النص المفهرس

صفحات 121-140

الوج السادس عشر
أن اللّه لم يأمر بأمر إلا وقد خلق سببه ومقتضيه فى جبلة العبد
وجعله محتاجا إليه ، وفيه صلاحه وكما له ؛ فإنه أمر بالإيمان به ، وكل
مولود يولد على الفطرة ، فالقلوب فيها أقوى الأسباب لمعرفة باريها
والإقرار به، وأمر بالعلم والصدق والعدل؛ وصلة الأرحام وأداء الأمانة،
وغير ذلك من الأمور التى فى القلوب معرفتها ومحبتها ؛ ولهذا سميت
معروفا، ونهى عن الكفر الذي هو أصل الجهل والظلم ، وعن الكذب
والظلم والبخل والجبن ، وغير ذلك من الأمور التى تنكرها القلوب ،
وإنما يفعل الآدمي الشر المنهى عنه لجهله به أو لحاجته إليه ، بمعنى أنه
يشتهيه ويلتذ بوجوده ، أو يستضر بعدمه، والجهل عدم العلم . فما
كان من المنهى عنه سببه الجهل فلعدم فعل المأمور به من العلم ، وما
كان سببه الحاجة من شهوة أو نفرة فلعدم المأمور به الذي يقتضي
حاجته ، مثل أن يزني لعدم استعفافه بالنكاح المباح ، أو يأكل الطعام
الحرام لعدم استعفافه بما أمر به من المباح ، وإلا فإذا فعل المأمور به
الذي يغنيه عن الحرام لم يقع فيه .
فثبت أن المأمور به خلق الله فى العبد سببه ومقتضيه ، وأن المنهي
١٢١

عنه إنما يقع لعدم الفعل المأمور به المانع عنه ، فثبت بذلك أن المأمور
به فى خلقته ما يقتضيه وما يحتاج إليه، وبه صلاحه بمنزلة الأكل للجسد ،
بل هو من حملة المأمور به ، وبمنزلة النكاح للنوع ؛ وهو من المأمور به .
والمنهى عنه ليس فيه سببه إلا لعدم المأمور به ، فكان وجوده لعدم
المأمور به ، فكان عدم المأمور به أضر عليه من وجود المنهى عنه ؛
لتضرره به من وجهين ، وفى تركه أشد استحقاقا للذم والعقاب؛ لوجود
مقتضيه فيه ، المعين له عليه . والمنهى عنه ليس فيه مقتضيه فى الأصل
إلا مع عدم المأمور به ، وأما عدمه فلا يقتضيه إلا بفعل المأمور به
فهذا هذا .
الوجه السابع عشر
أن فعل الحسنات يوجب ترك السيئات ، وليس مجرد ترك السيئات
يوجب فعل الحسنات؛ لأن ترك السيئات مع مقتضيها لا يكون إلا بحسنة، وفعل
الحسنات عند عدم مقتفيها لا يقف على ترك السيئة ، وذلك يؤجر لأنه ترك
السيئات مع مقتضيها، وذلك لأن الله خلق ابن آدم هماماً حارنا، كما قال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((أصدق الأسماء حارث وهمام))، والحارث:
١٢٢

العامل الكاسب ، والهمام : الكثير الهم . وهذا معنى قولهم : متحرك
بالإرادة ، والهم والإرادة لا تكون إلا بشعور وإحساس ، فهو حساس
متحرك بالإرادة دائماً .
ولهذا جاء فى الحديث: (( للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت
غليانا))، و((مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة))، و((ما
من قلب من قلوب العباد إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن))،
وإذا كان كذلك فعدم إحساسه وحركته ممتنع ، فإن لم يكن إحساسه
وحركته من الحسنات المأمور بها أو المباحات وإلا كان من السيئات المنهى
عنها ، فصار فعل الحسنات يتضمن الأمرين فهو أشرف وأفضل .
وذلك لأن من فعل ما أمر به من الإيمان والعمل الصالح ؛ قد
يمتنع بذلك عما نهي عنه من أحد وجهين : إما من جهة اجتماعها فإن
الإيمان ضد الكفر ، والعمل الصالح ضد السيء فلا يكون مصدقا
مكذبا محباً مبغضا. وإما من جهة اقتضاء الحسنة ترك السيئة ؛ كما قال
تعالى: (إِنَ الصَّلَوْةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ )، وهذا محسوس؛ فإن
الإنسان إذا قرأ القرآن وتدبره كان ذلك من أقوى الأسباب المانعة له
من المعاصي أو بعضها ، وكذلك الصوم جنة ، وكذلك نفس الإيمان
بتحريم المحرمات وبعذاب الله عليها يصد القلب عن إرادتها .
١٢٣

