النص المفهرس

صفحات 261-280

وبالأدلة القطعية أخرى ؛ فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد ، بل
المطلوب الاعتقاد الذي يدخل فى اليقين والظن الغالب ، كما أن هذا
هو المطلوب في الأحكام العملية .
ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا وأوعد فاعله
بالعقوبة المجملة ، واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة ،
من حيث أن كلا منها إخبار عن اللّه، فكما جاز الإخبار عنه بالأول
بمطلق الدليل فكذلك الإخبار عنه بالثانى ، بل لو قال قائل : العمل بها
فى الوعيد أوكد ؛ كان صحيحاً .
ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب مالا
يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام ؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس
على الترك ، فإن كان ذلك الوعيد حقاً كان الإنسان قد نجا ، وإن لم
يكن الوعيد حقاً بل عقوبة الفعل أخف من ذلك الوعيد لم يضر
الإنسان إذا ترك ذلك الفعل خطؤه في اعتقاده زيادة العقوبة ، لأنه إن
اعتقد نقص العقوبة فقد يخطئ أيضاً ، وكذلك إن لم يعتقد فى تلك
الزيادة نفياً ولا إثباتاً فقد يخطئ ، فهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده
فيقع فيه فيستحق العقوبة الزائدة إن كانت ثابتة ، أو يقوم به سبب
استحقاق ذلك . فإذاً الخطأ في الاعتقاد على التقديرين تقدير اعتقاد
الوعيد وتقدير عدمه سواء ، والنجاة من العذاب على تقدير اعتقاد
٢٦١

الوعيد أقرب فيكون هذا التقدير أولى .
وبهذا الدليل رجح عامة العلماء الدليل الحاظر على الدليل المبيح ،
وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط فى كثير من الأحكام بناء على
هذا ، وأما الاحتياط فى الفعل فكالمجمع على حسنه بين العقلاء في
الجملة ، فإذا كان خوفه من الخطأ بنفى اعتقاد الوعيد مقابلا لخوفه من
الخطأ فى عدم هذا الاعتقاد : بقى الدليل الموجب لاعتقاده والنجاة
الحاصلة في اعتقاده دليلين سالمين عن المعارض .
وليس لقائل أن يقول عدم الدليل القطعي على الوعيد دليل على
عدمه، كعدم الخبر المتواتر على القراءات الزائدة على ما في المصحف :
لأن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول عليه ، ومن قطع بنفي شيء
من الأمور العلمية لعدم الدليل القاطع على وجودها كما هو طريقة طائفة
من المتكلمين فهو مخطئ خطأ بينا، لكن إذا علمنا أن وجود الشيء مستلزم
لوجود الدليل ، وعلمنا عدم الدليل ، وقطعنا بعدم الشيء المستلزم
لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم ، وقد علمنا أن الدواعي متوفرة
على نقل كتاب الله ودينه ، فإنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج إلى
نقله حجة عامة ، فلما لم ينقل نقلا عاما صلاة سادسة ولا سورة أخرى
علمنا بقينا عدم ذلك.
٢٦٢

وباب الوعيد ليس من هذا الباب ؛ فإنه لا يجب في كل وعيد
على فعل أن ينقل نقلا متواتراً كما لا يجب ذلك فى حكم ذلك الفعل ،
فثبت أن الأحاديث المتضمنة للوعيد يجب العمل بها فى مقتضاها :
باعتقاد أن فاعل ذلك الفعل متوعد بذلك الوعيد ، لكن لحوق الوعيد
به متوقف على شروط ؛ وله موانع .
وهذه القاعدة تظهر بأمثلة، منها أنه قد صح عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه)).
وصح عنه من غير وجه أنه قال لمن باع صاعين بصاع يداً بيد :
((أوه! عين الربا))، كما قال: ((البر بالبر ربا إلا هاء وهاء))
الحديث ، وهذا يوجب دخول نوعي الربا : ربا الفضل ، وربا النسأ
فى الحديث .
ثم إن الذين بلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الربافى
النسيئة)) فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يداً بيد ؛ مثل ابن عباس رضي
اللّه عنه؛ وأصحابه: أبى الشعثاء : وعطاء؛ وطاووس: وسعيد بن جبير،
وعكرمة ؛ وغيرهم من أعيان المكيين الذين م من صفوة الأمة علماً
وعملا : لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحداً منهم بعينه أو من قلده
بحيث يجوز تقليده: تبلغهم لعنة آكل الربا ؛ لأنهم فعلوا ذلك متأولين
تأويلا سائغاً في الجملة .
٢٦٣

