النص المفهرس

صفحات 221-240

عنه ؛ فإذا كان هذا فيمن كان مشركاً وآمن ؛ فما الظن بمن كان
من أهل الكتاب وآمن ؟
وقوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوَّلَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ) قيل:
هو الذي يكون عليه لباس أهل الحرب ، مثل أن يكون في صفهم
فيعذر القائل لأنه مأمور بقتاله ، فتسقط عنه الدية وتجب الكفارة ،
وهو قول الشافعى وأحمد فى أحد القولين ، وقيل : بل هو من أسلم
ولم يهاجر . كما يقوله أبو حنيفة، لكن هذا قد أوجب فيه الكفارة.
وقيل إذا كان من أهل الحرب لم يكن له وارث فلا يعطى أهل
الحرب ديته ، بل تجب الكفارة فقط . وسواء عرف أنه مؤمن وقتل
خطأ أو ظن أنه كافر ، وهذا ظاهر الآية .
وقد قال بعض المفسرين : إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن
سلام وأصحابه كما نقل عن ابن جريج ومقاتل وابن زيد، يعنى : قوله:
( وَإِنَّمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ )، وبعضهم قال: إنها فى مؤمني أهل
الكتاب . فهو كالقول الأول ، وإن أراد العموم فهو كالثانى. وهذا
قول مجاهد ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس .
وقول من أدخل فيها ابن سلام وأمثاله ضعيف ؛ فإن هؤلاء من
المؤمنين ظاهراً وباطناً من كل وجه ، لا يجوز أن يقال فيهم: ( وَإِنَّ
٢٢١

مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا
يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَِّثَمَنًا قَلِيلًاٌ أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ ) .
أما أولا: فإن ابن سلام أسلم في أول ما قدم النبي صلى الله عليه
وسلم المدينة ، وقال : فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه
كذاب. وسورة آل عمران إنما نزل ذكر أهل الكتاب فيها لما قدم وفد
نجران سنة تسع أو عشر .
وثانياً : أن ابن سلام وأمثاله هو واحد من جملة الصحابة والمؤمنين
وهو من أفضلهم ، وكذلك سلمان الفارسى ، فلا يقال فيه : إنه من
أهل الكتاب . وهؤلاء لهم أجور مثل أجور سائر المؤمنين بل يؤتون
أجرهم مرتين ، وهم ملتزمون جميع شرائح الإسلام ، فأجرهم أعظم من
أن يقال فيه: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ).
وأيضاً فإن أمر هؤلاء كان ظاهراً معروفا ولم يكن أحد يشك
فيهم ، فأي فائدة في الإخبار بهم ؟ وما هذا إلا كما يقال : الإسلام
دخل فيه من كان مشركاً أو كان كتابيا، وهذا معلوم لكل أحد بأنه
دين لم يعرف قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، فكل من دخل فيه
كان قبل ذلك إما مشركا وإما من أهل الكتاب ، إما كتابياً وإما
٢٢٢

أمياً . فأي فائدة فى الإخبار بهذا ؟ بخلاف أمر النجاشي وأصحابه
ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى ؛ فإن أمرم قد يشتبه .
ولهذا ذكروا فى سبب نزول هذه الآية : أنه لما مات النجاشي
صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال قائل: تصلى على هذا العلج
النصراني وهو فى أرضه ؟ فنزلت هذه الآية ، هذا منقول عن جابر
وأنس بن مالك وابن عباس ، وهم من الصحابة الذين باشروا الصلاة
على النجاشي ، وهذا بخلاف ابن سلام وسلمان الفارسي ؛ فإنه إذا صلى على
واحد من هؤلاء لم ينكر ذلك أحد.
وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام فيهم منافق لا يصلى عليه . كما
نزل فى حق ابن أبي وأمثاله . وأن من هو فى أرض الكفر يكون مؤمناً
يصلى عليه كالنجاشي.
ويشبه هذه الآية أنه لما ذكر تعالى أهل الكتاب فقال: ( وَلَوْ
ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيًْاً لَّهُمَّ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ
* لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحَبَلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُ وبِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَبِغَيْرِ حَقٍّ
٢٢٣

