النص المفهرس

صفحات 501-520

فقد اتبع غير سبيلهم .
ومنها قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ
وقوله: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )
وقال قوم عيسى : ( فَأُكْتُبْنَا
وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ )
مَعَ الشَّهِدِينَ ) في آل عمران والمائدة ، لأن لنا الشهادة،
ولهم العبادة بلا شهادة ، والأمة الوسط العدل الخيار ، والشهداء
على الناس لا بد أن يكونوا عالمين عادلين كالرسول ؛ ولهذا قال فى
الجنازة (وجبت، وجبت)) وقال: ((أنتم شهداء اللّه فى الأرض))
وقال: ((توشكوا أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار بالثناء الحسن
والثناء السيء)) فعلم أن شهادتهم مقبولة فيما يشهدون عليه من
الأشخاص والأفعال ؛ ولو كانوا قد يشهدون بما ليس بحق لم يكونوا
شهداء مطلقاً .
ومنها قوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُ ونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
وفيها أدلة مثل قوله : (خَيْرَ أُمَّةٍ )
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)
ومثل قوله : (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) فلا بد أن
يأمروا بكل معروف وينهوا عن كل منكر ، والصواب فى الأحكام
معروف والخطأ منكر .
٥٠١

ومنها قوله: (أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ) ومنها قول الخليل
(رَبِّ هَبْ لِى حُكْْمًا وَأَلْحِقِ بِالصَّلِحِينَ) وقول يوسف: (تَوَفَّنِى
مُسْلِمَا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ ) ومنها قوله: (وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
اَلْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ )
والرضوان لا يكون مع اتفاقهم وإصرارهم على ذنب أو خطأ ، فإن
ذلك مقتضاه العفو .
( ثُمَّأَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا )
ومنها قوله :
وقوله : (وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِالَّذِينَ أَصْطَفَى) فإنه يدل من وجهين، من جهة
أن الاصطفاء يقتضى التصفية وذلك لا يكون مع الانفاق والإصرار على
الذنب والخطأ . والثانى التسليم عليهم وذلك يقتضي سلامتهم من العيوب
كما سلم على المرسلين ، وعلى نوح وعلى المسيح.
(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
ومنها قوله
(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ )
ومنها قوله :
فإنه يدل على [ أنه هدى في كل شيء ] وقوله: (اللَّهُ وَإِىُّالَّذِينَ
فإنه يقتضي إخراجهم من
ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمِ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ )
كل ظلمة .
٥٠٢

ومنها قوله: (هُوَلَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِ )
وقوله: (هُوَ اُلَّذِى يُنْزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ◌َايَتٍ بِنَاتٍ لِيُخْرِحَكُمْمِنَ
اُلْقُّكُلُمَتِ إِلَى النُّورِ ).
ومنها قوله: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُواْ ). وما كان نحوها من الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة.
٥٠٣

وسئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله(١)
عما يقع في كلام كثير من الفقهاء ، من قولهم : هذا خلاف القياس
لما ثبت بالنص ، أو قول الصحابة أو بعضهم، وربما كان حكما مجمعاً عليه!
فمن ذلك قولهم : تطهير الماء إذا وقع فيه نجاسة خلاف القياس ،
بل وتطهير النجاسة على خلاف القياس ، والتوضؤ من لحوم الإبل على
خلاف القياس ، والفطر بالحجامة على خلاف القياس ، والسلم على خلاف
القياس ، والإجارة والحوالة ، والكتابة والمضاربة ، والمزارعة والمساقاة ،
والقرض ، وصحة صوم المفطر ناسياً ، والمضي فى الحج الفاسد ، كل
ذلك على خلاف القياس ، وغير ذلك من الأحكام : فهل هذا
القول صواب أم لا ؟ وهل يعارض القياس الصحيح النص أم لا ؟
فأجاب :
الحمد لله رب العالمين. أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ
مجمل ، يدخل فيه القياس الصحيح والقياس الفاسد .
فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة ، وهو الجمع بين
(١) تسمى: ((رسالة فى معنى القياس)).
٥٠٤