وكذلك ما نقل عن طائفة من فضلاء المدنيين من إنيان المحاش
مع ما رواه أبو داود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من
أنى امرأة فى دبرها فهو كافر بما أنزل على محمد))، أفيستحل مسلم
أن يقول إن فلاناً وفلاناً كانا كافرين بما أنزل على محمد ؟!
وكذلك قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن في الخمر عشرة:
عاصر الخمر ، ومعتصرها ، وشاربها . وثبت عنه من وجوه أنه قال :
((كل شراب أسكر فهو خمر))، وقال: ((كل مسكر خمر)). وخطب
عمر رضي الله عنه على منبره صلى اللّه عليه وسلم فقال بين المهاجرين
والأنصار: الخمر ما خاصر العقل. وأنزل الله تحريم الخمر وكان سبب
نزولها ما كانوا يشربونه فى المدينة ، ولم يكن لهم شراب إلا الفضيخ ،
لم يكن لهم من خمر الأعناب شيء.
وقد كان رجال من أفاضل الأمة علماً وعملا من الكوفيين يعتقدون
أن لا خمر إلا من العنب ، وأن ما سوى العنب والتمر لا يحرم من
نبيذه إلا مقدار ما يسكر ، ويشربون ما يعتقدون حله . فلا يجوز أن
يقال : إن هؤلاء مندرجون تحت الوعيد ، لما كان لهم من العذر الذي
تأولوا به ، أو الموانع أخر ، فلا يجوز أن يقال : إن الشراب الذي
شربوه ليس من الخمر الملعون شاربها ، فإن سبب القول العام لا بد أن
يكون داخلا فيه، ولم يكن بالمدينة خمر من العنب ، ثم إن النبي صلى
٢٦٤

اللّه عليه وسلم قد لعن البائع للخمر، وقد باع بعض الصحابة خمراً
حتى بلغ عمر فقال : قاتل الله فلاناً ! ألم يعلى أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (( لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم فباعوها
وأكلوا أثمانها ))، ولم يكن يعلم أن بيعها محرم ، ولم يمنع عمر رضي
الله عنه علمه بعدم علمه أن يبين جزاء هذا الذنب ؛ ليتناهى هو وغيره
عنه بعد بلوغ العلم به .
وقد لعن العاصر والمعتصر ؛ وكثير من الفقهاء يجوزون للرجل
أن يعصر لغيره عنباً وإن على أن من نيته أن يتخذه خمراً ، فهذا نص
في لعن العاصر مع العلم بأن المعذور تخلف الحكم عنه لمانع .
وكذلك لعن الواصلة والموصولة في عدة أحاديث صحاح ، ثم من
الفقهاء من يكرهه فقط .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الذي يشرب فى آنية
الفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم))، ومن الفقهاء من يكرهه
كراهة تنزيه .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيها
فالقاتل والمقتول فى النار)) ، يجب العمل به فى محريم قتال المؤمنين
٢٦٥

