النص المفهرس
صفحات 461-480
فكيف تجعل ذلك حجة معنوية على بطلان قول خصمك ؟ وتحقيق ذلك ((بالوجه السادس)): وهو أن يقال: قولك : كيف وأن الجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع ؟ ليس فيه إلا مجرد حكاية اللفظ الذي ابتدعته، فإذا قال لك المنازع : بل الحقيقة اسم لمجموع الدال من اللفظ والقرينة المعنوية كان قد قابل اصطلاحك باصطلاحه الذي هو أحسن من اصطلاحك حيث سمى جميع البيان الذي علمه الله عباده حقيقة، وأنت جعلت كثيراً منه أو أكثر. مجازاً . فإن قلت : فهذا النزاع لفظي ، قيل لك : فهذا جوابك الأول : وهو قولك : النزاع فى ذلك لفظي . قوله : لي بعد هذا جوابا آخر ، وهو قولك : كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية ؟ فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع يقتضي أنك ذكرت جوابا ثانياً غير الأول ، وليس فيه إلا إعادة معنى ذلك الاصطلاح ، هو أنا اصطلحنا على أن يسمى بالحقيقة اللفظ دون القرائن المعنوية ، فتبين أنه ليس معك إلا اعترافك بأن النزاع لفظي ، فلو كان الاصطلاح مستقيما: لم يكن نفاة المجاز الذين سموا جميع الكلام حقيقة إذا كان قد بين به المراد : بأنقص ٤٦١ حالا ممن سمى ما هو من خيار الكلام وأحسنه وأتمه بياناً : مجازاً ، وجعله فرعا في اللغة لا أصلا ؛ ووضعاً حادثاً غير به الوضع المتقدم ؛ وجعله تابعاً لغيره لا متبوعا . فصل وقد ذكر نفاة المجاز حجة ضعيفة ، وهي قولهم : وأيضاً ما من صورة من الصور إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي الخاص بها ، فاستعمال اللفظ المجازي فيها مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة فى وضعهم . وقد أجاب عن هذا بقوله : وجواب الثانى : أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي دون الحقيقة قد يكون لاختصاصه بالخفة على اللسان ؛ أو لمساغته فى وزن الكلام لفظاً ونثراً، والمطابقة؛ والمجانسة؛ والسجع وقصد التعظيم ، والعدول عن الحقيقي للتحقيق ، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة من الكلام . فيقال : هذه الحجة ضعيفة ، والمحتج بها يلزمه أن يسلم لها انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز ، لكنه يوجب استعمال الحقيقة دون المجاز ، وهذا يناقض قوله : ليس في اللغة مجاز ؛ بل المواضع التى موها ٤٦٢ مجازاً إذا ثبت استعمالها في اللغة فهي كلها حقيقة على هذا القول ، والتعبير لبعض الحقائق يكون أحسن وأبلغ من بعض ، ومراتب البيان والبلاغة متفاوتة ، وكل ذلك مما يدل عليه اللفظ بطريقة الحقيقة ، واللفظ لا يدل إلا مع قرينة ، ومن ظن أن الحقيقة في مثل قوله : (وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ) هو سؤال الجدران ؛ فهو جاهل . وهذا البحث يشبه بحث هؤلاء ، كلهم ينكرون استعمال اللفظ في حال فى معنى وفى حال أخرى فى معنى آخر ، كما يستعمل لفظ القرية تارة فى السكان ونارة في المساكن ، ويدعون أنه لا يغنى به إلا المساكن ؛ وهذا غلط وافقوا فيه أولئك ، لكن أولئك يقولون : هنا محذوف تقديره: واسأل أهل القرية . وأولئك يقولون: بل المراد واسأل الجدران . والصواب أن المراد بالقرية نفس الناس المشتركين الساكنين فى ذلك المكان ، فلفظ القرية هنا أريد به هؤلاء ، كما في قوله