النص المفهرس
صفحات 181-200
مسمى نفسه ، وافتقاره إلى غيره فى بعض المفعولات يوجب افتقاره فى فعله وصفته القائمة به ، إذ مفعوله صدر عن ذلك ، فلو كانت ذاته كافية غنية لم تفتقر إلى غيره في فعلها ، فافتقاره إلى غيره بوجه من الوجوه دليل عدم غناه ، وعلى حاجته إلى الغير، وذلك هو الإمكان المناقض لكونه واجب الوجود بنفسه . ولهذا لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين ، والغنى عن الغير من خصائص رب العالمين : كان الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين ، وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين ، فليس فى المخلوقات ماهو مستقل بشيء من المفعولات ، وليس فيها ما هو وحده علة تامة ، وليس فيها ماهو مستغنياً عن الشريك في شيء من المفعولات ، بل لا يكون فى العالم شيء موجود عن بعض الأسباب إلا يشاركه سبب آخر له ، فيكون - وإن سمي علة - علة مقتضية سببية لا علة تامة ، ويكون كل منهما شرطاً للآخر . كما أنه ليس في العالم سبب إلا وله مانع يمنعه في الفعل ، فكل ما في المخلوق مما يسمى علة، أو سبباً، أو قادراً، أو فاعلا، أو مؤثراً - فله شريك هو له كالشرط ، وله معارض هو له مانع وضد ، وقد قال سبحانه: (وَمِن كُلِّشَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ )، والزوج يراد به: النظير المائل ، والضد المخالف . ١٨١ وهذا كثير ، فما من مخلوق إلا له شريك وند ، والرب سبحانه وحده هو الذي لاشريك له ، ولاند ولا مثل له ، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقاً ولا ربا مطلقاً ، ونحو ذلك ، لأن ذلك يقتضى الاستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع ، وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا وإن تنازع بعض الناس فى كون العلة تكون ذات أوصاف ، وادعى أن العلة لا تكون إلا ذات وصف واحد ، فإن أكثر الناس خالفوا فى ذلك ، وقالوا : يجوز أن تكون ذات أوصاف ، بل قيل. لا يكون فى المخلوق علة ذات وصف واحد ، إذ [ ليس ] فى المخلوق مايكون وحده علة ، ولا يكون في المخلوق علة إلا ما كان مركباً من أمرين فصاعداً ، فليس فى المخلوقات واحد يصدر عنه شيء ، فضلا عن أن يقال : الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، بل لا يصدر من المخلوق شيء إلا عن اثنين فصاعداً . وأما الواحد الذي يفعل وحده فليس إلا الله ، فكما أن الوحدانية واجبة له لازمة له فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له ، والوحدانية مستلزمة للكمال ، والكمال مستلزم لها . والاشتراك مستلزم للنقصان . والنقصان مستلزم له . والوحدانية مستلزمة للغنى عن الغير ، والقيام بنفسه ، ووجوبه بنفسه ، وهذه الأمور من الغنى والوجوب ١٨٢ بالنفس والقيام بالنفس مستلزمة للوحدانية ، والمشاركة مستلزمة للفقر إلى الغير ، والإمكان بالنفس ، وعدم القيام بالنفس ، وكذلك الفقر والإمكان وعدم القيام بالنفس مستلزم للاشتراك . فهذه وأمثالها من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها ، وهي من دلائل إمكان المخلوقات المشهودات وفقرها ، وأنها مربوبة، فهي من أدلة إثبات الصانع ، لأن ما فيها من الافتراق