ذَلِكَ بِمَاعَصَواْ وَكَانُوْ يَعْتَدُونَ * لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ
اللَّهِءَانَّةَ الَّيَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ)، وهذه
الآية قيل : إنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه . وقيل : إن قوله
﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ). هو عبد الله بن سلام وأصحابه.
وهذا والله أعلم من نمط الذي قبله ؛ فإن هؤلاء ما بقوا من أهل
الكتاب ، وإنما المقصود من هو منهم فى الظاهر وهو مؤمن ؛ لكن
لا يقدر على ما يقدر عليه المؤمنون المهاجرون المجاهدون ، كمؤمن آل
فرعون هو من آل فرعون وهو مؤمن ؛ ولهذا قال تعالى: (وَقَالَ
رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْثُمُ إِيمَنَهُ: أَنَفْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِيَ اللَّهُ وَقَدْ
جَآءَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ )
فهو من آل فرعون وهو مؤمن .
وكذلك هؤلاء منهم المؤمنون؛ ولهذا قال: (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ )
وقد قال قبل هذا : (وَلَوْءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مِّنْهُمُ
اُلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ)، ثم قال: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَى )،
وهذا عائد إليهم جميعهم لا إلى أكثرهم؛ ولهذا قال: (وَإِن يُقَتِلُوكُمْ
يُلُّكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّلَايُصَرُونَ )، وقد يقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه
يشهد القتال معهم ولا يمكنه الهجرة ، وهو مكره على القتال ، ويبعث
٢٢٤

يوم القيامة على نيته ، كما فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (( يغزو جيش هذا البيت ، فبينما هم يبيداء من الأرض إذ خف
بهم، فقيل: يا رسول الله! وفيهم المكره، قال : يبعثون على نياتهم
وهذا في ظاهر الأمر وإن قتل وحكم عليه بما يحكم على الكفار فالله
يبعثه على نيته ، كما أن المنافقين منا يحكم لهم فى الظاهر بحكم الإسلام
ويبعثون على نياتهم .
والجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر ؛ ولهذا
روي أن العباس قال: يا رسول الله! كنت مكرها. قال: ((أما
ظاهرك فكان علينا ، وأما سريرتك فإلى الله)).
وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد
آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها
بل الوجوب بحسب الإمكان ، وكذلك ما لم يعلم حكمه ، فلو لم يعلم أن
الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل لم يجب عليه القضاء في أظهر
قولي العلماء ، وهذا مذهب أبى حنيفة وأهل الظاهر، وهو أحد الوجهين
فى مذهب أحمد .
وكذلك سائر الواجبات من صوم شهر رمضان وأداء الزكاة وغير
ذلك. ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد باتفاق المسلمين ، وإنما
٢٢٥

اختلفوا فى قضاء الصلوات . وكذلك لو عامل بما يستحله من ربا أو
ميسر ثم تبين له تحريم ذلك بعد القبض : هل يفسخ العقد أم لا ؟
كما لا نفسخه لو فعل ذلك قبل الإسلام . وكذلك لو تزوج نكاحا يعتقد
محته على عادتهم ، ثم لما بلغته شرائع الإسلام رأى أنه قد أخل ببعض
شروطه ، كما لو تزوج فى عدة وقد انقضت ، فهل يكون هذا فاسداً
أو يقر عليه ؟ كما لو عقده قبل الإسلام ثم أسلم .
وأصل هذا كله أن الشرائح هل تلزم من لم يعلمها أم لا تلزم
أحداً إلا بعد العلم ؟ أو يفرق بين الشرائح الناسخة والمبتدأة ؟ هذا فيه
ثلاثة أقوال ، هي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد ، ذكر القاضي أبو يعلى
الوجهين المطلقين فى كتاب له ، وذكر هو وغيره الوجه المفرق فى أصول
الفقه ، وهو : أن النسخ لا يثبت فى حق المكلف حتى يبلغه الناسخ .
وأخرج أبو الخطاب وجهاً فى ثبوته .
ومن هذا الباب من ترك الطهارة الواجبة ولم يكن على بوجوبها ،
أو صلى فى الموضع المنهى عنه قبل علمه بالنهي : هل يعيد الصلاة ؟ فيه
روايتان منصوصتان عن أحمد .
والصواب فى هذا الباب كله : أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن
من العلم ، وأنه لا يقضى ما لم يعلم وجوبه ، فقد ثبت فى الصحيح أن
٢٢٦