المتماثلين والفرق بين المختلفين ، الأول قياس الطرد ، والثاني قياس
العكس وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله .
فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلمة التى علق بها الحكم فى
الأصل موجودة فى الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها ،
ومثل هذا القياس لا تأتى الشريعة بخلافه قط . وكذلك القياس بالغاء
الفارق ، وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع ،
فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه . وحيث جاءت الشريعة
باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائر. فلا بد أن يختص ذلك
النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ، ويمنع مساواته لغيره ، لكن
الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر ، وليس
من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد ، فمن رأى
شيئا من الشريعة مخالفاً للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد فى
نفسه ، ليس مخالفاً للقياس الصحيح الثابت فى نفس الأمر .
وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس : علمنا قطعاً أنه قياس
فاسد ، بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التى يظن أنها
مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم فليس فى الشريعة
ما يخالف قياساً صحيحاً ، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد وإن كان
من الناس من لا يعلم فساده .
٥٠٥

ونحن نبين أمثلة ذلك مما ذكر في السؤال ، فالذين قالوا :
المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس : ظنوا أن هذه العقود
من جنس الإجارة ، لأنها عمل بعوض ، والإجارة يشترط فيها العلم
بالعوض والمعوض ، فلما رأوا العمل فى هذه العقود غير معلوم والربح فيها غير
معلوم قالوا : تخالف القياس ، وهذا من غلطهم؛ فإن هذه العقود من جنس
المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التى يشترط فيها العلم بالعوضين،
والمشاركات جنس غير جنس المعاوضة ، وإن قيل إن فيها شوب المعاوضة .
وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة الخاصة وإن كان فيها شوب
معاوضة ، حتى ظن بعض الفقهاء أنها بيع يشترط فيها شروط
البيع الخاص.
وإيضاح هذا : أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع :
أحدها : أن يكون العمل مقصودا معلوما ؛ مقدورا على تسليمه .
فهذه الإجارة اللازمة .
والثاني: أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر ، فهذه الجعالة
وهي : عقد جائز ليس بلازم ، فإذا قال : من رد عبدى الآبق فله مائة
فقد بقدر على رده وقد لا يقدر ، وقد يرده من مكان قريب وقد
٥٠٦

يرده من مكان بعيد ؛ فلهذا لم تكن لازمة ، لكن هي حازة ، فإن عمل
هذا العمل استحق الجعل ، وإلا فلا ، ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا
حصل بالعمل جزءاً شائعا ؛ ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم ، مثل أن
يقول أمير الغزو : من دل على حصن فله ثلث ما فيه ، ويقول للسرية
التى يسريها : لك خمس ما تغنمين أو ربعه .
وقد تنازع العلماء فى سلب القاتل : هل هو مستحق بالشرع ؟
كقول الشافعي ، أو بالشرط كقول أبى حنيفة ومالك ؟ على قولين هما
روايتان عن أحمد ، فمن جعله مستحقاً بالشرط جعله من هذا الباب .
ومن هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلا على شفاء المريض جاز ، كما
أخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين جعل لهم قطيع على شفاء
سيد الحي ، فرقاه بعضهم حتى برأ ، فأخذوا القطيع ؛ فإن الجعل كان
على الشفاء لا على القراءة . ولو استأجر طبيباً إجارة لازمة على الشفاء
لم يجز ؛ لأن الشفاء غير مقدور له فقد يشفيه الله وقد لا يشفيه ،
فهذا ونحوه مما يجوز فيه الجعالة دون الإجارة اللازمة .
وأما النوع الثالث : فهو ما لا يقصد فيه العمل ؛ بل المقصود
المال ، وهو المضاربة ، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل
العامل كما للجاعل والمستأجر قصد فى عمل العامل ؛ ولهذا لو عمل
٥٠٧

ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء وإن سمى هذا جعالة بجزء مما يحصل
بالعمل كان نزاعا لفظيا ، بل هذه مشاركة ، هذا بنفع بدنه وهذا بنفع
ماله ، وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة ؛ ولهذا لا يجوز
أن يخص أحدهما بربح مقدر : لأن هذا يخرجها عن العدل الواجب
فى الشركة .
وهذا هو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم من المزارعة ، فإنهم
كانوا يشرطون لرب المال زرع بقعة بعينها ، وهو ما ينبت على
الماذيانات وإقبال الجداول ونحو ذلك ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن ذلك . ولهذا قال الليث بن سعد وغيره : إن الذي نهى عنه
صلى الله عليه وسلم هو أمر إذا نظر فيه ذو البصر بالحلال والحرام
علم أنه لا يجوز ؛ أو كما قال . فبين أن النهي عن ذلك موجب
القياس ، فإن مثل هذا لو شرط في المضاربة لم يجز ؛ لأن مبنى
المشاركات على العدل بين الشريكين ، فإذا خص أحدهما بريج دون
الآخر لم يكن هذا عدلا ، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع
فإنهما يشتركان فى المغنم وفى المغرم ، فإن حصل ربح اشتركا فى المغم ،
وإن لم يحصل ربح اشتركا فى الحرمان ، وذهب نفع بدن هذا كما
ذهب نفع مال هذا ، ولهذا كانت الوضيعة على المال لأن ذلك فى مقابلة
ذهاب نفع العامل .
٥٠٨

