النص المفهرس

صفحات 281-300

مثال ذلك أن الله حرم الخمر فظن بعض الناس أن لفظ الخمر لايتناول
إلا عصير العنب خاصة ، ثم من هؤلاء من لم يحرم إلا ذلك أو حرم
معه بعض الأنبذة المسكرة ، كما يقول ذلك من يقوله من فقهاء الكوفة
فإن أبا حنيفة يحرم عصير العنب المشتد الزبد ، وهذا الخمر عنده ،
ويحرم المطبوخ منه ما لم يذهب ثلثاه ، فإذا ذهب ثلثاه لم يحرمه .
ويحرم النيء من نبيذ التمر فإن طبخ أدنى طبخ حل عنده . وهذه
المسكرات الثلاثة ليست خمراً عنده مع أنها حرام ، وما سوى ذلك من
الأنبذة فإنما يحرم منه ما يسكر .
وأما محمد بن الحسن فوافق الجمهور فى تحريم كل مسكر قليله
وكثيره ، وبه أفتى المحققون من أصحاب أبى حنيفة، وهو اختيار أبي
الليث السمرقندي .
ومن العلماء من حرم كل مسكر بطريق القياس : إما في الاسم
وإما فى الحكم ؛ وهذه الطريقة التى سلكها طائفة من الفقهاء من
أصحاب مالك والشافعي وأحمد ، يظنون أن تحريم كل مسكر إنما كان
بالقياس فى الأسماء أو القياس في الحكم .
والصواب الذي عليه الأئمة الكبار : أن الخمر المذكورة في
القرآن تناولت كل مسكر ، فصار تحريم كل مسكر بالنص العام
٢٨١

والكلمة الجامعة لا بالقياس وحده، وإن كان القياس دليلا آخر
يوافق النص ، وثبتت أيضاً نصوص صحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم
بتحريم كل مسكر ، ففي صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)» وفي الصحيحين عن
عائشة - رضي الله عنها - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((كل شراب أسكر فهو حرام )) وفي الصحيحين عن أبى موسى ، عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه سئل فقيل له : عندنا شراب من العسل
يقال له : البتع ، وشراب من الذرة يقال له : المزر ؟ قال : وكان قد
أوتي جوامع الكلم فقال: ((كل مسكر حرام » إلى أحاديث أخر
يطول وصفها .
وعلى هذا فتحريم ما يسكر من الأشربة والأطعمة كالحشيشة
المسكرة ثابت بالنص ، وكان هذا النص متناولا لشرب الأنواع
المسكرة من أي مادة كانت ؟ من الحبوب أو الثمار ، أو من لبن الخيل
أو من غير ذلك .
ومن ظن أن النص إنما يتناول خمر العنب قال : إنه لم يبين حكم
هذه المسكرات التى هي في الأرض أكثر من خمر العنب ، بل كان
ذلك ثابتاً بالقياس ، وهؤلاء غلطوا فى فهم النص . ومما يبين ذلك أنه
قد ثبت بالأحاديث الكثيرة المستفيضة أن الخمر لما حرمت لم يكن بالمدينة
٢٨٢

من خمر العنب شيء ؛ فإن المدينة لم يكن فيها شجر العنب وإنما كان
عندم النخل ، فكان خمرم من التمر ، ولما حرمت الخمر أراقوا تلك
الأشربة التى كانت من التمر وعلموا أن ذلك الشراب هو خمر محرم ،
فعلم أن لفظ الخمر لم يكن عندهم مخصوصاً بعصير العنب ، وسواء كان
ذلك فى لغتهم فتناول [غيره](١): أو كانوا عرفوا التعميم ببيان الرسول
صلى الله عليه وسلم، فإنه المبين عن الله مراده، فإن الشارع بتصرف
فى اللغة تصرف أهل العرف ، يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من
معناه فى اللغة ، وتارة فيما هو أخص .
وكذلك لفظ الميسر هو عند أكثر العلماء يتناول اللعب بالترد
والشطرنج ، ويتناول بيوع الغرر التى نهى عنها النبى صلى الله عليه وسلم
فإن فيها معنى القمار الذي هو ميسر ، إذ القمار معناه أن يؤخذ مال
الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوضه أو لا يحصل ؟ كالذي
يشتري العبد الآبق والبعير الشارد وحبل الحبلة، ونحو ذلك مما قد يحصل
له وقد لا يحصل له ، وعلى هذا فلفظ الميسر في كتاب الله تعالى يتناول هذا
كله ، وما ثبت فى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى
عن بيع الغرر يتناول كل ما فيه مخاطرة ، كبيع الثمار قبل بدو صلاحها
وبيع الأجنة فى البطون وغير ذلك .
ومن هذا الباب لفظ الربا، فإنه يتناول كل ما نهى عنه من ربا
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق.
٢٨٣