من الصحابة من أكل بعد طلوع الفجر فى رمضان حتى تبين له الخيط
الأبيض من الخيط الأسود ، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء
ومنهم من كان يمكث جنباً مدة لا يصلى ، ولم يكن يعلم جواز الصلاة
بالتيمم كأبى ذر وعمر بن الخطاب وعمار لما أجنب ، ولم يأمر النبي صلى
اللّه عليه وسلم أحداً منهم بالقضاء، ولا شك أن خلقا من المسلمين بمكة
والبوادي صاروا يصلون إلى بيت المقدس حتى بلغهم النسخ ولم يؤمروا
بالإعادة . ومثل هذا كثير .
وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف والجمهور : أن الله لا يكلف
نفساً إلا وسعها ، فالوجوب مشروط بالقدرة ، والعقوبة لا تكون إلا
على ترك مأمور أو فعل محظور بعد قيام الحجة . وصلى الله على محمد
وآله وصحبه وسلم .
٢٢٧

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
قول الناس : العلوم الشرعية والعقلية قد يكون بينهما عموم وخصوص
وقد يكون أحدهما قسيم الآخر . ويكون الصواب فى مواضع أن يقال :
السمعية والعقلية ؛ وذلك أن قولنا : العلوم الشرعية قد يراد به ما أمر
به الشارع ، وقد يراد به ما أخبر به الشارع، وقد يراد به ما شرع أن
يعلم، وقد يراد به ما علمه الشارع .
فالأول : هو العلم المشروع - كما يقال : العمل المشروع - وهو
الواجب او المستحب وربما دخل فيه المباح بالشرع .
والثانى: هو العلم المستفاد من الشارع، وهو ما علمه الرسول وقلّة لأمته
بما بعث به من الإيمان والقرآن والكتاب والحكمة ، وهو ما دل عليه
الكتاب والسنة أو الإجماع ، أو توابع ذلك .
فالأول : إضافة له بحسب حكمه فى الشرع ، والثانى : إضافة إلى
٢٢٨

طريقه ودليله ، فقولنا في الأول: على شرعى كما يقال : عمل شرعي .
والثانى : كما يقال: علم عقلي وسمعي ، الأول نظر فيه من جهة المدح
والذم، والثواب والعقاب، والأمر والنهي، وهو خطاب التكليف .
والثانى نظر فيه من جهة طريقه ودليله ، وصحته وفساده ، ومطابقته
ومخالفته ، وهو من جهة خطاب الإخبار .
ثم كل من القسمين على قسمين : فإنه إذا عرف أن الشرعى :
إما أن يكون ما أخبر به ؛ وإما أن يكون ما أمر به . فما أخبر به :
إما أن يبين له دليلا عقلياً أو لا يذكر . وما أمر به : إما أن يكون
مقصوداً للشارع ؛ أو لازما لمقصود الشارع ، وهو ما لا يتم مقصوده
الواجب أو المستحب إلا به . فهذه أربعة أقسام .
وإن شئت أن تقسم المأمور به إلى ما يعرف بالعقل فقط ، وإلى
ما يعرف بالشرع أيضاً ، فيكون شرعياً خبراً وأمراً ؛ فإن ما علم بالشرع
لا يخلو : إما أن يراد به إخبار الشارع أو دلالة الشارع ، فإذا عني به
ما دل عليه الشارع مثل دلالته على آيات الربوبية ودلالة الرسالة ونحو
ذلك ؛ فإنه يجتمع فى هذا أن يكون شرعياً عقلياً ؛ فإن الشارع لما نبه
العقول على الآيات والبراهين والعبر اهتدت العقول ، فعلمت ما هداها
إليه الشارع .
٢٢٩

واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار ؛ مثل الإقرار بوجود
الخالق وبوحدانيته ، وعلمه وقدرته ، ومشيئته وعظمته ، والإقرار بالثواب
وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وغير ذلك مما يعلم بالعقل: قد دل
الشارع على أدلته العقلية . وهذه الأصول التى يسميها أهل الكلام
العقليات وهي ما تعلم بالعقل ، فإنها تعلم بالشرع ، لا أعني بمجرد إخباره،
فإن ذلك لا يفيد العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر ، فالعلم بها من هذا
الوجه موقوف على ما يعلم بالعقل من الإقرار بالربوبية وبالرسالة ، وإنما
أعنى بدلالته وهدايته ، كما أن ما يتعلمه المتعلمون ببيان المعلمين وتصنيف
المصنفين إنما هو لما بينوه للعقول من الأدلة .
فهذا موضع يجب التفطن له ؛ فإن كثيراً من الغالطين من متكلم
ومحدث ومتفقه وعلمي وغيرم : يظن أن العلم المستفاد من الشرع
إنما هو لمجرد إخباره تصديقاً له فقط ؛ وليس كذلك ؛ بل يستفاد منه
بالدلالة والتنبيه والإرشاد جميع ما يمكن ذلك فيه من علم الدين .
والقسم الثاني من الشرعى : ما يعلم بإخبار الشارع. فهذا لا يخلو
إما أن يمكن علمه بالعقل أيضاً ؛ أولا يمكن ؛ فإن لم يمكن فهذا يعلم
بمجرد إخبار الشارع ، وإن أمكن علمه بالعقل فهل يوجد مثل هذا ؟
وهو أن يكون أمر أخبر الشارع به وعلمه ممكن بالعقل أيضاً ، ولم
يدل الشارع على دليل له عقلي ، فهذا ممكن ولا نقص إذا وقع مثل
٢٣٠

هذا فى الشريعة ؛ فإنه إذا عرف صدق المبلغ جاز أن يعلم بخبره كل
ما يحتاج إليه ، ولا ريب أن كثيراً من الناس لا ينالون علم ذلك إلا
من جهة خبر الشارع ، وقد أحسنوا فى ذلك حيث آمنوا به ؛ لكن
هل ذلك واقع مطلقاً ؟.
وقد ذهب خلائق من المتفلسفة والمتكلمة والمتفقهة والمتصوفة والعامة
وغير ذلك إلى وقوع ذلك ، وهو أن فيما أخبر به الشارع أمورا قد
تعلم بالعقل أيضاً وإن كان الشارع لم يذكر دلالته العقلية .
وهذا فيه نظر ؛ فإن من تأمل وجوه دلالة الكتاب والسنة وما
فيها من جلي وخفي وظاهر وباطن قد يقول : إن الشارع نبه فى كل
ما يمكن علمه بالعقل على دلالة عقلية ، كما قد حصل الاتفاق على أن
ذلك واقع فى مسائل أصول الدين الكبار ، وفى هذا نظر .
فصارت العلوم بهذا الاعتبار : إما أن تعلم بالشرع فقط ، وهو
ما يعلم بمجرد إخبار الشرع مما لا يهتدي العقل إليه بحال ، لكن
هذه العلوم قد تعلم بخبر آخر غير خبر شارعنا محمد صلى الله عليه
وسلم . وإما أن تعلم بالعقل فقط: كمرويات الطب والحساب والصناعات.
وإما أن تعلم بها ، فإما أن يكون الشارع قد هدى إلى دلالتها كما
أخبر بها أم لا ، فإن كان الأول فهي عقليات الشرعيات ؛ أو عقلي
٢٣١