فالحسنات إما ضد السيئات ؛ وإما مانعة منها ، فهي إما ضد وإما
صد . وإنما تكون السيئات عند ضعف الحسنات المانعة منها ، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم: (( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن؛
ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ؛ ولا يشرب الخمر حين
بشربها وهو مؤمن ))، فإن كمال الإيمان وحقيقته يمنع ذلك ، فلا يقع
إلا عند نوع ضعف في الإيمان يزيل كماله .
وأما ترك السيئات : فإما أن يراد به مجرد عدمها ، فالعدم المحض
لا ينافي شيئاً ولا يقتضيه ، بل الخالي القلب متعرض للسيئات أكثر من
تعرضه للحسنات . وإما أن يراد به الامتناع من فعلها ؛ فهذا الامتناع
لا يكون إلا مع اعتقاد قبحها وقصد تركها ، وهذا الاعتقاد والاقتصاد
حسنتان مأمور بها ، وهما من أعظم الحسنات.
فثبت بذلك أن وجود الحسنات يمنح السيئات ، وأن عدم السيئات
لا يوجب الحسنات ، فصار في وجود الحسنات الأمران ، بخلاف مجرد
عدم السيئات فليس فيه إلا أمر واحد ، وهذا هو المقصود .
١٢٤

الوجه الثامن عشر
أن فعل الحسنات موجب للحسنات أيضاً ؛ فإن الإيمان يقتضي
الأعمال الصالحة والعمل الصالح يدعو إلى نظيره وغير نظيره؛ كما قيل: إن من
ثواب الحسنة الحسنة بعدها .
وأما عدم السيئة فلا يقتضي عدم سيئة إلا إذا كان امتناعا ، فيكون
من باب الحسنات كما تقدم ، وما اقتضى فرعا أفضل مما لا يقتضى فرعا
له ، وهذا من نمط الذي قبله .
الوجه التاسع عشر
ترجيح الوجود على العدم إذا علم أنه حسنة ، وأما المختلط والمشتبه
عليه فقد يكون الإمساك خيراً [ له ] ليبقى مع الفطرة، فهذا حال
المهتدي والضال وحال (١) فإذا قام المقتضى الكفر والفسوق والعصيان
فى قلبه من الشبهات والشهوات لم يزل هذا الحس والحركة إلا بما يزيله
أو يشغل عنه من إيمان وصلاح ، كالعلم الذي يزيل الشبهة : والقصد
الذي يمنع الشهوة، وهذا أمر يجده المرء فى نفسه ، وهو فى كل شيء ؛
فإن ما وجد مقتضيه فلا يزول إلا بوجود منا فيه . فإن قيل : فقد
يزول ذلك بمباح (١).
(١) بياض في الأصل .
١٢٥

الوج العشرون
أن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب فى العلوم والأعمال بالكلم
الطيب والعمل الصالح بالهدى ودين الحق ، وذلك بالأمور الموجودة فى
العقائد والأعمال ، فأمرم فى الاعتقادات بالاعتقادات المفصلة فى أسماء الله
وصفاته ؛ وسأر ما يحتاج إليه من الوعد والوعيد، وفى الأعمال بالعبادات
المتنوعة من أصناف العبادات الباطنة والظاهرة . وأما في النفي فجاءت
بالنفي المجمل والنهي عما يضر المأمور به ، فالكتب الإلهية وشرائح
الرسل ممتلئة من الإثبات فيما يعلم ويعمل .
وأما المعطلة من المتفلسفة ونحوم ؛ فيغلب عليهم النفي والنهي ؛
فإنهم فى عقائدهم الغالب عليهم السلب : ليس بكذا ، ليس بكذا ، ليس
بكذا .. وفي الأفعال الغالب عليهم الذم والترك من الزهد الفاسد
والورع الفاسد لايفعل ، لا يفعل ، لا يفعل .. من غير أن يأتوا
بأعمال صالحة يعملها الرجل تنفعه ، وتمنع ما يضره من الأعمال الفاسدة ؛
ولهذا كان غالب من سلك طرائقهم بطالا متعطلا ، معطلا في عقائده
وأعماله .
١٢٦

