النص المفهرس
صفحات 341-360
وإباحتها للمضطر لأن مصلحة بقاء النفس مقدم على دفع هذه المفسدة مع أن ذلك عارض لا يؤثر فيه مع الحاجة الشديدة أثراً بضر . وأما الظلم فمحرم قليله وكثيره ، وحرمه تعالى على نفسه وجعله محرماً على عباده . وحرم الربا لأنه متضمن للظلم ، فإنه أخذ فضل بلا مقابل له وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار ؛ لأن المرابي قد أخذ فضلا محققاً من محتاج ، وأما المقامر فقد يحصل له فضل وقد لا يحصل له ، وقد بقمر هذا هذا ، وقد يكون بالعكس . وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ؛ وعن بيع الملامسة والمنابذة ، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وبيع حبل الحبلة، ونحو ذلك مما فيه نوع مقامرة ، وأرخص فى ذلك فيما تدعو الحاجة إليه ويدخل تبعاً لغيره ، كما أرخص فى ابتياعها بعد بدو صلاحها مبقاة إلى كمال الصلاح ، وإن كان بعض أجزائها لم يخلق ، وكما أرخص فى ابتياع النخل المؤبر مع جديده إذا اشترطه المبتاع وهو لم يبد صلاحه ، وهذا جائز بإجماع المسلمين ، وكذلك سائر الشجر الذي فيه ثمر ظاهر ، وجعل للبائع ثمرة النخل المؤبر إذا لم يشترطها المشترى ، فتكون الشجرة للمشترى والبائع ينتفع بها بإبقاء ثمره عليها إلى حين الجذاذ . ٣٤١ وقد ثبت فى الصحيح أنه أمر بوضع الجوائح، وقال: ((إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئاً ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟)). ومذهب مالك وأهل المدينة في هذا الباب أشبه بالسنة والعدل من مذهب من خالفهم من أهل الكوفة وغيرهم ، وذلك أن مخالفهم جعل البيع إذا وقع على موجود جاز سواء كان قد بدا صلاحه أو لم يكن قد بدا صلاحه ، وجعل موجب كل عقد قبض المبيع عقبه ، ولم يجز تأخير القبض ، فقال : إنه إذا اشترى الثمر بادياً صلاحه أو غير باد صلاحه جاز ، وموجب العقد القطع فى الحال ، لا يسوغ له تأخير الثمر إلى تكمل صلاحه ، ولا يجوز له أن يشترطه . وجعلوا ذلك القبض قبضاً ناقلا للضمان إلى المشترى دون البائع ، وطردوا ذلك ، فقالوا : إذا باع عينا مؤجرة لم يصح لتأخير التسليم ، وقالوا : إذا استثنى منفعة المبيع : كظهر البعير وسكنى الدار لم يجز، وذلك كله فرع على ذلك القياس . وأهل المدينة وأهل الحديث خالفوم في ذلك كله واتبعوا النصوص الصحيحة ، وهو موافقة القياس الصحيح العادل ، فإن قول القائل : العقد موجب القبض عقبه ؛ يقال له : موجب العقد إما أن يتلقى من الشارع ؛ أو من قصد العاقد، والشارع ليس فى كلامه ما يقتضي أن هذا ٣٤٢ يوجب موجب العقد مطلقاً ، وأما المتعاقدان فها تحت ما تراضيا به ويعقدان العقد عليه ، فتارة يعقدان على أن يتقابضا عقبه ، وتارة على أن يتأخر القبض كما فى الثمر ؛ فإن العقد المطلق يقتضي الحلول ؛ ولهما تأجيله إذا كان لهما فى التأجيل مصلحة ، فكذلك الأعيان ؛ فإذا كانت العين المبيعة فيها منفعة للبائع أو غيره كالشجر الذي تمره ظاهر وكالعين المؤجرة ، وكالعين التى استثنى البائع نفعها مدة لم يكن موجب هذا العقد أن يقتضي المشتري ما ليس له ؛ وما لم يملكه إذا كان له أن يبيع بعض العين دون بعض كان له أن يبيعها دون منفعتها . ثم سواء قيل : إن المشتري يقبض العين ، أو قيل : لا يقبضها بحال لا يضر ذلك ؛ فإن القبض في البيع ليس هو من تمام العقد كما هو فى الرهن ، بل الملك يحصل قبل القبض للمشتري تابعاً ، ويكون نماء المبيع له بلا نزاع وإن كان فى يد البائع ، ولكن أثر القبض إما فى الضمان وإما في جواز