النص المفهرس
صفحات 221-240
وحضور السماع أن هذا ينبغي أن يهجر وينكر عليه ، فإذا فعل ذلك صديقه اعتقد ذلك من مسائل الاجتهاد التى لا تنكر ، فمثل هذا ممكن فى اعتقاده حل الشيء وحرمته ووجوبه وسقوطه بحسب هواء ، هو مذموم بخروجه ، خارج عن العدالة ، وقد نص أحمد وغيره على أن هذا لا يجوز . وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول ، إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها ، وإما بأن يرى أحد رجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر ، وهو أتقى اللّه فيما يقوله ، فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا ، فهذا يجوز ، بل يجب ! وقد نص الإمام أحمد على ذلك . وما ذكره ابن حمدان : المراد به القسم الأول ؛ ولهذا قال : من التزم مذهباً أنكر عليه مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر شرعي ، فدل على أنه إذا خالفه لدليل فتبين له بالقول الراجح أو تقليد بسوغ له أن يقلد فى خلافه ؛ أو عذر شرعي أباح المحظور الذي يباح بمثل ذلك العذر لم ينكر عليه . وهنا مسألة ثانية قد يظن أنه أرادها ولم يردها ، لكنا نتكلم على تقدير إرادتها ، وهو أن من التزم مذهباً لم يكن له أن ينتقل عنه ، ٢٢١ قاله بعض أصحاب أحمد ، وكذلك غير هذا ما يذكره ابن حمدان أو غيره ؛ يكون مما قاله بعض أصحابه وإن لم يكن منصوصاً عنه، وكذلك ما يوجد فى كتب أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة ، كثير منه يكون مما ذكره بعض أصحابهم وليس منصوصاً عنهم ؛ بل قد يكون المنصوص عنهم خلاف ذلك . وأصل هذه المسألة أن العامي هل عليه أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ بعزائمه ورخصه ؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد ، وهما وجهان لأصحاب الشافعي ، والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك ، والذين يوجبونه يقولون : إذا التزمه لم يكن له أن يخرج عنه ما دام ملتزما له أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه . ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج منها إن كان لغير أمر دينى مثل : أن يلتزم مذهبا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك : فهذا مما لا يحمد عليه ، بل يذم عليه في نفس الأمر ؛ ولو كان ما انتقل إليه خيراً مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من لا يسلم إلا لغرض دنيوي ، أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها ، وقد كان فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم رجل هاجر لامرأة يقال لها أم قيس ، فكان يقال له : مهاجر أم قيس ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم على المنبر فى الحديث الصحيح: ((إنما الأعمال ٢٢٢ بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )» . وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر دنى ، مثل أن يتبين رجحان قول على قول ، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله فهو مثاب على ذلك ؛ بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله فى أمر ألا يعدل عنه ، ولا يتبع أحداً في مخالفة الله ورسوله ، فإن الله فرض طاعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم على كل أحد فى كل حال، وقال تعالى: ( فَلَ وَرَبِّكَ لَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْنَسْلِيمًا)، وقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَاللّهَ فَأَنَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْلَكُمْذُنُوبَكُمْ )، وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ). وقد صنف الإمام أحمد كتابا فى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين ، فطاعة الله ورسوله ، وتحليل ما حلله الله ورسوله ، وتحريم ما حرمه الله ورسوله ، وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله: واجب على جميع الثقلين: الإنس والجن ، واجب على ٢٢٣ كل أحد في كل حال سراً وعلانية ، لكن لما كان من الأحكام ما لا يعرفه كثير من الناس رجع الناس فى ذلك إلى من يعلمهم ذلك ؛ لأنه أعلم بما قاله الرسول وأعلم بمراده ، فأئمة المسلمين الذين اتبعوهم وسائل وطرق وأدلة بين الناس وبين الرسول ، يبلغونهم ما قاله ، ويفهمونهم مراده بحسب اجتهادهم واستطاعتهم ، وقد يخص الله هذا العالم من العلم والفهم ما ليس عند الآخر ، وقد يكون عند ذلك فى مسألة أخرى من العلم ما ليس عند هذا . وقد قال تعالى: ( وَدَاوُدَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكَكُلَّ مَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا )، فهذان نبيان كريمان حكما فى قضية واحدة ؛ فحص اللّه أحدهما بالفهم ؛ وأثنى