النَّسَاء وربا الفضل ؛ والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك ، فالنص
متناول لهذا كله ؛ لكن يحتاج فى معرفة دخول الأنواع والأعيان في
النص إلى ما يستدل به على ذلك ، وهذا الذي يسمى : تحقيق المناط .
وكذلك قوله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ )،
ونحو
(وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ )
وقوله :
ذلك ، يعم بلفظه كل مطلقة ويدل على أن كل طلاق فهو رجعي ،
ولهذا قال أكثر العلماء بذلك ، وقالوا : لا يجوز للرجل أن يطلق
المرأة ثلاثاً ، ويدل أيضاً على أن الطلاق لا يقع إلا رجعياً وأن ما كان
بائناً فليس من الطلقات الثلاث ، فلا يكون الخلع من الطلقات الثلاث
كقول ابن عباس والشافعي فى قول ؛ وأحمد فى المشهور عنه ، لكن
بينهم نزاع : هل ذلك مشروط بأن يخلو الخلع عن لفظ الطلاق
ونيته ، أو بالخلو عن لفظه فقط ؛ أو لا يشترط شيء من ذلك ؟ على
ثلاثة أقوال .
وكذلك قوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ) و(ذَلِكَ
كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ ) ، هو متناول لكل يمين من أيمان المسلمين ، فمن
العلماء من قال : كل يمين من أيمان المسلمين ففيها كفارة كما دل عليه
الكتاب والسنة . ومنهم من قال : لا يتناول النص إلا الحلف باسم الله
وغير ذلك لا تنعقد ولا شيء فيها . ومنهم من قال : بل
٢٨٤

هي أيمان يلزم الحالف بها ما التزمه ولا تدخل فى النص ، ولا ريب
أن النص يدل على القول الأول ، فمن قال: إن النص لم يبين حكم
جميع أيمان المسلمين كان هذا رأيا منه ، لم يكن هذا مدلول النص .
وكذلك الكلام فى عامة مسائل النزاع بين المسلمين إذا طلب
ما يفصل النزاع من نصوص الكتاب والسنة وجد ذلك ، وتبين أن
النصوص شاملة لعامة أحكام الأفعال . وكان الإمام أحمد يقول : إنه
ما من مسألة يسأل عنها إلا وقد تكلم الصحابة فيها أوفى نظيرها ،
والصحابة كانوا يحتجون فى عامة مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور
عنهم، وكانوا يجتهدون رأيهم ويتكلمون بالرأي ويحتجون بالقياس
الصحيح أيضاً .
والقياس الصحيح نوعان :
أحدهما : أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير
مؤثر فى الشرع ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الصحيح
أنه سئل عن فأرة وقعت فى سمن فقال: ألقوها وما حولها وكلوا
سمنكم ))، وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصاً بتلك
الفأرة وذلك السمن ؛ فلهذا قال جماهير العلماء : إنه أي نجاسة وقعت
فى دهن من الأدهان كالفأرة التى تقع فى الزيت وكالهر الذي يقع فى
السمن فحكمها حكم تلك الفأرة التى وقعت فى السمن . ومن قال من
٢٨٥

