النص المفهرس

صفحات 41-60

العراقيين كأبى حنيفة والثوري ونحوها، كوكيع؛ ويحيى بن سعيد ،
ومنهم من يميل إلى مذهب المدنيين : مالك ونحوه كعبد الرحمن
ابن مهدي .
وأما البيهقي فكان على مذهب الشافعي؛ منتصراً له فى عامة أقواله.
والدار قطنى هو أيضاً يميل إلى مذهب الشافعى وأئمة السند
والحديث ، لكن ليس هو فى تقليد الشافعي كالبيهقي، مع أن البيهقي
له اجتهاد في كثير من المسائل ، واجتهاد الدار قطنى أقوى منه ؛ فإنه
كان أعلم وأفقه منه .
٤١

وقال شيخ الإسلام
القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي .
قال : فمتى ما وقع عنده وحصل فى قلبه ما بطن معه إن هذا الأمر
أو هذا الكلام أرضى الله ورسوله ، كان هذا ترجيحاً بدليل شرعي ،
والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقاً إلى الحقائق مطلقاً أخطأوا ،
فإذا اجتهد العبد فى طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من
أدلة كثيرة ضعيفة ، فإلهام مثل هذا دليل فى حقه ، وهو أقوى من
كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة ، والظواهر والاستصحابات
الكثيرة التى يحتج بها كثير من الخائضين فى المذاهب والخلاف ؛
وأصول الفقه .
وقد قال عمر بن الخطاب : اقربوا من أفواه المطيعين ، واسمعوا
منهم ما يقولون ؛ فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة. وحديث مكحول المرفوع
((ما أخلص عبد العبادة لله تعالى أربعين يوماً إلا أجرى الله الحكمة على
قلبه؛ وأنطق بها لسانه)) وفى رواية ((إلا ظهرت ينابيع الحكمة من
قلبه على لسانه )). وقال أبو سليمان الداراني : إن القلوب إذا اجتمعت
٤٢

على التقوى جالت في الملكوت ؛ ورجعت إلى أصحابها بطرف الفوائد ؛
من غير أن يؤدي إليها عالم علماً .
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( الصلاة نور ؛ والصدقة
برهان؛ والصبر ضياء))، ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف
حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها ؟ ولا سيما الأحاديث النبوية ؛
فإنه يعرف ذلك معرفة تامة ؛ لأنه قاصد العمل بها ؛ فتتساعد فى حقه
هذه الأشياء مع الامتثال ومحبة الله ورسوله ، حتى أن المحب يعرف
من فحوى كلام محبوبه مراده منه تلويحا لا تصريحاً .
والعين تعرف من عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى
وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
وفي الحديث الصحيح: (( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى
أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به،
وبده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها ))، ومن كان توفيق الله
له كذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة ؟ وإذا كان
٤٣

الإثم والبر فى صدور الخلق له تردد وجولان ؛ فكيف حال من الله
سمعه وبصره وهو فى قلبه ؟ وقد قال ابن مسعود : الإثم حواز القلوب،
وقد قدمنا أن الكذب ريبة والصدق طمأنينة ، فالحديث الصدق تطمئن
إليه النفس ، ويطمئن إليه القلب .
وأيضاً فإن الله فطر عباده على الحق ؛ فإذا لم تستحل الفطرة :
شاهدت الأشياء على ماهي عليه ؛ فأنكرت منكرها ، وعرفت معروفها.
قال عمر : الحق أبلج لا يخفى على فطن .
فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن؛ تجلت
لها الأشياء على ماهي عليه فى تلك المزايا ، وانتفت عنها ظلمات الجهالات،
فرأت الأمور عيانا مع غيبها عن غيرها .
وفى السنن والمسند وغيره عن النواس بن سمعان عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم قال: ((ضرب الله مثلا صراطا مستقيما؛ وعلى جنبتى
الصراط سوران ؛ وفى السورين أبواب مفتحة ؛ وعلى الأبواب ستور
مرخاة ؛ وداع يدعو على رأس الصراط ؛ وداع يدعو من فوق الصراط ؛
والصراط المستقيم هو الإسلام ؛ والستور المرخاة حدود الله ؛ والأبواب
المفتحة محارم الله، فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه
المنادي : يا عبد الله! لا تفتحه؛ فإنك إن فتحته تلجه. والداعي على
٤٤