على كل منها . والعلماء ورثة الأنبياء، واجتهاد العلماء فى الأحكام كاجتهاد المستدلين على جهة الكعبة ؛ فإذا صلى أربعة أنفس كل واحد منهم بطائفة إلى أربع جهات لاعتقادهم أن القبلة هناك : فإن صلاة الأربعة صحيحة ! والذي صلى إلى جهة الكعبة واحد وهو المصيب الذي له أجران ، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر )) . وأكثر الناس إنما التزموا المذاهب بل الأديان بحكم ما تبين لهم، ٢٢٤ فإن الإنسان ينشأ على دين أبيه أو سيده أو أهل بلده ، كما يتبع الطفل فى الدين أبويه وسابيه وأهل بلده ، ثم إذا بلغ الرجل فعليه أن يقصد طاعة الله ورسوله حيث كانت ، ولا يكون ممن إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله! قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فكل من عدل عن اتباع الكتاب والسنة وطاعة الله والرسول إلى عادته وعادة أبيه وقومه فهو من أهل الجاهلية المستحقين للوعيد . وكذلك من تبين له فى مسألة من المسائل الحق الذي بعث الله به رسوله ثم عدل عنه إلى عادته ، فهو من أهل الذم والعقاب . وأما من كان عاجزاً عن معرفة حكم الله ورسوله وقد اتبع فيها من هو من أهل العلم والدين ولم يتبين له أن قول غيره أرجح من قوله فهو محمود يثاب ، لا ينم على ذلك ولا يعاقب ، وإن كان قادراً على الاستدلال ومعرفة ما هو الراجح ؛ وتوقى بعض المسائل ، فعدل عن ذلك إلى التقليد ، فهو قد اختلف فى مذهب أحمد المنصوص عنه . والذي عليه أصحابه أن هذا آثم أيضاً ، وهو مذهب الشافعي وأصحابه وحكى عن محمد بن الحسن وغيره أنه يجوز له التقليد مطلقاً ، وقيل : يجوز تقليد الأعلم . وحكى بعضهم هذا عن أحمد ، كما ذكره أبو إسحق في اللمع ، وهو غلط على أحمد ؛ فإن أحمد إنما يقول هذا فى أصحابه فقط ، ٢٢٥ على اختلاف عنه فى ذلك ، وأما مثل مالك والشافعي وسفيان ؛ ومثل إسحاق بن راهويه وأبى عبيد ، فقد نص فى غير موضع على أنه لا يجوز للعالم القادر على الاستدلال أن يقلدم ، وقال : لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري . وكان يحب الشافعي ويثنى عليه ويحب إسحاق ويثنى عليه ويثني على مالك والثوري ، وغيرهما من الأئمة ، ويأمر العامي أن يستفتى إسحاق ، وأبا عبيد ، وأبا ثور ، وأبا مصعب . وينهى العلماء من أصحابه كأبى داود ، وعثمان بن سعيد ، وإبراهيم الحربي، وأبي بكر الأثرم ، وأبي زرعة ؛ وأبي حاتم السجستاني ومسلم ، وغيرهم أن يقلدوا أحداً من العلماء . ويقول : عليكم بالأصل بالكتاب والسنة. ٢٢٦ وسئل رحم الله أن يشرح ما ذكره نجم الدين ابن حمدان فى آخر ((كتاب الرعاية )) وهو قوله : ( من التزم مذهباً أنكر عليه مخالفته بغير دليل أو تقليد أو عذر آخر ) ويبين لنا ما أشكل علينا من كون بعض المسائل يذكر فيها فى ((الكافى)) و((المحرر)) و((المقنع)) و ((الرعاية)) و((الخلاصة)) و((الهداية)) روايتان، أو وجهان؛ ولم يذكر الأصح والأرجح، فلا ندري بأيهما نأخذ وإن سألونا عنه أشكل علينا . فأجاب: الحمد لله. أما هذه الكتب التى يذكر فيها روايتان أو وجهان ولا يذكر فيها الصحيح : فطالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل كتاب ((التعليق)) للقاضي أبي يعلى، و ((الانتصار)) لأبي الخطاب، و ((عمد الأدلة)) لابن عقيل . وتعليق القاضي يعقوب البرزيني ، وأنى الحسن ابن الزاغونى ، وغير ذلك من الكتب الكبار التى يذكر فيها مسائل الخلاف ، ويذكر فيها الراجح . وقد اختصرت رؤوس مسائل هذه الكتب فى كتب مختصرة ، ٠ ٢٢٧ مثل ((رؤوس المسائل)) للقاضي أبي الحسين ، وقد نقل عن الشيخ أبى البركات صاحب ((المحرر)) أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر مذهب أحمد : أنه ما رجحه أبو الخطاب فى رؤوس مسائله . ومما يعرف منه ذلك كتاب ((المغنى)) للشيخ أبي محمد، وكتاب (((شرح الهداية)) لجدنا أبي البركات، وقد شرح ((الهداية)) غير واحد، كأبى حليم النهروانى، وأبى عبد الله بن تيمية، صاحب ((التفسير)) والخطيب عم أبي البركات ، وأبى المعالي بن المنجا ، وأبي البقاء النحوي لكن لم يكمل ذلك . وقد اختلف الأصحاب فيما بصححونه، فمنهم من يصحح رواية، ويصحح آخر روایة فمن عرف ذلك نقله، ومن ترجح عنده قول واحد علی قول آخر اتبع القول الراجح ، ومن كان مقصوده نقل مذهب أحمد نقل ما ذكروه من اختلاف الروايات والوجوه والطرق، كما ينقل أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومالك مذاهب الأئمة ؛ فإنه في كل مذهب من اختلاف الأقوال عن الأئمة ، واختلاف أصحابهم فى معرفة مذهبهم ، ومعرفة الراجح شرعا : ما هو معروف . ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه فى عامة المسائل ، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في ٢٢٨ الشرع ؛ وأحمد كان أعلى من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان ؛ ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصاً كما يوجد لغيره ، ولا يوجد له قول ضعيف فى الغالب إلا وفى مذهبه قول يوافق القول الأقوى ، وأكثر مفاريده التى لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحاً ، كقوله بجواز فسخ الإفراد والقران إلى التمتع ، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عند الحاجة ، كالوصية فى السفر وقوله بتحريم نكاح الزانية حتى تتوب ، وقوله بجواز شهادة العبد ، وقوله بأن السنة للمتيمم أن يمسح الكوعين بضربة واحدة . وقوله في المستحاضة بأنها تارة ترجع إلى العادة ، وتارة ترجع إلى التمييز ؛ وتارة ترجع إلى غالب عادات النساء ؛ فإنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فيها ثلاث سنن؛ عمل بالثلاثة أحمد دون غيره. وقوله بجواز المساقاة والمزارعة على الأرض البيضاء والتى فيها شجر وسواء كان البذر منها أو من أحدهما، وجواز ما يشبه ذلك وإن كان من باب المشاركة ليس من باب الإجارة ، ولا هو على خلاف القياس ، ونظير هذا كثير . وأما ما يسميه بعض الناس مفردة لكونه انفرد بها عن أبي حنيفة والشافعي ، مع أن قول مالك فيها موافق لقول أحمد أو قريب منه ، ٢٢٩ وهي التى صنف لها المراسى رداً عليها ، وانتصر لها جماعة كابن عقيل والقاضي أبي يعلى الصغير، وأبي الفرج بن الجوزي ، وأبى محمد بن المثنى : فهذه غالبها يكون قول مالك وأحمد أرجح من القول الآخر، وما يترجح فيها القول الآخر يكون مما اختلف فيه قول أحمد، وهذا: كإبطال الحيل المسقطة للزكاة والشفعة ، ونحو ذلك الحيل المبيحة للربا والفواحش ، ونحو ذلك ، وكاعتبار المقاصد والنيات في العقود ، والرجوع فى الأيمان إلى سبب اليمين وما هيجها مع نية الحالف ؛ وكإقامة الحدود على أهل الجنايات ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يقيمونها ، كما كانوا يقيمون الحد على الشارب بالرائحة والقيء ونحو ذلك ، وكاعتبار العرف في الشروط ، وجعل الشرط العرفى كالشرط اللفظي ، والاكتفاء في العقود المطلقة بما يعرفه الناس ، وأن ماعده الناس بيعاً فهو بيع ، وما عدوه إجارة فهو إجارة ، وما عدوه هبة فهو هبة . وما عدوه وقفاً فهو وقف ، لا يعتبر فى ذلك لفظ معين ، ومثل هذا كثير . ٢٣٠ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله الخبر الكامل ، العلامة الأوحد الحافظ الزاهد ؛ العابد الورع ؛ الربانى المقذوف فى قلبه النور الإلهي والعلوم الرفيعة ، والفنون البديعة ، الآخذ بأزمة الشريعة، الناكص عن الآراء المزلة ، والأهواء المضلة، المقتفي لآثار السلف علماً وعملا، مفتى الفرق ، مجتهد العصر ، أوحد الدهر ، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية - أدام الله بركته ورفع فى الدنيا والآخرة محله ودرجته -: الحمد لله على آلائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه وسمائه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم لقائه. وسلم تسليما (١) . وبعد : فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن ، خصوصاً العلماء الذين م ورثة الأنبياء ، الذين (١) تسمى ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)). ٢٣١ جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم فى ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ، إذكل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارم ؛ فإنهم خلفاء الرسول في أمته ، والمحيون لما مات من سنته ، بهم قام الكتاب وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا . وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته ؛ دقيق ولا جليل ؛ فإنهم متفقون اتفاقا يقينياً على وجوب اتباع الرسول ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر فى تركه . وجميع الأعذار ثلاثة أصناف : أحدها : عدم اعتقاده أن النبى صلى الله عليه وسلم قاله. والثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول . والثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ . ٢٣٢ وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة . السبب الأول: ألا يكون الحديث قد بلغه . ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالماً بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال فى تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر ؛ أو بموجب قياس ؛ أو موجب استصحاب : فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى . وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفاً لبعض الأحاديث ؛ فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الأمة . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث؛ أو يفتى ؛ أو يقضي ؛ أو يفعل الشيء فيسمعه أو يراه من يكون حاضراً ، ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه ، فينتهي علم ذلك إلى من يشاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، ثم فى مجلس آخر قد يحدث أو يفتى أو يقضي أو يفعل شيئاً ، ويشهده بعض من كان غائبا عن ذلك المجلس ، ويبلغونه لمن أمكنهم ، فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء ، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء، وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدم بكثرة العلم أو جودته . وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ٢٣٣ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط ، واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين ثم أعلم الأمة بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله، خصوصاً الصديق -رضي الله عنه-؛ الذي لم يكن يفارقه حضراً ولا سفراً، بل كان يكون معه في غالب الأوقات ، حتى إنه بسمر عنده بالليل فى أمور المسلمين . وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإنه صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول : دخلت أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ، ثم مع ذلك لما سئل أبو بكر - رضي الله عنه .- عن ميراث الجدة قال : مالك في كتاب الله من شيء ، وما علمت لك فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء، ولكن أسأل الناس! فسألهم ، فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا أن النبى صلى اللّه عليه وسلم أعطاها السدس، وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين أيضا، وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر وغيره من الخلفاء ، ثم قد اختصوا بعلم هذه السنة التى قد انفقت الأمة على العمل بها . وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يعلم سنة الاستئذان، حتى أخبره بها أبو موسى واستشهد بالأنصار ، وعمر أعلم ممن حدثه بهذه السنة . ولم يكن عمر أيضاً يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها ، بل يرى ٢٣٤ أن الدية للعاقلة ، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان -- وهو أمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض البوادي - يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها ، فترك رأيه لذلك وقال : لو لم نسمع بهذا لقضينا بخلافه . ولم يكن يعلم حكم المجوس فى الجزية ، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)). ولما قدم سرغ وبلغه أن الطاعون بالشام، استشار المهاجرين الأولين الذين معه، ثم الأنصار، ثم مسلمة الفتح ، فأشار كل عليه بما رأى ، ولم يخبره أحد بسنة ، حتى قدم عبد الرحمن بن عوف فأخبره بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الطاعون، وأنه قال ((إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم بسه بأرض فلا تقدموا عليه )) . وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي يشك فى صلاته ، فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك ، حتى قال عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: ((إنه يطرح الشك ويني على ما استيقن)). وكان مرة فى السفر فهاجت ربح ، فجعل يقول : من يحدثنا عن ٢٣٥ الربح ؟ قال أبو هريرة : فبلغنى وأنا فى أخريات الناس ، فيثنت راحلتى حتى أدركته ، فحدثته بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح . فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من ليس مثله ، ومواضع أخر لم يبلغه ما فيها من السنة فقضى فيها أو أفتى فيها بغير ذلك ، مثل ما قضى فى دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها ، وقد كان عند أبى موسى وابن عباس - وهما دونه بكثير في العلم - علم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هذه وهذه سواء))، يعني: الإبهام والختصر ، فبلغت هذه السنة لمعاوية رضى الله عنه فى إمارته فقضى بها ولم يجد المسلمون بداً من اتباع ذلك، ولم يكن عيباً فى عمر - رضي الله منه - حيث لم يبلغه الحديث . وكذلك كان ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام ؛ وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة ، هو وابنه عبد الله رضي الله عنها ، وغيرهما من أهل الفضل ، ولم يبلغهم حديث عائشة رضي الله عنها : ((طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف )). وكان يأمر لابس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير ٢٣٦ توقيت ، واتبعه على ذلك طائفة من السلف، ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التى محت عند بعض من ليس مثلهم فى العلم ، وقد روي ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة صحيحة. وكذلك عثمان رضي الله عنه، لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد فى بيت الموت ، حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبى سعيد الخدري بقضيتها لما توفى زوجها ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها: ((امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله))، فأخذ به عثمان . وأهدى له مرة صيد كان قد صيد لأجله ، فهم بأكله ، حتى أخبره علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رد لحماً أهدي له . وكذلك علي رضى الله عنه، قال؛ كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني غيره استحلفته ! فإذا حلف لي صدقته، وحدثنى أبو بكر وصدق أبو بكر، وذكر حديث صلاة التوبة المشهور . وأفتى هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد ٢٣٧ بأبعد الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبيعة الأسلمية ، حيث أفتاها النبى صلى الله عليه وسلم بأن عدتها وضع حملها . وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضة إذا مات عنها زوجها فلا مهر لها ، ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بروع بنت واشق . وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدداً كثيراً جداً . وأما المنقول منه عن غيرهم فلا يمكن الإحاطة به ؛ فإنه ألوف، فهؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقها وأتقاها وأفضلها ، فمن بعدهم أنقص ؛ فيفاء بعض السنة عليه أولى، فلا يحتاج إلى بيان . فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة أو إماماً معيناً فهو مخطئ خطأ فاحشاً قبيحاً . ولا يقولن قائل : الأحاديث قد دونت وجمعت ؛ خفاؤها والحال هذه بعيد . لأن هذه الدواوين المشهورة فى السنن إنما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين ، ومع هذا فلا يجوز أن يدعى الحصار حديث ٢٣٨ رسول الله صلى الله عليه وسلم في دواوين معينة ، ثم لو فرض الحصار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليس كل مافى الكتب يعلمه العالم ، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد . بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها ، بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير ؛ لأن كثيراً مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول؛ أو بإسناد منقطع: أولا يبلغنا بالكلية ، فكانت دواوينهم صدورم التى تحوي أضعاف مافى الدواوين ، وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية . ولا يقولن قائل : من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهداً . لأنه إن اشترط فى المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فيما يتعلق بالأحكام فليس في الأمة مجتهد ، وإنما غاية العالم أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه ، بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل . ثم إنه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي يبلغه . السبب الثاني : أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده ، إما لأن محدثه أو محدث محدثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده، أو متهم أو سيء الحفظ . وإما لأنه لم يبلغه مسنداً بل منقطعاً؛ أو لم يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل ، بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة ، أو يكون قد ٢٣٩ رواه غير أولئك المجروحين عنده ؛ أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة، وقد ضبط ألفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ ؛ أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها . وهذا أيضاً كثير جداً . وهو فى التابعين وتابعيهم إلى الأئمة المشهورين من بعدهم أكثر من العصر الأول ، أو كثير من القسم الأول ، فإن الأحاديث كانت قد انتشرت واشتهرت لكن كانت تبلغ كثيراً من العلماء من طرق ضعيفة ، وقد بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق ، فتكون حجة من هذا الوجه ، مع أنها لم تبلغ من خالفها من هذا الوجه ، ولهذا وجد فى كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته ، فيقول : قولي فى هذه المسألة كذا ، وقد روي فيها حديث بكذا ؛ فإن كان صحيحاً فهو قولي . السبب الثالث : اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره مع قطع النظر عن طريق آخر ، سواء كان الصواب معه أو مع غيره أو معها ، عند من يقول : كل مجتهد مصيب ؛ ولذلك أسباب : منها : أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفاً ؛ ويعتقده الآخر ثقة . ومعرفة الرجال علم واسع ؛ ثم قد يكون المصيب من ٢٤٠