أهل الظاهر : إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت فى سمن
فقد أخطأ ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك الصورة
لكن لما استفتى عنها أفتى فيها ، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو
نوع فأجاب المفتى عن ذلك خصه لكونه سئل عنه؛ لا لاختصاصه بالحكم.
ومثل هذا أنه سئل عن رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة مضمخة
بخلوق فقال: (( الزع عنك الجية واغسل عنك الخلوق ، واصنع فى
عمرتك ماكنت تصنع فى حجك ))، فأجابه عن الجبة ولو كان عليه قميص
أو نحوه كان الحكم كذلك بالإجماع.
والنوع الثانى من القياس :
أن ينص على حكم لمعنى من المعاني ويكون ذلك المعنى موجوداً فى
غيره ، فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك
بين الأصل والفرع سوى بينهما ، وكان هذا قياساً صحيحاً .
فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونها .
وهما من باب فهم مراد الشارع ؛ فإن الاستدلال بكلام الشارع
يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه وعلى أن يعرف مراده باللفظ
وإذا عرفنا مراده : فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك لا لمعنى يخص
٢٨٦

الأصل أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك ، وإن علمنا أنه قصد
تخصيص الحكم بمورد النص منعنا القياس ، كما أنا علمنا أن الحج
خص به الكعبة ، وأن الصيام الفرض خص به شهر رمضان ، وأن
الاستقبال خص به جهة الكعبة ، وأن المفروض من الصلوات خص به
الخمس ونحو ذلك ، فإنه يمتنع هنا أن نقيس على المنصوص غيره .
وإذا عين الشارع مكاناً أو زماناً للعبادة كتعيين الكعبة وشهر
رمضان ؛ أو عين بعض الأقوال والأفعال كتعيين القراءة في الصلاة
والركوع والسجود ، بل وتعيين التكبير وأم القرآن ، فإلحاق غير
المنصوص به بشبه حال أهل اليمن الذين أسقطوا تعين الأشهر الحرم ،
وقالوا : المقصود أربعة أشهر من السنة فقال تعالى : ( إِنَّمَا النَِّىُّ زِيَادَةٌ
فِ آلْكُفْرِيُضَلُ بِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِمُونَهُ عَامًا لِيُوَا ◌ِفُواْعِدَّةَ
وقياس الحلال بالنص على
مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ).
الحرام بالنص من جنس قياس الذين قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرَّوْأُ وَأَحَلَّ
وكذلك قياس المشركين الذين قاسوا
اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ اُلْرِّبَوأ )،
الميتة بالمذكى ، وقالوا : أنا كلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ؟
قال تعالى : (وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآْ بِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ
إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) فهذه الأقيسة الفاسدة .
وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد ، وكل من الحق
٢٨٧

منصوصاً بمنصوص يخالف حكمه فقياسه فاسد ، وكل من سوى بين
شيئين أو فرق بين شيئين بغير الأوصاف المعتبرة فى حكم الله ورسوله
فقياسه فاسد لكن من القياس ما يعلم صحته ، ومنه ما يعلم فساده ، ومنه ما لم
يتبين أمره . فمن أبطل القياس مطلقاً فقوله باطل ، ومن استدل بالقياس
المخالف للشرع فقوله باطل ، ومن استدل بقياس لم يقم الدليل على صحته
فقد استدل بما لا يعلم صحته ، بمنزلة من استدل برواية رجل مجهول
لا يعلم عدالته.
فالحجج الأثرية والنظرية تنقسم إلى: ما يعلم محته ، وإلى ما يعلم
فساده ، وإلى ما هو موقوف حتى يقوم الدليل على أحدهما . ولفظ
النص يراد به تارة ألفاظ الكتاب والسنة سواء كان اللفظ دلالته
قطعية أو ظاهرة ، وهذا هو المراد من قول من قال : النصوص تتناول
أحكام أفعال المكلفين . ويراد بالنص مادلالته قطعية لا تحتمل النقيض كقوله
( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، و (اللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ )،
فالكتاب هو النص والميزان هو العدل .
والقياس الصحيح من باب العدل ؛ فإنه تسوية بين المتماثلين
وتفريق بين المختلفين ، ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص ،
فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد ، ولا يوجد نص
يخالف قياساً صحيحاً ، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح.
٢٨٨