ولهذا كان الصواب أنه يجب فى المضاربة الفاسدة ربح المثل لا أجرة
المثل . فيعطى العامل ما جرت به العادة أن يعطاه مثله من الريح :
إما نصفه وإما ثلثه وإما تلاه . فأما أن يعطى شيئاً مقدراً مضموناً فى
ذمة المالك كما يعطى فى الإجارة والجعالة فهذا غلط ممن قاله . وسبب
الغلط ظنه أن هذا إجارة ، فأعطاه في فاسدها عوض المثل كما يعطيه
فى المسمى الصحيح . ومما يبين غلط هذا القول أن العامل قد
يعمل عشر سنين ، فلو أعطى أجرة المثل لأعطي أضعاف رأس المال.
وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءاً من الريح إن كان هناك ريح ،
فكيف يستحق فى الفاسدة أضعاف ما يستحقه فى الصحيحة ؟
وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة ظنوا أنها إجارة بعوض
مجهول فأبطلوها ، وبعضهم صحيح منها ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على
الشجر ، لعدم إمكان إجارتها ، بخلاف الأرض فإنه تمكن إجارتها.
وجوزوا من المزارعة ما يكون تبعاً للمساقاة، إما مطلقاً؛ وإما إذا
كان البياض الثلث . وهذا كله بناء على أن مقتضى الدليل بطلان
المزارعة ، وإنما جوزت للحاجة .
ومن أعطى النظر حقه علم أن المزارعة أبعد عن الظلم والقمار من
الإجارة بأجرة مسماة مضمونة في الذمة ؛ فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع
بالزرع النابت فى الأرض ، فإذا وجب عليه الأجرة ومقصوده من
٥٠٩

الزرع قد يحصل وقد لا يحصل ، كان فى هذا حصول أحد المتعاوضين
على مقصوده دون الآخر . وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركافيه،
وإن لم يحصل شيء اشتركا فى الحرمان فلا يختص أحدهما محصول
مقصوده دون الآخر ، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم
من الإجارة .
والأصل فى العقود جميعها هو العدل ؛ فإنه بعثت به الرسل
وأنزلت الكتب، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَّيِّنَتِ وَأَنَزَلْنَا مَعَهُمُ
والشارع نهى عن
اَلْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )،
الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء
بتحريم هذا وهذا ، وكلاهما أكل المال بالباطل ، وما نهى عنه
النبى صلى الله عليه وسلم من المعاملات: كبيع الغرر ، وبيع الثمر
قبل بدو صلاحه ، وبيع السنين ، وبيع حبل الحبلة ، وبيع المزابنة
والمحاقلة ، ونحو ذلك : هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر ،
فالإجارة بالأجرة المجهولة مثل أن يكريه الدار بما يكسبه المكتري فى
حانوته من المال هو من الميسر ، فهذا لا يجوز . وأما المضاربة
والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر ، بل هو من
أقوم العدل .
وهذا مما يبين لك أن المزارعة التى يكون فيها البذر من العامل
٥١٠

لجواز من المزارعة التى يكون فيها من رب الأر
رسول الله صلى الله عليه وسلم يزارعون ء
عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خير
تمر وزرع على أن يعمروها من أموالهم.
لذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض
، فقالوا في المضاربة : المال من واحد والـ
لك ينبغي أن يكون فى المزارعة ، وجعلوا
أرض .
هذا القياس مع أنه مخالف للسنة ولأقوال الصـ
؛ وذلك أن المال فى المضاربة يرجع إلى صاحـ
ير الأرض فى المزارعة ، وأما البذر الذي لا
بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفـ
فه بالأصل الباقى ، فالعاقد إذا أخرج البذر ذهـ
أرض ذهب نفع أرضه ، وبذر هذا كأرض .
مال كان ينبغي له أن يعيد مثل البذر إلى صا.
المضاربة ، فكيف ولو اشترط رب البذر نظـ
ا ذلك ؟ !
٥١١