التصرف . وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال : مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشتري. ولهذا ذهب إلى ذلك أهل المدينة وأهل الحديث ؛ فإن تعليق الضمان بالتمكين من القبض أحسن من تعليقه بنفس القبض ، وبهذا جاءت السنة ، ففي الثمار التى أصابتها جائحة لم يتمكن المشتري من الجذاذ ٣٤٣ وكان معذوراً ، فإذا تلفت كانت من ضمان البائع ؛ ولهذا التى تلفت بعد تفريطه في القبض كانت من ضمانه ، والعبد والدابة التى تمكن من قبضها تكون من ضمانه ، على حديث علي وابن عمر . ومن جعل التصرف تابعا للضمان فقد غلط ؛ فإنهم متفقون على أن منافع الإجارة إذا تلفت قبل تمكن المستأجر من استيفائها كانت من ضمان المؤجر ، ومع هذا للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة ، وإنما تنازعوا فى إيجارها بأكثر من الأجرة لئلا يكون ذلك ربحا فيما لا يضمن ، والصحيح جواز ذلك لأنها مضمونة على المستأجر ، فإنها إذا تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ضمانه ، ولكن إذا تلفت قبل تمكنه من الاستيفاء لم تكن من ضمانه . وهذا هو الأصل أيضا ؛ فقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر أنه قال كنا نبتاع الطعام جزافا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فنهى أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا . وابن عمر هو القائل : مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشتري . فتبين أن مثل هذا الطعام مضمون على المشتري ولا يبيعه حتى ينقله، وغلة الثمار والمنافع له أن يتصرف فيها ، ولو تلفت قبل التمكن من قبضها كانت من ضمان المؤجر والبائع ، والمنافع لا يمكن التصرف فيها إلا ٣٤٤ بعد استيفائها ، وكذلك الثمار لاتباع على الأشجار بعد الجذاذ بخلاف الطعام المنقول . والسنة فى هذا الباب فرقت بين القادر على القبض وغير القادر فى الضمان والتصرف ، فأهل المدينة أتبع للسنة فى هذا الحكم كله، وقولهم أعدل من قول من يخالف السنة . ونظائر هذا كثير ، مثل بيع الأعيان الغائبة: من الفقهاء من جوز بيعها مطلقا وإن لم توصف ، ومنهم من منع بيعها مع الوصف ؛ ومالك جوز بيعها مع الصفة دون غيرها ، وهذا أعدل . والعقود ، من الناس من أوجب فيها الألفاظ وتعاقب الإيجاب والقبول ونحو ذلك ، وأهل المدينة جعلو المرجع فى العقود إلى عرف الناس وعادتهم فما عده الناس بيعا فهو بيع، وما عدوه إجارة فهو إجارة وما عدوه هبة فهو هبة ، وهذا أشبه بالكتاب والسنة وأعدل ، فإن الأسماء منها ماله حد فى اللغة كالشمس والقمر . ومنها ماله حد في الشرع كالصلاة والحج. ومنها ما ليس له حد لا في اللغة ولا في الشرع بل يرجع إلى العرف ، كالقبض . ومعلوم أن اسم البيع والإجارة والهبة فى هذا الباب لم يحدها الشارع، ولا لها حد فى اللغة ؛ بل يتنوع ذلك ٣٤٥ بحسب عادات الناس وعرفهم ، فما عدوه بيعاً فهو بيع ، وما عدوه هبة فهو هبة وما عدوه إجارة فهو إجارة . ومن هذا الباب أن مالكا يجوز بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت، وبيع المقاني جملة، كما يجوز هو والجمهور بيع الباقلاء ونحوه فى قشره . ولا ريب أن هذا هو الذي عليه عمل المسلمين من زمن نبيهم صلى الله عليه وسلم وإلى هذا التاريخ، ولا تقوم مصلحة الناس بدون هذا ، وما يظن أن هذا نوع غرر فمثله جائز فى غيره من البيوع لأنه يسير والحاجة داعية إليه ، وكل واحد من هذين يبيح ذلك ، فكيف إذا اجتمعا ؟ وكذلك ما يجوز مالك من منفعة الشجر تبعاً للأرض ، مثل أن يكرى أرضا أو داراً فيها شجرة أو شجرنان ، هو أشبه بالأصول من قول من منع ذلك . وقد يجوز ذلك طائفة من أصحاب أحمد بن حنبل مطلقاً، وجوزوا ضمان الحديقة التى فيها أرض وشجر ، كما فعل عمر ابن الخطاب لما قبل الحديقة من أسيد بن الحضير ثلثاً ، وقضى بما تسلفه ديناً كان عليه ، وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع . وهذا يتبين بذكر الربا ؛ فإن تحريم الربا أشد من تحريم القار . لأنه ظلم محقق ، والله سبحانه وتعالى لما جعل خلقه نوعين غنياً وفقيراً ٣٤٦ أوجب على الأغنياء الزكاة حقاً للفقراء ، ومنع الأغنياء عن الربا الذي يضر الفقراء، وقال تعالى: (يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبَوْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ ) ، وقال تعالى: (وَمَآءَاتَّيْتُمْ مِّن رِّبًا لِيَرَبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانَيْتُمْ مِّن ذَكَوْقٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ )، فالظالمون يمنعون الزكاة ويأكلون الربا ، وأما القمار فكل من المتقامرين قد يقمر الآخر ، وقد يكون المقمور هو الغني ، أو يكونان متساويين فى الغنى والفقر ، فهو أكل مال بالباطل فحرمه الله، لكن ليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما فى الربا، ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم من ظلم غير المحتاج . ومعلوم أن أهل المدينة حرموا الربا ومنعوا التحيل على استحلاله، وسدوا الذريعة المفضية إليه، فأين هذا ممن بسوغ الاحتيال على أخذه؟ بل يدل الناس على ذلك . وهذا يظهر بذكر مثل ربا الفضل وربا النساء. أما ربا الفضل فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة ، واتفق جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة على أنه لا يباع الذهب والفضة والخنطة والشعير والتمر والزبيب بجنسه إلا مثلا بمثل؛ إذ الزيادة على المثل أ كل مال بالباطل وظلم ، فإذا أراد المدين أن يبيع مائة دينار مكسور ٣٤٧ وزنه مائة وعشرون دينارا ؛ يسوغ له مبيح الحيل أن يضيف إلى ذلك رغيف خبز أو منديل يوضع فيه مائة دينار ؛ ونحو ذلك مما يسهل على كل حرب فعله : لم يكن لتحريم الربا فائدة ، ولا فيه حكمة ولا يشاء حرب أن يبيع نوعا من هذا بأكثر منه من جنسه إلا أمكنه أن يضم إلى القليل ما لا قدر له من هذه الأمور . وكذلك إذا سوغ لهما أن يتواطآ على أن يبيعه إياه بعرض لا قصد للمشترى فيه ، ثم يبتاعه منه بالثمن الكثير ، أمكن طالب الربا أن يفعل ذلك . ومعلوم أن من هو دون الرسول إذا حرم شيئاً لما فيه من الفساد وأذن أن يفعل بطريق لا فائدة فيه لكان هذا عيباً وسفها ؛ فإن الفساد باق ، ولكن زادم غشا ، وإن كان فيه كلفة فقد كلفهم ما لا فائدة فيه ، فكيف بظن هذا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم؟ بل معلوم أن الملوك لو نهوا عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم واحتال المنهي على ما نهى عنه بمثل هذه الطريق لعدوه لاعبا مستهزئاً بأوامرم ، وقد عذب الله أهل الجنة الذين احتالوا على ألا يتصدقوا ، وعذب الله القرية التى كانت حاضرة البحر لما استحلوا المحرم بالحيلة ، بأن مسخهم قردة وخنازير، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تركبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل)). ٣٤٨ وقد بسطنا الكلام على (( قاعدة إبطال الحيل وسد الذرائع » في كتاب كبير مفرد ، وقررنا فيه مذهب أهل المدينة بالكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . وكذلك ربا النساء، فإن أهل ثقيف الذين نزل فيهم القرآن أن الرجل كان يأتي إلى الغريم عند حلول الأجل فيقول : أنقضى أم تربى؟ فإن لم يقضه وإلازاده المدين فى المال ، وزاده الطالب فى الأجل ، فيضاعف المال في المدة لأجل التأخير . وهذا هو الربا الذي لا يشك فيه باتفاق سلف الأمة ، وفيه نزل القرآن ، والظلم والضرر فيه ظاهر. والله سبحانه وتعالى أحل البيع وأحل التجارة وحرم الربا ، فالمبتاع يبتاع ما يستنفع به كطعام ولباس ، ومسكن ومركب وغير ذلك، والتاجر يشتري ما يريد أن يبيعه ليربح فيه، وأما آخذ الربا فإنما مقصوده أن يأخذ درام بدرائم إلى أجل ، فيلزم الآخر أكثر مما أخذ بلا فائدة حصلت له ، لم يبع ولم يتجر ، والمربى آ كل مال بالباطل بظلمه ، ولم ينفع الناس لا بتجارة ولا غيرها ؛ بل ينفق دراهمه بزيادة بلا منفعة حصلت له ولا للناس . فإذا كان هذا مقصودها فبأي شيء توصلوا إليه حصل الفساد والظلم ، مثل أن تواطآ على أن يبيعه ثم يبتاعه ، فهذه بيعتان في بيعة ، وفي ٣٤٩ السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من باع بيعتين فى بيعة فله أوكسها ، أو الربا)) مثل أن يدخل بينهما محللا يبتاع منه أحدهما مالا غرض له فيه ، ليبيعه آكل الربا لموكله فى الربا ، ثم الموكل يرده إلى المحلل بما نقص من الثمن . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه ، ولعن المحلل والمحلل له . ومثل أن يضما إلى الربا نوع قرض ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان فى بيع ، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)» ثم إن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمحاقلة، وهو: اشتراء الثمر والحب بخرص ، وكما نهى عن بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى ؛ لأن الجهل بالتساوي فيما يشترط فيه التساوي ، كالعلم بالتفاضل ، والخرص لا يعرف مقدار المكال ، إنما هو حزر وحدس ، وهذا متفق عليه بين الأئمة . ثم إنه قد ثبت عنه أنه أرخص فى العرايا يبتاعها أهلها بخرصها تمراً ، فيجوز ابتياع الربوي هنا بخرصه، وأقام الخرص عند الحاجة مقام الكيل ، وهذا من تمام محاسن الشريعة ، كما أنه فى العلم بالزكاة وفي المقاسمة أقام الخرص مقام الكيل ، فكان يخرص الثمار على أهلها يحصى الزكاة ، وكان عبد الله بن رواحة يقاسم أهل خيبر خرصا بأمر النبى ٣٥٠ صلى الله عليه وسلم . ومعلوم أنه إذا أمكن التقدير بالكيل فعل ، فإذا لم يمكن كان الخرص قائماً مقامه للحاجة، كسائر الأبدال فى المعلوم والعلامة ؛ فإن القياس يقوم مقام النص عند عدمه ، والتقويم يقوم مقام المثل وعدم الثمن المسمى عند تعذر المثل والثمن المسمى . ومن هذا الباب القافة التى هي استدلال بالشبه على النسب إذا تعذر الاستدلال بالقرائن ؛ إذ الولد بشبه والده فى الخرص ، والقافة والتقويم أبدال في العلم كالقياس مع النص ، وكذلك العدل فى العمل ؛ فإن الشريعة مبناها على العدل ، كما قال تعالى: ( لَقَدْأَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ). واللّه قد شرع القصاص في النفوس والأموال والأعراض بحسب الإمكان، فقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَى) الآية، وقال تعالى: (وَكَتَبْنَاَ عَلَيِّهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية، وقال تعالى: (وَجَزَّؤُأْسَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) الآية، وقال تعالى: ( فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ) الآية، وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْبِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُمبِهِ ) الآية، فإذا قتل الرجل من يكافئه عمداً عدواناً كان عليه القود ، ثم يجوز أن يفعل به مثل ما فعل ؛ كما يقوله أهل المدينة ومن وافقهم ، كالشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين، بحسب الإمكان ؛ إذا لم يكن محريمه بحق الله، ٣٥١ كما إذا رضخ رأسه ، كما رضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي الذي رضخ رأس الجارية ، كان ذلك أتم فى العدل بمن قتله بالسيف في عنقه ، وإذا تعذر القصاص عدل إلى الدية ، وكانت الدية بدلا لتعذر المثل . وإذا أتلف له مالا ؛ كما لو تلفت تحت يده العارية : فعليه مثله إن كان له مثل ، وإن تعذر المثل كانت القيمة وهي الدرام والدنانير .- بدلا عند تعذر المثل ، ولهذا كان من أوجب المثل فى كل شيء بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة أقرب إلى العدل ممن أوجب القيمة من غير المثل ، وفى هذا كانت قصة داود وسليمان . وقد بسطنا الكلام على هذه الأبواب كلها فى غير هذا الموضع ، وإنما المقصود هنا : التنبيه . وحينئذ فتجويز العرايا أن تباع بخرصها لأجل الحاجة عند تعذر بيعها بالكيل موافق لأصول الشريعة ، مع ثبوت السنة الصحيحة فيه ، وهو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث ، ومالك جوز الخرص فى نظير ذلك للحاجة ، وهذا عين الفقه الصحيح . ومذهب أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد فى جزاء الصيد : أنه يضمن بالمثل فى الصورة ، كما مضت بذلك السنة وأقضية الصحابة ، فإن فى السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الضبع بكبش، ٣٥٢ وقضت الصحابة فى النعامة ببدنة ، وفى الظى بشاة ، وأمثال ذلك . ومن خالفهم من أهل الكوفة إنما يوجب القيمة فى جزاء الصيد ، وأنه يشتري بالقيمة الأنعام ، والقيمة مختلفة باختلاف الأوقات . فصل ولما كان المحرم نوعين: نوع لعينه ، ونوع لكسبه ؛ فالكسب الذي هو معاملة الناس نوعان : معاوضة ؛ ومشاركة . فالمبايعة والمؤاجرة ونحو ذلك هي المعاوضة . وأما المشاركة فمثل مشاركة العنان وغيرها من المشاركات . ومذهب مالك فى المشاركات من أصح المذاهب وأعدلها ؛ فإنه يجوز شركة العنان والأبدان وغيرهما، ويجوز المضاربة والمزارعة والمساقاة. والشافعي لا يجوز من الشركة إلا ما كان تبعاً لشركة الملك ؛ فإن الشركة نوعان : شركة في الأملاك ؛ وشركة فى العقود . فأما شركة الأملاك كاشتراك الورثة فى الميراث فهذا لا يحتاج إلى عقد ، ولكن إذا ٣٥٣ اشترك اثنان في عقد فمذهب الشافعي أن الشركة لا تحصل بعقد ، ولا تحصل القسمة بعقد . وأحمد تحصل الشركة عنده بالعقد والقسمة بالعقد ، فيجوز شركة العنان مع اختلاف المالين وعدم الاختلاط ، وإذا تحاسب الشريكان عنده من غير إفراز كان ذلك قسمة ، حتى لو خسر المال بعد ذلك لم تجبر الوضيعة بالربح . والشافعي لا يجوز شركة الأبدان ولا الوجوه ولا الشركة بدون خلط المالين ، ولا أن يشترط لأحدهما ربحاً زائداً على نصيب الآخر من ماله ، إذ لا تأثير عنده للعقد ، وجوز المضاربة وبعض المساقاة والمزارعة تبعاً لأجل الحاجة لا لوفق القياس . وأما أبو حنيفة نفسه فلا يجوز مساقاة ولا مزارعة ؛ لأنه رأى ذلك من باب المؤاجرة ، والمؤاجرة لا بد فيها من العلم بالأجرة . ومالك فى هذا الباب أوسع منها ، حيث جوز المساقاة