النص المفهرس

صفحات 281-300

بيان ذلك : أن كثيراً من الأئمة صرحوا بأن فاعل الصورة المختلف
فيها ملعون، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ فإنه سئل عمن
تزوجها ليحلها ولم تعلم بذلك المرأة ولا زوجها فقال: هذا سفاح وليس
بنكاح، لعن الله المحلل والمحلل له . وهذا محفوظ عنه من غير وجه ؛
وعن غيره؛ منهم الإمام أحمد بن حنبل ؛ فإنه قال : إذا أراد الإحلال
فهو محلل وهو ملعون ، وهذا منقول عن جماعات من الأمة فى صور
كثيرة من صور الخلاف في المر والربا وغيرهما .
فإن كانت اللعنة الشرعية وغيرها من الوعيد الذي جاء لم يتناول
إلا محل الوفاق: فيكون هؤلاء قد لعنوا من لا يجوز لعنه ؛ فيستحقون
من الوعيد الذي جاء فى غير حديث ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم :
((لعن المسلم كقتله))، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود
رضي الله عنه: (( سباب المسلم فسوق ؛ وقتاله كفر))، متفق عليها.
وعن أبى الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ((إن الطعانين واللعانين لا يكونون يوم القيامة شفعاء ولا شهداء)).
وعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
((لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا))، رواهما مسلم، وعن عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس
المؤمن بالطعان ولا باللعان ، ولا الفاحش ولا البذيء)) رواه الترمذي،
٢٨١

وقال: حديث حسن، وفى أثر آخر: ((ما من رجل يلعن شيئاليس له
بأهل إلا حارت اللعنة عليه .
فهذا الوعيد الذي قد جاء فى اللعن - حتى قيل: إن من لعن من
ليس بأهل كان هو الملعون ، وإن هذا اللعن فسوق ؛ وإنه مخرج عن
الصديقية والشفاعة والشهادة - يتناول من لعن من ليس بأهل ، فإذا
لم يكن فاعل المختلف فيه داخلا في النص لم يكن أهلا ، فيكون لاعنه
مستوجباً لهذا الوعيد ، فيكون أولئك المجتهدون الذين رأوا دخول محل
الخلاف فى الحديث مستوجبين لهذا الوعيد ، فإذا كان المحذور ثابتا على
تقدير إخراج محل الخلاف وتقدير بقائه علم أنه ليس بمحذور ،
ولا مانع من الاستدلال بالحديث وإن كان المحذور ليس ثابتا على
واحد من التقديرين فلا يلزم محذور ألبتة ؛ وذلك أنه إذا
ثبت التلازم ؛ وعلم أن دخولهم على تقدير الوجود مستلزم لدخولهم
على تقدير العدم فالثابت أحد الأمرين : إما وجود الملزوم واللازم،
وهو دخولهم جميعاً ، أو عدم اللازم والملزوم وهو عدم دخولهم جميعاً؛
لأنه إذا وجد الملزوم وجد اللازم ؛ وإذا عدم اللازم عدم الملزوم .
وهذا القدر كاف في إيطال السؤال ؛ لكن الذي نعتقده أن الواقع
عدم دخولهم على التقديرين على ما تقرر ، وذلك أن الدخول تحت
الوعيد مشروط بعدم العذر فى الفعل ، وأما المعذور عذراً شرعياً فلا
٢٨٢