بغير حق ، ثم إنا نعلم أن أهل الجمل وصفين ليسوا في النار ؛ لأن
لهما عذراً وتأويلا فى القتال ، وحسنات منعت المقتضى أن يعمل عمله .
وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((ثلاثة لا يكلمهم
اللّه ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل
على فضل ماء يمنعه ابن السبيل ، فيقول الله له : اليوم أمنعك فضلي
كما منعت فضل ما لم تعمل بداك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا
لدنيا ، إن أعطاه رضى وإن لم يعطه سخط ، ورجل حلف على سلعة
بعد العصر كاذبا: لقد أعطى بها أكثر مما أعطى))، فهذا وعيد
عظيم لمن منع فضل مائه ، مع أن طائفة من العلماء يجوزون للرجل
أن يمنع فضل مائه . فلا يمنعنا هذا الخلاف أن نعتقد تحريم هذا
محتجين بالحديث ، ولا يمنعنا مجيء الحديث أن نعتقد أن المتأول معذور
في ذلك لا يلحقه هذا الوعيد .
وقال صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله المحلل والمحلل له)). وهو
حديث صحيح قد روى عنه من غير وجه وعن أصحابه ، مع أن طائفة
من العلماء صححوا نكاح المحلل مطلقاً . ومنهم من صححه إذا لم يشترط
فى العقد ، ولهم في ذلك أعذار معروفة ؛ فإن قياس الأصول عند
الأول أن النكاح لا يبطل بالشروط ؛ كما لا يبطل بجهالة أحد العوضين
وقياس الأصول عند الثانى أن العقود المجردة عن شرط مقترن لا تغير
٢٦٦

أحكام العقود ؛ ولم يبلغ هذا الحديث من قال هذا القول . هذا هو
الظاهر ؛ فإن كتبهم المتقدمة لم تتضمنه ، ولو بلغهم لذكروه آخذين به
أو مجيبين عنه؛ أو بلغهم وتأولوه؛ أو اعتقدوا نسخه ؛ أو كان عندم
ما يعارضه ، فنحن نعلم أن مثل هؤلاء لا يصيبه هذا الوعيد لو أنه
فعل التحليل معتقداً حله على هذا الوجه ، ولا يمنعنا ذلك أن نعلم أن
التحليل سبب لهذا الوعيد ، وإن تخلف فى حق بعض الأشخاص لفوات
شرط أو وجود مانع .
وكذلك استلحاق معاوية رضى الله عنه زياد بن أبيه المولود على
فراش الحارث بن كلدة ؛ لكون أبى سفيان كان يقول : إنه من نطفته،
مع أنه صلى الله عليه وسلم قد قال: ((من ادعى إلى غير أبيه وهو
يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام))، وقال: ((من ادعى إلى غير
أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين،
لا يقبل الله منه صرفً ولا عدلا))، حديث صحيح . وقضى أن الولد
للفراش ، وهو من الأحكام المجمع عليها ، فنحن نعلم أن من انتسب
إلى غير الأب الذي هو صاحب الفراش فهو داخل فى كلام الرسول
صلى الله عليه وسلم ، مع أنه لا يجوز أن يعين أحد دون الصحابة
فضلا عن الصحابة ، فيقال : إن هذا الوعيد لاحق به ، لإمكان أنه لم
يبلغهم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الولد للفراش، واعتقدوا
٢٦٧

أن الولد لمن أحبل أمه ، واعتقدوا أن أبا سفيان هو المحبل لسمية أم
زياد ، فإن هذا الحكم قد يخفى على كثير من الناس لاسيما قبل انتشار
السنة ، مع أن العادة في الجاهلية كانت هكذا ؛ أو لغير ذلك من
الموانع المانعة هذا المقتضى للوعيد أن يعمل عمله : من حسنات تمحو
السيئات وغير ذلك .
وهذا باب واسع ؛ فإنه يدخل فيه جميع الأمور المحرمة بكتاب أو
سنة إذا كان بعض الأمة لم يبلغهم أدلة التحريم فاستحلوها ، أو عارض
تلك الأدلة عندم أدلة أخرى رأوا رجحاتها عليها ، مجتهدين في ذلك
الترجيح بحسب عقلهم وعلمهم ؛ فإن التحريم له أحكام من التأثيم والذم
والعقوبة والفسق وغير ذلك ، لكن لها شروط وموانع ، فقد يكون
التحريم ثابتاً وهذه الأحكام منتفية لفوات شرطها أو وجود مانع ؛ أو
يكون التحريم منتفياً في حق ذلك الشخص مع ثبوته فى حق غيره .
وإنما رددنا الكلام لأن للناس فى هذه المسألة قولين :
(أحدهما ) - وهو قول عامة السلف والفقهاء - : أن حكم
اللّه واحد ، وأن من خالفه باجتهاد سائغ مخطئ معذور مأجور ، فعلى
هذا يكون ذلك الفعل الذي فعله المتأول بعينه حراماً ، لكن لا يترتب
أثر التحريم عليه لعفو الله عنه ، فإنه لا يكلف نفساً إلا وسعها .
٢٦٨