الشارع ؛ أو ما شرع عقله؛ أو العقل المشروع . وإما أن يكون قد
أخبر بها فقط فهذه عقلية من غير الشارع . فيجب التفطن .
لكن العقلي قد يعقل من الشارع وهو عامة أصول الدين ، وقد
يعقل من غيره ولم يعقل منه ، فهذا في وجوده نظر .
وبهذا التحرير يتبين لك أن عامة المتفلسفة وجمهور المتكلمة جاهلة
بمقدار العلوم الشرعية ودلالة الشارع عليها ، ويوهمهم علو العقلية
عليها ، فإن جهلهم ابتنى على مقدمتين جهليتين :
إحداهما : أن الشرعية ما أخبر الشارع بها .
والثانية : أن ما يستفاد بخبره فرع للعقليات التى هي الأصول ،
فلزم من ذلك تشريف العقلية على الشرعية .
وكلا المقدمتين باطلة ؛ فإن الشرعيات : ما أخبر الشارع بها وما دل
الشارع عليها . وما دل الشارع عليه ينتظم جميع ما يحتاج إلى علمه
بالعقل وجميع الأدلة والبراهين وأصول الدين ومسائل العقائد ، بل قد
تدبرت عامة ما يذكره المتفلسفة والمتكلمة والدلائل العقلية فوجدت
دلائل الكتاب والسنة تأتي بخلاصته الصافية عن الكدر، وتأتي بأشياء
٢٣٢

لم يهتدوا لها ، وتحذف ما وقع منهم من الشبهات والأباطيل مع كثرتها
واضطرابها ، وقد بينت تفصيل هذه الجملة فى مواضع .
وأما إذا أريد بالشرعية ما شرع علمه ؛ فهذا يدخل فيه كل على
مستحب أو واجب ، وقد يدخل فيه المباح ، وأصول الدين على هذا
من العلوم الشرعية أيضاً ، وما علم بالعقل وحده فهو من الشرعية أيضاً ؛
إذا كان علمه مأموراً به فى الشرع .
وعلى هذا فتكون الشرعية قسمين : عقلية وسمعية . وتجعل السمعية
هنا بدل الشرعية فى الطريقة الأولى ، وقد تبين بهذا أن كل علم عقلي
أمر الشرع به أو دل الشرع عليه فهو شرعي أيضاً، إما باعتبار الأمر
أو الدلالة أو باعتبارهما جميعاً.
ويتبين بهذا التحرير أن ما خرج من العلوم العقلية عن مسمى
الشرعية وهو ما لم يأمر به الشارع ولم يدل عليه فهو يجري مجرى
الصناعات ، كالفلاحة والبناية والنساجة ، وهذا لا يكون إلا فى العلوم
المفضولة المرجوحة ، ويتبين أن مسمى الشرعية أشرف وأوسع ، وأن
بين العقلية والشرعية عموما وخصوصاً ، ليس أحدهما قسيم الآخر وإنما
السمعي قسيم العقلي ، وأنه يجتمع فى العلم أن يكون عقلياً وهو شرعي
بالاعتبارات الثلاثة : إخباره به ؛ أمره به ؛ دلالة عليه . فتدبر أن النسبة
٢٣٣

إلى الشرع بهذه الوجوه الثلاثة .
ثم ما أمر به الشارع من العلم: إما أن يكون أمره به يعود[ إلى ما
يقصده الشارع حقيقة ] (١) أو لزوما من جهة ما لا يتأتى المشروع إلا به .
وكذلك الحكم الشرعي يريد به المعتزلة ما أخبر به الشارع فقط .
ويريد به الأشعرية ما أثبته الشارع . وقد وافق كل فريق قوم من
أصحابنا وغيرهم، والصواب أن الحكم الشرعي يكون تارة ما أخبر به؛
ويكون نارة ما أثبته ، وتارة يجتمع الأمران . والله أعلم .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٢٣٤

وقال شيخ الإسلام
فصل
جامع نافع
الأسماء التى علق اللّه بها الأحكام فى الكتاب والسنة: منها
ما يعرف حده ومسماء بالشرع ، فقد بينه الله ورسوله : كاسم الصلاة
والزكاة والصيام والحج ؛ والإيمان والإسلام ؛ والكفر والنفاق . ومنه
ما يعرف حده باللغة ؛ كالشمس والقمر ؛ والسماء والأرض؛ والبر والبحر
ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم فيتنوع بحسب عادتهم ؛
كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدنيار ؛ ونحو ذلك من الأسماء
التى لم يحدها الشارع بحد ؛ ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع
أهل اللغة ، بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس .
فما كان من النوع الأول فقد بينه الله ورسوله ، وما كان من
الثاني والثالث فالصحابة والتابعون المخاطبون بالكتاب والسنة قد عرفوا
المراد به ؛ لمعرفتهم بمسماه المحدود فى اللغة أو المطلق فى عرف الناس
٢٣٥