يتناوله الوعيد بحال ، والمجتهد معذور بل مأجور ، فينتفى شرط الدخول
في حقه ، فلا يكون داخلا سواء اعتقد بقاء الحديث على ظاهره أو أن
في ذلك خلافا يعذر فيه ، وهذا إلزام مفحم لا محيد عنه إلا إلى وجه
واحد ، وهو أن يقول السائل : أنا أسلم أن من العلماء المجتهدين من
يعتقد دخول مورد الخلاف فى نصوص الوعيد ، ويوعد على مورد
الخلاف بناء على هذا الاعتقاد ، فيلعن مثلا من فعل ذلك الفعل ، لكن
هو مخطئ في هذا الاعتقاد خطأ يعذر فيه ويؤجر ، فلا يدخل فى وعيد
من لعن بغير حق ؛ لأن ذلك الوعيد هو عندي محمول على لعن محرم
بالاتفاق ، فمن لعن لعناً محرما بالاتفاق تعرض للوعيد المذكور على
اللعن ، وإذا كان اللعن من موارد الاختلاف لم يدخل فى أحاديث
الوعيد ، كما أن الفعل المختلف فى حله ولعن فاعله لا يدخل في أحاديث
الوعيد ، فكما أخرجت محل الخلاف من الوعيد الأول أخرج محل الخلاف
من الوعيد الثاني .
وأعتقد أن أحاديث الوعيد فى كلا الطرفين لم تشمل محل الخلاف،
لا فى جواز الفعل ولا فى جواز لعنة فاعله ، سواء اعتقد جواز الفعل
أو عدم جوازه ، فإني على التقديرين لا أجوز لعنة فاعله ، ولا أجوز
لعنة من لعن فاعله ، ولا أعتقد الفاعل ولا اللاعن داخلا فى حديث
وعيد ، ولا أغلظ على اللاعن إغلاظ من يراه متعرضاً للوعيد ، بل
٢٨٣

لعنه لمن فعل المختلف فيه عندي من جملة مسائل الاجتهاد ، وأنا أعتقد
خطأه فى ذلك، كما قد أعتقد خطأ المبيح، فإن المقالات في محل الخلاف ثلاثة:
أحدها: القول بالجواز . والثانى: القول بالتحريم والحوق الوعيد. والثالث:
القول بالتحريم الخالي من هذا الوعيد الشديد .
وأنا قد اختار هذا القول الثالث لقيام الدليل على تحريم الفعل
وعلى تحريم لعنة فاعل المختلف فيه ، مع اعتقادي أن الحديث الوارد فى
توعد الفاعل وتوعد اللاعن لم يشمل هاتين الصورتين .
فيقال للسائل : إن جوزت أن تكون لعنة هذا الفاعل من
مسائل الاجتهاد جاز أن يستدل عليها بالظاهر المنصوص ؛ فإنه حينئذ
لا أمان من إرادة محل الخلاف من حديث الوعيد والمقتضى لإرادته
قائم ، فيجب العمل به ؛ وإن لم تجوز أن يكون من مسائل الاجتهاد
كان لعنه محرماً تحريماً قطعياً .
ولا ريب أن من لعن مجتهداً لعناً محرما تحريماً قطعياً كان داخلا
فى الوعيد الوارد للاعن وإن كان متأولا ، كمن لعن بعض السلف الصالح
فثبت أن الدور لازم ، سواء قطعت بتحريم لعنة فاعل المختلف فيه أو
سوغت الاختلاف فيه ، وذلك الاعتقاد الذي ذكرته لا يدفع الاستدلال
بنصوص الوعيد على التقديرين وهذا بين .
٢٨٤

ويقال له أيضاً : ليس مقصودنا بهذا الوجه تحقيق تناول الوعيد
لمحل الخلاف ، وإنما المقصود تحقيق الاستدلال بحديث الوعيد على محل
الخلاف ، والحديث أفاد حكمين : التحريم والوعيد ، وما ذكرته إنما
يتعرض لنفي دلالته على الوعيد فقط ، والمقصود هنا إنما هو بيان دلالته
على التحريم ، فإذا التزمت أن الأحاديث المتوعدة للاعن لا تتناول
لغناً مختلفاً فيه لم يبق في اللعن المختلف فيه دليل على تحريمه ، وما
نحن فيه من اللعن المختلف فيه كما تقدم فإذا لم يكن حراماً كان حائزاً.
أو يقال: فإذا لم يقم دليل على تحريمه لم يجز اعتقاد تحريمه
والمقتضى لجوازه قائم ، وهي الأحاديث اللاعنة لمن فعل هذا ، وقد
اختلف العلماء في جواز لعنته ، ولا دليل على محريم لعنته على هذا
التقدير ، فيجب العمل بالدليل المقتضى لجواز لعنته السالم عن المعارض.
وهذا ببطل السؤال فقد دار الأمر على السائل من جهة أخرى
وإنما جاء هذا الدور الآخر لأن عامة النصوص المحرمة للعن متضمنة
للوعيد ، فإن لم يجز الاستدلال بنصوص الوعيد على محل الخلاف لم يجز
الاستدلال بها على لعن مختلف فيه كما تقدم .
ولو قال : أنا أستدل على تحريم هذه اللعنة بالإجماع.
قيل له : الإجماع منعقد على تحريم لعنة معين من أهل الفضل ،
٢٨٥