( والثانى ) : فى حقه ليس بحرام لعدم بلوغ دليل التحريم له ؛
وإن كان حراماً فى حق غيره ، فتكون نفس حركة ذلك الشخص ليست
حراماً . والخلاف متقارب ، وهو شبيه بالاختلاف فى العبارة .
فهذا هو الذي يمكن أن يقال فى أحاديث الوعيد إذا صادفت
محل خلاف ، إذ العلماء مجمعون على الاحتجاج فى تحريم الفعل المتوعد
عليه سواء كان محل وفاق أو خلاف ، بل أكثر ما يحتاجون إليه
الاستدلال بها فى موارد الخلاف ، لكن اختلفوا فى الاستدلال بها على
الوعيد إذا لم تكن قطعية على ما ذكرناه .
فإن قيل : فهلا قلتم إن أحاديث الوعيد لا تتناول محل الخلاف ؛
وإنما تتناول محل الوفاق ، وكل فعل لعن فاعله أو توعد بغضب أو
عقاب حمل على فعل اتفق على تحريمه ! لئلا يدخل بعض المجتهدين في
الوعيد إذا فعل ما اعتقد تحليله ، بل المعتقد أبلغ من الفاعل ؛ إذ هو
الآمر له بالفعل ، فيكون قد ألحق به وعيد اللعن أو الغضب
بطريق الاستلزام ؟ ؟
قلنا : الجواب من وجوه :
( أحدها ) : أن جنس التحريم إما أن يكون ثابتاً فى محل خلاف
٢٦٩

أولا يكون ، فإن لم يكن ثابتا فى محل خلاف قط لزم أن لا يكون
حراما إلا ما أجمع على تحريمه ، فكل ما اختلف فى تحريمه يكون
حلالا ، وهذا مخالف لإجماع الأمة ، وهو معلوم البطلان بالاضطرار
من دين الإسلام .
وإن كان ثابتا ولو فى صورة فالمستحل لذلك الفعل المحرم من
المجتهدين إما أن يلحقه ذم من حلل الحرام أو فعله وعقوبته أولا ؟
فإن قيل : إنه يلحقه ؛ أو قيل : إنه لا يلحقه : فكذلك التحريم
الثابت فى حديث الوعيد اتفاقا، والوعيد الثابت فى محل الخلاف على
ما ذكرناه من التفصيل ، بل الوعيد إنما جاء على الفاعل ، وعقوبة محلل
الحرام فى الأصل أعظم من عقوبة فاعله من غير اعتقاد . فإذا جاز أن
يكون التحريم ثابتا فى صورة الخلاف ولا يلحق المحلل المجتهد عقوبة
ذلك الإحلال للحرام ؛ لكونه معذوراً فيه ؛ فلأن لا يلحق الفاعل وعيد
ذلك الفعل أولى وأحرى .
وكما لم يلزم دخول المجتهد تحت حكم هذا التحريم من الفم والعقاب
وغير ذلك : لم يلزم دخوله تحت حكمه من الوعيد ؛ إذ ليس الوعيد
إلا نوعا من الذم والعقاب ، فإن جاز دخوله تحت هذا الجنس فما كان
الجواب عن بعض أنواعه كان جوابا عن البعض الآخر . ولا يغنى الفرق
بقلة الذم وكثرته ؛ أو شدة العقوبة وخفتها ؛ فإن المحذور في قليل الذم
٢٧٠