ومن كان متبحراً في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب
الأحكام بالنصوص وبالأقيسة . فثبت أن كل واحد من النص والقياس
دل على هذا الحكم كما ذكرناه من الأمثلة ؛ فإن القياس يدل على
٠٠
تحريم كل مسكر كما يدل النص على ذلك ؛ فإن الله حرم الخمر لأنها
توقع بيننا العداوة والبغضاء، وتصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة كما
دل القرآن على هذا المعنى ، وهذا المعنى موجود في جميع الأشربة
المسكرة ، لا فرق فى ذلك بين شراب وشراب ، فالفرق بين الأنواع
المشتركة من هذا الجنس تفريق بين المتماثلين وخروج عن موجب
القياس الصحيح ، كما هو خروج عن موجب النصوص ، وثم معترفون
بأن قولهم خلاف القياس ، لكن يقولون: معنا آثار توافقه اتبعناها
ويقولون : إن اسم الخمر لم يتناول كل مسكر . وغلطوا فى فهم النص
- وإن كانوا مجتهدين مثابين على اجتهادهم ـ ومعرفة عموم الأسماء
الموجودة فى النص وخصوصها من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله
وقد قال تعالى: (الْأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرَا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَ لََّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ
اُللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) .
والكلام فى ترجيح نفاة القياس ومثبتيه بطول استقصاؤه ، لا
تحتمل هذه الورقة بسطه أكثر من هذا ، والله أعلم.
٢٨٩

وقال :
فصل
العبادات المأمور بها ؛ كالإِيمان الجامع وكشعبه مثل الصلاة والوضوء
والاغتسال، والحج والصيام ؛ والجهاد والقراءة والذكر ، وغير ذلك،
لها ثلاثة أحوال ، وربما لم يشرع لها إلا حالان ؛ لأن العبد إما أن
يقتصر على الواجب فقط؛ وإما أن يأتي بالمستحب فيها ، وإما أن
أن ينقص عن الواجب فيها . فالأول حال المقتصدين فيها وإن كان
سابقاً فى غيرها . والثاني حال السابق فيها . والثالث حال الظالم فيها .
والعبادة الكاملة تارة تكون ما أدي فيها الواجب، وتارة ما أتى
فيها بالمستحب . وبإزاء الكاملة الناقصة ، قد يغنى بالنقص نقص بعض
واجباتها ، وقد يعنى به ترك بعض مستحباتها . فأما تفسير الكامل بما
كمل بالمستحبات فهو غالب استعمال الفقهاء في الطهارة والصلاة وغير
ذلك ؛ فإنهم يقولون : الوضوء ينقسم: إلى كامل ومجزئ .
والغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ . ويريدون بالمجزئ الاقتصار
٢٩٠

على الواجب، وبالكامل ما أتي فيه بالمستحب فى العدد والقدر والصفة ؛
وغير ذلك .
ولذلك استعملوا ما جاء في حديث ابن مسعود مرفوعا: ((إذا
قال فى ركوعه : سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه ، وذلك أدناه.
وإذا قال فى سجوده : سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده ،
وذلك أدناه))، فقالوا : أدنى الكمال ثلاث تسبيحات ، يعنون : أدنى
الكمال المسنون. وقالوا : أقل الوتر ركعة وأدنى الكمال ثلاث ، فجعلوا
للكمال أدنى وأعلى ؛ وكلاهما فى الكمال المسنون لا المفروض .
لم يختلفون في حرف النفي الداخل على المسميات الشرعية، كقوله :
((لا قراءةً إلا بأم الكتاب))، (( ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من
الليل))، ((ولا صلاة لمن لا وضوء له))، ((ولا وضوء لمن لم يذكر
اسم اللّه عليه))، فأكثرم يقولون: هو لنفي الفعل، فلا يجزئ
مع هذا النفي . ومنهم من يقول: هو لنفي الكمال. يريدون نفي
الكمال المسنون .
وأما تفسيره بما كمل بالواجب فهو فى عرف الشارع ، لكن الموجود
فيه كثيراً لفظ التام، كقوله: (وَأَتِمُوْ اْلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، والمراد
بالإتمام الواجب الإتمام بالواجبات، وكذلك قوله: (ثُمََّتِقُواْالصِّيَامَ إِلَى
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب [ لاصلاة ] كما جاء في صحيح مسلم
ص ٢٩٥ المجلد الأول .
٢٩١