والتعداد والاشتراك يوجب افتقارها وإمكانها ، والممكن المفتقر لا بد له من واجب غني بنفسه ، وإلا لم يوجد ، ولو فرض تسلسل الممكنات المفتقرات فهي بمجموعها ممكنة ، والممكن قد على بالاضطرار أنه مفتقر فى وجوده إلى غيره ، فكل ما يعلم أنه ممكن فقير ، فإنه يعلم أنه فقير أيضاً فى وجوده إلى غيره ، فلا بد من غنى بنفسه واجب الوجود بنفسه ، وإلالم يوجد ماهو فقير ممكن بحال. وهذه المعاني تدل على توحيد الربوبية ؛ وعلى توحيد الإلهية ؛ وهو : التوحيد الواجب الكامل الذي جاء به القرآن ؛ لوجوه قد ذكرنا منها ما ذكرنا في غير هذا الموضع . مثل : أن المتحركات لا بد لها من حركة إرادية ، ولا بد للإرادة من مراد لنفسه ، وذلك هو الإله . والمخلوق يمتنع أن يكون مراداً لنفسه ، كما يمتنع أن يكون فاعلاً بنفسه ، فإذا امتنع أن يكون فاعلان بأنفسهما امتنع أن يكون مرادان بأنفسها . ١٨٣ وقال شيخ الإسلام فصل المنحرفون من أتباع الأمة فى الأصول والفروع؛ كبعض الخراسانيين من أهل جيلان وغيرهم ، المنتسبين إلى أحمد وغير أحمد : انحرافهم أنواع : أحدها : قول لم يقله الإمام ولا أحد من المعروفين من أصحابه بالعلم ، كما يقوله بعضهم من قدم روح بني آدم ونور الشمس والقمر والنيران ، وقال بعض متأخريهم بقدم كلام الآدميين ، وخرس الناس إذا رفع القرآن وتكفير أهل الرأي ولعن أبى فلان ، وقدم مداد المصحف . الثاني: قول قاله بعض علماء أصحابه وغلط فيه ، كقدم صوت العبد ورواية أحاديث ضعيفة يحتج فيها بالسنة في الصفات والقدر ، والقرآن والفضائل ؛ ونحو ذلك . ١٨٤ الثالث : قول قاله الإمام فزيد عليه قدرا أو نوعا ، كتكفيره نوعا من أهل البدع كالجهمية فيجعل البدع نوعا واحدا حتى يدخل فيه المرجئة والقدرية ، أو ذمه لأصحاب الرأي بمخالفة الحديث والإرجاء ، فيخرج ذلك إلى التكفير واللعن ، أو رده لشهادة الداعية وروايته ، وغير الداعية فى بعض البدع الغليظة ، فيعتقد رد خبرم مطلقا ، مع نصوصه الصرائح بخلافه ، وكخروج من خرج فى بعض الصفات إلى زيادة من التشبيه . الرابع : أن يفهم من كلامه ما لم يرده ، أو بنقل عنه ما لم يقله . الخامس : أن يجعل كلامه عاما أو مطلقاً وليس كذلك ، ثم قد يكون فى اللفظ إطلاق أو عموم فيكون لهم فيه بعض العذر ، وقد لا يكون كإطلاقه تكفير الجهمية الخلقية ، مع أنه مشروط بشروط انتفت فيمن ترحم عليه من الذين امتحنوه ، وهم رؤوس الجهمية . السادس : أن يكون عنه فى المسألة اختلاف فيتمسكون بالقول المرجوح . السابع : أن لا يكون قد قال أو نقل عنه ما يزيل شبهتهم مع كون لفظه محتملا لها . ١٨٥ الثامن : أن يكون قوله مشتملاً على خطأ . فالوجوه الستة تبين من مذهبه نفسه أنهم خالفوه ، وهو الحق . والسابع خالفوا الحق وإن لم يعرف مذهبه نفياً وإثباتا ، والثامن خالفوا الحق وإن وافقوا مذهبه . فالقسمة ثلاثية ؛ لأنهم إذا خالفوا الحق فإما أن يكونوا قد خالفوه أيضا أو وافقوه، أو لم يوافقوه ولم يخالفوه لانتفاء قوله في ذلك ، وكذلك إذا وافقوا الحق فإما أن يوافقوه هو أو يخالفوه ؛ أو ينتفي الأمران . وأهل البدع فى غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة؛ لأن نصوص أحمد فى تفاصيل السنة ونفى البدع