والعقاب فى هذا المقام كالمحذور فى كثيره ، فإن المجتهد لا يلحقه قليل
ذلك ولا كثيره ، بل يلحقه ضد ذلك من الأجر والثواب .
( الثانى ) : أن كون حكم الفعل مجمعا عليه أو مختلفا فيه أمور
خارجة عن الفعل وصفاته ، وإنما هي أمور إضافية بحسب ما عرض
لبعض العلماء من عدم العلم . واللفظ العام إن أريد به الخاص فلا بد
من نصب دليل يدل على التخصيص ، إما مقترن بالخطاب عند من
لا يجوز تأخير البيان ، وإما موسع في تأخيره إلى حين الحاجة عند
الجمهور . ولا شك أن المخاطبين بهذا على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم كانوا محتاجين إلى معرفة حكم الخطاب ، فلو كان المراد باللفظ العام
فى لعنة آكل الربا والمحلل ونحوهما المجمع على تحريمه - وذلك لا يعلم
إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم الأمة في جميع أفراد ذلك
العام - لكان قد أخر بيان كلامه إلى أن تكلم جميع الأمة فى
جميع أفراده ، وهذا لا يجوز .
( الثالث ) : أن هذا الكلام إنما خوطبت الأمة به لتعرف الحرام
فتجتلبه، ويستندون في إجماعهم إليه ؛ ويحتجون فى نزاعهم به ، فلو
كانت الصورة المرادة هي ما أجمعوا عليه فقط لكان العلم بالمراد موقوفا
على الإجماع ، فلا يصح الاحتجاج به قبل الإجماع ، فلا يكون مستنداً
للإجماع ، لأن مستند الإجماع يجب أن يكون متقدما عليه فيمتنع تأخره
٢٧١

عنه ، فإنه يفضى إلى الدور الباطل ، فإن أهل الإجماع حينئذ لا يمكنهم
الاستدلال بالحديث على صورة حتى يعلموا أنها مرادة ، ولا يعلمون
أنها مرادة حتى يجتمعوا ، فصار الاستدلال موقوفا على الإجماع قبله ،
والإجماع موقوفا على الاستدلال قبله إذا كان الحديث هو مستندم ،
فيكون الشيء موقوفا على نفسه ، فيمتنع وجوده ، ولا يكون حجة فى
محل الخلاف ، لأنه لم يرد ، وهذا تعطيل للحديث عن الدلالة على الحكم
في محل الوفاق والخلاف ، وذلك مستلزم أن لا يكون شيء من النصوص
التى فيها تغليظ للفعل أفادنا تحريم ذلك الفعل ، وهذا باطل قطعا
( الرابع) أن هذا يستلزم أن لا يحتج بشئ من هذه الأحاديث إلا بعد
العلم بأن الأمة أجمعت على تلك الصورة ، فإذاً الصدر الأول لا يجوز أن
يحتجوا بها ؛ بل ولا يجوز أن يحتج بها من يسمعها من فى رسول الله صلى الله
عليه وسلم. ويجب على الرجل إذا سمع مثل هذا الحديث ووجد كثيراً من العلماء
قد عملوا به ولم يعلم له معارض : أن لا يعمل به حتى يبحث عنه ، هل في
أقطار الأرض من يخالفه؟ كما لا يجوز له أن يحتج فى مسألة بالإجماع إلا بعد
البحث التام، وإذا يبطل الاحتجاج بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمجرد خلاف واحد من المجتهدين ، فيكون قول الواحد مبطلا لكلام
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموافقته محققة لقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم! وإذا كان ذلك الواحد قد أخطأ صار خطؤه
٢٧٢