وقوله: ((لا تتم صلاة عبد حتى يضع الطهور مواضعه))
الَّيْلِ ) ،
الحديث. وقوله: ((فما انتقصت من هذا فقد انتقصت من صلاتك))،
ويمكن أن يقال فى إتمام الحج والصيام ونحو ذلك : هو أمر مطلق
بالإتمام واجبه ومستحبه، فما كان واجباً فالأمر به إيجاب وما كان مستحبا
فالأمر به استحباب وجاء لفظ التام فى قوله: (( فقد تم ركوعه، وذلك
أدناه))، وقوله: ((أقيموا صفوفكم فإن إقامة الصف من تمام الصلاة)).
وروي ((من إقامة الصلاة)).
والنقص بإزاء التمام والكمال كقوله: (( من صلى صلاة لم يقرأ فيها
بأم الكتاب فهي خداج))، فالجمهور يقولون : هو نقص الواجبات ؛
لأن الخداج هو الناقص فى أعضائه وأركانه . وآخرون يقولون : هو
الناقص عن كماله المستحب ؛ فإن النقص يستعمل فى نقص الاستحباب
كثيراً كما تقدم في تقسيم الفقهاء الطهارة إلى كامل ومجزئ ليس بكامل ،
وما ليس بكامل فهو ناقص . وقوله : ((فقد تم ركوعه وسجوده
وذلك أدناه )) ومالم يتم فهو ناقص وإن كان مجزئاً .
ثم النقص عن الواجب نوعان : نوع يبطل العبادة كنقص أركان
الطهارة والصلاة والحج . ونقص لا يبطلها ، كنقص واجبات الحج التى
ليست بأركان ؛ ونقص واجبات الصلاة إذا تركها سهواً على المشهور
عند أحمد ، ونقص الواجبات التى يسميه أبو حنيفة فيها مسيئاً ولا تبطل
٢٩٢

صلاته كقراءة الفاتحة ونحوها.
وبهذا تزول الشبهة فى ((مسائل الأسماء والأحكام)) وهي مسألة
الإيمان وخلاف المرجئة والخوارج ؛ فإن الإيمان وإن كان أسما لدين
وهو اسم
اللّه الذي أكمله بقوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .
ء
لطاعة الله وللبر والعمل الصالح، وهو جميع ما أمر الله به، فهذا هو
الإيمان الكامل التام ؛ وكماله نوعان: كمال المقربين وهو الكال بالمستحب ،
وكمال المقتصدين وهو الكال بالواجب فقط .
وإذا قلنا فى مثل قول النبى صلى الله عليه وسلم (( لا يزنى الزانى
حين يزني وهو مؤمن ، ولا بسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) و ((لا
إيمان لمن لا أمانة له ))، وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ
وقوله : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِالَّهِ وَرَسُولِهِ،
قُلُوبُهُمْ ) الآية ،
ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْبِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).
وقوله: ( لَّيْسَ أَلْبِرَّأَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) الآيَةَ ،
إلى قوله: (أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ) ، إذا قال القائل
فى مثل هذا : ليس بمؤمن كامل الإيمان ؛ أو نفى عنه كمال الإيمان لا
أصله ؛ فالمراد به كمال الإيمان الواجب ليس بكال الإيمان المستحب ،
كمن ترك رمي الجمار أو ارتكب محظورات الإحرام غير الوطء . ليس
هذا مثل قولنا : غسل كامل ووضوء كامل ، وأن المجزئ منه ليس
٢٩٣