على جميع الثمار ، مع تجويز الأنواع من المشاركات التي هي شركة العنان والأبدان لكنه لم يجوز المزارعة على الأرض البيضاء موافقة الكوفيين . وأما قدماء أهل المدينة م وغيرهم من الصحابة والتابعين فكانوا ٣٥٤ يجوزون هذا كله، وهو قول الليث ؛ و [ابن] أبي ليلى، وأبي يوسف ؛ ومحمد ؛ وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وغيره . والشبهة التى منعت أولئك المعاملة أنهم ظنوا أن هذه المعاملة إجارة ، والإجارة لا بد فيها من العلم بقدر الأجرة ، ثم استثنوا من ذلك المضاربة لأجل الحاجة ؛ إذ الدرام لا تؤجر . والصواب أن هذه المعاملات من نفس المشاركات ، لا من جنس المعاوضات ؛ فإن المستأجر يقصد استيفاء العمل كما يقصد استيفاء عمل الخياط والخباز والطباخ ونحوم ، وأما فى هذا الباب فليس العمل هو المقصود ، بل هذا يبذل نفع بدنه وهذا يبذل نفع ماله ، ليشتركا فيما رزق الله من ربح ، فإما يغنمان جميعاً أو يغرمان جميعاً ، وعلى هذا عامل النبى صلى الله عليه وسلم أهل خيبر أن يعمروها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع . والذي نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم من كراء المزارعة فى حديث رافع بن خديج وغيره متفق عليه ، كما ذكره الليث وغيره ؛ فإنه نهى أن يكرى بما تنبت الماذيانات والجداول وشيء من التبن ، فربما غل هذا ولم يغل هذا ، فنهى أن يعين المالك زرع بقعة بعينها كما نهى فى المضاربة أن يعين العامل مقداراً من الربح وربح ثوب بعينه ٣٥٥ لأن ذلك يبطل العدل فى المشاركة . وأصل أهل المدينة فى هذا الباب أصح من أصل غيرهم الذي يوجب أجرة المثل ، والأول هو الصواب ؛ فإن العقد لم يكن على عمل ولهذا لم يشترط العلم بالعمل ، وقد تكون أجرة المثل أكثر من المال وربحه ؛ فإنما يستحق فى الفاسد نظير ما يستحق من الصحيح ، فإذا كان الواجب في البيع والإجارة الصحيحة ثمناً وأجرة وجب فى الفاسد قسط من الربح كان الواجب فى الفاسد قسطاً من الربح ، وكذلك فى المساقاة والمزارعة وغيرها . وما يضعف فى هذا الباب من قول متأخري أهل المدينة فقول الكوفيين فيه أضعف ، ويشبه أن يكون هذا كله من الرأى المحدث الذي على به من عابه من السلف ، وأما ما مضت به السنة والعمل فهو العدل . ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة ؛ فإن المؤاجرة مخاطرة والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فإنهما يشتركان فى الغنم والغرم ، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما فى المؤاجرة . ٣٥٦ فصل وأما العبادات فإن أصل الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله ؛ فإن الله سبحانه فى سورة الأنعام والأعراف عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله، وأنهم شرعوا من الدين مالم بأذن به الله ، كما قال ابن عباس : إذا أردت أن تعرف جهل العرب فاقرأ من قوله: (وَجَعَلُو ◌ْلِلَّهِ مِمَّا ذَرَآَ مِنَ الْحَرْثِ وَاُلْأَنْعَمِ) الآية؛ وذلك أن الله ذم المشركين على ما ابتدعوه من تحريم الحرث والأنعام ، وما ابتدعوه من الشرك ، وذمهم على احتجاجهم على ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوَشَآءَ اللَّهُ مَآَ بدعهم بالقدر ، قال تعالى : أَشْرَكْنَا ) الآية . وفى الصحيح عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: بقول الله تعالى: ((إنى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا)). وذكر في سورة الأعراف ما حرموه وما