النص المفهرس

صفحات 181-200

وهو : الاستسلام لله وحده . وذلك إنما يكون بطاعته فيما أمر به
فى ذلك الوقت ، فطاعة كل نى هي من دين الإسلام إذ ذاك ،
واستقبال بيت المقدس كان من دين الإسلام قبل النسخ ، ثم لما أحر
باستقبال الكعبة صار استقبالها من دين الإسلام ولم يبق استقبال الصخرة
من دين الإسلام ؛ ولهذا خرج اليهود والنصارى عن دين الإسلام ؛
فإنهم تركوا طاعة الله وتصديق رسوله واعتاضوا عن ذلك بمبدل
أو منسوخ .
وهكذا كل مبتدع ديناً خالف به سنة الرسول لا يتبع إلا ديناً
مبدلا أو منسوخا ، فكل من خالف ماجاء به الرسول : إما أن يكون
ذلك قد كان مشروعا لنبى ثم نسخ على لسان محمد صلى الله عليه وسلم
وإما أن لا يكون شرع قط ؛ فهذا كالأديان التي شرعها الشياطين على
ألسنة أوليائهم، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُ شَرَعُواْلَهُمْ مِّنَ الَّذِينِ مَالَمْ
يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ)، وقال: (وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ
أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، وقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ الْإِنِسِ
وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْشَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
يَفْتَرُونَ) .
ولهذا كان الصحابة إذا قال أحدم برأيه شيئاً يقول : إن كان
صوابا فمن الله ؛ وإن كان خطأ فني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان
١٨١

منه ، كما قال ذلك ابن مسعود، وروى عن أبي بكر وعمر. فالأقسام
ثلاثة ؛ فإنه : إما أن يكون هذا القول موافقاً لقول الرسول أولا
يكون ؛ وإما أن يكون موافقاً لشرع غيره ؛ وإما أن لا يكون، فهذا
الثالث المبدل كأديان المشركين والمجوس ، وما كان شرعا لغيره وهو
لا يوافق شرعه فقد نسخ كالسبت ، وتحريم كل ذي ظفر، وشحم
الترب والكليتين ؛ فإن اتخاذ السبت عيداً وتحريم هذه الطيبات قد
كان شرعا لموسى ثم نسخ؛ بل قد قال المسيح: (وَلِأُحِلَّلَكُم
بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ )، فقد نسخ الله على لسان المسيح بعض
ما كان حراما فى شرع موسى .
وأما محمد فقال الله فيه: ( الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَثَةِ
وَأَلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَِّثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )،
لا
والشرك كله من المبدل ، لم يشرع الله الشرك قط !
كما قال :
(وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةً
يُعْبَدُونَ )، وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا
إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَأَعْبُدُونِ ) .
وكذلك ما كان يحرمه أهل الجاهلية مما ذكره الله فى القرآن ،
١٨٢

كالسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك ، هو من الدين المبدل ؛ ولهذا
لما ذكر الله ذلك عنهم في سورة الأنعام بين أن من حرم ذلك فقد
كذب على الله، وذكر تعالى ما حرمه على لسان محمد وعلى لسان
موسى في الأنعام فقال: ( قُللَّا أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ وَإِلَّاً
أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً أَوْدَمَا مَّسْفُوحًا أَوْلَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ
*
بِهِ، فَمَنِ أَضْطُرَ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَاحَمَلَتْ
◌ُظُهُورُ هُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْمَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ )،
وكذلك قال بعد هذا :
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ) .
فبين أن ما حرمه المشركون لم يحرمه على لسان موسى ولا لسان
محمد، وهذان هما اللذان جاءا بكتاب فيه الحلال والحرام ، كما قال
تعالى :
( قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَِّعُهُ ).
وقال تعالى: (وَمِن قَبْلِهِ كِثَبُ مُوسَىَّ إِمَامًا وَرَحْمَةٌ)، وقال تعالى:
(قُلْ مَنْ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى) ، إلى قوله :
(وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ )، وقالت الجن لما سمعت
القرآن: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًالِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى
وقال ورقة بن نوفل :
اَلْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) ،
١٨٣