واتباع الرسل في العلم والهدى والصلاح، والخير في عقائدهم وأعمالهم ،
وهذا بين فى أن الذي جاءت به الرسل يغلب عليه الأمر والإثبات، وطريق
الكافرين من المعطلة ونحوهم يغلب عليه النهي والنفي ، وهذا من أوضح
الأدلة على ترجيح الأمر والإثبات على النهي والنفي .
الوجه الحادي والعشرون
أن النفي والنهي لا يستقل بنفسه ، بل لابد أن يسبقه ثبوت وأمر
بخلاف الأمر والإثبات ، فإنه يستقل بنفسه ، وهذا لأن الإنسان لا
يمكنه أن يتصور المعدوم ابتداء ، ولا يقصد المعدوم ابتداء ، وقد قررت
هذا فيما تقدم ، وبينت أن الإنسان لا يمكنه أن يتصور المعدوم إلا
بتوسط تصور الموجود ، فإذا لم يمكنه تصوره لم يمكنه قصده بطريق
الأولى ؛ فإن القصد والإرادة مسبوق بالشعور والتصور ، والأمر فى
القصد والإرادة أوكد منه في الشعور والعلم ، فإن الإنسان يتصور الموجود
والمعدوم ويخبر عنهما ، وأما إرادة المعدوم فلا يتصور من كل وجه ،
وإنما إرادة عدم الشيء هي بغضه وكراهته ، فإن الإنسان إما أن يريد
وجود الشيء أو عدمه، أو لا يريد وجوده ولا عدمه، فالأول هو
أصل الإرادة والمحبة . وأما الثاني وهو إرادة عدمه فهو بغضه وكراهته،
وذلك مسبوق بتصور المبغض المكروه، فصار البغض والكراهة للشيء المقتضى
لتركه الذي هو مقصود الناهي، وهو المطلوب من المنهى فرعا من جهتين :
١٢٧

من جهة أن تصوره فرع على تصور المحبوب المراد المأمور به ،
وإن قصد عدمه الذي هو بغضه وكراهته فرع على إرادة وجود المأمور
به الذي هو حبه وإرادته ، وذلك لأن الإنسان إذا علم عدم شيء
وأخبر عن عدمه مثل قولنا : أشهد أن لا إله إلا الله ، وقولنا : لا نبي
بعد محمد ، وقولنا : ليس المسيح باله ولا رب ، وقولنا : ذلك الكتاب
لا ريب فيه ، إلى أمثال ذلك ، حتى ينتهي التمثيل إلى قول القائل:
ليس الجبل يا قوتا ولا البحر زئبقاً ونحو ذلك ، فإن هذه الجمل الخبرية
النافية التى هي قضايا سلبية لولا تصور النفي والمنفى عنه لما أمكنه الإخبار
بالنفي والحكم ، فلا بد أن يتصور النفي والمنفي عنه ، مثل تصور
الجبل والياقوت .
والمنفى هو عدم محض ، ونفس الإنسان التى هي الشاعرة العالمة
المدركة بقواها وآلاتها لم تجد العدم ولم تفقهه، ولم تصادفه ، ولم تحسه
بشيء من حواسها الباطنة ولا الظاهرة ، ولا شعرت إلا بموجود ،
لكن لما شعرت بموجود أخذ العقل والخيال يقدر في النفس أموراً تابعة
لتلك الأمور الموجودة ، إما أمور مركبة وإما مشابهة لها ، فإنه أدرك
الياقوت وأدرك الجبل ، ثم ركب في خياله جبل ياقوت ، وعرف جنس
النبوة وعرف الزمان المتأخر عن مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم
قدر نبياً فى هذا الزمان المتأخر ، وعرف الإله والألوهية الثابتة لله رب
١٢٨