شرعوه، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَحِشَ) الآية، وقال: ٣٥٧ ( قُلْ أَمَرَبِى ◌ِالْقِسْطِ ) الآية، فبين لهم ما أمرهم به وما حرمه هو ، وقال ذما لهم: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُ شَرَعُوْلَهُمْ مِّنَ الدِّينِ ) الآية. وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . والمقصود أنه ليس لأحد أن يحرم إلا ما جاءت الشريعة بتحريمه ، وإلا فالأصل عدم التحريم ، سواء فى ذلك الأعيان والأفعال ، وليس له أن يشرع ديناً واجباً أو مستحباً مالم يقم دليل شرعي على وجوبه واستحبابه . إذا عرف هذا ، فأهل المدينة أعظم الناس اعتصاما بهذا الأصل ؛ فإنهم أشد أهل المدائن الإسلامية كراهية للبدع ، وقد نبهنا على ما حرمه غيرم من الأعيان والمعاملات، وهم لا يحرمونه . وأما الدين فهم أشد أهل المدائن اتباعا للعبادات الشرعية وأبعدهم عن العبادات البدعية . ونظائر هذا كثيرة ، منها أن طائفة من الكوفيين وغيرهم استحبوا للمتوضئ والمغتسل والمصلي ونحوهم أن يتلفظوا بالنية فى هذه العبادات ، وقالوا : إن التلفظ بها أقوى من مجرد قصدها بالقصد ، وإن كان التلفظ بها لم يوجبه أحد من الأئمة ، وأهل المدينة لم يستحبوا شيئاً من ٣٥٨ ذلك ، وهذا هو الصواب . ولأصحاب أحمد وجهان ؛ وذلك أن هذه بدعة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، بل كان يفتتح الصلاة بالتكبير ، ولا يقول قبل التكبير شيئاً من هذه الألفاظ ، وكذلك فى تعليمه للصحابة إنما علمهم الافتتاح بالتكبير ، فهذه بدعة فى الشرع ، وهي أيضاً غلط في القصد فإن القصد إلى الفعل أمر ضروري فى النفس ، فالتلفظ به من باب العبث ، كتلفظ الآ كل بنية الأكل ؛ والشارب بنية الشرب ، والناكح بنية النكاح ؛ والمسافر بنية السفر ؛ وأمثال ذلك . ومن ذلك ((صفات العبادات، فإن مالكا وأهل المدينة لا يجوزون تغيير صفة العبادة المشروعة ، فلا يفتتح الصلاة بغير التكبير المشروع ؛ وهو قول : الله أكبر، كما أن هذا التكبير هو المشروع فى الأذان والأعياد ، ولا يجوزون أن يقرأ القرآن بغير العربية ، ولا يجوزون أن يعدل عن المقصود المنصوص في الزكاة إلى ما يختار المالك من الأموال بالقيمة . وهم في مواقيت الصلاة أتبع للسنة من أهل الكوفة حيث يستحبون تقديم الفجر والعصر ، ويجعلون وقت العصر إذا صار ظل كل شىء مثله ، وهو آخر وقت الظهر ، ويجعلون وقت صلاة العشاء وصلاة المغرب مشتركا للمعذور ، كالحائض إذا طهرت ، والمجنون إذا أفاق ، ٣٥٩ ويجوزون الجمع للمسافر الذي جد به السير ؛ والمريض ؛ وفي المطر . وهم في صلاة السفر معتدلون ؛ فإن من الفقهاء من يجعل الإتمام أفضل من القصر ، أو يجعل القصر أفضل لكن لا يكره الإتمام ، بل يرى أنه الأظهر وأنه لا يقصر إلا أن ينوي القصر . ومنهم من يجعل الإتمام غير جائز ، وم يرون أن السنة هي القصر ، وإذا ربع كره له ذلك ويجعلون القصر سنة راتبة والجمع رخصة عارضة . ولا ريب أن هذا القول أشبه الأقوال بالسنة . وكذلك فى (( السنن الراتبة)) يجعلون الوتر ركعة واحدة وإن كان قبلها شفع . وهذا أصح من قول الكوفيين الذين يقولون : لا وتر إلا كالمغرب . مع أن تجويز كليها أصح ؛ لكن الفصل أفضل من الوصل . فقولهم أرجح من قول الكوفيين مطلقاً ، ولا يرون للجمعة قبلها سنة راتبة خلافا لمن خالفهم من الكوفيين . ومالك لا يوقت مع الفرائض شيئاً ، وبعض العراقيين وقت أشياء بأحاديث ضعيفة ، فقول مالك أقرب إلى السنة . وأهل المدينة يرون الجمع والقصر للحاج بعرفة ومزدلفة، والقصر ٣٦٠