النص المفهرس

صفحات 261-280

وقال: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ).
وقد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس فى قريب من
أربعين موضعاً من القرآن، وطاعته طاعة الله: وهي: عبادة الله
وحده لا شريك له، وذلك هو دين الله وهو الإسلام، وكل من أمر
الله بطاعته من عالم وأمير ووالد وزوج ؛ فلأن طاعته طاعة الله . وإلا
فإذا أمر بخلاف طاعة الله فإنه لا طاعة له ، وقد يأمر الوالد والزوج
بمباح فيطاع ، وكذلك الأمير إذا أمر عالما يعلم أنه معصية لله، والعالم
إذا أفتى المستفتى بمالم يعلم المستفتى أنه مخالف لأمر الله، فلا يكون المطيع
لهؤلاء عاصياً، وأما إذا علم أنه مخالف لأمر الله فطاعته في ذلك
معصية الله؛ ولهذا نقل غير واحد الإجماع على أنه لا يجوز للعالم أن
يقلد غيره إذا كان قد اجتهد واستدل وتبين له الحق الذي جاء به
الرسول ؛ فهنا لا يجوز له تقليد من قال خلاف ذلك بلا نزاع ،
ولكن هل يجوز مع قدرته على الاستدلال أنه بقلد ؟ هذا
فيه قولان :
فذهب الشافعي وأحمد وغيرهما لا يجوز . وحكي عن محمد بن الحسن
جوازه ، والمسألة معروفة، وحكى بعض الناس ذلك عن أحمد ،
٢٦١

ولم يعرف هذا الناقل قول أحمد كما هو مذكور فى غير
هذا الموضع .
وتقليد العاجز عن الاستدلال للعالم يجوز عند الجمهور ، وفى صفة
من يجوز له التقليد تفصيل ونزاع ليس هذا موضعه .
والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع : أن يعارض قول
الله ورسوله بما يخالف ذلك كائنا من كان المخالف لذلك. قال الله
تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا *
يَوَيْلَنَ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّفِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَفِيُّ وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا * وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا )
وقال تعالى: ( يَوْمَتُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا
الرَّسُولَا )، إلى قوله: ( وَالْعَنْهُمْ لَعْنَّا كَبِيرًا).
وقال تعالى: ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوَأْ اُلْعَذَابَ
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ اْأَسْبَابُ)، إلى قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْكَمَثَلِ الَّذِى
يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءَ وَنِدَآءَ صُمْ بُكُمّ ◌ُعُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ )، فذكر
براءة المتبوعين من اتباعهم فى خلاف طاعة الله، ذكر هذا بعد قوله :
( وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ ) ، فالإله الواحد هو المعبود والمطاع ، فمن أطاع
٢٦٢

متبوعا فى خلاف ذلك فله نصيب من هذا الذم ، قال تعالى: ( وَوَصَّيْنَا
إلى قوله : ( وَإِن
(
اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ
جَهَدَ اكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعُهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَا
وَأَنَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَّ ).
ثم خاطب الناس بأكل ما في الأرض حلالا طيبا وأن لا يتبعوا
خطوات الشيطان فى خلاف ذلك ؛ فإنه إنما يأمر بالسوء والفحشاء ، وأن
يقولوا على الله ما لا يعلمون ، فيقولوا : هذا حرام وهذا حلال ، أو
غير ذلك مما يقولونه على الله فى الأمور الخبرية والعملية بلا علم ، كما
قال تعالى: (وَلَ تَقُولُوْلِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ ).
ثم إن هؤلاء الذين يقولون على الله بغير علم إذا قيل لهم: ( أَتَّبِعُواْ
مَا أَنْزَّلَ اللَّهُ قَالُوابَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَفاً ) فليس عندهم علم؛ بل عندم
اتباع سلفهم ، وهو الذي اعتادوه وتربوا عليه .
ثم خاطب المؤمنين خصوصاً فقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ
مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُ وْلِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
. فأمرهم بأكل
اٌلْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ)
الطيبات مما رزقهم ، لأنهم م المقصودون بالرزق ، ولم يشترط الحل هنا
٢٦٣