أما لعنة الموصوف فقد عرفت الخلاف فيه ، وقد تقدم أن لعنة الموصوف
لا تستلزم إصابة كل واحد من أفراده إلا إذا وجدت الشروط وارتفعت
الموانع ، وليس الأمر كذلك.
ويقال له أيضاً : كل ما تقدم من الأدلة الدالة على منع حمل هذه
الأحاديث على محل الوفاق ترد هنا ، وهي تبطل هذا السؤال هنا كما
أبطلت أصل السؤال ، وليس هذا من باب جعل الدليل مقدمة من
مقدمات دليل آخر حتى يقال : هذا مع التطويل ، إنما هو دليل واحد
إذ المقصود منه أن نبين أن المحذور الذي ظنوه هو لازم على التقديرين
فلا يكون محذوراً ، فيكون دليل واحد قد دل على إرادة محل
الخلاف من النصوص ؛ وعلى أنه لا محذور فى ذلك ، وليس بمستنكر
أن يكون الدليل على مطلوب مقدمة فى دليل مطلوب آخر وإن كان
المطلوبان متلازمين.
( الحادي عشر ): أن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث
الوعيد فيما اقتضته من التحريم ، فإنما خالف بعضهم فى العمل بآحادها
فى الوعيد خاصة، فأما فى التحريم فليس فيه خلاف معتد محتسب ،
وما زال العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم رضي الله عنهم
أجمعين فى خطابهم وكتابهم يحتجون بها فى موارد الخلاف وغيره ، بل
إذا كان فى الحديث وعيد كان ذلك أبلغ فى اقتضاء التحريم على ماتعرفه
٢٨٦

القلوب ، وقد تقدم أيضاً التنبيه على رجحان قول من يعمل بها فى
الحكم واعتقاد الوعيد ، وأنه قول الجمهور ؛ وعلى هذا فلا يقبل سؤال
مخالف الجماعة .
(الثانى عشر): أن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جداً،
والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعين
شخص من الأشخاص ، فيقال : هذا ملعون ومغضوب عليه أو مستحق
للنار ، لاسيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات ؛ فإن من سوى
الأنبياء تجوز عليهم الصغار والكبائر ، مع إمكان أن يكون ذلك الشخص
صديقاً أو شهيداً أو صالحاً ؛ لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه
بتوبة أو استغفار ، أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة ، أو شفاعة ،
أو لمحض مشيئته ورحمته .
(إِنَّالَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى
فإذا قلنا بموجب قوله تعالى :
ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًاً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) ، وقوله تعالى :
(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَّعَذَّ حُدُ ودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ.
عَذَابٌ مُهِيرٌ)، وقوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَنْ تَرَضِ مِّنَكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
ج
وَمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اُللَّهِ
إلى غير ذلك من آيات الوعيد . أو قلنا بموجب قوله
يَسِيرًا)
٢٨٧

صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله من شرب الخمر أو عق والديه، أو
من غير منار الأرض، أو لعن الله السارق، أو لمن اللّه آكل الربا
وموكله وشاهديه وكانبه ، أو لعن الله لاوي الصدقة والمعتدى فيها،
أو من أحدث فى المدينة حدثاً ، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين ، أو من جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه يوم القيامة
أو لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ؛ ومن غشنا
فليس منا ، أو من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فالجنة عليه
حرام ، أو من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال امرىء مسلم
لقي الله وهو عليه غضبان، أو من استحل مال امرىء مسلم بيمين
كاذبة فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ، أو لا يدخل
الجنة قاطع))، إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد. لم يجز
أن نعين شخصاً ممن فعل بعض هذه الأفعال ، ونقول : هذا المعين
قد أصابه هذا الوعيد ؛ لإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة ،
ولم يجز أن نقول : هذا يستلزم لعن المسلمين ؛ ولعن أمة محمد صلى
الله عليه وسلم أو لعن الصديقين أو الصالحين ؛ لأنه يقال : الصديق
والصالح متى صدرت منه بعض هذه الأفعال فلا بد من مانع يمنع لحوق
الوعيد به مع قيام سبيه ، ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة
باجتهاد أو تقليد أو نحو ذلك : غايته أن يكون نوعا من أنواع الصديقين
الذين امتنع لحوق الوعيد بهم لمانع ، كما امتنع لحوق الوعيد به لتوبة
٢٨٨

أو حسنات ماحية ، أو غير ذلك .
واعلم أن هذه السبيل هي التى يجب سلوكها ؛ فإن ما سواها
طريقان خبينان :
أحدهما : القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه ،
ودعوى أن هذا عمل بموجب النصوص . وهذا أقبح من قول الخوارج
المكفرين بالذنوب ، والمعتزلة وغيرهم ، وفساده معلوم بالاضطرار ،
وأدلته معلومة في غير هذا الموضع .
الثاني : ترك القول والعمل بموجب أحاديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؛ ظنا أن القول بموجبها مستلزم للطعن فيما خالفها . وهذا
الترك يجر إلى الضلال واللحوق بأهل الكتابين الذين اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ، فإن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (( لم يعبدوم ولكن أحلوا لهم الحرام فاتبعوم، وحرموا
عليهم الحلال فاتبعوم ))، ويفضى إلى طاعة المخلوق فى معصية الخالق ،
ويفضي إلى قبح العاقبة وسوء التأويل المفهوم من فحوى قوله تعالى :
(أَطِيعُواْاللّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ نَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللّهِ وَالَّسُولِ إِنَُّ
تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ).
٢٨٩

ثم إن العلماء يختلفون كثيراً ؛ فإن كان كل خبر فيه تغليظ
خالفه مخالف ترك القول بما فيه من التغليظ ، أو ترك العمل به مطلقاً
لزم من هذا من المحذور ما هو أعظم من أن يوصف : من الكفر
والمروق من الدين ، وإن لم يكن المحذور من هذا أعظم من الذي قبله
لم يكن دونه ، فلا بد أن تؤمن بالكتاب ونتبع ما أنزل إلينا من ربنا
جميعه ، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وتلين قلوبنا لاتباع
بعض السنة وتنفر عن قبول بعضها بحسب العادات والأهواء ، فإن هذا
خروج عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين .
والله يوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل فى خير وعافية لنا
ولجميع المسلمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم
النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتخبين وأزواجه أمهات
المؤمنين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيرا .
٢٩٠

وسئل :
عن الشيخ عبد القادر أنه أفضل المشايخ ، والإمام أحمد أنه
أفضل الأئمّة ، فهل هذا صحيح أم لا ؟
فأحاب :
أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض ؛ مثل من يرجح إمامه
الذي تفقه على مذهبه ؛ أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره ؛
كمن يرجح الشيخ عبد القادر ، أو الشيخ أبا مدين ؛ أو أحمد أو
غيرم : فهذا الباب أكثر الناس يتكلمون فيه بالظن وما تهوى الأنفس؛
فإنهم لا يعلمون حقيقة مرانب الأمة والمشايخ ، ولا يقصدون اتباع الحق
المطلق ، بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح متبوعه فيرجحه بظن
يظنه ، وإن لم يكن معه برهان على ذلك، وقد يفضى ذلك إلى تحاجهم
وقتالهم وتفرقهم ، وهذا ما حرم الله ورسوله، كما قال تعالى: ( يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُواْاتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
٢٩١

بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنَقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،
لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ
اُلْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ ).
قال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود
وجوه أهل البدع والفرقة .
فما دخل فى هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق
والاختلاف والتكلم بغير علم: فإنه يجب النهي عنه ، فليس لأحد أن
يدخل فيما نهى اللّه عنه ورسوله، وأما من ترجح عنده فضل إمام
على إمام أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده ، كما تنازع المسلمون: أيهما
أفضل الترجيع فى الأذان أو تركه ؟ أو إفراد الإقامة أو تثنيتها ؟ وصلاة
الفجر بغلس أو الإسفار بها ؟ والقنوت فى الفجر أو تركه ؟ والجهر
بالتسمية ؛ أو المخافتة بها ؛ أو ترك قراءتها ؟ ونحو ذلك : فهذه مسائل
الاجتهاد التى تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على
اجتهاده ، من كان فيها أصاب الحق فله أجران ، ومن كان قد اجتهد
فأخطأ فله أجر ، وخطؤه مغفور له ، فمن ترجح عنده تقليد الشافعي ،
لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك ، ومن ترجح عنده تقليد أحمد
٢٩٢

لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي ، ونحو ذلك .
ولا أحد فى الإسلام يجيب المسلمين كلهم بجواب عام : أن فلانا
أفضل من فلان ، فيقبل منه هذا الجواب ؛ لأنه من المعلوم أن كل
طائفة ترجح متبوعها ، فلا تقبل جواب من يجيب بما يخالفها فيه ، كما
أن من يرجح قولا أو عملا لا يقبل قول من يفتى بخلاف ذلك ، لكن
إن كان الرجل مقلدا فليكن مقلدا لمن يترجح عنده أنه أولى بالحق فإن
كان مجتهداً اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق ، ولا يكلف الله
نفسا إلا وسعها ، وقد قال تعالى: (فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، لكن
عليه أن لا يتبح هواه ولا يتكلم بغير علم، قال تعالى: (هَكَأَنتُمْ
هَؤُلاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ )
وقال تعالى ( يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَ مَانَبَيَّنَ ) .
وما من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره ،
ولا يعرف هذا التفاضل إلا من خاض فى تفاصيل العلم ، والله أعلم .
٢٩٣

وسئل شيخ الإسلام ومحمد الله
عن ((صحة أصول مذهب أهل المدينة))، ومنزلة مالك المنسوب
إليه مذهبهم فى الإمامة والديانة ؛ وضبطه علوم الشريعة ، عند أئمة علماء
الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار ؟
فأجاب رضي الله عنه: (١)
الحمد لله . مذهب أهل المدينة النبوية - دار السنة ودار الهجرة
ودار النصرة، إذ فيها سن اللّه لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم سنن
الإسلام وشرائعه ، وإليها هاجر المهاجرون إلى الله ورسوله ، وبها كان
الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم - مذهبهم في زمن
الصحابة والتابعين وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقاً
وغرباً ؛ فى الأصول والفروع .
وهذه الأعصار الثلاثة هي أعصار القرون الثلاثة المفضلة ؛ التى
(١) تسمى ((صحة مذهب أهل المدينة)).
٢٩٤

قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح من وجوه:
((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ؛ ثم الذين يلونهم ؛ ثم الذين
يلونهم )، فذكر ابن حبان بعد قرنه قرنين بلا نزاع ، وفى بعض
الأحاديث الشك فى القرن الثالث بعد قرنه ، وقد روى فى بعضها
بالجزم بإثبات القرن الثالث بعد قرنه ، فتكون أربعة .
وقد جزم بذلك ابن حبان البستى ونحوه من علماء أهل
الحديث في طبقات هذه الأمة فإن هذه الزيادة ثابتة فى الصحيح .
أما أحاديث الثلاثة ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال :
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((خير أمتى القرن الذين بلوننى.
ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة
أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)). وفى صحيح مسلم عن عائشة رضي الله
عنها قالت : سأل رجل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : أي
الناس خير ؟ قال: ((القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم الثاني؛ ثم الثالث)).
وأما الشك فى الرابع ؛ ففي الصحيحين عن عمران بن حصين أن
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (( إن خيركم قرني؛ ثم
الذين يلونهم ؛ ثم الذين يلونهم » قال عمران : فلا أدري أقال رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثا: ((ثم
٢٩٥

يكون بعدم قوم يشهدون ولا يستشهدون ؛ ويخونون ولا يؤتمنون ؛
وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)). وفى لفظ: ((خير هذه
الأمة القرن الذي بعثت فيهم ؛ ثم الذين يلونهم ؛ ثم الذين يلونهم»
الحديث ، وقال فيه: ((ويحلفون ولا يستحلفون)).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم: (( خير أمتى القرن الذي بعثت فيهم ؛ ثم الذين
يلونهم)) - والله أعلم: أذكر الثالث أم لا؟ - ((ثم يخلف قوم
يحبون السمانة ، يشهدون قبل أن يستشهدوا )) .
وقوله فى هذه الأحاديث: ((يشهدون قبل أن يستشهدوا )) قد
فهم منه طائفة من العلماء أن المراد به أداء الشهادة بالحق قبل أن
يطلبها المشهود له ، وحملوا ذلك على ما إذا كان عالماً ؛ جمعاً بين هذا
وبين قوله: ((ألا أنبئكم بخير الشهداء : الذي يأتى بشهادته قبل أن
يسألها))، وحملوا الثاني على أن يأتى بها المشهود له فيعرفه بها .
والصحيح أن الذم فى هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل كما جاء
في بعض ألفاظ الحديث ، ثم يفشو فيهم الكذب ، حتى يشهد الرجل
ولا يستشهد ؛ ولهذا قرن ذلك بالخيانة وبترك الوفاء بالنذر ، وهذه
الخصال الثلاثة هي آية المنافق ، كما ثبت فى الحديث المتفق عليه عنه
٢٩٦

صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث
كذب ، وإذا وعد أخلف، وإذا انتمن خان))، وفى لفظ لمسلم :
((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم))، فذمهم صلى الله تعالى عليه وسلم
على ما يفشو فيهم من خصال النفاق، وبين أنهم يسارعون إلى الكذب،
حتى يشهد الرجل بالكذب قبل أن يطلب منه ذلك ؛ فإنه شر ممن
لا يكذب حتى يسأل أن يكذب .
وأما ما فيه ذكر القرن الرابع ، فمثل ما في الصحيحين عن أبى
سعيد الخدري ، عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ((يأتى
على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال لهم : هل فيكم من رأى
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيقولون : نعم ! فيفتح لهم ،
ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم : هل فيكم من رأى أصحاب
رسول الله صلى اللّه تعالى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم، ثم
يغزو فئام من الناس فيقال لهم : هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم ! فيفتح لهم ثم يغزو
فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب أصحاب رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم)) ولفظ البخاري: (( ثم يأتى على
الناس زمان يغزو فئام من الناس)) ولذلك: قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم
فى الثانية والثالثة ، وقال فيها كلها : صحب ولم يقل رأى .
٢٩٧