تعالى : (وَكَأَيِّنْ مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُقُوَّةً مِّنْ قَرْيَئِكَ الَّتِى أَخْرَجَنَّكَ أَهْلَكْتَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَهُمْ) ، وكذلك قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُرَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةٌ) ، وقوله: (وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِرَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابَاتِّكْرًا ) ونظائره متعددة . ٤٦٣ فصل وتمام هذا بالكلام على ما ذكره من المجاز في القرآن ، فإنه قال : يعتذر عن قوله: ( تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ )، والأنهار غير جارية. فيقال : النهر كالقرية والميزاب ونحو ذلك . يراد به الحال ويراد به المحل ، فإذا قيل : حفر النهر ؛ أريد به المحل ، وإذا قيل : جرى النهر ؛ أريد به الحال ٠ وعن قوله : ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) وهو غير مشتعل كاشتعال النار ، فهذا مسلم ؛ لكن يقال : لفظ الاشتعال لم يستعمل فى هذا المعنى ، إنما استعمل فى البياض الذي سرى من السواد سريان الشعلة من النار ، وهذا تشبيه واستعارة، لكن قوله: ( وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ) استعمل فيه لفظ الاشتعال مقيدا بالرأس لم يحتمل اللفظ [في] اشتعال الحطب، وهذا اللفظ - وهو قوله: ( وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) - لم يستعمل قط في غير موضعه ، بل لم يستعمل إلا فى هذا المعنى ، وإن كان هذا الوضع يغير بعد وضع اشتعلت النار فلا يضر ، وإن قصد به تشبيه ذلك المعنى بهذا المعنى فلا يضر ، بل هذا شأن الأسماء العامة لابد أن ٤٦٤ يكون بين المعنيين قدر مشترك تشتبه فيه تلك الأفراد . وأما تسميته استعارة فمعلوم أنهم لم يستعيروا ذلك اللفظ بعينه ، بل ركبوا لفظ ( اشْتَعَلَ) مع (الرَّأْسُ) تركيباً لم يتكلموا به ، ولا أرادوا به غير هذا المعنى قط . ولهذا لا يجوز أن يقال فى مثل هذا: لم يشتعل الرأس شيباً ، بل يقال : ليس اشتعال الرأس مثل اشتعال الخطب وإن أشبهه من بعض الوجوه . قال: وعن قوله: (وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ ) والذل لاجناح له؟ فيقال له : لا ريب أن الذل ليس له جناح مثل جناح الطائر ، كما أنه ليس للطائر جناح مثل أجنحة الملائكة ، ولا جناح الذل مثل جناح السفر ، لكن جناح الإنسان جانبه ، كما أن جناح الطير جانبه ، والولد مأمور بأن يخفض جانبه لأبويه ؛ ويكون ذلك على وجه الذل لهما لا على وجه الخفض الذي لا ذل معه ، وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم (وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ولم يقل: جناح الذل، فالرسول أمر بخفض جناحه وهو جانبه، والولد أمر بخفض جناحه ذلا، فلا بد مع خفض جناحه أن بذل لأبويه، بخلاف الرسول فإنه لم يؤمر بالذل ، فاقتران ألفاظ القرآن تدل على اقتران معانيه وإعطاء كل معنى حقه . ٤٦٥ ثم إنه سبحانه كمل ذلك بقوله: (مِنَ الرَّحْمَةِ ) فهو جناح ذل من الرحمة لا جناح ذل من العجز والضعف : إذ الأول محمود والثانى مذموم . قال : وقوله : ( أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتُ) والأشهر ليست هي الحج ؟ فيقال : معلوم أن أوقات الحج أشهر معلومات ، ليس المراد أن نفس الأفعال هي الزمان ، ولا يفهم هذا أحد من اللفظ ، ولكن قد يقال : في الكلام محذوف تقديره : وقت الحج أشهر معلومات ، ومن عادة العرب الحسنة في خطابها أنهم يحذفون من الكلام ما يكون المذكور دليلا عليه اختصارا ، كما أنهم يوردون الكلام بزيادة تكون مبالغة فى تحقيق المعنى . فالأول كقوله: (أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّفَانْفَلَقَ) فمعلوم أن المراد فضرب فانفلق ، لكن لم يحتج إلى ذكر ذلك فى اللفظ إذ كان قوله : قلنا : اضرب ؛ فانفلق : دليلا على أنه ضرب فانفلق. وكذلك قوله: ( مَنْءَامَنَ) تقديره بر من آمن ، أو صاحب من آمن. وكذلك قوله: ( الْحَجُّأَشْهُرٌ ) ، أي: أوقات الحج أشهر ، فالمعنى متفق عليه ، لكن الكلام فى تسمية هذا مجازا، وقول القائل : نفس الحج ليس بأشهر ؛ إنما يتوجه لو كان هذا مدلول الكلام ؛ وليس كذلك ، بل مدلوله عند من تكلم به أوسمعه : أن أوقات الحج أشهر معلومات . ٤٦٦ قال: وقوله : (لَهَّدِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ) ؛ والصلوات لا تهدم ؟ فيقال : قد قيل : إن الصلوات اسم المعابد اليهود ، يسمونها صلوات باسم ما يفعل فيها ، كنظائره ؛ وهو إنما استعمل لفظ الصلوات فى المكان مقروناً بقوله: ( لَِّمَتْ ) والهدم إنما يكون للمكان ، فاستعمله مع هذا اللفظ فى المكان . قال : وقوله: ( أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ ) ؟ فنقول : لفظ الغائط فى القرآن يستعمل فى معناه اللغوي ، وهو : المكان المطمئن من الأرض ، وكانوا ينتابون الأماكن المنخفضة لذلك وهو الغائط ، كما يسمى خلاء لقصد قاضي الحاجة الموضع الحالي ، ويسمى مرحاضاً لأجل الرحض بالماء ونحو ذلك ، والمجيء من الغائط اسم لقضاء الحاجة ؛ لأن الإنسان في العادة إنما يجيء من الغائط إذا قضى حاجته ، فصار اللفظ حقيقة عرفية يفهم منها عند الإطلاق التغوط فقد يسمون ما يخرج من الإنسان غائطاً تسمية للحال باسم محله ، كما فى قوله : جرى الميزاب . ومنه قول عائشة : مرن أزواجكم يغسلن عنهن أثر الغائط. وليس فى قوله: (أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ ) استعمال اللفظ فى غير معناه ؛ بل المجيء من الغائط يتضمن التغوط ، فكنى عن ذلك المعنى باللفظ الدال على العمل الظاهر ٤٦٧ المستلزم الأمر المستور ، وكلاهما مراد . وهذا كثير فى الكلام ، يذكر الملزوم ليفهم منه لازمه المدلول ، وكلاهما دل عليه اللفظ، لكن أحدهما وسيلة إلى الآخر ، كقول إحدى النسوة فى حديث أم زرع: «زوجي عظيم الرماد ، طويل النجاد ، قريب البيت من الناد )). فإن عظم الرماد يستلزم كثرة الطبخ المستلزم في عادتهم لكثرة الضيف : المستلزم للكرم . وطول النجاد يستلزم طول القامة ، وقرب البيت من الناد يستلزم قصده بحجة الناد إلى بيته ، والناد اسم للحال والمحل أيضاً . ومنه قوله: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) وقوله: ( وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرَ)، فهنا هو المحل، وفي تلك هو الحال ، وهم القوم الذين ينتدون ، ومنه (( دار الندوة)). وأصله من مناداة بعضهم لبعض ، بخلاف النجاء فإنهم الذين يتناجون ، قال الشعبي: إذا كثرت الحلقة فهي إما نداء وإما نجاء ، قال فناداه وناجاه . تعالى: (وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَبْنَهُ نَجِيَّا ) وقال: قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِ )؟ فيقال : قد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول فى دعائه: ((اللهم لك الحمد ، أنت قيم السموات والأرض ومن ٤٦٨ فيهن ، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن)) فليس مفهوم اللفظ أنه شعاع الشمس والنار ؛ فإن هذا ليس هو نور السموات والأرض ، كما ظن بعض الغالطين أن هذا مدلول اللفظ ، والنور يراد به المستنير المنير لغيره بهديه ، فيدخل فى هذا أنت الهادي لأهل السموات والأرض ، وقد قال ابن مسعود : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ، نور السموات من نور وجهه ، وإذا كان كونه رب السموات والأرض وقيمها لا يناقض أن يكون قد جعل بعض عباده يرب بعضاً من بعض الوجوه ويفهمه ؛ فكذلك كونه ( نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ) منيرها لا يناقض أن يجعل بعض مخلوقاته منيرا لبعض . واسم النور إذا تضمن صفته وفعله كان ذلك داخلا فى مسمى النور ؛ فإنه لما جعل القمر نورا كان متصفاً بالنور وكان منيرا على غيره ، وهو مخلوق من مخلوقاته ، والخالق أولى بصفة الكمال الذي لا نقص فيه من كل ما سواه . قال : قال : وقوله : (فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) والقصاص ليس بعدوان ؟ فيقال : العدوان مجاوزة الحد ، لكن إن كان بطريق الظلم كان محرما ، وإن كان بطريق القصاص كان عدلا مباحا ، فلفظ العدوان فى ٤٦٩ مثل هذا هو تعدي الحد الفاصل ، لكن لما اعتدى صاحبه جاز الاعتداء عليه ، والاعتداء الأول ظلم والثاني مباح ، ولفظ عدل مباح، ولفظ الاعتداء هنا مقيد بما يبين أنه اعتداء على وجه القصاص ، بخلاف العدوان ابتداء فإنه ظلم ، فإذا لم يقيد بالجزاء فهم منه الابتداء ؛ إذ الأصل عدم ما يقابله . (وَجَزَُّؤَأْسَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِّثْلُهَا)، وقوله: ( اللهُ قال : وقوله : يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اَللَّهُ)؟ فيقال : السيئة اسم لما سبق صاحبها ، فإن فعلت به على وجه العدل والقصاص كان مستحقاً لما فعل معه من السيئة ، وليس المراد أنها تسبق الفاعل حتى ينهى عنها، بل تسبق المجازى بها ، ولفظ السيئة والحسنة يراد به الطاعة والمعصية ؛ ويراد به النعمة والمصيبة ، كقوله: (مَّاأَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) ، وقوله: ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ) ، وقوله : ، لم يرد به كل من عمل (وَجَزَّوَأْسَيِّئَةٍ) ذنباً ، وإنما المراد جزاء من أساء إلى غيره بظلم فهي من سيئات المصاب فجزاؤها أن يصاب المسيء بسيئة مثلها ، كأنه قيل : جزاء من أساء إليك أن تسىء إليه مثل ما أساء إليك ، وهذه سيئة حقيقة . ٤٧٠ وأما الاستهزاء والمكر بأن يظهر الإنسان الخير والمراد شر . فهذا إذا كان على وجه جحد الحق وظلم الخلق فهو ذنب محرم ، وأما إذا كان جزاء على من فعل ذلك بمثل فعله كان عدلا حسناً ، قال الله تعالى: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْإِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالْوَأْإِنَّا مَعَكُمْ ؛ فإن الجزاء إِذَّمَا تَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) من جنس العمل. وقال تعالى: (وَمَكَرُواْمَكْرًا وَمَكَّرْنَامَكْرًا )، ، وقال: (كَذَلِكَ كما قال: (إِنَهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا ) كِدْنَا لِيُوسُفَ ) . وكذلك جزاء المعتدي مثل فعله ؛ فإن الجزاء من جنس العمل ، وهذا من العدل الحسن، وهو مكر وكيد إذا كان يظهر له خلاف ما يبطن . قال: (كُلَّمَا أَوْقَدُ وْنَارًالِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَالَهُ)، فهذا اللفظ أصله أن المحاربين يوقدون ناراً يجتمع إليها أعوانهم، وينصرون وليهم [على] عدوم، فلا تتم محاربتهم إلا بها ، فإذا طفئت لم يجتمع أمرهم ، ثم صار هذا كما تستعمل الأمثال في كل محارب بطل كيده ، كما يقال: يداك أوكتا وفوك نفخ ، ومعناه أنت الجانى على نفسك. وكما يقال : الصيف ضيعت اللبن ، معناه : فرطت وقت الإمكان . وهذه الألفاظ كان لها معنى خاص نقلت بعرف الاستعمال إلى معنى ٤٧١ أعم من ذلك ، وصاريفهم منها ذلك عند الإطلاق لغلبة الاستعمال ، ولا يفهم منها خصوص معناها الأول كسائر الألفاظ التى نقلها أهل العرف إلى أعم من معناها ، مثل لفظ الرقبة والرأس فى قوله: (فَتَحْرِيُرَقَبَةٍ )، وقد يقال : إن هذا من باب دلالة اللزوم ، فإن تحرير العنق يستلزم تحرير سائر البدن ؛ ولهذا تنازع الفقهاء إذا قال : يدك حر إن دخلت الدار ؛ فقطعت يده ثم دخل الدار : هل يعتق ؟ على وجهين ، بناء على أنه من باب السراية أو من باب العبادة . والصحيح أنه من باب العبادة ، ومعناه: أنت حر إن فعلت كذا، والحقيقة العرفية والشرعية معلومة في اللغة . قال : إلى ما لا يحصى ذكره من المجازات ؟ وقالوا : ما يذكر من هذا الباب إما أن يكون النزاع في معناه أو المعنى متفق عليه والنزاع فى تسميته مجازا، وعلى التقديرين فلا حجة لك فيه ؛ كقوله: (يَأَرْضُ اَبْلَعِى مَآءَكِ وَيَسَمَاءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ اَلْمَآءُ ) ، قيل : أراد بالسماء المطر ، أي: يامطر انقطع، وليس كذلك ، بل الإقلاع الإمساك ، أي : ياسماء أمسكي عن الإمطار . وكثيرا ما يأتي المدعي إلى ألفاظ لها معان معروفة فيدعي استعمالها ٤٧٢ فى غير تلك المعاني بلا حجة ، ويقول : هذا مجاز ، فهذا لا يقبل ، ومن قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل فى الكلام هو الحقيقة ، وهذا يراد به شيئان : يراد به أنه إذا عرف معنى اللفظ وقيل : هذا الاستعمال مجاز قيل: بل الأصل الحقيقة . وإذا عرف أن للفظ مدلولان حقيقي ومجازي فالأصل أن يحمل على معناه الحقيقي : فيستدل تارة بالمعنى المعروف على دلالة اللفظ عليه ، وتارة باللفظ المعروف دلالته على المعنى المدلول عليه . فإذا قيل فى قوله تعالى: (فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ): إن أصل الذوق بالفم . قيل : ذلك ذوق الطعام ؛ فالذوق يكون للطعام ويكون لجنس العذاب كما قال: (وَلَتُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ اُلْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )، وقوله: ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ)، وقوله: (ذُوقُواْمَسَّ سَقَرَ )، فقوله: (ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ ) صريح فى ذوق مس العذاب لا يحتمل ذوق الطعام . ثم الجوع والخوف إذا لبس البدن كان أعظم في الألم ؛ بخلاف القليل منه ، فإذا قال: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ) فإنه لم يكن يدل على لبسه لصاحبه وإحاطته به ، فهذه المعانى تدل عليها هذه الألفاظ دون ما إذا قيل جاعت وخافت ؛ فإنه يدل على جنس لا على عظم كيفيته وكميته ، فهذا من كمال البيان ، والجميع إنما استعمل فيه اللفظ في معناه المعروف في اللغة ؛ فإن قوله ذوق لباس الجوع والخوف ليس ٤٧٣ هو ذوق الطعام ، وذوق الجوع ليس هو ذوق لباس الجوع . ولهذا كان تحرير هذا الباب هو من علم البيان الذي يعرف به الانسان بعض قدر القرآن، وليس فى القرآن لفظ إلا مقرون بما يبين به المراد . ومن غلط فى فهم القرآن فمن قصوره أو تقصيره : فإذا قال القائل: ( يَشْرَبُبِهَا ): أن الباء زائدة كان من قبله علمه ؛ فإن الشارب قد بشرب ولا يروى ، فإذا قيل : يشرب منها : لم يدل على الري ، وإذا ضمن معنى الري فقيل: ( يَشْرَبُبِهَا ): كان دليلا على الشرب الذي يحصل به الري ، وهذا شرب خاص دل عليه لفظ الباء . كما دل لفظ الباء فى قوله: (فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) على إلصاق الممسوح به بالعضو ؛ ليس المراد مسح الوجه . فمن قال : الباء زائدة جعل المعنى امسحوا وجوهكم ، وليس فى مجرد مسح الوجه إلصاق الممسوح من الماء والصعيد، ومن قرأ: (وَأَرْجُلَكُمْ) فإنه عائد على الوجه والأيدي؛ بدليل أنه قال: ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ )، ولو كان عطفا على المحل لفسد المعنى، وكان يكون ( فامسحوا رؤوسكم). وأيضاً فكلهم قرأوا قوله فى التيمم : (فَأَمْسَحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ)، ولفظ الآيتين من جنس واحد، فلو كان المعطوف على المجرور معطوفا على المحل لقرأوا أيديكم بالنصب ، فلما لم يقرأوها كذلك علم أن قوله : ٤٧٤ (وَأَمْسَحُواْبِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) عطف على الوجوه والأبدي. قال ابن عقيل : فصل فى أسئلتهم ، وقد تكلفوا غاية التكليف وتعسفوا غاية التعسيف فى بيان أنه حقيقة . فمن ذلك قولهم : إن القرية هي مجتمع الناس ؛ مأخوذ من قريت الماء في الحوض ؛ وما قرأت الناقة فى رحمها ، فالضيافة ، مقرئ ومقرى الاجتماع الأضياف عندهم ، وسمي القرآن والقراءة لذلك لكونه مجموع كلام فكذلك حقيقة الاجتماع إنما هو للناس دون الجدران، فما أراد إلا جمع الناس وهو فى نفسه حقيقة القرية ، يوضح ذلك قوله تعالى : (وَتِلْكَ اَلْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَمُواْ )، وقوله تعالى: (وَكَتِّنِمِّنْ قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمِّ رَيِهَا وَرُسُلِهِ )، وهذا يرجع إلى المجتمع ، إلى الناس دون الجدران ، والغير اسم للقافلة . قالوا: والأبنية والخمير إذا أراد الله نطقها أنطقها، وزمن النبوات وقت لخوارق العادات . ولو سألها لأحابته عن حاله معجزة له وكرامة ، ٤٧٥ وقوله تعالى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيمٌ قَوْلَ الْحَقِّ) إنما أشار بقوله : ( قَوْلَ الْحَقِّ) إلى اسمه ونسبته إلى أمه ، وذلك حقيقة قول الله . وقد قال صاحبكم أحمد : الله هو الله، يعنى: الاسم هو المسمى. وقوله تعالى: ( وَأَشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ): فإنه لما نسف بعد أن برد فى البحر وشربوا من الماء كان ذلك حقيقة ذلك العجل ، فلا شيء مما ذكرتم إلا وهو حقيقة. قال ابن عقيل : فيقال : للقربة ما جمعت واجتمع فيها لانفس المجتمع : فلهذا سمى القرء والأقراء لزمان الحيض أو زمان الطهر ، والتصرية والمصراة والصراة اسم مجمع اللبن والماء : لا لنفس اللبن والماء المجتمع، والقارى الجامع للقرى، والمقري الجامع للأضياف . فأما نفس الأضياف فلا ، والقافلة لا تسمى عيرا إن لم تكن ذات بهائم مخصوصة ؛ فإن المشاة والرجال لا تسمى عيرا ، فلو كان اسماً لمجرد القافلة لكان يقع على الرجال كما يقع على أرباب الدواب ؛ فبطل ما قالوه . وقولهم : لو سأل لأجاب الجدار : فمثل ذلك لا يقع بحسب الاختيار ، ولا يكون معتمداً على وقوعه إلا عند التحدي به ، فأما أن يقع بالهاجس وعموم الأوقات فلا . ٤٧٦ وقوله: (ذَلِكَ عِيسَى) يرجع إلى الاسم: فإنهم إذا حملوه على هذا كان مجازاً ؛ لأن القول الذي هو الاسم ليس بمضاف إليه ؛ ولذا نقول : ، والاسم الذي هو (مَا كَانَ لِلَّهِأَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ) القول ليس بابن مريم ، وإنما ابن مريم نفس الجسم والروح الذي يقع عليها الاسم ، الذي ظهرت على يديه الآيات الخارقة ، التى جعلوه لأجل ظهورها إلهاً . وقولهم : المراد نفس ذات العجل لما نسفه : فإذا نسف خرج عن أن يكون عجلا : بل العجل حقيقة الصورة المخصوصة التى خارت ، وإلا برادة الذهب لا تصل إلى القلوب ، وغاية ما تصل إلى الأجواف : فإما أن يسبقها الطبع فيحيلها إلى أن تصل إلى القلب فليس كذلك بل سحالة الذهب إذا حصلت فى المعدة رسبت ، بحيث لا ترتقى إلى غير محلها فضلا عن أن تصل إلى القلب ، ولأن قول العرب : أشربوا : لا يرجع إلى الشرب، إنما يرجع إلى الأسباب ، وهو: ألا يساغ ، وذلك يرجع إلى الحب لا إلى الذوات التى هي الأجسام : ولهذا لا يقال : أشربوا في قلوبهم الماء إذ هو مشروب ، فكيف يقال فى العجل على أن إضافته نفسه إلى القلب إضافة له إلى محل الحب ؟ وقد ورد فى الخبر أنهم كانوا يقولون في سحالته إذا تناولوها : هذا أحب إلينا من موسى ومن إله موسى : لما نالهم من محبته فى قلوبهم . ٤٧٧ قلت : أما ما ذكروه من القرية ؛ فالقرية والنهر ونحو ذلك اسم للحال والمحل ، فهو اسم يتناول المساكن وسكانها ، ثم الحكم قد يعود إلى الساكن ؛ وقد يعود إلى المساكن ؛ وقد يعود إليها كاسم الإنسان ؛ فإنه اسم الروح والجسد ؛ وقد يعود الحكم على أحدهما، وكذلك الكلام اسم للفظ والمعنى ، وقد يعود الحكم إلى أحدهما . وأما الاشتقاق فهذا الموضع غلط فيه طائفة من العلماء ، لم يفرقوا بين قرأ بالهمزة وقرى يقرى بالياء ؛ فإن الذي بمعنى الجمع هو قرى بقرى بلا همزة ، ومنه القرية والقراءة ونحو ذلك ، ومنه قريت الضيف أقريه أي : جمعته وضممته إليك ، وقريت الماء فى الحوض جمعته ، وتقريت المياه : تتبعتها ، وقروت البلاد وقريتها واستقريتها إذا تتبعتها تخرج من بلد إلى بلد ، ومنه الاستقراء ؛ وهو : تتبع الشيء أجمعه وهذا غير قولك : استقرأته القرآن ؛ فإن ذلك من المهموز ، فالقربة