لأنه إنما حرم ما ذكر ، فما سواه حلال لهم، والناس إنما أمرهم بأكل
ما فى الأرض حلالا طيبا وهو إنما أحل للمؤمنين ، والكفار لم يحل
لهم شيئاً ، فالحل مشروط بالإيمان ، ومن لم يستعن برزقه على عبادته
لم يحل له شيئا وإن كان أيضا لم يحرمه، فلا يقال: إن الله أحله لهم
ولا حرمه، وإنما حرم على الذين هادوا ما ذكره فى سورة الأنعام .
ولهذا أنكر فى سورة الأنعام وغيرها على من حرم ما لم يحرمه ،
كقوله: ( قُلْءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَّيَيْنِ
) ثم قال: (وَعَلَى الَّذِينَ
هَادُو أحَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ)، ثم قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَاحَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) الآيات . وقال فى سورة النحل: ( وَعَلَى الَّذِينَ
هَادُوْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيَكَ مِن قَبْلُ)
الآية ، وأخبر أنه حرم ذلك
بيغيهم فقال: ( فَيُطَلْمِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ)،
وقال : ( ذَلِكَ جَزَيْنَهُمِ بِبَغْيِهِمْ ) .
وهذا كله يدل على أصح قولى العلماء ، وهو : أن هذا التحريم
باق عليهم بعد مبعث محمد لا يزول إلا بمتابعته ؛ لأنه تحريم عقوبة على
ظلمهم وبغيهم ؛ وهذا لم يزل بل زاد وتغلظ ، فكانوا أحق بالعقوبة .
وأيضاً فإن الله تعالى أخبر بهذا التحريم بعد مبعث محمد صلى الله
عليه وسلم ليبين أنه لم يحرم إلا هذا وهذا ؛ فلو كان ذلك التحريم
قد زال لم يستثنه .
٢٦٤

وأيضاً فإن التحريم لا يزول إلا بتحليل منه ، وهو إنما أحل أكل
الطيبات للمؤمنين بقوله: ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاٌ
الآية، وقوله: ( أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا
فِيمَا طَعِمُواْ)
مَايُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّ الصَّيْدِ)، وقوله: ( يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ
لَكُمُ الَِّبَتُ ) إلى قوله: ( وَطَعَامُالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَحِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ
حِلُ لَّمْ )، وهذا خطاب للمؤمنين، ولهذا قال: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ
) ، فلو كان
اُلْكِتَبَحِلُ لَّكُمْ )، ثم قال: ( وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ
ما أحل لنا حلاً لهم لم يحتج إلى هذا، وقوله: ( وَطَعَامُكُمْحِلُ لَُّمْ
(
لا يدخل فيه ما حرم عليهم، كما أن قوله: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
لا يدخل فيه ما حرم علينا مما يستحلونه م ، كصيد
حِلٌ لَّكُمْ)
الحرم وما أهل به لغير الله .
وهل يدخل فى طعامهم الذي أحل لنا ما حرم عليهم ولم يحرم
علينا . مثل ما إذا ذكوا الإبل ؟ ؟ هذا فيه نزاع معروف ، فالمشهور
من مذهب مالك - وهو أحد القولين فى مذهب أحمد - تحريمه .
ومذهب أبي حنيفة والشافعي والقول الآخر فى مذهب أحمد : حله .
وهل العلة أنهم لم يقصدوا ذكاته ؛ أو العلة أنه ليس من طعامهم؟
فيه نزاع .
٢٦٥

وإذا ذبحوا للمسلم : فهل هو كما إذا ذبحوا لأنفسهم ؟ فيه نزاع .
وفي جواز ذبحهم النسك إذا كانوا ممن يحل ذبحهم قولان ، هما
ء
روايتان عن أحمد ، فالمنع مذهب مالك والجواز مذهب أبى حنيفة
ء
والشافعي ، فإذا كان الذابح يهودياً صار فى الذيح علتان ، وليس هذا
موضع هذه المسائل .
ثم إنه سبحانه لما ذكر حال من يقول على اللّه بلا عسلم بل تقليداً
لسلفه ذكر حال من يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد
ما بينه للناس فى الكتاب، فقال: (إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ
اَلْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا
يُكَلِّمُهُمُ اللّهُيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ )،
فهذا حال من كتم علم الرسول ، وذاك حال من عدل عنها إلى خلافها
والعادل عنها إلى خلافها يدخل فيه من قلد أحداً من الأولين والآخرين
فيما يعلم أنه خلاف قول الرسول ، سواء كان صاحبا أو نابعا أو أحد
الفقهاء المشهورين الأربعة أو غيرم .
وأما من ظن أن الذين قلدهم موافقون للرسول فيما قالوه ، فإن
كان قد سلك فى ذلك طريقا علميا فهو مجتهد له حكم أمثاله، وإن كان
متكلما بلا علم فهو من المذمومين .
٢٦٦

ومن ادعى إجماعا يخالف نص الرسول من غير نص يكون موافقالما
يدعيه : واعتقد جواز مخالفة أهل الإجماع للرسول برأيهم: وأن الإجماع
ينسخ النص كما تقوله طائفة من أهل الكلام والرأي ، فهذا من
جنس هؤلاء .
وأما إن كان يعتقد أن الإجماع يدل على نص لم يبلغنا يكون ناسخا
للأول . فهذا وإن كان لم يقل قولا سديدا فهو مجتهد فى ذلك ، يبين
له فساد ما قاله ، كمن عارض حديثاً صحيحاً بحديث ضعيف اعتقد صحته ،
فإن قوله وإن لم يكن حقاً لكن يبين له ضعفه ، وذلك بأن يبين له
عدم الإجماع المخالف للنص ، أو يبين له أنه لم تجتمع الأمة على مخالفة
نص إلا ومعها نص معلوم يعلمون أنه الناسخ للأول ، فدعوى تعارض
النص والإجماع باطلة ، ويبين له أن مثل هذا لا يجوز ؛ فإن النصوص
معلومة محفوظة والأمة مأمورة بتتبعها واتباعها . وأما ثبوت الإجماع على
خلافها بغير نص فهذا لا يمكن العلم بأن كل واحد من علماء المسلمين
خالف ذلك النص .
والإجماع نوعان : قطعي . فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي
على خلاف النص . وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائى :
ء
بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد فى ذلك خلافا أو يشتهر القول في
القرآن ولا يعلم أحداً أذكره ، فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به
٢٦٧

فلا يجوز أن تدفع النصوص المعلومة به ، لأن هذا حجة ظنية لا يجزم
الإنسان بصحتها ؛ فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف ، وحيث قطع بانتفاء
المخالف فالإجماع قطعي . وأما إذا كان يظن عدمه ولا يقطع به فهو
حجة ظنية ، والظنى لا يدفع به النص المعلوم ، لكن يحتج به ويقدم
على ما هو دونه بالظن ، ويقدم عليه الظن الذي هو أقوى منه ، فمتى
كان ظنه لدلالة النص أقوى من ظنه بثبوت الإجماع قدم دلالة النص .
ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم هذا، والمصيب فى نفس الأمر واحد .
وإن كان قد نقل له في المسألة فروع ولم يتعين صحته فهذا يوجب
له أن لا يظن الإجماع إن لم يظن بطلان ذلك النقل ، وإلا فمتى جوز
أن يكون ناقل النزاع صادقا وجوز أن يكون كاذبا يبقى شاكا في ثبوت
الإجماع ، ومع الشك لا يكون معه علم ولا ظن بالإجماع ، ولا تدفع
الأدلة الشرعية بهذا المشتبه ، مع أن هذا لا يكون، فلا يكون قط
إجماع يجب اتباعه مع معارضته لنص آخر لا مخالف له ، ولا يكون
قط نص يجب اتباعه وليس في الأمة قائل به ، بل قد يخفى القائل به
على كثير من الناس . قال الترمذى : كل حديث فى كتابى قد عمل به
بعض أهل العلم إلا حديثين : حديث الجمع ؛ وقتل الشارب . ومع
هذا فكلا الحديثين قد عمل به طائفة ، وحديث الجمع قد عمل به
أحمد وغيره .
٢٦٨