بكامل ذاك نفى الكال المستحب .
وكذا المؤمن المطلق هو المؤدي للإيمان الواجب ، ولا يلزم من
كون إيمانه ناقصا عن الواجب أن يكون باطلا حابطا ، كما فى الحج ،
ولا أن يكون معه الإيمان الكامل كما تقوله المرجئة ، ولا أن يقال :
ولو أدى الواجب لم يكن إيمانه كاملا ، فإن الكمال المنفى هنا
الكمال المستحب .
فهذا فرقان يزيل الشبهة فى هذا المقام ويقرر النصوص كما جاءت ،
وكذلك قوله: ((من غشنا فليس منا))، ونحو ذلك ، لا يجوز أن
يقال فيه : ليس من خيارنا كما نقوله المرجئة ، ولا أن يقال : صار من
غير المسلمين فيكون كافراً كما تقوله الخوارج ، بل الصواب أن هذا
الاسم المضمر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب الذي به
يستحقون الثواب بلا عقاب ، ولهم الموالاة المطلقة والمحبة المطلقة ، وإن
كان لبعضهم درجات في ذلك بما فعله من المستحب ، فإذا غشهم لم
يكن منهم حقيقة؛ لنقص إيمانه الواجب الذي به يستحقون الثواب المطلق
بلا عقاب ، ولا يجب أن يكون من غيرهم مطلقاً، بل معه من الإيمان
ما يستحق به مشاركتهم فى بعض الثواب ، ومعه من الكبيرة ما يستحق
به العقاب، كما يقول من استأجر قوما ليعملوا عملاً؛ فعمل بعضهم بعض
الوقت فعند التوفية يصلح أن يقال : هذا ليس منا ، فلا يستحق
٢٩٤

الأجر الكامل ، وإن استحق بعضه .
وقد بسطت القول فى هذه المسألة فى غير هذا الموضع ، وبينت
ارتباطها بقاعدة كبيرة فى أن الشخص الواحد أو العمل الواحد يكون
مأموراً به من وجه منهياً عنه من وجه ، وأن هذا هو مذهب أهل
السنة والجماعة ؛ خلافا للخوارج والمعتزلة ؛ وقد وافقهم طائفة من أهل
الإثبات : متكلميهم وفقهائهم؛ من أصحابنا وغيرهم ؛ في مسألة العمل
الواحد في أصول الفقه ، فقالوا : لا يجوز أن يكون مأموراً به منهياً
عنه. وإن كانوا مخالفين لهم في مسألة الشخص الواحد فى أصول
الدين ، ولا ريب أن إحدى الروايتين عن أحمد أن هذا العمل لا
يجزئ ، وهي مسألة الصلاة فى الدار المغصوبة ، وفى الرواية الأخرى
يجزئ ، كقول أكثر الفقهاء ، لكن من أصحابنا من جعلها عقلية ورأى
أنه لا يمتنع ذلك عقلا ، وهو قول أكثر المعتزلة وكثير من الأشعرية كابن
الباقلانى وابن الخطيب .
فالكلام فى مقامين : فى الإمكان العقلي ؛ وفى الإجزاء الشرعى .
والناس فيها على أربعة أقوال :
منهم من يقول : يمتنع عقلا ويبطل شرعا . وهو قول طائفة من
٢٩٥