إن هذا والذي جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة . وكذلك
قال النجاشي .
فالقرآن والتوراة هما كتابان جاءا من عند الله لم يأت من عنده
كتاب أهدى منها ، كل منها أصل مستقل والذي فيها دين واحد ،
وكل منهما يتضمن إثبات صفات الله تعالى والأمر بعبادته وحده لا شريك
له، ففيه التوحيد قولا وعملا كما في سورتى الإخلاص: (قُلْ يَكَأَيُها
اَلْكَفِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ).
وأما الزبور فإن داود لم يأت بغير شريعة التوراة ، وإنما
في الزبور تناء على الله ودعاء وأمر ونهي بدينه وطاعته وعبادته مطلقاً .
وأما المسيح فإنه قال: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) ،
فأحل لهم بعض المحرمات ، وهو في الأكثر متبع الشريعة التوراة :
ولهذا لم يكن بد لمن اتبع المسيح من أن يقرأ التوراة ويتبع ما فيها؛
إذ كان الإنجيل تبعاً لها .
وأما القرآن فإنه مستقل بنفسه لم يحوج أصحابه إلى كتاب آخر ،
بل اشتمل على جميع ما في الكتب من المحاسن ؛ وعلى زيادات كثيرة
لا توجد فى الكتب ؛ فلهذا كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب
١٨٤

ومهيمنا عليه ، يقرر ما فيها من الحق ويبطل ما حرف منها وينسخ
ما نسخه الله ، فيقرر الدين الحق وهو جمهور ما فيها ، ويبطل الدين
المبدل الذي لم يكن فيها ، والقليل الذي نسخ فيها ؛ فإن المنسوخ قليل
جداً بالنسبة إلى المحكم المقرر .
والأنبياء كلهم دينهم واحد ، وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرم
وطاعة بعضهم تستلزم طاعة سائرم ، وكذلك التكذيب والمعصية :
لا يجوز أن يكذب فى نبياً ، بل إن عرفه صدقه وإلا فهو يصدق
بكل ما أنزل الله مطلقاً ، وهو يأمر بطاعة من أمر الله بطاعته . ولهذا
كان من صدق محمداً فقد صدق كل نبى ؛ ومن أطاعه فقد أطاع كل
نبى ، ومن كذبه فقد كذب كل نى ؛ ومن عصاه فقد عصى كل نبى ،
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا ) ،
وقال تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِرِىٌ
فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّالْعَذَاتِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ).
ومن كذب هؤلاء تكذيباً بجنس الرسالة فقد صرح بأنه يكذب
ولم
(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ ).
الجميع ؛ ولهذا يقول تعالى :
١٨٥

يرسل إليهم قبل نوح أحداً ، وقال تعالى: (وَقَوْمَ نُوعٍ لَمَّا كَذَّبُواْ
الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ ) .
وكذلك من كان من الملاحدة والمتفلسفة طاعناً فى جنس الرسل كما
قدمنا ، بأن يزعم أنهم لم يعلموا الحق أو لم يبينوه ، فهو مكذب لجميع
الرسل ، كالذين قال فيهم : ( الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَابِهِ،
رُسُلَنَّاً فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِالْأَغْلَلُ فِى أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِ الْحَمِيمِ
ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجُرُونَ)، وقال تعالى: (فَلَمَّاجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ
بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ * فَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ
ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَابِمَا كُنَّابِهِ، مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْ
بَأْسَنَّاسُنَتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِىِ عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ).
وقال تعالى عن الوليد : ( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّقُئِلَ كَيْفَ قَذَّرَ * ثُمَّنَظَرَ
ثُمَّعَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَ أَذَبَرَ وَأُسْتَكْبَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَاإِلَّا
قَوْلُ الْبَشَرِ ) .
وأهل الكتاب منهم من يؤمن بجنس الرسالة لكن يكذب بعض
الرسل كالمسيح ومحمد ، فهؤلاء لما آمنوا ببعض وكفروا ببعض كانوا
كافرين حقاً ، وكثير من الفلاسفة والباطنية ، وكثير من أهل الكلام
والتصوف لا يكذب الرسل تكذيباً صريحاً ، ولا يؤمن بحقيقة النبوة
والرسالة، بل يقر بفضلهم فى الجملة مع كونه يقول: إن غيرم أعلى
١٨٦