ولكن من ثبت عنده نص ولم يعلم قائلا به ، وهو لا يدري :
أجمع على نقيضه أم لا؟ فهو بمنزلة من رأى دليلا عارضه آخر وهو بعد
لم يعلم رجحان أحدهما ، فهذا يقف إلى أن يتبين له رجحان هذا أو
هذا ، فلا يقول قولا بلا علم ، ولا يتبع نصا مع (٧) ظن نسخه وعدم
نسخه عنده سواء، لما عارضه عنده من نص آخر أو ظن إجماع،
ولا عاما ظن تخصيصه وعدم تخصيصه عنده سواء ، فلا بد أن
يكون الدليل سالما عن المعارض المقاوم فيغلب على ظنه نفى المعارض
المقاوم وإلا وقف .
وأيضاً فمن ظن أن مثل هذا الإجماع يحتج به فى خلاف النص
إن لم يترجح عنده ثبوت الإجماع، أو يكون معه نص آخر ينسخ
الأول وما يظنه من الإجماع معه. وأكثر مسائل أهل المدينة التى
يحتجون فيها بالعمل يكون معهم فيها نص ، فالنص الذى معه العمل
مقدم على الآخر ، وهذا هو الصحيح فى مذهب أحمد وغيره، كتقديم
حديث عثمان: ((لا ينكح المحرم)) على حديث ابن عباس، وأمثال ذلك.
وأما رد النص بمجرد العمل فهذا باطل عند جماهير العلماء ، وقد
تنازع الناس فى مخالف الإجماع : هل يكفر ؟ على قولين .
(١) بياض بالأصل .
٢٦٩

والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص
بتركه ، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به . وأما العلم
بثبوت الإجماع فى مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع ، وأما غير المعلوم
فيمتنع تكفيره.
وحينئذ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة .
وتنازعوا في الإجماع : هل هو حجة قطعية أو ظنية ؟ والتحقيق
أن قطعيه قطعي وظنيه ظني ، والله أعلم.
وقد ذكر نظير هذه الآية فى سورة المائدة ، وذكر فى سورة
( أَوَلَوْ جِنْتُكُمُ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْ تُمْ عَلَيْهِ ءَابَآَكُمْ ) ، وهذا
الزخرف قوله :
يتناول من بين له أن القول الآخر هو أهدى من القول الذي نشأ
عليه، فعليه أن يتبعه، كما قال: ( وَأَتَّبِعُوْأَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن
زَّبِّكُم). وقال: ( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأُمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُ واْبِاَ حُسَنِهَا
) ،
وقال: ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، والواجب فى
الاعتقاد أن يتبع أحسن القولين ، ليس لأحد أن يعتقد قولا وهو
يعتقد أن القول المخالف له أحسن منه، وما خير فيه بين فعلين وأحدهما
أفضل فهو أفضل ، وإن جاز له فعل المفضول فعليه أن يعتقد أن ذلك أفضل ،
ويكون ذاك أحب إليه من هذا ؛ وهذا اتباع للأحسن .
٢٧٠

وإذا نقل عالم الإجماع ونقل آخر النزاع : إما نقلا سمى قائله ؛
وإما نقلا بخلاف مطلقا ولم يسم قائله ، فليس لقائل أن يقول نقلا
الخلاف لم يثبت ؛ فإنه مقابل بأن يقال ولا يثبت نقل الإجماع ، بل
ناقل الإجماع ناف للخلاف وهذا مثبت له ، والمثبت مقدم على النافى .
وإذا قيل : يجوز فى ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته
من الخلاف : إما لضعف الإسناد ؛ أو لعدم الدلالة ، قيل له : ونافي
النزاع غلطه أجوز؛ فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه؛ أو بلغته
وظن ضعف إسنادها وكانت صحيحة عند غيره ؛ أو ظن عدم الدلالة
وكانت دالة ، فكلما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي مع
زيادة عدم العلم بالخلاف .
وهذا يشترك فيه عامة الخلاف ؛ فإن عدم العلم ليس علما بالعدم
لا سيما في أقوال علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم التى لا يحصيها إلا
رب العالمين ؛ ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء : من ادعى الإجماع
فقد كذب ؛ هذه دعوى المريسي والأصم ؛ ولكن يقول : لا أعلم نزاعاً
والذين كانوا يذكرون الإجماع كالشافعي وأبي ثور وغيرهما يفسرون
مرادم : بأنا لا نعلم نزاعاً ، ويقولون هذا هو الإجماع الذي ندعيه .
فتبين أن مثل هذا الإجماع الذي قوبل بنقل نزاع ولم يثبت واحد
٢٧١