وليس هذا موضع بسط هذه المسائل ، وإنما الغرض التنبيه على
جنس قول القائل : هذا يخالف القياس .
صل
وأما ((الحوالة)) فمن قال: تخالف القياس قال: إنها بيع دين
بدين وذلك لا يجوز ، وهذا غلط من وجهين :
أحدهما : أن ببيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع
:
وإنما ورد النهي عن بيع الكالى بالكالى ، والكالى هو المؤخر
الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض ، وهذا كما لو أسلم شيئاً فى شيء
فى الذمة وكلاهما مؤخر ، فهذا لا يجوز بالاتفاق ، وهو بيع كالى
بكالى . وأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب بواجب
كما ذكرناه ، وينقسم إلى بيع ساقط بساقط ، وساقط بواجب .
وهذا فيه نزاع .
الوجه الثانى : أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس
البيع ، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا
استيفاء ، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين
الذي له فى ذمة الحيل ، ولهذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم
٥١٢

الحوالة فى معرض الوفاء فقال في الحديث الصحيح: (( مطل الغنى
ظلم ، وإذا اتبع أحدكم على ملىء فليتبع))، فأحر المدين بالوفاء ونها.
عن المطل ، وبين أنه ظالم إذا مطل ، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا
فَانِبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ
أحيل على ملىء ، وهذا كقوله تعالى: (
بِإِحْسَنٍ )، أمر المستحق أن يطالب بالمعروف، وأمر المدين أن
يؤدي بإحسان .
ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شوب المعاوضة ،
وقد ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين ، بسبب أن
الغريم إذا قبض الوفاء صار فى ذمته للمدين مثله ، يتقاص ما عليه بماله ،
وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء ، وقالوا : بل نفس المال الذي قبضه
يحصل به الوفاء ولا حاجة أن نقدر فى ذمة المستوفى ديناً ، وأولئك
قصدوا أن يكون وفاء الدين بدين ، وهذا لا حاجة إليه ، بل الدين من
جنس المطلق الكلي والمعين من جنس المعين ، فمن ثبت فى ذمته دين
مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة ، وأي معين استوفاء
حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق .
٥١٣

فصل
ومن قال : القرض خلاف القياس قال : لأنه بيع ربوي بجنسه
من غير قبض . وهذا غلط ، فإن القرض من جنس التبرع بالمنافع
كالعارية، ولهذا سماه النبى صلى الله عليه وسلم منيحة، فقال: ((أو
منيحة ذهب أو منيحة ورق)) ، وباب العارية أصله أن يعطيه أصل المال
لينتفع بما يستخلف منه ثم يعيده إليه، فتارة ينتفع بالمنافع كما فى عارية
العقار ، وتارة يمنحه ماشية ليشرب لبنها ثم يعيدها ، وتارة بعيره شجرة
ليأكل ثمرها ثم يعيدها ، فإن اللبن والثمر يستخلف شيئاً بعد شيء
بمنزلة المنافع ، ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع ، والمقرض
يقرضه ما يقرضه لينتفع به ثم يعيد له بمثله ، فإن إعادة المثل تقوم مقام
إعادة العين ، ولهذا نهي أن يشترط زيادة على المثل ، كما لو شرط فى
العارية أن يرد مع الأصل غيره .
وليس هذا من باب البيع ، فإن عاقلا لا يبيع درهما بمثله من
كل وجه إلى أجل ، ولا يباع الشيء بجنسه إلى أجل إلا مع اختلاف
الصفة أو القدر ، كما يباع نقد بنقد آخر وصحيح بمكسور ونحو ذلك ،
٥١٤