أكثر من غيره بكثير. فالمبتدعة المنتسبون إلى غيره إذا كانوا جهمية ، أو قدرية ، أو شيعة ، أو مرجئة ؛ لم يكن ذلك مذهبا للإمام إلا في الإرجاء ؛ فإنه قول أبى فلان ، وأما بعض التجهم فاختلف النقل عنه ، ولذلك اختلف أصحابه المنتسبون إليه ما بين سنية وجهمية ؛ ذكور وإناث ؛ مشبهة ومجسمة ؛ لأن أصوله لا تنفي البدع وإن لم تثبتها . وفى الحنبلية أيضا مبتدعة ؛ وإن كانت البدعة في غيرم أكثر ، وبدعتهم غالبا فى زيادة الإثبات فى حق الله ، وفى زيادة الإنكار على مخالفهم بالتكفير وغيره ؛ لأن أحمد كان مثبتا لما جاءت به السنة؛ منكراً على من خالفها ، مصيبا فى غالب الأمور ، مختلفا عنه في البعض ومخالفا فى البعض . ١٨٦ وأما بدعة غيرم فقد تكون أشد من بدعة مبتدعهم فى زيادة الإثبات والإنكار ؛ وقد تكون في النفي، وهو الأغلب كالجهمية؛ والقدرية ؛ والمرجئة ؛ والرافضة . وأما زيادة الإنكار من غيرم على المخالف من تكفير ونفسيق فكثير . والقسم الثالث من البدع : الخلو عن السنة نفيا وإثباتا ، وترك الأمر بها والنهي عن مخالفتها ، وهو كثير فى المتفقهة والمتصوفة . ١٨٧ وقال رحم الله تعالى: فصل المتكلم باللفظ العام لا بد أن يقوم بقلبه معنى عام ؛ فإن اللفظ لا بد له من معنى ، ومن قال : العموم من عوارض الألفاظ دون المعانى فما أراد - والله أعلم - إلا المعانى الخارجة عن الذهن، كالعطاء والمطر ، على أن قوله مرجوح، فإذا حكم بحكم عام لمسمى من أمر أو نهي ؛ أو خبر سلب أو إيجاب ، فهذا لا بد أن يستشعر ذلك المعنى العام والحكم عليه ، ولا يجب أن يتصور الأفراد من جهة تميز بعضها عن بعض ، بل قد لا يتصور ذلك إذا كانت مما لا ينحصر للبشر. وإنما يتصورها ويحكم عليها من جهة المعنى العام المشترك بينها ، سواء كانت صيغة العموم اسم جمع؛ أو اسم واحد ، فإنه لا بد أن يعم الاسم تلك المسميات لفظاً ومعنى ، فهو يحكم عليها باعتبار القدر المشترك العام بينها ، وقد يستحضر أحياناً بعض آحاد ذلك العام بخصوصه أو بعض الأنواع بخصوصه ، وقد يستحضر الجميع إن كان مما يحصر ، وقد لا يستحضر ذلك ، بل يكون عالماً بالأفراد على وجه كلي جملة ١٨٨ لا تفصيلا . ثم إن ذلك الحكم يتخلف عن بعض تلك الآحاد لمعارض. مثل أن يقول : أعط لكل فقير درهما ! فإذا قيل له : فإن كان كافراً أو عدواً فقد ينهى عن الإعطاء . فهذا الذي أراد دخوله فى العموم إما أن يريد دخوله بخصوصه ؛ أو لمجرد شمول المعنى له من غير استشعار خصوصه ؛ بحيث لم يقم به ما يمنع الدخول مع قيام المقتضى للدخول . وأما الأول فقد أراد دخوله بعينه ، فهذا نظير ما ورد عليه اللفظ العام من السبب ، وهذا أحد فوائد عطف الخاص على العام ، وهو : ثبوت المعنى المشترك فيه من غير معارض ، وإن كان من فوائده أن يتبين دخوله بعموم المعنى المشترك؛ وبخصوص المعنى المميز، وإن لم يكن الحكم ثابتاً للمشترك. وأما الذي لم يرد دخوله في العموم : فإما أن يكون حين التكلم بالعموم قد استشعر قيام المعارض فيه ، فذاك يمنعه عن أن يكون أراد دخوله في حكم المعنى العام مع قيام المقتضى فيه ؛ وهو المعنى العام ، وإما أن يكون قد استشعر ذلك قبل التكلم بالعام ، وذهل وقت التكلم بالعموم عن دخوله وخروجه . فالأول كالمخصص المقارن ، وهذا كالمخصص السابق ، وإما أن يستشعر ذلك المعنى بعد تكلمه بالعام ، مع ١٨٩ علمه بأنه لا يريد بالعموم ما قام فيه ذلك المعارض ، فهنا قد يقال : قد دخل في اللفظ العام من غير تخصيص ، واستشعار المانع من إرادته فيما بعد يكون نسخاً ؛ لأن المقتضى للدخول فى الإرادة هو ثبوت ذلك المغنى فيه ، وهو حاصل . وهذا المعنى إنما يصلح أن يكون مانعاً من الإرادة إذا استشعر حين الخطاب ؛ ولم يكن مستشعراً . ومن قال هذا فقد يقول فى استشعار المانع السابق : لا يؤثر إلا إذا قارن ، بل إذا غفل وقت التعميم عن إخراج شيء دخل في الإرادة العامة كما دخل فى استشعار المعنى العام ؛ إذ التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام ، وهذا الفرد قد أريد باللفظ العام ؛ لأنه لا يشترط إرادته بخصوصه ، وإنما يراد إرادة القدر المشترك ؛ وذاك حاصل . وقد يقال: بل هذا لم يرده بالاسم العام ؛ لأنه إنما أراد بالاسم العام ما لم يقم فيه معارض ، وكل من الأمرين وإن كان لم يتصور المعارض مفصلا ذلك المعنى فمراده أن ذلك المعنى مقتض لإرادته ، لا موجب لثبوت الحكم فيه بمجرد ذلك المعنى من غير التفات إلى المعارض وإذا كان مراده أن ذلك المعنى مقتض : فإذا عارض ما هو عنده مانع لم يكن قد أراده، فمدار الأمر على أن ثبوت المعنى العام يقتضي ثبوت الإرادة فى مراده ، إلا أن يزول عن بعضها ، أو ثبوت المقتضى لإرادة الأفراد ، والمقتضى يقتضى ثبوت الأفراد إذا لم يعارضه معارض . ١٩٠ وعلى هذا فلو لم يستشعر المعارض المانع ؛ لكن إذا استشعره العلم أنه لا يريده : هل يقال: لم يتناوله حكمه وإرادته من جهة المعنى ، وإن تناوله لفظه ومعنى لفظه العام ؟ قد يقال ذلك ؛ فإنه أراد المعنى الكلى المشترك باعتبار معناه العام ، ولم يرد من الأفراد ما فيه معنى معارض لذلك المعنى العام راجحاً عليه عنده ، ثم لا يكلف استشعار الموانع مطلقاً في الأنواع والأشخاص لكثرتها، ولو استشعر بعضها لم يحسن التعرض لنفي كل مانع مانع منها ؛ فإن الكلام فيه مجنة ولكنة؛ وطول وعى فقد يتعسر أو يتعذر على الموانع؛ أو بيانها أو هما جميعاً . فهنا ما قام بالأفراد من الخصائص المعارضة مانع من إرادة المتكلم ، وإن كان لفظه ومعناه العام يشمل ذلك باعتبار القدر المشترك . وعلى هذا فإذا كان ذلك المانع يحتمل أنه يكون عنده مانعاً ؛ ويحتمل ألا يكون ، فهل نحكم بدخوله لقيام المقتضى وانتفاء المخصص بالأصل ؛ أو نقف فيه لأن المقتضى قائم والمعارض محتمل؟ فيه نظر . فإن لصاحب القول الثانى أن يقول: هذا المانع يمنع أن يكون المقتضى مقتضياً مع قيام هذا المانع . وللأول أن يقول : بل اقتضاؤه ثابت والمانع مشكوك فيه ، والأظهر التوقف فى إرادة المتكلم حينئذ. ١٩١ وقال شيخ الإسلام فصل ((قاعدة)) الحسنات تعلل بعلتين: إحداهما : ما تتضمنه من جلب المصلحة والمنفعة . والثانية : ما تتضمنه من دفع المفسدة والمضرة . وكذلك السيئات تعلل بعلتين : إحداهما : ما تتضمنه من المفسدة والمضرة . والثانية : ما تتضمنه من الصد عن المنفعة والمصلحة . مثال ذلك قوله تعالى: ( إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) فبين الوجهين