منها لا يجوز أن يحتج به ، ومن لم يترجح عنده نقل مثبت النزاع على
نافيه ولا نافيه على مثبته فليس له أيضاً أن يقدمه على النص ولا يقدم
النص عليه ، بل يقف لعدم رجحان أحدهما عنده ؛ فإن ترجح عنده
المثبت غلب على ظنه أن النص لم يعارضه إجماع يعمل به ، وينظر فى
ذلك إلى مثبت الإجماع والنزاع ، فمن عرف منه كثرة ما يدعيه من
الإجماع والأمر بخلافه ليس بمنزلة من لم يعلم منه إثبات إجماع علم
انتفاؤه، وكذلك من علم منه فى نقل النزاع أنه لا يغلط إلا نادراً ليس
بمنزلة من علم منه كثرة الغلط.
وإذا تضافر على نقل النزاع اثنان لم يأخذ أحدهما عن صاحبه فهذا
يثبت به النزاع ، بخلاف دعوى الإجماع ؛ فإنه لو تضافر عليه عدد لم
يستفد بذلك إلا عدم علمهم بالنزاع ، وهذا لمن أثبت النزاع فى جمع
الثلاث ومن نفى النزاع ، مع أن عامة من أثبت النزاع يذكر نقلا
صحيحاً لا يمكن دفعه وليس مع النافي ما يبطله .
وكثير من الفقهاء المتأخرين أو أكثرهم يقولون: إنهم عاجزون
عن تلقي جميع الأحكام الشرعية من جهة الرسول ، فيجعلون نصوص
أئمتهم بمنزلة نص الرسول ويقلدونهم . ولا ريب أن كثيراً من الناس
يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التى لا يستقل هو بمعرفتها ،
ومن سالكى طريق الإرادة والعبادة والفقر والتصوف من يجعل شيخه
٢٧٢

كذلك، بل قد يجعله كالمعصوم ! ولا يتلقى سلوكه إلا عنه ، ولا يتلقى
عن الرسول سلوكه ، مع أن تلقي السلوك عن الرسول أسهل من
تلقي الفروع المتنازع فيها ؛ فإن السلوك هو بالطريق التى أمر الله بها
ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق ، وهذا كله مبين في
الكتاب والسنة ؛ فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لا بد للمؤمن منه.
ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة
والتبليغ عن الرسول ، لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة ، ولم
يحصل بين الصحابة نزاع فى ذلك كما تنازعوا فى بعض مسائل الفقه
التى خفيت معرفتها على أكثر الصحابة ، وكانوا يتكلمون فى الفتيا
والأحكام ؛ طائفة منهم يستفتون في ذلك .
وأما ما يفعله من يريد التقرب إلى الله من واجب ومستحب
فكلهم يأخذه عن الكتاب والسنة ؛ فإن القرآن والحديث مملوء من
هذا ؛ وإن تكلم أحدهم في ذلك بكلام لم يسنده هو يكون هو أو
معناه مسنداً عن الله ورسوله ، وقد ينطق أحدم بالكلمة من الحكمة
فتجدها مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كما قيل في تفسير
قوله: ( تُورُعَلَى نُورٍ ) ، ولكن كثير من أهل العبادة والزهادة
أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يعرف به طريق الله ورسوله ،
فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ .
٢٧٣

وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ ، لكن يوجد فى الكتاب
والسنة من النصوص الدالة على الصواب فى ذلك ما يفهمه غالب
السالكين ، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد كلها منصوصة
في الكتاب والسنة ، وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن
الكتاب والسنة ، فلما دخلوا فى البدع وقع الاختلاف ، وهكذا
طريق العبادة ، عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب
الإعراض عن الطريق المشروع ، فيقعون في البدع فيقع فيهم الخلاف .
وهكذا الفقه إنما وقع فيه الاختلاف لما خفي عليهم بيان صاحب
الشرع ، ولكن هذا إنما يقع النزاع فى الدقيق منه، وأما الجليل
فلا يتنازعون فيه . والصحابة أنفسهم تنازعوا في بعض ذلك ولم يتنازعوا
في العقائد ، ولا فى الطريق إلى الله التى بصير بها الرجل من أولياء
الله الأبرار المقربين ، ولهذا كان عامة المشايخ إذا احتاجوا فى مسائل
الشرع مثل مسائل النكاح والفرائض والطهارة وسجود السهو ونحو
ذلك قلدوا الفقهاء ؛ لصعوبة أخذ ذلك عليهم من النصوص . وأما
مسائل التوكل والإخلاص والزهد ونحو ذلك فهم يجتهدون فيها ، فمن
كان منهم متبعا للرسول أصاب ، ومن خالفه أخطأ .
ولا ريب أن البدع كثرت فى باب العبادة والإرادة أعظم مما كثرت
فى باب الاعتقاد والقول ؛ لأن الإرادة يشترك الناس فيها أكثر مما
٢٧٤