ولكن قد يكون فى القرض منفعة للمقرض ، كما في مسألة السفتجة ، ولهذا
كرهها من كرهها ، والصحيح أنها لا تكره ، لأن المقترض ينتفع بها
أيضاً ، ففيها منفعة لهما جميعاً إذا أقرضه .
فصل
وأما قول من يقول: إزالة النجاسة على خلاف القياس ، والنكاح
على خلاف القياس ونحو ذلك : فهو من أفسد الأقوال ، وشبهتهم أهم
يقولون : الإنسان شريف والنكاح فيه ابتذال المرأة ، وشرف الإنسان
ينافي الابتذال . وهذا غلط ، فإن النكاح من مصلحة شخص المرأة
ونوع الإنسان ، والقدر الذي فيه من كون الذكر يقوم على الأنثى هو
من الحكمة التى بها تم مصلحة جنس الحيوان ، فضلا عن نوع الإنسان
ومثل هذا الابتذال لا ينافي الإنسانية ، كما لا ينافيها أن يتغوط الإنسان
إذا احتاج إلى ذلك ، وأن يأكل ويشرب ، وإن كان الاستغناء عن
ذلك أكمل ، بل ما احتاج إليه الإنسان وحصلت له به مصلحته فإنه
لا يجوز أن يمنع منه ، والمرأة محتاجة إلى النكاح وهو من تمام مصلحتها
فكيف يقال : القياس يقتضى منعها أن تتزوج ؟
وكذلك إزالة النجاسة ، فإن شبهة من قال : إنها تخالف القياس أن
٥١٥

الماء إذا لاقاها نجس الماء ، ثم إذا صب ماء آخر لاقى الأول . وهلم
جرا. قالوا : فكان القياس أنها تنجس المياه المتلاحقة ، والنجس
لا يزيل النجس .
وهذا غلط ، فإنه يقال ، لم قلتم القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى
النجاسة مجس؟
فإن قلتم : لأنه فى بعض الصور كذلك. قيل: الحكم فى الأصل
ممنوع عند من يقول : الماء لا ينجس إلا بالتغير ، ومن سلم الأصل قال
ليس جعل الإزالة مخالفة للقياس بأولى من جعل تنجس الماء مخالفاً
للقياس ، بأن يقال : القياس يقتضى أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس
كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس ، فهذا القياس أصح من ذلك
لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع ، وأما تنجس الماء بالملاقاة فمورد
نزاع ، فكيف يجعل مواقع النزاع حجة على مواقع الإجماع ، والقياس
أن يقاس موارد النزاع على مواقع الإجماع .
ثم يقال : الذي يقتضيه المعقول أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا
ينجس ؛ فإنه باق على أصل خلقه ، وهو طيب داخل فى قوله تعالى :
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ )، وهذا هو القياس فى
المائعات جميعها إذا وقعت فيها نجاسة فاستحالت حتى لم يظهر طعمها
٥١٦

ولا لونها ولا ريحها أن لا تنجس ، فقد تنازع الفقهاء : هل القياس
يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناء الدليل أو القياس يقتضي
أنه لا ينجس إذا لم يتغير ؟ على قولين ، والأول قول أهل العراق ،
والثاني قول أهل الحجاز .
وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ؛ ومنهم من يختار هذا وهم أهل
الحجاز ، وهو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول :
فإن الله أباح الطيبات وحرم الخبائث، والطيب والخبث باعتبار صفات
قائمة بالشيء ، فما دام على حاله فهو طيب ، فلا وجه لتحريمه ؛ ولهذا لو
وقعت قطرة خمر فى جب لم يجلد شاربه .
والذين يسلمون أن القياس نجاسة الماء بالملاقاة فرقوا بين ملاقاته في الإزالة
وبين غيرها بفروق .
منهم من قال : الماء ههنا وارد على النجاسة وهناك وردت النجاسة
عليه، وهذا ضعيف ؛ فإنه لو صب ماء فى جب بجس ينجس عندهم .
ومنهم من قال : الماء إذا كان في مورد التطهير لإزالة الخبث أو
الحدث لم يثبت له حكم النجاسة ولا الاستعمال إلا إذا انفصل ، وأما قبل
الانفصال فلا يكون مستعملا ولا نجساً . وهذا حكاية مذهب ليس
فيه حجة .
٥١٧