ولمسلم من رواية أخرى: ((يأتى على الناس زمان يبعث فيهم
البعث فيقولون : انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به ، ثم يبعث
البعث الثاني فيقولون : هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم ؟ فيقولون : نعم ! فيفتح لهم ، ثم يبعث البعث الثالث
فيقولون : انظروا هل ترون فيكم من رأى من رأى أصحاب رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال :
انظروا هل ترون فيكم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب رسول
الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به)).
وحديث أبى سعيد هذا يدل على شيئين : على أن صاحب النبى
صلى الله تعالى عليه وسلم هو من رآء مؤمناً به وإن قلت صحبته ؛ كما
قد نص على ذلك الأئمة أحمد وغيره . وقال مالك : من صحب رسول
اللّه صلى الله تعالى عليه وسلم سنة أو شهراً أو يوماً أو رآه مؤمناً به
فهو من أصحابه ، له من الصحبة بقدر ذلك . وذلك أن لفظ الصحبة
جنس تحته أنواع ، يقال : صحبه شهراً ؛ وساعة .
وقد بين فى هذا الحديث أن حكم الصحبة يتعلق بمن رآء مؤمناً
به ؛ فإنه لا بد من هذا .
وفى الطريق الثانى لمسلم ذكر أربعة قرون ، ومن أثبت هذه
٢٩٨

الزيادة قال : هذه من ثقة. وترك ذكرها فى بقية الأحاديث لا ينفي
وجودها ، كما أنه لما شك فى حديث أبى هريرة أذكر الثالث ؟ لم يقدح
فى سائر الأحاديث الصحيحة التى ثبت فيها القرن الثالث . ومن أنكرها
قال فى حديث ابن مسعود الصحيح : أخبر أنه بعد القرون الثلاثة
مجيء قوم تسبق شهادة أحدم يمينه ؛ ويمينه شهادته ، فيكون ما بعد
الثلاثة ذكر بذم . وقد يقال : لا منافاة بين الخبرين ؛ فإنه قد يظهر
الكذب في القرن الرابع . ومع هذا فيكون فيه من يفتح به
لاتصال الرؤية .
وفى القرون التى أثنى عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
كان مذهب أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن ؛ فإنهم كانوا
يتأسون بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سائر الأمصار،
وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية واتباعها ، حتى
إنهم لا يفتقرون إلى نوع من سياسة الملوك ، وإن افتقار العلماء ومقاصد
العباد أكثر من افتقار أهل المدينة ؛ حيث كانوا أغنى من غيرهم عن
ذلك كله بما كان عندهم من الآثار النبوية التى يفتقر إلى العلم بها واتباعها
كل أحد .
ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة
من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة ، لا فى تلك الأعصار ولا فيما
٢٩٩

بعدها لا إجماع أهل مكة ؛ ولا الشام ؛ ولا العراق ؛ ولا غير ذلك
من أمصار المسلمين . ومن حكى عن أبى حنيفة أو أحد من أصحابه
أن إجماع أهل الكوفة حجة يجب اتباعها على كل مسلم فقد غلط على
أبى حنيفة وأصحابه فى ذلك . وأما المدينة فقد تكلم الناس فى إجماع
أهلها ، واشتهر عن مالك وأصحابه أن إجماع أهلها حجة ، وإن كان بقية
الأئمة ينازعونهم فى ذلك .
والكلام إنما هو في إجماعهم فى تلك الأعصار المفضلة ، وأما بعد
ذلك فقد انفق الناس على أن إجماع أهلها ليس بحجة ، إذ كان حينئذ
فى غيرها من العلماء ما لم يكن فيها ، لاسيما من حين ظهر فيها الرفض،
فإن أهلها كانوا متمسكين بمذهبهم القديم ، منتسبين إلى مذهب مالك
إلى أوائل المائة السادسة ، أو قبل ذلك ، أو بعد ذلك ، فإنهم قدم
إليهم من رافضة المشرق من أهل قاشان وغيرهم من أفسد مذهب كثير
منهم ، لا سيما المنتسبون منهم إلى العترة النبوبة، وقدم عليهم بكتب
أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة ، وبذل لهم أموالا كثيرة ، فكثرت
البدعة فيها من حينئذ .
فأما الأعصار الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة
ألبتة ، ولا خرج منها بدعة فى أصول الدين ألبتة كما خرج من سائر
الأمصار ، فإن الأمصار الكبار التى سكنها أصحاب رسول الله صلى الله
٣٠٠