يشتركون فى القول ؛ فإن القول لا يكون إلا بعقل ، والنطق من
خصائص الإنسان . وأما جنس الإرادة فهو مما يتصف به كل الحيوان
فما من حيوان إلا وله إرادة ، وهؤلاء اشتركوا فى إرادة التأله ؛
لكن افترقوا في المعبود وفى عبادته ؛ ولهذا وصف الله فى القرآن
رهبانية النصارى بأنهم ابتدعوها ، وذم المشركين في القرآن على
ما ابتدعوه من العبادات والتحريمات، وذلك أكثر مما ابتدعوه من
الاعتقادات ؛ فإن الاعتقادات كانوا فيها جهالا فى الغالب فكانت
بدعهم فيها أقل ؛ ولهذا كلما قرب الناس من الرسول كانت بدعهم
أخف فكانت فى الأقوال ، ولم يكن فى التابعين وتابعيهم من تعبد
بالرقص والسماع كما كان فيهم خوارج ومعتزلة وشيعة ، وكان فيهم من
يكذب بالقدر ولم يكن فيهم من يحتج بالقدر .
فالبدع الكثيرة التى حصلت في المتأخرين من العباد والزهاد
والفقراء والصوفية لم يكن عامتها فى زمن التابعين وتابعيهم ، بخلاف
أقوال أهل البدع القولية فإنها ظهرت فى عصر الصحابة والتابعين ،
فعلم أن الشبهة فيها أقوى وأهلها أعقل ، وأما بدع هؤلاء فأهلها أجهل
وثم أبعد عن متابعة الرسول .
ولهذا يوجد في هؤلاء من يدعي الإلهية والحلول والاتحاد ،
ومن يدعي أنه أفضل من الرسول وأنه مستغن عن الرسول ، وأن
٢٧٥

لهم إلى الله طريقاً غير طريق الرسول ! وهذا ليس من جنس بدع
المسلمين ، بل من جنس بدع الملاحدة من المتفلسفة ونحوم ، وأولئك
قد عرف الناس أنهم ليسوا مسلمين ، وهؤلاء يدعون أنهم أولياء الله
مع هذه الأقوال التى لا يقولها إلا من هو أكفر من اليهود
والنصارى، وكثير منهم أو أكثرهم لا يعرف أن ذلك مخالفة للرسول
بل عند طائفة منهم أن أهل الصفة قاتلوا الرسول وأقرم على ذلك !
وعند آخرين أن الرسول أمر أن يذهب ليسلم عليهم ويطلب الدعاء
منهم، وأنهم لم يأذنوا له وقالوا : اذهب إلى من أرسلت إليهم ، وأنه
رجع إلى ربه فأمره أن يتواضع ويقول : خويدمكم جاء ليسلم عليكم !
تفجيروا قلبه وأذنوا له بالدخول.
فمع اعتقادم هذا الكفر العظيم الذي لا يعتقده يهودي ولانصراني
يقر بأنه رسول اللّه إلى الأميين، يقولون: إن الرسول أقرم على ذلك
واعترف به ، واعترف أنهم خواص اللّه، وأن الله يخاطبهم بدون
الرسول ، لم يحوجهم إليه كبعض خواص الملك مع وزرائه ، ويحتجون
بقصة الخضر مع موسى ، وهي حجة عليهم لا لهم من وجوه كثيرة قد
بسطت فى موضع آخر .
والضلال والجهل فى جنس العباد والمبتدعة أكثر منه فى جنس أهل
الأقوال ، لكن فيهم من الزهد والعبادة والأخلاق ما لا يوجد فى
٢٧٦