وعادتهم من غير حد شرعى ولا لغوي ، وبهذا يحصل التفقه فى
الكتاب والسنة .
والاسم إذا بين النبى صلى الله عليه وسلم حد مسماه لم يلزم أن
يكون قد نقله عن اللغة أو زاد فيه ، بل المقصود أنه عرف مراده
بتعريفه هو صلى الله عليه وسلم كيفما كان الأمر ؛ فإن هذا هو
المقصود، وهذا كاسم الخمر ؛ فإنه قد بين أن كل مسكر خمر فعرف
المراد بالقرآن ، وسواء كانت العرب قبل ذلك تطلق لفظ الخمر على كل
مسكر أو تخص به عصير العنب ؛ لا يحتاج إلى ذلك ؛ إذ المطلوب
معرفة ما أراد الله ورسوله بهذا الاسم ، وهذا قد عرف ببيان الرسول
صلى الله عليه وسلم، وبأن الخمر في لغة المخاطبين بالقرآن كانت تتناول
نبيذ التمر وغيره ، ولم يكن عنده بالمدينة خمر غيرها ، وإذا كان الأمر
كذلك فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام من الأمر والنهي
والتحليل والتحريم لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله.
فمن ذلك اسم الماء مطلق فى الكتاب والسنة ، ولم يقسمه النبى
صلى الله عليه وسلم إلى قسمين : طهور وغير طهور ، فهذا التقسيم
مخالف للكتاب والسنة، وإنما قال اللّه: (فَلَمْ تَجِدُواْمَآءَ)، وقد
بسطنا هذا في غير هذا الموضع ، وبينا أن كل ما وقع عليه اسم الماء
فهو طاهر طهور ، سواء كان مستعملا فى طهر واجب أو مستحب
٢٣٦

أو غير مستحب ؛ وسواء وقعت فيه نجاسة أو لم تقع إذا عرف أنها
قد استحالت فيه واستهلكت ، وأما إن ظهر أثرها فيه فإنه يحرم
استعماله لأنه استعمال للمحرم .
فصل
ومن ذلك اسم الحيض ، علق الله به أحكاماً متعددة فى الكتاب
والسنة ، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره ، ولا الطهر بين الحيضتين مع
عموم بلوى الأمة بذلك ، واحتياجهم إليه ، واللغة لا تفرق بين قدر
وقدر ، فمن قدر فى ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة ، والعلماء
منهم من يحد أكثره وأقله ، ثم يختلفون فى التحديد . ومنهم من
يحد أكثره دون أقله ، والقول الثالث أصح: أنه لا حد لا لأقله
ولا لأكثره ، بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض ؛ وإن قدر
أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض . وإن قدر أن
أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض . وأما إذا استمر
الهم بها دائماً فهذا قد على أنه ليس بحيض ، لأنه قد على من الشرع
واللغة أن المرأة تارة تكون طاهراً وتارة تكون حائضاً، ولطهرها
أحكام ، ولحيضها أحكام .
٢٣٧