جميعاً، فقوله: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ) بيان لما تتضمنه من دفع المفاسد والمضار . فإن النفس إذا قام بها ذكر الله ودعاؤه - لاسيما على وجه الخصوص - أكسبها ذلك صبغة صالحة تنهاها عن الفحشاء والمنكر ، كما يحسه الإنسان من نفسه؛ ولهذا قال تعالى: (وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ) فإن القلب يحصل له من الفرح والسرور وقرة العين ما يغنيه عن ١٩٢ اللذات المكروهة ، ويحصل له من الخشية والتعظيم اللّه والمهابة. وكل واحد من رجائه وخشيته ومحبته ناه بنهاه . وقوله: ( وَلَذِكْرُ اللَّهِأَكْبَرُ ) بيان لما فيها من المنفعة والمصلحة أي ذكر الله الذي فيها أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإن هذا هو المقصود لنفسه، كما قال: (إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ )، والأول تابع ، فهذه المنفعة والمصلحة أعظم من دفع تلك المفسدة ؛ ولهذا كان المؤمن الفاسق بؤول أمره إلى الرحمة ، والمنافق المتعبد أمره صائر إلى الشقاء ، فإن الإيمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها . ومن ظن أن المعنى ولذكر الله أكبر من الصلاة فقد أخطأ ؛ فإن الصلاة أفضل من الذكر المجرد بالنص والإجماع . والصلاة ذكر الله لكنها ذكر على أكمل الوجوه ، فكيف يفضل ذكر الله المطلق على أفضل أنواعه؟ ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( عليكم بقيام الليل ! فإنه قربة إلى ربكم؛ ودأب الصالحين قبلكم ، ومنهاة عن الإثم ؛ ومكفرة للسيئات ، ومطردة لداعى الحسد )) ، فبين ما فيه من المصلحة بالقرب إلى اللّه وموافقة الصالحين، ومن دفع المفسدة بالهي عن المستقبل من السيئات ؛ والتكفير للماضي منها ، وهو نظير الآية. ١٩٣ وكذلك قوله: (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفَا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَنتِ فهذا دفع المؤذي ثم قال: (ذَلِكَ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). فهذا مصلحة ، وفضائل الأعمال وثوابها وفوائدها ذِكْرَى لِلَّكِينَ) ومنافعها كثير فى الكتاب والسنة من هذا النمط ، كقوله فى الجهاد : إلى ٨ ١ ءُ ، قوله: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ الَِّوَفَنْحٌ فَرِيبٌ ). فبين مافيه من دفع مفسدة الذنوب ومن حصول مصلحة الرحمة بالجنة ، فهذا فى الآخرة ، وفى الدنيا النصر والفتح ، وهما أيضاً دفع المضرة وحصول المنفعة، ونظائره كثيرة. وأما من السيئات فكقوله : ( إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَيْرِوَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْعَن ذِكْرِ اللَّهِوَعَنِ الصَّلَوَةِ) فبين فيه العلتين : إحداهما : حصول مفسدة العداوة الظاهرة والبغضاء الباطنة . والثانية : المنع من المصلحة التى هي رأس السعادة، وهي ذكر الله والصلاة . فيصد عن المأمور به إيجاباً أو استحباباً . وبهذا المعنى عللوا أيضاً كراهة أنواع الميسر من الشطرنج ونحوه ١٩٤ فإنه يورث هذه المفسدة ويصد عن المأمور به ، وكذلك الغناء فإنه يورث القلب نفاقاً ويدعو إلى الزنى ، ويصد القلب عن ما أمر به من العلم النافع والعمل