متكلمي أصحابنا وفقهاهم
ومنهم من يقول : يجوز عقلا لكن المانع سمعى . وهذا قد يقوله
أيضا من لا يرى الإجزاء من أصحابنا ومن وافقهم ، وهو أشبه
عندي بقول أحمد ؛ فإن أصوله تقتضي أنه يجوز ورود التعبد
بذلك كله ، وهذا هو الذي يشبه أصول أهل السنة وأئمة الفقه .
ومنهم من يجوزه عقلا وسمعاً كأكثر الفقهاء .
ومنهم من يمنعه عقلا لكن يقول : ورد سمعا ، وهذا قول ابن
الباقلانى وأبى الحسن وابن الخطيب ، زعموا أن العقل يمنع كون الفعل
الواحد مأموراً به منهياً عنه، ولكن لما دل السمع: إما الإجماع أو غيره
على عدم وجوب القضاء قالوا : حصل الإجزاء عنده لا به . وهذا القول
عندي أفسد الأقوال .
والصواب: أن ذلك ممكن فى العقل ، فأما الوقوع السمعي فيرجع
فيه إلى دليله ، وذلك أن كون الفعل الواحد محبوباً مكروهاً؛ مرضياً
مسخوطاً ، مأموراً به منهياً عنه ؛ مقتضياً للحمد والثواب والذم والعقاب.
ليس هو من الصفات اللازمة كالأسود والأبيض ؛ والمتحرك والساكن ،
والحي والميت : وإن كان فى هذه الصفات كلام أيضاً . وإنما هو من
٢٩٦

الصفات التى فيها إضافة متعدية إلى الغير، مثل كون الفعل نافعاً وضاراً
ومحبوبا ومكروها ، والنافع هو الجالب للذة؛ والضار هو الجالب للألم،
وكذلك المحبوب هو الذي فيه فرح ولذة للمحب مثلا ؛ والمكروه هو
الذي فيه ألم للكاره ؛ ولهذا كان الحسن والقبح العقلي معناه المنفعة
والمضرة ، والأمر والنهي يعودان إلى المطلوب والمكروه ؛ فهذه صفة
فى الفعل متعلقة بالفاعل أو غيره، وهذه صفة فى الفعل متعلقة
بالآمر الناهي.
ولهذا قلت غير مرة : إن حسن الفعل يحصل من نفسه تارة
ومن الآمر تارة ومن مجموعها تارة . والمعتزلة ومن وافقهم من الفقهاء
أصحابنا وغيرهم الذين يمنعون النسخ قبل التمكن من الفعل لا يثبتون
إلا الأول ، والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء أصحابنا وغيرهم الذين
لا يثبتون للفعل صفة إلا إضافة لتعلق الخطاب به لا يثبتون إلا الثانى.
والصواب إثبات الأمرين . وقدر زائد يحصل للفعل من جنس تعلق
الخطاب غير تعلق الخطاب ، ويحصل للفعل بعد الحكم ، فالخطاب مظهر
نارة، ومؤثر ثارة، وجامع بين الأمرين تارة . وبسط هذا له
موضع آخر .
وإذا كان كذلك فنحن نعقل ونجد أن الفعل الواحد من الشخص
أو من غيره يجلب له منفعة ومضرة معا ، والرجل يكون له عدوان
٢٩٧

يقتل أحدهما صاحبه ، فيسر من حيث عدم عدو ، ويساء من حيث
غلب عدو . ويكون له صديقان يعزل أحدهما صاحبه فيساء من حيث
انعزال الصديق ؛ ويسر من حيث تولي صديق . وأكثر أمور الدنيا
من هذا ؛ فإن المصلحة المحضة نادرة ، فأكثر الحوادث فيها ما يسو.
وبسر ، فيشتمل الفعل على ما ينفع ويحب ويراد ويطلب ؛ وعلى ما
يضر ويبغض ويكره ويدفع . وكذلك الآمر يأمر بتحصيل النافع وينهى
عن تحصيل الضار ، فيأمر بالصلاة المشتملة على المنفعة وينهى عن
الغضب المشتمل على المضرة .
فإذا قالوا : الممتنع أن يأمره بفعل واحد من وجه واحد فيقول: صل هنا
ولا تصل هنا ؛ فإن هذا جمع بين النقيضين والجمع بين النقيضين ممتنع ؛
لأنه جمع بين النفي والإثبات ، فقد يقال لهم : الجمع بين النقيضين ممتنع
في الخبر ، فإذا قلت : صلى زيد هنا لم يصل هنا امتنع ذلك ؛ لأن
الصلاة هنا إما أن تكون وإما أن لا تكون ، وكونها هى عينها وما
يتبعه من الصفات اللازمة التى ليس فيها نسبة وإضافة وتعلق ، فأما
الجمع بينهما فى الإرادة والكراهة والطلب والدفع والمحبة والبغضة والمنفعة
والمضرة فهذا لا يمتنع ؛ فإن وجود الشيء قد يكون مراداً ويكون عدمه
مراداً أيضاً ؛ إذا كان فى كل منها منفعة للمريد ، ويكون أيضاً وجوده
أو عدمه مراداً مكروهاً ، بحيث يلتذ العبد ويتألم بوجوده وبعدمه ،
كما قيل :
٢٩٨