ومنهم من قال : الماء فى حال الإزالة جار والماء الجاري لا ينجس
إلا بالتغير . وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو أنص الروايتين عن
أحمد ، وهو القول القديم للشافعي ، ولكن إزالة النجاسة تارة
تكون بالجريان وتارة تكون بدونه ، كما لو صب الماء على الثوب
فى الطست .
فالصواب أن مقتضى القياس أن الماء لا ينجس إلا بالتغير ، والنجاسة
لا تزول به حتى يكون غير متغير ، وأما في حال تغيره فهو نجس لكن
تخفف به النجاسة ، وأما الإزالة فإنما يحصل بالماء الذي ليس بمتغير.
وهذا القياس فى الماء هو القياس فى المائعات كلها أنها لا تنجس إذا
استحالت النجاسة فيها ولم يبق لها فيها أثر : فإنها حينئذ من الطيبات لا
من الخبائث .
وهذا القياس هو القياس في قليل الماء وكثيره ؛ وقليل المائع
وكثيره ، فإن قام دليل شرعى على نجاسة شيء من ذلك فلا نقول : إنه
خلاف القياس ، بل نقول: دل ذلك على أن النجاسة ما استحالت .
ولهذا كان أظهر الأقوال فى المياه مذهب أهل المدينة والبصرة :
أنه لا ينجس إلا بالتغير ، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ، نصرها
طائفة من أصحابه كالإمام أبى الوفاء بن عقيل : وأبي محمد بن المني .
٥١٨

وكذلك الماء المستعمل فى طهارة الحدث باق على طهوريته ، وقد
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الماء لا ينجس)) فلا يصير
الماء جنباً ولا يتعدى إليه حكم الجنابة، ونهيه - صلى الله عليه وسلم -
عن البول فى الماء الدائم أو عن الاغتسال فيه لا يدل على أنه بصير
نجساً بذلك، بل قد نهى عنه لما يفضي إليه البول بعد البول من إفساده، أو لما
يؤدي إلى الوسواس ، كما نهى عن بول الرجل فى مستحمه ، وقال :
((عامة الوسواس منه))، ونهيه عن الاغتسال قد جاء فيه أنه نهى
عن الاغتسال فيه بعد البول ، وهذا يشبه نهيه عن بول الإنسان
فى مستحمه .
وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن
فأرة وقعت فى سمن فقال: ((ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم))،
والتفريق المروي فيه: (( إن كان جامداً فألقوها وما حولها ؛ وإن كان
مائعاً فلا تقربوه)) غلط كما بينه البخاري والترمذي وغيرهما ، وهو من
غلط معمر فيه، وابن عباس رواية أفتى فيما إذا ماتت أن تلقى وما حولها
ويؤكل ، فقيل لهما : إنها قد دارت فيه ، فقال : إنما ذاك لما كانت
حية ؛ فلما مانت استقرت . رواه أحمد فى مسائل ابنه صالح . وكذلك
الزهري راوي الحديث أفتى فى الجامد والمائع القليل والكثير ؛ سمناً
كان أو زيتاً؛ أو غير ذلك : بأن تلقى وما قرب منها ويؤكل الباقى ؛
٥١٩

واحتج بالحديث فكيف قد يكون روى فيه الفرق ؟
وحديث القلتين إن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على
ذلك أيضاً؛ فإن قوله: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الحبث)) وفى اللفظ
الآخر: (( لم ينجسه شيء)) يدل على أن الموجب لنجاسته كون الخبث
فيه محمولا . فمتى كان مستهلكا فيه لم يكن محمولا ، فمنطوق الحديث
وتعليله لم يدل على ذلك .
وأما تخصيص القلتين بالذكر فإنهم سألوه عن الماء يكون بأرض
الفلاة ؛ وما ينوبه من السباع والدواب ؛ وذلك الماء الكثير في العادة،
فبين صلى الله عليه وسلم أن مثل ذلك لا يكون فيه خبث في العادة،
بخلاف القليل فإنه قد يحمل الخبث وقد لا يحمله ؛ فإن الكثرة نعين
على إحالة الخبث إلى طبعه : والمفهوم لا يجب فيه العموم ، فليس إذا
كان القلتان لا تحمل الخبث يلزم أن ما دونها يلزمه مطلقاً ، على
أن التخصيص وقع جوابا لأناس سألوه عن مياه معينة ؛ فقد يكون
التخصيص لأن هذه كثيرة لا تحمل الخبث والقلتان كثير ، ولا يلزم
أن لا يكون الكثير إلا قلتين ، وإلا فلو كان هذا حداً فاصلا بين
الحلال والحرام لذكره ابتداء ، ولأن الحدود الشرعية تكون معروفة
كنصاب الذهب والمعشرات ونحو ذلك ، والماء الذي تقع فيه النجاسة
لا يعلم كيله إلا خرصاً؛ ولا يمكن كيله فى العادة ، فكيف يفصل بين
٥٢٠