منهم؛ أو أنهم لم يبينوا الحق أو لبسوه ؛ أو أن النبوة هي فيض يفيض
على النفوس من العقل الفعال من جنس ما يراه النائم ، ولا يقر بملائكة
مفضلين ولا بالجز ونحو ذلك ، فهؤلاء يقرون ببعض صفات الأنبياء
دون بعض ؛ وبما أوتوه دون بعض . ولا يقرون بجميع ما أونيه
الأنبياء ، وهؤلاء قد يكون أحدثم شرا من اليهود والنصارى الذين
أقروا بجميع صفات النبوة لكن كذبوا ببعض الأنبياء ؛ فإن الذي أقر .
به هؤلاء مما جاءت به الأنبياء أعظم وأكثر؛ إذ كان هؤلاء يقرون بأن
الله خلق السموات والأرض فى ستة أيام، ويقرون بقيام القيامة،
ويقرون بأنه يجب عبادته وحده لا شريك له ، ويقرون بالشرائع المتفق
عليها . وأولئك يكذبون بهذا، وإنما يقرون ببعض شرع محمد صلى الله
عليه وسلم .
ولهذا كان اليهود والنصارى أقل كفراً من الملاحدة الباطنية
والمتفلسفة ونحوم ، لكن من كان من اليهود والنصارى قد دخل مع
هؤلاء فقد جمع نوعى الكفر ؛ إذ لم يؤمن بجميع صفاتهم ولا بجميع
أعيانهم ، وهؤلاء موجودون فى دول الكفار كثيراً ، كما يوجد
أيضاً فى المنتسبين إلى الإسلام من هؤلاء وهؤلاء ، إذ كانوا فى
دولة المسلمين .
وأهل الكتاب كانوا منافقين فيهم من النفاق بحسب ما فيهم
١٨٧

من الكفر ، والنفاق يتبعض والكفر يتبعض ويزيد وينقص ، كما
أن الإيمان يتبعض ويزيد وينقص، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الشَّيّءُ
زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ )، وقال: (وَإِذَامَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ
زَادَتَُّ هَذِهِ: إِيمَنَّا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوْ فَزَادَ تْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضُ فَزَادَتُهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْوَهُمْ كَفِرُونَ).
وقال: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَلِمِينَ إِلَّا
خَسَارًا )، وقال :
(وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنَا وَكُفْرًا) ، وقال:
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْأْ هُدَّى)، وقال: (فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ فَزَادَهُمُ
اَللَّهُ مَرَضًا )، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ تُؤَّكَفَرُ واْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ
كُفْرًا ) .
وكثير من المصنفين فى الكلام لا يردون على أهل الكتاب إلا
ما يقولون : إنه يعلم بالعقل ، مثل تثليث النصارى ومثل تكذيب محمد،
ولا يناظرونهم فى غير هذا من أصول الدين ، وهذا تقصير منهم
ومخالفة لطريقة القرآن ؛ فإن اللّه يبين فى القرآن ما خالفوا به
الأنبياء ويذمهم على ذلك ، والقرآن مملوء من ذلك ؛ إذ كان
الكفر والإيمان يتعلقان بالرسالة والنبوة، فإذا تبين ما خالفوا فيه الأنبياء
ظهر كفرهم.
١٨٨