والعادة الغالبة أنها تحيض ربع الزمان ستة أو سبعة ، وإلى ذلك
رد النبى صلى الله عليه وسلم المستحاضة التى ليس لها عادة ولا تمييز،
والطهر بين الحيضتين لا حد لأكثره باتفاقهم ؛ إذ من النسوة من
لا يحيض بحال ، وهذه إذا تباعد ما بين أقرأئها فهل يعتد بثلث حيض
أو تكون كالمرتابة تحيض سنة ؟ فيه قولان للفقهاء . وكذلك أقله على
الصحيح لا حد له ، بل قد تحيض المرأة فى الشهر ثلاث حيض ،
وإن قدر أنها حاضت ثلاث حيض فى أقل من ذلك أمكن ، لكن إذا
ادعت انقضاء عدتها فيما يخالف العادة المعروفة فلا بد أن يشهد لها
بطانة من أهلها ، كما روى عن علي رضي الله عنه فيمن ادعت ثلاث
حیض فی شهر .
والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على
أنه استحاضة ؛ لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخيه الرحم
ودم الفساد دم عرق ينفجر ؛ وذلك كالمرض والأصل الصحة لا
المرض . فمتى رأت المرأة الدم جار من رحمها فهو حيض تترك لأجله
الصلاة . ومن قال : إنها تغتسل عقيب يوم وليلة فهو قول مخالف
للمعلوم من السنة وإجماع السلف ؛ فإنا نعلم أن النساء كن يحضن على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكل امرأة تكون فى أول أمرها
مبتدأة قد ابتدأها الحيض ، ومع هذا فلم يأمر النبي صلى الله عليه
٢٣٨

وسلم واحدة منهن بالاغتسال عقب يوم وليلة . ولو كان ذلك منقولا
لكان ذلك حداً لأقل الحيض ، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يحد
أقل الحيض باتفاق أهل الحديث . والمروى فى ذلك ثلاث . وهي
أحاديث مكذوبة عليه باتفاق أهل العلم بحديثه ، وهذا قول جماهير
العلماء ، وهو أحد القولين في مذهب أحمد .
وكذلك المرأة المنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة أو نقص أو
انتقال فذلك حيض . حتى يعلم أنه استحاضة باستمرار الدم :
فإنها كالمبتدأة.
والمستحاضة ترد إلى عادتها ثم إلى تمييزها ، ثم إلى غالب عادات
النساء، كما جاء فى كل واحدة من هؤلاء سنة عن النبي صلى الله عليه
وسلم ، وقد أخذ الإمام أحمد بالسنن الثلاث . ومن العلماء من أخذ
بحديثين ؛ ومنهم من لم يأخذ إلا بحديث بحسب ما بلغه وما أدى إليه
اجتهاده ، رضي الله عنهم أجمعين .
والحامل إذا رأت الدم على الوجه المعروف لها فهو دم حيض بناء
على الأصل .
والنفاس لا حد لأقله ولا لأكثره، فلو قدر أن امرأة رأت
٢٣٩

الدم أكثر من أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو نفاس ؛ لكن
إن اتصل فهو دم فساد ؛ وحينئذ فالحد أربعون ؛ فإنه منتهى الغالب
جاءت به الآثار .
ولا حد لسن تحيض فيه المرأة ، بل لو قدر أنها بعد ستين أو
سبعين زاد الدم المعروف من الرحم لكان حيضاً . واليأس المذكور
فى قوله: (وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) ليس هو بلوغ سن، [ فـ]١ لو
كان بلوغ سن لبينه الله ورسوله ، وإنما هو أن تيأس المرأة نفسها
من أن تحيض ، فإذا انقطع دمها ويئست من أن يعود فقد يئست
من المحيض ولو كانت بنت أربعين ، ثم إذا تربصت وعاد الدم تبين
أنها لم تكن آيسة، وإن عاودها بعد الأشهر الثلاثة فهو كما لو عاود غيرها
من الآيسات ، والمستريبات . ومن لم يجعل هذا هو اليأس فقوله
مضطرب إن جعله سناً ، وقوله مضطرب إن لم يحد اليأس لا بسن ولا
بانقطاع طمع المرأة فى المحيض ، وبنفس الإنسان لا يعرف ، وإذا لم
يكن للنفاس قدر فسواء ولدت المرأة توأمين أو أكثر ما زالت ترى
الدم فهي نفساء ، وما تراه من حين تشرع في الطلق فهو نفاس ،
وحكم دم النفاس حكم دم الحيض .
ومن لم يأخذ بهذا بل قدر أقل الحيض بيوم أو يوم وليلة أو
ثلاثة أيام ، فليس معه فى ذلك ما يعتمد عليه ، فإن النقل فى ذلك عن
(١) أضيفت الفاء حسب مفهوم السياق .
٢٤٠