مبطلا لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ! .
وهذا كله باطل بالضرورة ؛ فإنه إن قيل: لا يحتج به إلا بعد العلم
بالإجماع : صارت دلالة النصوص موقوفة على الإجماع ، وهو خلاف
الإجماع ، وحينئذ فلا يبقى للنصوص دلالة ؛ فإن المعتبر إنما هو الإجماع.
والنص عديم التأثير . فإن قيل: يحتج به إذ لا يعلم وجود الخلاف ،
فيكون قول واحد من الأمة مبطلا لدلالة النص، وهذا أيضا خلاف الإجماع،
وبطلانه معلوم بالاضطرار من دين الإسلام .
(الخامس ) : أنه إما أن يشترط في شمول الخطاب اعتقاد جميع الأمة
للتحريم أو يكتفى باعتقاد العلماء.
فإن كان الأول لم يجز أن يستدل على التحريم بأحاديث الوعيد حتى
يعلم أن جميع الأمة - حتى الناشئين بالبوادي البعيدة والداخلين فى الإسلام من
المدة القريبة - قد اعتقدوا أن هذا محرم ، وهذا لا يقوله مسلم ، بل ولا
عاقل ؛ فإن العلم بهذا الشرط متعذر .
وإن قيل : يكتفى باعتقاد جميع العلماء ، قيل له : إنما اشترطت
إجماع العلماء حذراً من أن يشمل الوعيد لبعض المجتهدين وإن كان مخطئا ،
وهذا بعينه موجود فيمن لم يسمع دليل التحريم من العامة ، فإن
٢٧٣

محذور شمول اللعنة لهذا كمحذور شمول اللعنة لهذا ، ولا ينجي من هذا
الإلزام أن يقال : ذلك من أكابر الأمة وفضلاء الصديقين وهذا من
أطراف الأمة ، فإن افتراقهما من هذا الوجه لا يمنع اشتراكها فى هذا
الحكم ؛ فإن الله سبحانه كما غفر للمجتهد إذا أخطأ غفر للجاهل إذا
أخطأ ولم يمكنه التعلم ، بل المفسدة التى يحصل بفعل واحد من العامة محرماً
لم يعلم تحريمه ولم يمكنه معرفة تحريمه ؛ أقل بكثير من المفسدة التى
تنشأ من إحلال بعض الأئمة لما قد حرمه الشارع وهو لم يعلم محريمه .
ولم يمكنه معرفة تحريمه.
ولهذا قيل : احذروا زلة العالم فإنه إذا زل زل بزلته عالم . قال
ابن عباس رضي الله عنهما: ويل للعالم من الأتباع . فإن كان هذا معفوا
عنه مع عظم المفسدة الناشئة من فعله : فلأن يعفى عن الآخر مع خفة
مفسدة فعله أولى . نعم يفترقان من وجه آخر : وهو أن هذا اجتهد
فقال باجتهاد ، وله من نشر العلم وإحياء السنة ما تنغمر فيه هذه المفسدة ،
وقد فرق الله بينهما من هذا الوجه فأتاب المجتهد على اجتهاده ، وأثاب
العالم على علمه ثوابا لم يشركه فيه ذلك الجاهل ، فهما مشتركان فى العفو
مفترقان فى الثواب ، ووقوع العقوبة على غير المستحق ممتنع ، جليلا كان
أو حقيراً ، فلا بد من إخراج هذا الممتنع من الحديث بطريق
يشمل القسمين .
٢٧٤