العالمين ، ثم قدر وجودها بغيره من الموجودات .
ثم المؤمن ينفى هذا المقدر من ألوهية غير الله تعالى ونبوة أحد
بعد محمد صلى الله عليه وسلم، والكافر قد يعتقد ثبوت هذا القدر،
فيرى ثبوت الألوهية للشمس ؛ أو القمر ؛ أو الكواكب ، أو الملائكة
أو النبيين أو بعضهم ؛ أو الصالحين أو بعضهم ؛ أو غيرهم من البشر،
أو الأوثان المصنوعة مثلا لبعض هذه الآلهة المتخذة من دون الله سبحانه
فالمقصود أن الإنسان لم يمكنه تصور عدم شيء ولا الإخبار به إلا بعد
أن يتصور وجوداً قاس به عليه ؛ وقدر به شيئاً آخر ؛ ثم نفى ذلك
المقيس المقدر به ؛ ثم أثبته ، والفرع المقيس المقدر تبع للأصل المقيس
عليه المقدر به ، فلا يتصور العدم إلا بطريق القياس والتمثيل والتفريع
لا بطريق الاستقلال والحقيقة والتأصيل ، وإن كان بعض الموجودات
لا يمكن الناس أو بعضهم أن يتصوره فى الدنيا إلا بطريق القياس أو التمثيل
لكن من الموجودات ما يدركه الإنسان حقيقة وتأويلا ؛ ومنها ما يدركه
قياساً أو تمثيلا ؛ كمدركات المنام .
وأما المعدوم فلا يدركه إلا قياساً أو تمثيلا؛ إذ ليس له حقيقة
ينالها الحي المدرك وتباشرها الذوات الشاعرة ؛ إذ حقيقة كل شيء في
الخارج عين ماهيته . وأما ما يقدر في العقل من الماهيات والحقائق فقد
يكون له حقيقة فى الوجود الخارجي العني الكوني ؛ وقد لا يكون
١٢٩

وهكذا الأمر فى القصد والحب والإرادة من جهتين :
من جهة أن المقصود المحبوب أو المكروه المبغض لا يتصور حبه
ولا بغضه إلا بعد نوع من الشعور به ، والشعور فى الموجود أصل
وفى المعدوم فرع ، فالحب والبغض الذي يتبعه أولى بذلك .
ومن جهة أن الإنسان إنما يحب ما بلائه ويناسبه ، وله به لذة
ونعيم، ونفسه لا تلائم العدم المحض والنفى الصرف ؛ ولا
تناسبه ؛ ولا له فى العدم المحض لذة ولا سرور ، ولا نعمة ولا نعيم.
ولا خير أصلا ؛ ولا فائدة قطعاً؛ بل محبة العدم المحض كعدم المحبة،
واللذة بالعدم المحض كعدم اللذة ، وما ليس شيء أصلا كيف يكون فيه
منفعة أو لذة أو خير ؟ ولكن نفسه محب ما لها فيه منفعة ولذة، مثل
محبة اللبن عند ولادته ؛ ولغير ذلك من الأغذية ، ثم لما يلتذ به من
منكوح ونحوه ، ثم ما يلتذ به من شرف ورياسة ونحو ذلك ، ثم ما
يلتذ به من العقل والعلم والإيمان ، ويحب ما يدفع عنه المضرة من
اللباس والمساكن ، والخير الذي يقيه عدوه من الحر والبرد ، والآدميين
المؤذين ؛ والدواب المؤذية وغير ذلك ، فيحب وجود ما ينفعه
وعدم ما يضره.
والنافع له إنما هو أمر موجود كما تقدم ، وأما الضار له فتارة
١٣٠

يراد به عدم النافع ؛ فإن أكثر ما يضره عدم النافع وعدم النافع
إنما يقصد بوجود النافع . وتارة بضره أمر موجود ، فذلك الذي
يضره لم يبغض منه إلا مضرته له ، ومضرته له إزالة نعيمه أو
تحصيل عذابه .
فإن قيل : ما ذكرته معارض ؛ فإن القرآن من أوله إلى آخره
يأمر بالتقوى ويحض عليها، حتى لم يذكر فى القرآن شيء أكثر منها
وهي وصية الله إلى الأولين والآخرين، وهي شعار الأولياء وأول
دعوة الأنبياء ، وأهل أصحاب العاقبة ؛ وأهل المقعد الصدق ، إلى غير
ذلك من صفاتها . والتقوى هي ترك المنهى عنه ، وق. قال سهل بن
عبد الله : أعمال البر يعملها البر والفاجر ، ولن يصبر عن الآثام
إلا صديق .
وفى تعظيم الورع وأهله والزهد وذويه ما يضيق هذا الموضع
عن ذكره .
وإنما ذلك عائد إلى ترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات ،
وهي بقسم المنهى عنه أشبه منها بقسم المأمور به ، والناس يذكرون من
فضائل أهل هذا الورع ومناقبهم ما لا يذكرون عن غيرم .
١٣١