أولئك ، وفى أولئك من الكبر والبخل والقسوة ما ليس فيهم ، فهؤلاء
فيهم شبه من النصارى وهؤلاء فيهم شبه من اليهود، والله تعالى أمرنا
أن نقول: (أَهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَغِمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ )؛ ولهذا آل الأمر بكثير من أكبر
مشايخهم إلى أنهم شهدوا توحيد الربوبية والإيمان بالقدر ، وذلك شامل
لجميع الكائنات ، فعدوا الفناء فى هذا بزوال الفرق بين الحسنات
والسيئات غاية المقامات ، وليس بعده إلا ما سموه توحيداً، وهو من
جنس الحلول والاتحاد الذي تقوله النصارى ، ولكنهم يهابون الإفصاح
عن ذلك ويجعلونه من الأسرار المكتومة .
ومنهم من يقول : إن الحلاج هذا كان مشهده ، وإنما قتل لأنه
بلح بالسر الذي ما ينبغي البوح به. وإذا انضم إلى ذلك أن يكون
أحدهم قد أخذ عمن يتكلم فى إثبات القدر من أهل الكلام أو غيره ؛
ويجعل الجميع صادراً عن إرادة واحدة ، وليس هنا حب ولا بغض
ولا رضا ولا سخط ولا فرح ؛ ولكن المرادات متنوعة ، فما كان ثوابا
سمي تعلق الإرادة به رضا ، وما كان عقابا سمي سخطاً ، فينئذ مع هذا
المشهد لا يبقى عنده تمييز ، ويسمون هذا : الجمع والاصطلام .
وكان الجنيد - قدس الله روحه - لما وصل أصحابه كالثوري
٢٧٧

وأمثاله إلى هذا المقام أمرهم بالفرق الثاني، وهو : أن يفرقوا بين
المأمور والمحظور ؛ ومحبوب الله ومرضيه ؛ ومسخوطه ومكروهه ؛ وهو
مشهد الإلهية الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ، وهو حقيقة
قول : لا إله إلا الله. فمنهم من أنكر على الجنيد، ومنهم من توقف،
ومنهم من وافق ، والصواب ما قاله الجنيد من ذكر هذه الكلمة في
الفرق بين المأمور والمحظور ، والكلمة الأخرى فى الفرق بين الرب
والعبد، وهو قوله : التوحيد إفراد الحدوث عن القدم . فهذا رد على
الاتحادية والحلولية منهم ، وتلك رد على من يقف عند الحقيقة الكونية
منهم ، وما أكثر من ابتلي بهذين منهم .
ثم من الناس من يقوم بهذا الفرق لكن لنفسه وهواه ، لا عبادة
وطاعة لله ، فهذا مثل من يجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
لهواه ، كالمقاتل شجاعة وحمية ورياء ، وذاك بمنزلة من لا يأمر بمعروف
ولا ينهى عن منكر ولا يجاهد ، هذا شبيه بالراهب وذاك شبيه بمن لم
يطلب إلا الدنيا ، ذاك مبتدع وهذا فاجر .
وقد كثر فى المتزهدة والمتفقرة البدع ، وفي المعرضين عن ذلك طلب
الدنيا ، وطلاب الدنيا لا يعارضون تاركها إلا لأغراضهم وإن كانوا مبتدعة،
وأولئك لا يعارضون أبناء الدنيا إلا لأغراضهم ، فتبقى المنازعات للدنيا ،
٢٧٨

لا لتكون كلمة الله هي العليا، ولا ليكون الدين لله، بخلاف طريقة
السلف رضي الله عنهم أجمعين ، وكلاهما خارج عن الصراط المستقيم .
نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، آخر.
والحمد لله رب العالمين .
٢٧٩

وسئل رحم الله
عمن يقول: إن النصوص لا تفى بعشر معشار الشريعة : هل قوله
صواب؟ وهل أراد النص الذى لا يحتمل التأويل أو الألفاظ الواردة المحتملة؟
ومن نفى القياس وأبطله من الظاهرية : هل قوله صواب ؟ وما حجته
على ذلك ؟ وما معنى قولهم : النص ؟
فأجاب :
الحمد لله رب العالمين . هذا القول قاله طائفة من أهل الكلام
والرأي كأبى المعالي وغيره ، وهو خطأ ؛ بل الصواب الذي عليه جمهور
أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد . ومنهم من
يقول : إنها وافية بجميع ذلك ؛ وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم
يفهم معانى النصوص العامة التى هي أقوال الله ورسوله وشمولها لأحكام
أفعال العباد ، وذلك أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بجوامع
الكلم ، فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التى هي قضية كلية وقاعدة عامة
تتناول أنواعاً كثيرة ، وتلك الأنواع تتناول أعياناً لا تحصى ، فيهذا
الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد .
٢٨٠