(السادس) أن من أحاديث الوعيد ما هو نص في صورة الخلاف ،
مثل لعنة المحلل له فإن من العلماء من يقول : إن هذا لا يأثم بحال ،
فإنه لم يكن ركنا فى العقد الأول بحال حتى يقال : لعن لاعتقاده وجوب
الوفاء بالتحليل . فمن اعتقد أن نكاح الأول صحيح ، وإن بطل الشرط
فإنها تحل للثانى : جرد الثانى عن الإثم ، بل وكذلك المحلل فإنه إما
أن يكون ملعوناً على التحليل ، أو على اعتقاده وجوب الوفاء بالشرط
المقرون بالعقد فقط أو على مجموعها ؛ فإن كان الأول أو الثالث حصل
الغرض ، وإن كان الثانى فهذا الاعتقاد هو الموجب للعنة ، سواء حصل
هناك تحليل أو لم يحصل ، وحينئذ فيكون المذكور في الحديث ليس هو
سبب اللعنة ؛ وسبب اللعنة لم يتعرض له ، وهذا باطل .
ثم هذا المعتقد وجوب الوفاء إن كان جاهلا فلا لعنة عليه. وإن
كان عالما بأنه لا يجب فمحال أن يعتقد الوجوب إلا أن يكون مراغماً
للرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون كافراً، فيعود معنى الحديث إلى
لعنة الكفار ، والكفر لا اختصاص له بإنكار هذا الحكم الجزئى دون
غيره ، فإن هذا بمنزلة من يقول : لعن الله من كذب الرسول فى حكمه
بأن شرط الطلاق فى النكاح باطل .
ثم هذا كلام عام عموماً لفظياً ومعنويا ، وهو عموم مبتدأ ، ومثل
هذا العموم لا يجوز حمله على الصور النادرة ؛ إذ الكلام يعود لكنة
٢٧٥

وعياً، كتأويل من يتأول قوله: ((أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها ))
على المكاتبة .
وبيان ندوره : أن المسلم الجاهل لا يدخل فى الحديث، والمسلم العالم
بأن هذا الشرط لا يجب الوفاء به لا يشترطه معتقداً وجوب الوفاء
به إلا أن يكون كافراً ، والكافر لا ينكح نكاح المسلمين إلا أن يكون
منافقاً ، وصدور هذا النكاح على مثل هذا الوجه من أندر النادر ،
ولو قيل إن مثل هذه الصورة لاتكاد تخطر ببال المتكلم لكان
القائل صادقا .
وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة فى غير هذا الموضع على أن هذا
الحديث قصد به المحلل القاصد وإن لم يشترط ، وكذلك الوعيد الخاص
من اللعنة والنار وغير ذلك قد جاء منصوصاً فى مواضع مع وجود الخلاف
فيها ، مثل حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد
والسرج )» ، قال الترمذي حديث حسن ، وزيارة النساء رخص فيها
بعضهم ، وكرهها بعضهم ولم يحرمها . وحديث عقبة بن عامر رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الذين يأتون النساء فى
محاشهن))، وحديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)).
٢٧٦

وقد تقدم حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا
يزكيهم ولهم عذاب أليم، وفيهم من منع فضل مائه، وقد لعن بائع الخمر
وقد باعها بعض المتقدمين .
وقد صح عنه من غير وجه أنه قال: ((من جر إزاره خيلاء لم ينظر
الله إليه يوم القيامة))، وقال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم
يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المسبل ، والمنان ، والمنفق
سلعته بالحلف الكاذب )) ، مع أن طائفة من الفقهاء يقولون : إن الجر
والإسبال للخيلاء مكروه غير محرم .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة))،
وهو من أصح الأحاديث . وفي وصل الشعر خلاف معروف .
وكذلك قوله: ((إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر فى بطنه
نار جهنم)). ومن العلماء من لم يحرم ذلك.
(السابع): أن الموجب للعموم قائم ؛ والمعارض المذكور لا يصلح أن
يكون معارضاً؛ لأن غايته أن يقال : حمله على صور الوفاق والخلاف
يستلزم دخول بعض من لا يستحق اللعن فيه ، فيقال: إذا كان التخصيص
على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف الأصل، فيستثنى من هذا العموم
٢٧٧