فنقول : هذا السؤال مؤلف من شيئين : جهل بحقيقة التقوى
والورع والزهد ؛ وجهل بجهة حمد ذلك .
فنقول أولا : ومن الذي قال : إن التقوى مجرد ترك السيئات ؟
بل التقوى - كما فسرها الأولون والآخرون - : فعل ما أمرت به
وترك ما نهيت عنه ، كما قال طلق بن حبيب لما وقعت الفتنة : اتقوها
بالتقوى ! قالوا : وما التقوى ؟ قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من
الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله.
تخاف عذاب الله.
وقد قال الله تعالى في أكبر سورة فى القرآن: ( الّ* ذَلِكَ
الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيِْ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَعَمَا رَزَقْهُمْ
يُفِقُونَ )
إلى آخرها ، فوصف المتقين بفعل المأمور
به : من الإيمان والعمل الصالح من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وقال :
(يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْتَتَّقُونَ ).
وقال: (لَّيْسَ الْبِّأَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبَّ مَنْ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلََكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ
١٣٢

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ) ،
وهذه الآية عظيمة جليلة القدر ،
من أعظم آي القرآن وأجمعه لأمر الدين ، وقد روى أن النبي صلى
اللّه عليه وسلم سئل عن خصال الإيمان فنزلت ، وفي الترمذي عن فاطمة
بنت قيس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن في المال حقا سوى
الزكاة ، وقرأ هذه الآية » وقد دلت على أمور :
أحدها : أنه أخبر أن الفاعلين لهذه الأمور م المتقون ، وعامة
هذه الأمور فعل مأمور به .
الثانى : أنه أخبر أن هذه الأمور هي البر ، وأهلها م الصادقون .
يعني في قوله: (ءَامَثًا)، وعامتها أمور وجودية ، هي أفعال مأمور
بها ، فعلم أن المأمور به أدخل فى البر والتقوى والإيمان من عدم
المنهى عنه. وبهذه الأسماء الثلاثة استحقت الجنة كما قال تعالى: (إِنَّ
اُلْأَبْرَارَلَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَلَفِىَِّحِيمٍ)، وقال: (أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )،
(إِنَّالْنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ )، وقال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنَا كَمَن كَانَ فَاسِقَاً
لَّايَسْتَوُنَ )
وهذه الخصال المذكورة فى الآية قد دلت على وجوبها ؛ لأنه
١٣٣

أخبر أن أهلها م الذين صدقوا فى قولهم ؛ وم المتقون ، والصدق
واجب والإيمان واجب إيجاب حقوق سوى الزكاة ، وقوله : (فَاقْرَءُوا
مَا تَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُوْللَّهَ فَرْضَا حَسَنَّا وَمَانُقَدُِّوْلِأَنْفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا )
وقوله لبني إسرائيل : (لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِي
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، وقوله: (لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ
وقوله: (وَأَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوْبِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ
مِمَا تُحِبُّونَ ) .
إِحْسَنَا وَبِذِى الْقُرْبَى وَاُلْيَتَعَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ
وَالضَّاحِبِ بِالْجَنِّ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ) ،
وقوله: (وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ) فى ((سبحان))
((والروم)) فإنيان ذى القربى حقه صلة الرحم ، والمسكين إطعام الجائع،
وابن السبيل قرى الضيف ، وفي الرقاب فكاك العاني ، واليتيم نوع
من إطعام الفقير .
وفى البخاري عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((عودوا المريض،
وأطعموا الجائع، وفكوا العالى)، وفى الحديث الذي أفتى به أحمد :
« لو صدق السائل [ما] أفلح من رده)).
وأيضاً فالرسول مثل نوح وهود وصالح وشعيب فاتحة دعوام
فی هود :
وفى الشعراء :
﴿ أُعْبُدُواْاللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )،
١٣٤