الشيب كره وكره أن نفارقه
فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
فهو يكره الشيب ويبغضه لما فيه من زوال الشباب النافع ووجود
المشيب الضار ، وهو يحبه أيضاً ويكره عدمه لما فيه من وجود الحياة
وفي عدمه من الفناء .
وهذه حال ما اجتمع فيه مصلحة ومفسدة من جميع الأمور ،
لكن التحقيق أن الفعل المعين كالصلاة فى الدار المعينة لا يؤمر بعينها
وينهى عن عينها ؛ لأنه تكليف مالا يطاق ، فإنه تكليف للفاعل أن
يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه ، وإنما يؤمر بها من حيث هي
مطلقة وينهى عن الكون في البقعة ، فيكون مورد الأمر غير مورد
النهي ولكن تلازما في المعين ، والعبد هو الذي جمع بين المأمور به
والمنهي عنه ، لا أن الشارع أمره بالجمع بينها ، فأمره بصلاة مطلقة ونها.
عن كون مطلق . وأما المعين فالشارع لا يأمر به ولا ينهى عنه كما فى
سائر المعينات ، وهذا أصل مطرد فى جميع ما أمر الله به من المطلقات
بل فى كل أمر ؛ فإنه إذا أمر بعتق رقبة مطلقة كقوله: (فَتَحْرِيُرُ
رَقَّبَةٍ ) أو بإطعام ستين مسكيناً ؛ أو صيام شهرين متابعين، أو بصلاة
فى مكان أو غير ذلك ، فإن العبد لا يمكنه الامتثال إلا بإعتاق رقبة
معينة وإطعام طعام معين لمساكين معينين ، وصيام أيام معينة ، وصلاة
٢٩٩

معينة فى مكان معين ، فالمعين فى جميع المأمورات المطلقة ليس مأموراً
بعينه ، وإنما المأمور به مطلق والمطلق يحصل بالمعين .
فالمعين فيه شيئان : خصوص عينه والحقيقة المطلقة ، فالحقيقة المطلقة
هي الواجبة وأما خصوص العين فليس واجباً ولا مأموراً به ، وإنما
هو أحد الأعيان التى يحصل بها المطلق ؛ بمنزلة الطريق إلى مكة ، ولا
قصد للآمر فى خصوص التعيين .
وهذا الكلام مذكور فى مسألة الواجب على التخيير ، والواجب
المطلق ، والواجب المعين . والفرق بينها : أن الواجب المخير قد أمر
فيه بأحد أشياء محصورة ، والمطلق لم يؤمر فيه بأحد أشياء محصورة؛
وإنما أمر بالمطلق . ولهذا اختلف في الواجب المخير فيه : هل الواجب
هو القدر المشترك كالواجب المطلق ؟ أو الواجب هو المشترك والمميز
أيضاً على التخيير ؟ فيه وجهان ، والمشترك هو كونه أحدها ، فعلى هذا
ما تميز به أحدها عن الآخر لا يثاب عليه ثواب الواجب ، بخلاف ما إذا
قيل المتميز واجب أيضاً على البدل ، وأما المطلق فلم يتعرض فيه
للأعيان المتميزة بقصد . لكنه من ضرورة الواقع ، فهو من باب ما لا يتم
الواجب إلا به ، وهو وإن قيل : هو واجب فهو واجب فى الفعل
وهو خير فيه ، فاختياره لإحدى العينين لا يجعله واجباً عيناً، فتبين
بذلك أن تعيين عين الفعل وعين المكان ليس مأموراً به ، فإذا نهي
٣٠٠