هي المكان الذي يجتمع فيه الناس ، والحكم يعود إلى هذا تارة وإلى هذا أخرى . وأما قرأ بالهمز فمعناه الإظهار والبيان . والقرء والقراءة من هذا الباب ، ومنه قولهم : ما قرأت الناقة سلا جزور قط ؛ أي: ما أظهرته وأخرجته من رحمها ، والقاري : هو الذي يظهر القرآن ويخرجه ، قال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَ جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ)، ففرق بين الجمع والقرآن ، ٤٧٨ والقرء: هو الدم لظهوره وخروجه ، وكذلك الوقت ؛ فإن التوقيت إنما يكون بالأمر الظاهر . ثم الطهر يدخل فى اسم القرء تبعاً كما يدخل الليل في اسم اليوم ، قال النبى صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ((دعى الصلاة أيام أقرائك))، والطهر الذي يتعقبه حيض هو قرء ، فالقرء اسم للجميع . وأما الطهر المجرد فلا يسمى قرءاً؛ ولهذا إذا طلقت فى أثناء حيضة لم تعتد بذلك قرءا؛ لأن عليها أن تعتد بثلاثة قروه ، وإذا طلقت في أثناء طهر كان القرء الحيضة مع ما تقدمها من الطهر ؛ ولهذا كان أكبر الصحابة على أن الأقراء الحيض ، كعمر وعثمان وعلي وأبى موسى وغيرهم ؛ لأنها مأمورة بتربص ثلاثة قروء ؛ فلو كان القرء هو الطهر لكانت العدة قرأين وبعض الثالث ، فإن النزاع من الطائفتين في الحيضة الثالثة ؛ فإن أكابر الصحابة ومن وافقهم يقولون : هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ، وصغار الصحابة إذا طعنت فى الحيضة الثالثة فقد حلت ، فقد ثبت بالنص والإجماع أن السنة أن يطلقها طاهراً من غير جماع وقد مضى بعض الطهر ، والله أمر أن يطلق لاستقبال العدة لا في أثناء العدة ، وقوله : ( ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ ) عدد ليس هو كقوله: أشهر؛ فإن ذاك صيغة جمع لا عدد ، فلا بد من ثلاثة قروه كما أمر الله، لا يكفى بعض الثالث. ٤٧٩ وأما قولك: (ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمُ قَوْلَ الْحَقِّ ) ففيه قراءتان مشهورتان : الرفع ؛ والنصب ، وعلى القراءتين قد قيل : إن المراد بقول الحق: عيسى؛ كما سمي كلمة اللّه. وقيل: بل المراد هذا الذي ذكرناه قول الحق ؛ فيكون خبر مبتدأ محذوف ، وهذا له نظائر ؛ ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن كقوله: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) الآية ، زَيِّكُمْ) أي : هذا الحق من ربكم، وإن أريد به عيسى فتسميته قول الحق كتسميته كلمة الله، وعلى هذا فيكون خبراً وبدلا. وعلى كل قول فله نظائر ، فالقول فى تسميته مجازاً كالقول فى نظائره . والأظهر أن المراد به أن هذا القول الذي ذكرناه عن عيسى بن مريم قول الحق إلا أنه ابن عبد الله يدخل فى هذا. ومن قال: المراد بالحق الله؛ والمراد قول الله: فهو وإن كان معنى صحيحا فعادة القرآن إذا أضيف القول إلى الله أن يقال: قول الله ، لا يقال : قول الحق إلا إذا كان المراد القول الحق، كما فى قوله: (قَوّلُهُ الْحَقُّ)، وقوله: (اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ )، وقوله: (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ). ثم مثل هذا إذا أضيف فيه الموصوف إلى الصفة ، كقوله : ( وَحَبَّ اَلْخَصِيدِ ) . وقولهم : صلاة الأولى ودار الآخرة ، هو عند كثير من ٤٨٠