( أَلَائَنَّقُونَ ) (فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) ، وقال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنِ اتَّقَى)
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى :
(فَتِّقُواْإِلَيْهِمْ عَهْدَ هُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ )
وقال تعالى :
وقال: (فَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْلَهُمَّإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
فقد بين أن الوفاء بالعهود من التقوى التى يحبها الله، والوفاء بالعهود
هو جملة المأمور به ، فإن الواجب إما بالشرع ، أو بالشرط ، وكل
ذلك فعل مأمور به ، وذلك وفاء بعهد الله وعهد العبيد؛ وذلك أن
التقوى ، إما تقوى الله ؛ وإما تقوى عذابه ، كما قال: (فَاتَّقُواْ النَّارَ
(وَأَتَّقُواْالنَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ )
الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ ) .
فالتقوى اتقاء المحذور بفعل المأمور به وبترك المنهى عنه ، وهو بالأول
أكثر ، وإنما سمى ذلك تقوى لأن ترك المأمور به وفعل المنهى عنه
سبب الأمن من ذم الله وسخط الله وعذاب الله ، فالباعث عليه خوف
الإثم . بخلاف ما فيه منفعة وليس فى تركه مضرة، فإن هذا هو
المستحب الذي له أن يفعله وله أن لا يفعله ، فذكر ذلك باسم
التقوى ليبين وجوب ذلك ، وأن صاحبه متعرض للعذاب بترك التقوى .
ونقول ثانياً : إنه حيث عبر بالتقوى عن ترك المنهى أن قيل
ذلك كما فى قوله: (وَتَعَاوَ نُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقْوَى ) قال بعض السلف :
البر ما أمرت به ؛ والتقوى ما نهيت عنه . فلا يكون ذلك إلا مقروناً
١٣٥

بفعل المأمور به كما ذكر معها البر، وكما فى قول نوح: (أَنِ أَعْبُدُواْ
وذلك لأن هذه التقوى مستلزمة لفعل
اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) ،
المأمور به .
ونقول ثالثاً : إن أكثر بنى آدم قد يفعل بعض المأمور به ،
ولا يترك المنهى عنه إلا الصديقون ، كما قال سهل ؛ لأن المأمور به له
مقتضى فى النفس وأما ترك المنهى عنه إلى خلاف الهوى ومجاهدة
النفس فهو أصعب وأشق ، فقل أهله، ولا يمكن أحداً أن يفعله إلا مع
فعل المأمور به، لا تتصور تقوى وهى فعل [وال ترك قط ؛ فإن من ترك
الشرك واتباع الهوى المضل واتباع الشهوات المحرمات فلابد أن يفعل
من المأمور به أموراً كثيرة تصده عن ذلك، فتقوام تحفظ لهم حسناتهم
التى أمروا بها ، وتمنعهم من السيئات التى تضريم ، بخلاف من فعل
ما أمر به وما نهى عنه مثلا ؛ فإن وجود المنهى عنه يفسد عليه من
المأمور به ما يفسد ، فلا يسلم له ؛ ولهذا كانت العاقبة للتقوى ، كما
قال تعالى: (وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَىُ)، (وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ).
وذلك لأن المتقين بمنزلة من أكل الطعام النسافع واتقى الأطعمة
المؤذية فصح جسمه ، وكانت عاقبته سليمة . وغير المتقى بمنزلة من
خلط من الأطعمة ؛ فإنه وإن اغتذى بها لكن تلك التخاليط قد تورثه
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
١٣٦

أمراضاً ، إما مؤذية؛ وإما مهلكة . ومع هذا فلا يقول عاقل إن
حاجته وانتفاعه بترك المضر من الأغذية أكثر من حاجته وانتفاعه بالأغذية
النافعة ، بل حاجته وانتفاعه بالأغذية التى تناولها أعظم من انتفاعه بما
تركه منها ، بحيث لو لم يتناول غذاء قط لهلك قطعاً ، وأما إذا تناول
النافع والضار فقد يرجى له السلامة ؛ وقد يخاف عليه العطب ، وإذا
تناول النافع دون الضار حصلت له الصحة والسلامة .
فالأول نظير من ترك المأمور به ، والثاني نظير من فعل المأمور
به والمنهى عنه، وهو المخلط الذي خلط عملا صالحاً وآخر سيئاً .
والثالث نظير المتقى الذى فعل ما أمر به واجتنب ما نهى عنه ، فعظم
أخر التقوى لتضمنها السلامة مع الكرامة ، لا لأجل السلامة فقط ؛
فإنه ليس فى الآخرة دار إلا الجنة أو النار ، فمن سلم من النار دخل
الجنة ، ومن لم ينعم عذب ، فليس فى الآدميين من يسلم من العذاب
والنعيم جميعاً. فتدبر هذا ! فكل [خصلة] قد أمر [الله بها ] أو أثنى عليها ففيها
فعل المأمور به ولا بد: تضمناً أو استلزاماً ، وحمدها لنيل الخير عن الشر
والثواب عن العقاب .
وكذلك الورع المشروع والزهد المشروع من نوع التقوى الشرعية
ولكن قد غلط بعض الناس فى ذلك ، فأما الورع المشروع المستحب
الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم فهو : اتقاء من يخاف
١٣٧

أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح . ويدخل فى
ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التى تشبه الواجب ، وترك المحرمات
والمشتبهات التى تشبه الحرام ، وإن أدخلت فيها المكروهات قلت :
نخاف أن تكون سبباً للنقص والعذاب .
وأما الورع الواجب فهو اتقاء ما يكون سبباً للذم والعذاب، وهو
فعل الواجب وترك المحرم ، والفرق بينهما فيما اشتبه أمن الواجب هو
أم ليس منه ؟ وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه ؟ فأما ما لا
ريب في حله فليس تركه من الورع ، وما لا ريب في سقوطه فليس
فعله من الورع . وقولى عند عدم المعارض الراجح فإنه قد لا يترك
الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة موقعها فى الشريعة
أعظم من ترك تلك السيئة ، مثل من يترك الانتمام بالإمام الفاسق
فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو ، وكذلك قد لا يؤدى الواجب
البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثماً من تركه ، مثل من لا يمكنه
أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان ،
إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه .
والأصل فى الورع المشتبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحلال
بين والحرام بين ، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس
فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه ، ومن وقع فى الشبهات وقع فى
١٣٨

الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه))، وهذا في
الصحيحين . وفى السنن قوله: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))،
وقوله: ((البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب))، وقوله فى
محيح مسلم فى رواية: ((البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك فى نفسك
وإن أفتاك الناس))، وإنه رأى على فراشه تمرة فقال: «لو لا أني أخاف
أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها)).
وأما فى الواجبات (١) ، لكن يقع الغلط فى الورع من
ثلاث جهات :
أحدها : اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك ، فلا يرون
الورع إلا فى ترك الحرام ، لا في أداء الواجب ، وهذا يبتلى به كثير
من المتدينة المتورعة ، ترى أحدثم يتورع عن الكلمة الكاذبة ، وعن
الهرم فيه شبهة ؛ لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة ، ويتورع
[ عن ] الركون إلى الظلمة من أجل البدع فى الدين وذوى الفجور فى
الدنيا ، ومع هذا يترك أموراً واجبة عليه إما عينا وإما كفاية ، وقد
تعينت عليه، من صلة رحم ؛ وحق جار ومسكين ؛ وصاحب ويتيم
وابن سبيل ؛ وحق مسلم وذى سلطان ؛ وذى علم ؛ وعن أمر بمعروف
(١) بياض بالأصل .
١٣٩

ونهي عن منكر ؛ وعن الجهاد فى سبيل اللّه؛ إلى غير ذلك مما فيه نفع
للخلق فى دينهم ودنياه مما وجب عليه ، أو يفعل ذلك لا على وجه
العبادة لله تعالى ، بل من جهة التكليف ونحو ذلك .
وهذا الورع قد يوقع صاحبه فى البدع الكبار ؛ فإن ورع الخوارج
والروافض والمعتزلة ومحوم من هذا الجنس ، تورعوا عن الظلم وعن
ما اعتقدوه ظلما من مخالطة الظلمة فى زعمهم ، حتى تركوا الواجبات
الكبار، من الجمعة والجماعة ؛ والحج والجهاد ؛ ونصيحة المسلمين والرحمة
لهم، وأهل هذا الورع ممن أنكر عليهم الأئمة، كالأئمة الأربعة ، وصار
حالهم يذكر فى اعتقاد أهل السنة والجماعة .
الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب والمشتبه
وترك المحرم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة
الكتاب والسنة ، وبالعلم لا بالهوى ، وإلا فكثير من الناس تنفر
نفسه عن أشياء لعادة ونحوها ، فيكون ذلك مما يقوى تحريمها واشتباهها
عنده ، ويكون بعضهم فى أوهام وظنون كاذبة ، فتكون تلك الظنون
مبناها على الورع الفاسد ، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه :
(إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ )،
وهذه حال أهل الوسوسة
في النجاسات ؛ فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين
وضعف عقل وعلم ، وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة
١٤٠