رأس الصراط كتاب الله؛ والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب
كل مؤمن)) ، فقد بين في هذا الحديث العظيم - الذي من عرفه انتفع
به انتفاءا بالغاً إن ساعده التوفيق ؛ واستغنى به عن علوم كثيرة - أن
فى قلب كل مؤمن واعظ ، والوعظ هو الأمر والنهي ؛
والترغيب والترهيب .
وإذا كان القلب معموراً بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت ؛
بخلاف القلب الخراب المظلم ، قال حذيفة بن اليمان: إن في قلب المؤمن
سراجا يزهر . وفى الحديث الصحيح: ((إن الدجال مكتوب بين عينيه
كافر، يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ)) ، فدل على أن المؤمن
يتبين له مالا يتبين لغيره؛ ولا سيما فى الفتن ، وينكشف له حال
الكذاب الوضاع على الله ورسوله ؛ فإن الدجال أكذب خلق الله،
مع أن الله يجري على يديه أموراً هائلة ومخاريق مزلزلة ، حتى إن من
رآه افتتن به ، فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها .
وكلما قوي الإيمان فى القلب قوي انكشاف الأمور له ؛ وعرف
حقائقها من بواطلها ، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف ، وذلك مثل
السراج القوي والسراج الضعيف فى البيت المظلم ؛ ولهذا قال بعض
السلف في قوله: ( ثُورُ عَلَى نُورٍ ) قال : هو المؤمن ينطق بالحكمة
المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر كان نوراً
٤٥

على نور . فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن ؛ فالإلهام
القلب تارة يكون من جنس القول والعلم ؛ والظن أن هذا القول
كذب ؛ وأن هذا العمل باطل ؛ وهذا أرجح من هذا ؛ أو
هذا أصوب .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قد كان فى
الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن فى أمتى منهم أحد فعمر ))، والمحدث :
هو الملهم المخاطب فى سره. وما قال عمر لشيء : إني لأظنه كذا
وكذا إلا كان كما ظن، وكانوا يرون أن السكينة تنطق على
قلبه ولسانه .
وأيضاً فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة
إيمانه يقينا وظناً ؛ فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى ؛
فإنه إلى كشفها أحوج ، فالمؤمن تقع فى قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه
التعبير عنها فى الغالب ، فإن كل أحد لا يمكنه إبانة المعانى القائمة بقلبه،
فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من حوى كلامه ،
فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان ، ولكن هو فى نفسه قد
أخذ حذره منه، وربما لوح أو صرح به خوفا من الله وشفقة على
خلق الله ليحذروا من روايته أو العمل به .
٤٦

وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام
حرام؛ وأن هذا الرجل كافر ؛ أو فاسق ؛ أو ديوث ؛ أو لوطي ؛
أو خمار؛ أو مغن ؛ أو كاذب ؛ من غير دليل ظاهر ، بل بما يلقي الله
فى قلبه .
وكذلك بالعكس ، يلقى فى قلبه محبة لشخص ، وأنه من أولياء
الله؛ وأن هذا الرجل صالح؛ وهذا الطعام حلال، وهذا القول
صدق ؛ فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في حق أولياء الله
المؤمنين المتقين .
وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب ، وأن الخضر على هذه
الأحوال المعينة بما أطلعه الله عليه . وهذا باب واسع يطول بسطه ، قد
نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها .
٤٧

وقال:
فصل
جامع فى تعارض الحسنات؛ أو السيئات ؛ أو هما جميعا ؛ إذا اجتمعا
ولم يمكن التفريق بينهما ؛ بل الممكن إما فعلهما جميعا؛ وإما تركها جميعاً.
وقد كتبت ما يشبه هذا فى ((قاعدة الإمارة والخلافة)) وفى أن
الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ،
وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين ، وتحصيل أعظم المصلحتين ،
بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ، فنقول :
قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة؛ وإن كان الواجب
مستحباً وزيادة . ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة، والدين هو طاعته
وطاعة رسوله ، وهو الدين والتقوى؛ والبر والعمل الصالح ؛ والشرعة
والمنهاج ، وإن كان بين هذه الأسماء فروق . وكذلك حمد أفعالا هي
الحسنات ووعد عليها ، وذم أفعالا هي السيئات وأوعد عليها ، وقيد
٤٨

الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة ، فقال تعالى: (فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا
اُسْتَطَعْتُمْ)، وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا
مَا أَكْتَسَبَتْ)، وقال تعالى: (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآءَانَنَهُ اللّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّمَاءَاتَهَا)، وكل من الآيتين وإن كانت عامة فسبب الأولى
المحاسبة على ما فى النفوس ، وهو من جنس أعمال القلوب ، وسبب
الثانية الإعطاء الواجب .
وقال: (فَقَائِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ)، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُأَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)،
وقال : (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ)، وقال: (مَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وقال: (يَأَيُهَا الَّذِينَءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الآية، وقال:
( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ)، وقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ
مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وقال: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَ عَلَى الَّذِينَ
لَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْللَّهِ وَرَسُولِهِ).
وقد ذكر في الصيام والإحرام والطهارة والصلاة والجهاد من
هذا أنواعا .
وقال فى المنهيات : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّاحَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا آَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)،
٤٩

وقال: (فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخٍ وَلَاعَادٍ فَ إِثْمَ عَلَيْهِ)، ( فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا
عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ )، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا)، (وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ)، ( وَلَوْ شَآءَ اللَّهُلَأَعْنَتَكُمْ) ، وقال تعالى:
( يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) الآية.
وقال في المتعارض: ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ
كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا)، وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اَلْقِتَالُ وَهُوَّكُزْهُ لَّكُمْ وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَ هُواْشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ
شَرِّلَكُمْ وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وقال: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَن نَقْصُرُوأ مِنَ
الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ)، وقال: (وَاُلْفِتْنَةُ أَكْبُ مِنَ الْقَتْلِ)،
وقال: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْرُكْبَانًا) ( وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ
فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ)، وقوله: (وَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَّى
مِّن قَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَن تَضَعُوْ أَسْلِحَتَكُمْ)، وقال: (وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيَّهِ
حُسْنًا)، وقوله: ( وَإِن جَهَدَ الَكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلاَ
تُطِعُهُمٌَّ وَصَاحِبُهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَا وَأَنَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ).
ونقول : إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة :
كان في تركها مضار ، والسيئات فيها مضار ، وفي المكروه بعض
٥٠

حسنات . فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما ؛ فتقدم
أحسنها بتفويت المرجوح ، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منها ؛
فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما . وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق
بينهما ؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة ؛ وترك السيئة مستلزم
لترك الحسنة ؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة .
فالأول كالواجب والمستحب ؛ وكفرض العين وفرض الكفاية ؛
مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع .
والثانى كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين ؛ وتقديم
تفقة الوالدين عليه ، كما فى الحديث الصحيح : أي العمل أفضل ؟ قال :
((الصلاة على مواقيتها))، قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم بر الوالدين))،
قلت. ثم أى؟ قال: (( ثم الجهاد في سبيل اللّه))، وتقديم الجهاد
على الحج كما فى الكتاب والسنة متعين على متعين ومستحب على مستحب ،
ونقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا فى عمل القلب واللسان ،
وتقديم الصلاة عليها إذا شاركتها فى عمل القلب ، وإلا فقد يترجح
الذكر بالفهم والوجل على القراءة التى لا تجاوز الحناجر ، وهذا
باب واسع .
والثالث كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها
٥١

بدار الحرب ، كما فعلت أم كلثوم التى أنزل الله فيها آبة الامتحان
( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ )،
وكتقديم قتل
النفس على الكفر، كما قال تعالى: (وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبُرُ مِنَ الْقَتْلِ )، فتقتل
النفوس التى تحصل بها الفتنة عن الإيمان ، لأن ضرر الكفر أعظم من
ضرر قتل النفس ، وكنقديم قطع السارق ورجم الزانى وجلد الشارب
على مضرة السرقة والزنا والشرب، وكذلك سائر العقوبات المأمور بها،
فإنما أمر بها مع أنها فى الأصل سيئة وفيها ضرر ؛ لدفع ما هو أعظم
ضرراً منها ؛ وهي جرائمها ؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا
بهذا الفساد الصغير .
وكذلك في ((باب الجهاد)) وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء
والصبيان وغيرهم حراما، فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل: الرمي
بالمنجنيق والتبيت بالليل جاز ذلك ، كما جاءت فيها السنة فى حصار
الطائف ورميهم بالمنجنيق ، وفى أهل الدار من المشركين يبيتون ، وهو
دفع لفساد الفتنة أيضاً بقتل من لا يجوز قصد قتله .
وكذلك «مسألة التترس» التى ذكرها الفقهاء ؛ فإن الجهاد هو
دفع فتنة الكفر ، فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها ؛ ولهذا اتفق
الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي
[ إلى] قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك؛ وإن لم يخف الضرر لكن
٥٢

لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان .
ومن يسوغ ذلك يقول : قتلهم لأجل مصلحة الجهاد ، مثل قتل
المسلمين المقاتلين يكونون شهداء ، ومثل ذلك إقامة الحد على المباذل ؛
وقتال البغاة وغير ذلك ، ومن ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت .
وهذا باب واسع أيضاً .
وأما الرابع: فمثل أكل الميتة عند المخمصة ؛ فإن الأكل حسنة
واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة ، وعكسه الدواء
الخبيث ؛ فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج ؛ لقيام
غيره مقامه ؛ ولأن البرء لا يتيقن به ، وكذلك شرب الخمر للدواء .
فتبين أن السيئة تحتمل فى موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا
لم تدفع إلا بها ، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها
والحسنة تترك فى موضعين إذا كانت مفونة لما هو أحسن منها ؛ أو
مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة . هذا فيما يتعلق
بالموازنات الدينية .
وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا ؛ وإباحة المحرم لحاجة فى
الدنيا ؛ كسقوط الصيام لأجل السفر ؛ وسقوط محظورات الإحرام
٥٣

وأركان الصلاة لأجل المرض ، فهذا باب آخر يدخل فى سعة الدين
ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع ؛ بخلاف الباب الأول ؛ فإن
جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت فى أعيانه ، بل
ذلك ثابت في العقل ، كما يقال : ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر
وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين ، وينشد :
إن اللبيب إذا بدا من جسمه
مرضان مختلفان داوى الأخطرا
وهذا ثابت في سائر الأمور ؛ فإن الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية
القوة ودفع المرض؛ والفساد أداة تزيدهما معا؛ فإنه يرجح عند وفور
القوة تركه إضعافا المرض ، وعند ضعف القوة فعله ، لأن منفعة إبقاء
القوة والمرض أولى من إذهابها جميعاً ؛ فإن ذهاب القوة مستلزم للهلاك
ولهذا استقر فى عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم
أقوام على ظلمهم ، لكن عدمه أشد
رحمة ، وإن كان يتقوى بما ينبته
ضرراً عليهم ، ويرجحون وجود السلطان مع ظمه على عدم السلطان ،
كما قال بعض العقلاء ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة
بلا سلطان .
ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من
٥٤

الحقوق مع التمكن ، لكن أقول هنا ؛ إذا كان المتولي للسلطان العام
أو بعض فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك ، إذا كان لا يمكنه
أداء واجباته وترك محرماته ، ولكن يتعمد ذلك مالا يفعله غيره قصداً
وقدرة : جازت له الولاية ، وربما وجبت ! وذلك لأن الولاية إذا
كانت من الواجبات التى يجب تحصيل مصالحها ، من جهاد العدو ،
وقسم الفيء ، وإقامة الحدود ، وأمن السبيل: كان فعلها واجباً ، فإذا
كان ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق ، وأخذ بعض مالا يحل
وإعطاء بعض من لا ينبغي ؛ ولا يمكنه ترك ذلك : صار هذا من باب
مالا يتم الواجب أو المستحب إلا به ، فيكون واجباً أو مستحباً إذا
كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب ، بل لو كانت
الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى
تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها ، ودفع أكثره باحتمال
أيسره : كان ذلك حسناً مع هذه النية ، وكان فعله لما يفعله من السيئة
بنية دفع ما هو أشد منها جيداً .
وهذا باب يختلف باختلاف الذيات والمقاصد ، فمن طلب منه ظالم
قادر وألزمه مالا ، فتوسط رجل بينها ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم ،
وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم ، ودفعه ذلك لو
أمكن : كان محسناً ، ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئاً .
٥٥

وإنما الغالب فى هذه الأشياء فساد النية والعمل ، أما النية فيقصد.
السلطان والمال ، وأما العمل فيفعل المحرمات وبترك الواجبات ، لا لأجل
التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح .
ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة ، فقد يكون في
حق الرجل المعين غيرها أوجب . أو أحب ، فيقدم حينئذ خير الخيرين
وجوبا تارة ، واستحبابا أخرى .
ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك
مصر ، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض ، وكان هو وقومه
( وَلَقَدْجَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ
كفاراً كما قال تعالى :
فَازِلْتُمْ فِ شَكٍ مِّمَاجَآءَ كُم بِهِ) الآية، وقال تعالى عنه: (يَصَحِبَى
اُلْسِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّفُونَ خَيْرٍّ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ.
إِلَّ أَسْمَآءُ سَمَّيْثُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم) الآية ، ومعلوم أنه مع كفرم
لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية
الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ، ولا تكون تلك جارية على سنة
الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو
ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له ، لكن فعل الممكن من
العدل والإحسان ، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته
ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك ، وهذا كله داخل فى قوله :
٥٦

