَاحًا
) ، فأمر بتسريحهن بعد الطلاق قبل الدخول ، وهو
جَمِيلًا
طلاق بائن لا رجعة فيه ، وليس التسريح هنا تطليقاً باتفاق المسلمين ،
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَنَ بِمَعْرُوفٍ )
)
وقال تعالى :
أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) ، فلفظ الفراق والسراح
وفى الآية الأخرى (
ليس المراد به هنا الطلاق ، فأما المطلقة الرجعية فهو مخير بين ارتجاعها وبين
تخلية سبيلها ، لا يحتاج إلى طلاق ثان .
وأما المقدمة الثانية فلا يلزم من كون اللفظ صريحاً فى خطاب
الشارع أن يكون صريحاً في خطاب كل من يتكلم . وبسط هذا له
موضع آخر ، والمقصود هنا أن قول القائل : إن الإجارة نوع من
البيع ، إن أراد به البيع الخاص - وهو الذي يفهم من لفظ البيع
عند الإطلاق - فليس كذلك، فإن ذلك إنما ينعقد على أعيان معينة
أو مضمونة فى الذمة ، وإن أراد به أنها نوع من المعاوضة العامة التى
تتناول العقد على الأعيان والمنافع : فهذا صحيح ، لكن قوله : إن
المعاوضة العامة لا تكون على معدوم دعوى مجردة ، بل دعوى كاذبة ،
فإن الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم . وإن قاس بيع المنافع
٥٣٦

على بيع الأعيان فقال: كما أن بيع الأعيان لا يكون إلا على موجود
فكذلك بيع المنافع - وهذه حقيقة كلامه - فهذا القياس في غاية
الفساد ، فإن من شرط القياس أن يمكن إثبات حكم الأصل فى الفرع
وهو هنا متعذر ؛ لأن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها
فلا يتصور أن تباع المنافع فى حال وجودها كما تباع الأعيان فى حال
وجودها .
والشارع أمر الإنسان أن يؤخر العقد على الأعيان التى لم تخلق
إلى أن تخلق فنهى عن بيع السنين ، وبيع حبل الحبلة ، وبيع الشعر
قبل بدو صلاحه ؛ وعن بيع الحب حتى يشتد ، ونهى عن بيع المضامين
والملاقيح، وعن المجر وهو الحمل ؛ وهذا كله نهى عن بيع حيوان قبل
أن يخلق ؛ وعن بيع حب وتمر قبل أن يخلق ، وأمر بتأخير بيعه
إلى أن يخلق .
وهذا التفصيل وهو : منع بيعه فى الحال وإجارته فى حال يمتنع مثله
فى المنافع ، فإنه لا يمكن أن تباع إلا هكذا، فما بقي حكم الأصل مساويا
لحكم الفرع إلا أن يقال : فأنا أقيسه على بيع الأعيان المعدومة ،
فيقال له : هنا شيئان : أحدهما : يمكن بيعه فى حال وجوده وحال عدمه
فهى الشارع عن بيعه إلا إذا وجد . والشيء الآخر : لا يمكن بيعه
إلا في حال عدمه ، فالشارع لما نهى عن بيع ذاك حال عدمه فلابد إذا
٥٣٧

قست عليه أن تكون العلة الموجبة للحكم فى الأصل ثابتة فى الفرع . فلم
قلت : إن العامة في الأصل مجرد كونه معدوما ؟ ولم لا يجوز أن يكون
بيعه في حال عدمه مع إمكان تأخير بيعه إلى حال وجوده ؟
وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص ، وهو معدوم يمكن
بيعه بعد وجوده ، وأنت إن لم تبين أن العلة فى الأصل القدر المشترك
كان قياسك فاسداً ، وهذا سؤال المطالبة ، وهو كاف فى وقف قياسك.
لكن نبين فساده فنقول : ما ذكرناه علة مطردة وما ذكرته علة
منتقضة ؛ فإنك إذا عللت المنح بمجرد العدم انتقضت علتك ببعض الأعيان
والمنافع ، وإذا عللته بعدم ما يمكن تأخير بيعه إلى حال وجوده؛ أو بعدم
هو غرر الطردت العلمة ، وأيضاً فالمناسبة تشهد لهذه العلة ؛ فإنه إذا كان
له حال وجود وعدم كان بيعه حال العدم فيه مخاطرة وقمار ، وبها علل
النبى صلى الله عليه وسلم المنح حيث قال: ((أرأيت إن منع الله الثمرة
فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ ))، بخلاف ما ليس له إلا حال
واحدة والغالب فيه السلامة ؛ فإن هذا ليس مخاطرة ، فالحاجة
داعية إليه .
ومن أصول الشرع أنه إذا تعارض المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما
فهو إنما نهى عن بيع الغرر لما فيه من المخاطرة التى تضر بأحدهما، وفى
٥٣٨

المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ذلك فلا يمنعهم
من الضرر اليسير بوقوعهم فى الضرر الكثير، بل يدفع أعظم الضررين
باحتمال أدناهما، ولهذا لما نهام عن المزابنة لما فيها من نوع ربا أو
مخاطرة فيها ضرر أباحها لهم فى العرايا للحاجة لأن ضرر المنع من
ذلك أشد. وكذلك لما حرم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها
لهم عند الضرورة ؛ لأن ضرر الموت أشد ونظائره كثيرة .
فإن قيل : فهذا كله على خلاف القياس ؟
قيل: قد قدمنا أن الفرع اختص بوصف أوجب الفرق بينه
وبين الأصل ، فكل فرق صحيح على خلاف القياس الفاسد . وان
أريد بذلك أن الأصل والفرع استويا فى المقتضى والمانع واختلف
حكمها فهذا باطل قطعاً .
ففى الجملة : الشىء إذا شابه غيره فى وصف وفارقه فى وصف
كان اختلافها في الحكم باعتبار الفارق مخالفاً لاستوائها باعتبار الجامع
لكن هذا هو القياس الصحيح طرداً وعكساً ، وهو التسوية بين
المتماثلين والتفريق بين المختلفين ، وأما التسوية بينها فى الحكم مع
افتراقها فيما يوجب الحكم ويمنعه ، فهذا قياس فاسد .
والشرع دائماً يبطل القياس الفاسد، كقياس إبليس، وقياس
٥٣٩

المشركين الذين قالوا: ( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِّبَوْأ ) والذين قاسوا الميت على
المذكى وقالوا : أتأ كلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ؟ فجعلوا
العلمة فى الأصل كونه قتل آدمي ، وقياس الذين قاسوا المسيح على
أصنامهم فقالوا : لما كانت آلهتنا تدخل النار لأنها عبدت من دون الله
فكذلك ينبغي أن يدخل المسيح النار ، قال الله تعالى: (وَلَمَّا
وَقَالُوْءَ أَلِهَمُنَا خَيْرٌ أَمْهُوَّ
ضُرِبَ ابْنُ مَرْیَمَ مَثَلًا إِذَاقَوْمُكَمِنْهُيَصِدُّونَ
مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّجَدَلَا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ) . وهذا كان وجه مخاصمة ابن
الزبعرى لما أنزل الله: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ
*
جَهَنَّوَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ
فِيَهَا خَلِدُونَ ) ، فإن الخطاب للمشركين لا لأهل الكتاب. والمشركون
لم يعبدوا المسيح وإنما كانوا يعبدون الأصنام ، والمراد بقوله: (وَمَا
تَعْبُدُونَ ) الأصنام ، فالآية لم تتناول المسيح لا لفظاً ولا معنى .
وقول من قال : إن الآية عامة تتناول المسيح ولكن أخر بيان
تخصيصها غلط منه، ولو كان ذلك صحيحاً لكانت حجة المشركين
متوجهة ؛ فإن من خاطب بلفظ العام يتناول حقاً وباطلا لم يبين مراده
توجه الاعتراض عليه، وقد قال تعالى: ( وَلَمََّ ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا)
(مَاضَرَ بُوهُ لَكَ إِلََّجَدَلاً ) أي:
أي : ثم ضربوه مثلا ، كما قال :
جعلوه مثلا لآ لهتهم ، فقاسوا الآلهة عليه وأوردوه مورد المعارضة ،
٥٤٠