من كان معذوراً بجهل أو اجتهاد أو تقليد . مع أن الحكم شامل لغير
المعذورين كما هو شامل لصور الوفاق ، فإن هذا التخصيص أقل ؛
فيكون أولى .
( الثامن ) : أنا إذا حملنا اللفظ على هذا كان قد تضمن ذكر سبب
اللعن ويبقى المستثنى قد تخلف الحكم عنه لمانع ، ولا شك أن من وعد
وأوعد ليس عليه أن يستثنى من تخلف الوعد أو الوعيد في حقه لمعارض ،
فيكون الكلام جاريا على منهاج الصواب .
أما إذا جعلنا اللعن على فعل المجمع على تحريمه ، أو سبب اللعن
هو اعتقاد المخالف للإجماع : كان سبب اللعن غير مذكور فى
الحديث ، مع أن ذلك العموم لابد فيه من التخصيص أيضاً ، فإذا كان
لابد من التخصيص على التقديرين فالتزامه على الأول أولى ، لموافقة وجه
الكلام وخلوه عن الإضار .
(التاسع ) : أن الموجب لهذا إنما هو نفي تناول اللعنة للمعذور، وقد
قدمنا فيما مضى أن أحاديث الوعيد إنما المقصود بها بيان أن ذلك الفعل
سبب لتلك اللعنة ، فيكون التقدير هذا الفعل سبب اللعن ، فلو قيل :
هذا لم يلزم منه تحقق الحكم فى حق كل شخص ؛ لكن يلزم منه قيام
السبب إذا لم يتبعه الحكم ولا محذور فيه ، وقد قررنا فيما مضى أن
٢٧٨

الذم لا يلحق المجتهد حتى إنا نقول : إن محلل الحرام أعظم إثماً من فاعله،
ومع هذا فالمعذور معذور .
فإن قيل : فمن المعاقب فإن فاعل هذا الحرام إما مجتهد أو مقلد
له وكلاهما خارج عن العقوبة ؟ .
قلنا : الجواب من وجوه.
أحدها : أن المقصود بيان أن هذا الفعل مقتض للعقوبة ، سواء وجد
من يفعله أو لم يوجد ، فإذا فرض أنه لا فاعل إلا وقد انتفى فيه شرط
العقوبة : أو قد قام به ما يمنعها : لم يقدح هذا فى كونه محرما ، بل
نعلم أنه محرم ليجتنبه من يتبين له التحريم ، ويكون من رحمة الله بمن
فعاله قيام عذر له ، وهذا كما أن الصغائر محرمة وإن كانت تقع مكفرة
باجتناب الكبار ، وهذا شأن جميع المحرمات المختلف فيها ، فإن تبين
أنها حرام - وإن كان قد يعذر من يفعلها مجتهداً أو مقلدا - فإن ذلك
لا يمنعنا أن نعتقد تحريمها .
الثاني : أن بيان الحكم سبب لزوال الشبهة المانعة من لحوق
العقاب ؛ فإن العذر الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود بقاءه ، بل المطلوب
زواله بحسب الإمكان ، ولولا هذا لما وجب بيان العلم ، ولكان ترك
٢٧٩

الناس على جهلهم خيراً لهم ، ولكان ترك دلائل المسائل المشتبهة خيراً
من بيانها .
الثالث : أن بيان الحكم والوعيد سبب لثبات المجتنب على اجتنابه،
ولولا ذلك لا نتشر العمل بها .
الرابع : أن هذا العذر لا يكون عذراً إلا مع العجز عن إزالته ،
وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق فقصر فيها لم يكن معذوراً .
الخامس : أنه قد يكون فى الناس من يفعله غير مجتهد اجتهاداً
يبيحه ؛ ولا مقلدا تقليداً يبيحه ، فهذا الضرب قد قام فيه سبب الوعيد
من غير هذا المانع الخاص ، فيتعرض للوعيد ويلحقه ؛ إلا أن يقوم فيه
مانع آخر من توبة أو حسنات ماحية أو غير ذلك، ثم هذا مضطرب؛
قد يحسب الإنسان أن اجتهاده أو تقليده مبيح له أن يفعل ، ويكون
مصيباً فى ذلك تارة، ومخطئا أخرى، لكن متى تحرى الحق ولم يصدر عنه
اتباع الهوى فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
(العاشر) : أنه إن كان إبقاء هذه الأحاديث على مقتضياتها مستلزماً
لدخول بعض المجتهدين تحت الوعيد ؛ وإذا كان لازما على التقديرين:
بقي الحديث سالماً عن المعارض ، فيجب العمل به .
٢٨٠