﴿فَاَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) .
فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعها فقدم أوكدهما ، لم يكن الآخر
فى هذه الحال واجباً ، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد نارك واجب
فى الحقيقة .
وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمها إلا بفعل أدناها ،
لم يكن فعل الأدنى فى هذه الحال محرماً فى الحقيقة ، وإن سمى ذلك
ترك واجب وسمى هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر . ويقال فى
مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة ، أو
للضرورة؛ أو لدفع ما هو أحرم ، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة
أو نسيها : إنه صلاها فى غير الوقت المطلق قضاء .
هذا وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها
فليصلها إذا ذكرها ، فإن ذلك وقتها ، لاكفارة لها إلا ذلك)).
وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لاسيما فى الأزمنة والأمكنة
التى نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة ، فإن هذه المسائل تكثر
فيها ، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل ، ووجود ذلك من
أسباب الفتنة بين الأمة ، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع
٥٧

الاشتباه والتلازم ، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا
الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة ، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات
فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة ، والمتوسطون الذين
ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أولأكثرم مقدار المنفعة والمضرة ،
أو يتبين لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات ؛
لكون الأهواء قارنت الآراء، ولهذا جاء فى الحديث: ((إن الله يحب
البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند
حلول الشهوات )) .
فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل ، وقد يكون الواجب
فى بعضها - كما بينته فيما تقدم : العفو عند الأمر والنهي فى بعض
الأشياء ؛ لا التحليل والإسقاط . مثل أن يكون فى أمره بطاعة فعلا
لمعصية أكبر منها ، فيترك الأمر بها دفعاً لوقوع تلك المعصية، مثل
أن ترفع مذنباً إلى ذي سلطان ظالم فيعتدى عليه فى العقوبة ما يكون
أعظم ضرراً من ذنبه ، ومثل أن يكون فى نهيه عن بعض المنكرات
تركالمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات ، فيسكت عن النهي
خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من
مجرد ترك ذلك المنكر .
فالعالم تارة يأمر ، وتارة نهى ، وتارة يبيح ، وتارة يسكت عن
٥٨

الأمر أو النهي أو الإباحة ، كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو
النهي عن الفساد الخالص أو الراجح ، وعند التعارض يرجح الراجح
- كما تقدم - بحسب الإمكان ، فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد
بالممكن: إما لجهله ، وإما لظلمه ، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما
كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه ، كما قيل : إن من
المسائل مسائل جوابها السكوت ، كما سكت الشارع في أول الأمر عن
الأمر بأشياء والنهي عن أشياء ، حتى علا الإسلام وظهر .
فالعالم فى البيان والبلاغ كذلك ؛ قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء
إلى وقت التمكن ، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى
وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما إلى بيانها .
بين حقيقة الحال فى هذا أن اللّه يقول: ( وَمَا كُنَامُعَذِّبِينَ حَقَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا ) والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين : بشرط التمكن من
العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به . فأما العاجز عن العلم
كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي . وإذا انقطع العلم
ببعض الدين ، أو حمل العجز عن بعضه : كان ذلك فى حق العاجز
عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز
عن جميعه كالمجنون مثلا ، وهذه أوقات الفترات ، فإذا حصل من يقوم
بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول
٥٩

شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً ، ومعلوم أن
الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ، ولم تأت الشريعة جملة ،
كما يقال : إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع .
فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته ، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه
والعمل به ، كما أن الداخل فى الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن
جميع شرائعه ، ويؤمر بها كلها .
وكذلك التائب من الذنوب ؛ والمتعلم ، والمسترشد ، لا يمكن فى
أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم ، فإنه لا
يطيق ذلك ، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه فى هذه الحال ، وإذا لم
يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء ، بل يعفو عن
الأمر والنهى بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان ، كما عفى
الرسول عما عفى عنه إلى وقت بيانه ، ولا يكون ذلك من باب إقرار
المحرمات وترك الأمر بالواجبات ، لأن الوجوب والتحريم مشروط
بإمكان العلم والعمل ، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط . فتدبر هذا
الأصل فإنه نافع .
ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة
أو محرمة في الأصل ، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله فى
٦٠