الصالح ، فيدعو إلى السيئات وينهى عن الحسنات ، مع أنه لا فائدة فيه ، والمستثنى منه عارضه ما أزال مفسدته كنظائره . وكذلك البدع الاعتقادية والعملية ؛ تتضمن ترك الحق المشروع الذي بصد عنه من الكلم الطيب والعمل الصالح ، إما بالشغل عنه ، وإما بالمناقضة ، وتتضمن أيضا حصول ما فيها من مفسدة الباطل اعتقاداً وعملا. وهذا باب واسع إذا تؤمل انفتح به كثير من معاني الدين . ١٩٥ وقال : فصل قاعدة شرعية : شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضى أن يكون مشروعا بوصف الخصوص والتقييد ؛ فإن العام والمطلق لا يدل على ما يختص بعض أفراده ويقيد بعضها ، فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعا ؛ ولا مأموراً به ، فإن كان فى الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كره ، وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب ، وإلا بقى غير مستحب ولا مكروه . مثال ذلك : أن الله شرع دعاءه وذكره شرعا مطلقاً عاماً . فقال: أَذَّكُرُواْللَّهَ ذِكْرً اكَثِيرًا )، وقال: ( أَدْعُواْ رَبَّكُمْتَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ( ) ونحو ذلك من النصوص . فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معين ؛ أو زمان معين ؛ أو الاجتماع لذلك تقييد للذكر، والدعاء لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده ، لكن تتناوله ؛ لما فيه من القدر المشترك ، فإن دلت أدلة الشرع على استحباب ذلك كالذكر ١٩٦ والدعاء يوم عرفة بعرفة ؛ أو الذكر والدعاء المشروعين في الصلوات الخمس ؛ والأعياد والجمع ، وطرفي النهار؛ وعند الطعام والمنام واللباس؛ ودخول المسجد والخروج منه ؛ والأذان والتلبية ، وعلى الصفا والمروة ونحو ذلك صار ذلك الوصف الخاص مستحباً مشروعا استحباباً زائداً على الاستحباب العام المطلق . وفى مثل هذا يعطف الخاص على العام ؛ فإنه مشروع بالعموم والخصوص ، كصوم يوم الإثنين والخميس بالنسبة إلى عموم الصوم ، وإن دلت أدلة الشرع على كراهة ذلك كان مكروهاً ، مثل اتخاذ ما ليس بمسنون سنة دائمة ؛ فإن المداومة فى الجماعات على غير السنن المشروعة بدعة ، كالأذان فى العيدين ، والقنوت فى الصلوات الخمس ، والدعاء المجتمع عليه أدبار الصلوات الخمس أو البردين منها ، والتعريف المداوم عليه فى الأمصار ، والمداومة على الاجتماع لصلاة تطوع ؛ أو قراءة ، أو ذكر كل ليلة ؛ ونحو ذلك ؛ فإن مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة ، كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار والقياس . وإن لم يكن فى الخصوص أمر ولا نهي بقي على وصف الإطلاق، كفعلها أحياناً على غير وجه المداومة ، مثل التعريف أحياناً كما فعلت الصحابة ، والاجتماع أحياناً لمن يقرأ لهم، أو على ذكر أو دعاء ؛ ١٩٧ والجهر ببعض الأذكار فى الصلاة ، كما جهر عمر بالاستفتاح ، وابن عباس بقراءة الفاتحة . وكذلك الجهر بالبسملة أحياناً . وبعض هذا القسم ملحق بالأول ، فيكون الخصوص مأموراً به كالقنوت فى النوازل وبعضها ينفى مطلقاً ، ففعل الطاعة المأمور بها مطلقا حسن ، وإيجاب ما ليس فيه سنة مكروه . وهذه القاعدة إذا جمعت نظائرها نفعت ، وتميز بها ما هو البدع من العبادات التى بشرع جنسها من الصلاة والذكر والقراءة ، وأنها قد يتميز بوصف اختصاص تبقى مكروهة لأجله أو محرمة ، كصوم يومي العيدين ، والصلاة فى أوقات النهي ، كما قد تتميز بوصف اختصاص تكون واجبة لأجله أو مستحبة ، كالصلوات الخمس والسنن الرواتب . ولهذا قد يقع من خلقه العبادة المطلقة والترغيب فيها فى أن شرع من الدين ما لم يأذن به الله ، كما قد يقع من خلقه العلم المجرد فى النهي عن بعض المستحب أو ترك الترغيب . ولهذا لما عاب اللّه على المشركين أنهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وأنهم حرموا ما لم يحرمه الله. وهذا كثير فى المتصوفة من يصل ببدع الأمر لشرع الدين ، وفى المتفقهة من يصل ببدع التحريم إلى الكفر . ١٩٨ وقال : فصل ((الإيجاب والتحريم)) قد يكون نعمة؛ وقد يكون عقوبة ؛ وقد يكون محنة . فالأول كإيجاب الإيمان والمعروف ؛ وتحريم الكفر والمنكر ، وهو الذي أثبته القائلون بالحسن والقبح العقليين، والعقوبة كقوله : وقوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْحَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ◌ُفْرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا )، إلى قوله: ( ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِبَغْيِهِمْ)، وقوله : (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ )، فسماها آصاراً وأغلالا ، والآصار في الإيجاب ، والأغلال فى التحريم . وقوله : (وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) ، ويشهد له قوله : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَ )، وقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج ) ، فإن هذا النفي العام ينفى كل ما يسمى حرجاً ، ١٩٩ والحرج : الضيق ، فما أوجب الله ما يضيق ؛ ولا حرم ما يضيق ، وضده السعة ، والحرج مثل الغل ، وهو : الذي لا يمكنه الخروج منه مع حاجته إلى الخروج، وأما المحنة فمثل قوله: (إِنَّ اللّهُ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ ) الآية . ثم ذلك قد يكون بإنزال الخطاب ، وهذا لا يكون إلا فى زمن الأنبياء، وقد انقطع. وقد يكون بإظهار الخطاب لمن لم يكن سمعه ؛ ثم سمعه ، وقد يكون باعتقاد نزول الخطاب أو معناه وإن كان اعتقاداً مخطئاً لأن الحكم الظاهر تابع لاعتقاد المكلف . فالتكليف الشرعي إما أن يكون باطناً وظاهراً ؛ مثل الذي تيقن أنه منزل من عند الله. وإما أن يكون ظاهراً ؛ مثل الذي يعتقد أن حكم الله هو الإيجاب أو التحريم؛ إما اجتهاداً وإما تقليداً، وإما جهلا مركباً ، بأن نصب سبب يدل على ذلك ظاهراً دون ما يعارضه تكليف ظاهر ؛ إذ المجتهد المخطئ مصيب فى الظاهر لما أمر به؛ وهو مطيع فى ذلك ، هذا من جهة الشرع ، وقد يكون من جهة الكون بأن يخلق سبحانه ما يقتضى وجود التحريم الثابت بالخطاب والوجوب ( وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ الثابت بالخطاب ، كقوله : حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْيَعْدُونَ فِ السَّبْتِ إِذْتَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوْيَفْسُقُونَ ) ، فأخبر أنه ٢٠٠