وأولئك المتكلمون لما أصلوا لهم ديناً بما أحدثوه من الكلام
كالاستدلال بالأعراض على حدوث الأجسام ظنوا أن هذا هو أصول
الدين ، ولو كان ما قالوه حقاً لكان ذلك جزءا من الدين ، فكيف إذا
كان باطلا ؟
وقد ذكرت في الرد على النصارى من مخالفتهم للأنبياء كلهم مع
مخالفتهم لصريح العقل ما يظهر به من كفرم ما يظهر ؛ ولهذا قيل فيه
((الجواب الصحيح ، لمن بدل دين المسيح)) وخطابهم في مقامين :
أحدها: تبديلهم لدين المسيح.
والثانى: تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، واليهود خطابهم في
تكذيب من بعد موسى إلى المسيح ثم في تكذيب محمد صلى الله عليه
وسلم كما ذكر الله ذلك فى سورة البقرة فى قوله: (وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَهُ بُرُوجِ
الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَّهْوَ أَنفُسُكُمْ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا
ثَقْئُلُونَ * وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُتْ بَلِ لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ )، ثم قال:
(وَلَمَّاجَآءَ هُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌َاعَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ).
إلى أن ذكر أنهم أعرضوا عن كتاب الله مطلقاً واتبعوا السحر .
١٨٩

فقال: ( وَلَمَاجَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيِقٌ مِّنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ
الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ )، إلى قوله: (وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنْ أَشْتَرَنُهُ مَالَهُ فِى
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْابِهِ: أَنْفُسَهُمَّ لَوْكَانُوايَعْلَمُونَ
وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْكَانُوَ أْيَعْلَمُونَ ) .
والنصارى نذمهم على الغلو والشرك الذي ابتدعوه ، وعلى تكذيب
الرسول والرهبانية التى ابتدعوها ، ولا يحمدهم عليها إذ كانوا قد ابتدعوها
وكل بدعة ضلالة ، لكن إذا كان صاحبها قاصداً للحق فقد يعفى عنه فيبقى
عمله ضائعاً لافائدة فيه ، وهذا هو الضلال الذي يعذر صاحبه فلا
يعاقب ولا يثاب؛ ولهذا قال: (غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ )؛
فإن المغضوب عليه يعاقب بنفس الغضب ، والضال فاته المقصود وهو
الرحمة والثواب ، ولكن قد لا يعاقب كما عوقب ذلك ، بل يكون ملعوناً
مطروداً ، ولهذا جاء فى حديث زيد بن عمرو بن نفيل : أن اليهود
قالوا له : لن تدخل فى ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله . وقال له
النصارى : حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله .
وقال الضحاك وطائفة : إن جهنم طبقات ، فالعليا لعصاة هذه الأمة ،
والتى تليها للنصارى ، والتى تليها لليهود . فجعلوا اليهود تحت النصارى،
١٩٠

والقرآن قد شهد بأن المشركين واليهود يوجدون أشد عداوة للذين
آمنوا من الذين قالوا : إنا نصارى ، وشدة العداوة زيادة في الكفر ،
فاليهود أقوى كفراً من النصارى وإن كان النصارى أجهل وأضل ،
لكن أولئك يعاقبون على عملهم إذ كانوا عرفوا الحق وتركوه عناداً
فكانوا مغضوبا عليهم ، وهؤلاء بالضلال حرموا أجر المهتدين ، ولعنوا
وطردوا عما يستحقه المهتدون ، ثم إذا قامت عليهم الحجة فلم يؤمنوا
استحقوا العقاب إذ كان اسم الضلال عاما .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح
فى خطبة يوم الجمعة : (( خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد
صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة))، ولم
يقل : وكل ضلالة في النار ، بل يضل عن الحق من قصد الحق وقد
اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب ، وقد يفعل بعض ما أمر به
فيكون له أجر على اجتهاده ، وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر
مغفور له .
وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة
ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة ، وإما
لآيات فهموا منها مالم يرد منها ، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص
لم تبلغهم.
١٩١

وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل فى قوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ
إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنا) وفي الصحيح أن الله قال: ((قد فعلت)) وبسط
هذا له موضع آخر .
والمقصود هنا أن الرسول بين جميع الدين بالكتاب والسنة ، وأن
الإجماع - إجماع الأمة - حق ؛ فإنها لا تجتمع على ضلالة، وكذلك
القياس الصحيح حق يوافق الكتاب والسنة .
والآية المشهورة التى يحتج بها على الإجماع قوله: (وَمَن يُشَاقِقِ
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى )،
ومن الناس من يقول : إنها لا تدل على مورد النزاع ؛ فإن
الذم فيها لمن جمع الأمرين وهذا لا نزاع فيه ؛ أو لمن اتبع غير سبيل
المؤمنين التى بها كانوا مؤمنين وهي متابعة الرسول وهذا لا نزاع فيه ؛
أو أن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة وهذا لا نزاع
فيه ؛ فهذا ونحوه قول من يقول : لاتدل على محل النزاع .
وآخرون يقولون : بل تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقاً ،
ونكلفوا لذلك ما تكلفوه كما قد عرف من كلامهم، ولم يجيبوا عن أسئلة
أولئك بأجوبة شافية .
١٩٢

والقول الثالث الوسط : أنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين
وتحريم اتباع غير سبيلهم ، ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد
ما تبين له الهدى ، وهو يدل على ذم كل من هذا وهذا كما تقدم ،
لكن لا ينفى تلازمها كما ذكر فى طاعة الله والرسول. وحينئذ نقول :
النم إما أن يكون لاحقاً لمشافة الرسول فقط ؛ أو باتباع غير سبيلهم
فقط؛ أو أن يكون النم لا يلحق بواحد منها بل بها إذا اجتمعا ؛ أو
يلحق النم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر ؛ أو بكل منهما لكونه
مستلزما للآخر . والأولان باطلان ؛ لأنه لو كان المؤثر أحدهما فقط
كان ذكر الآخر ضائعا لا فائدة فيه ، وكون الذم لا يلحق بواحد منهما
باطل قطعاً ؛ فإن مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن
اتبعه ؛ ولحوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية ؛ فإن
الوعيد فيها إنما هو على المجموع .
بقي القسم الآخر وهو أن كلا من الوصفين يقتضى الوعيد لأنه
مستلزم للآخر ، كما يقال مثل ذلك فى معصية الله والرسول ومخالفة
القرآن والإسلام ، فيقال : من خالف القرآن والإسلام أومن خرج عن
القرآن والإسلام فهو من أهل النار ، ومثله قوله : ( وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ
فإن
وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ اُلْآَخِ فَقَدْضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا )،
الكفر بكل من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره ، فمن كفر بالله كفر
١٩٣

بالجميع ، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافراً بالله،
إذ كذب رسله وكتبه ، وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب
والرسل فكان كافراً .
وكذلك قوله: (يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ
ذمهم على الوصفين وكل منهما مقتض للذم وهما
تَعْلَمُونَ )
متلازمان؛ ولهذا نهى عنها جميعاً في قوله: (وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ
فإنه من لبس الحق بالباطل فغطاه به
وَتَكْنُهُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ،
فغلط به لزم أن يكتم الحق الذي بدا أنه باطل ؛ إذ لو بينه زال
الباطل الذي لبس به الحق .
فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ، ومن شاقه فقد
اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر ، ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا ؛
فإنه قد جعل له مدخلا فى الوعيد ، فدل على أنه وصف مؤثر فى الذم.
فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا، والآية توجب ذم
ذلك . وإذا قيل : هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول . قلنا : لأنهما
متلازمان ، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصاً
عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول كما أن المخالف للرسول
مخالف لله ، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول ؛
وهذا هو الصواب .
١٩٤

فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ،
ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به ، كما
أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص ،
كالأمثال المضروبة فى القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر ، كما يقال:
قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع ، وكل من هذه الأصول
يدل على الحق مع تلازمها ؛ فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه
الكتاب والسنة ، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ ، فالكتاب
والسنة كلاهما مأخوذ عنه ، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا
وفيها نص .
وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص كالمضاربة
وليس كذلك ، بل المضاربة كانت مشهورة بينهم فى الجاهلية لا سيا
قريش ؛ فإن الأغلب كان عليهم التجارة وكان أصحاب الأموال يدفعونها
إلى العمال ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد سافر بمال غيره قبل
النبوة كما سافر بمال خديجة ، والعير التى كان فيها أبو سفيان كان
أكثرها مضاربة مع أبى سفيان وغيره ، فلما جاء الإسلام أقرها رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة
ولم ينه عن ذلك ، والسنة : قوله وفعله وإقراره . فلما أقرها كانت
ثابتة بالسنة.
١٩٥

والأثر المشهور فيها عن عمر الذي رواه مالك فى الموطأ ويعتمد
عليه الفقهاء ، لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لابنيه واتجرا فيه وربحا،
وطلب عمر أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصهما بذلك دون
سائر الجيش ، فقال له أحدهما : لو خسر المال كان علينا فكيف
يكون لك الربح وعلينا الضمان ؟ فقال له بعض الصحابة: اجعله مضاربة
جعله مضاربة ، وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم والعهد
بالرسول قريب لم يحدث بعده ، فعلم أنها كانت معروفة بينهم على
عهد الرسول كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة والجزارة .
وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم
يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص ، لكن كان
النص عند غيرهم. وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن
قص نقلوه عن الرسول ، مع قولهم بصحة القياس .
ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل
الأخبار ، لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة، وكثير
من العلماء لم يعلم النص ، وقد وافق الجماعة ، كما أنه قد يحتج بقياس وفيها
إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع ، وكما يكون فى المسألة نص خاص وقد
استدل فيها بعضهم بعموم ، كاستدلال ابن مسعود وغيره بقوله :
وقال ابن مسعود :
(وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ،
١٩٦

سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى ، أي : بعد البقرة ؛
وقوله : (أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) يقتضى انحصار الأجل فى ذلك،
فلو أوجب عليها أن تعتد بأبعد الأجلين لم يكن أجلها أن
تضع حملها ، وعلي وابن عباس وغيرهما أدخلوها فى عموم الآيتين ،
وجاء النص الخاص في قصة سبيعة الأسلمية بما يوافق قول
ابن مسعود .
وكذلك لما تنازعوا فى المفوضة إذا مات زوجها : هل لها مهر
المثل ؟ أفتى ابن مسعود فيها برأيه أن لها مهر المثل ، ثم رووا حديث
بروع بنت واشق بما يوافق ذلك ، وقد خالفه علي وزيد وغيرهما فقالوا :
لا مهر لها .
فثبت أن بعض المجتهدين قد يفتى بعموم أو قياس ويكون فى
الحادثة نص خاص لم يعلمه فيوافقه ، ولا يعلم مسألة واحدة اتفقوا على
أنه لا نص فيها؛ بل عامة ما تنازعوا فيه كان بعضهم يحتج فيه بالنصوص،
أولئك احتجوا بنص كالمتوفى عنها الحامل ، وهؤلاء احتجوا بشمول
الآيتين لها ، والآخرين قالوا: إنما يدخل فى آية الحمل فقط ، وإن آية
الشهور في غير الحامل كما أن آية القروء فى غير الحامل .
وكذلك لما تنازعوا فى الحرام احتج من جعله يمينا بقوله: ( لِمَ تُحُرِّمُ
١٩٧

مَا أَحَّ اللهُلَكَّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَحِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ ) .
وكذلك لما تنازعوا في المبتونة : هل لها نفقة أو سكنى ؟ احتج
هؤلاء بحديث فاطمة ، وبأن السكنى التى فى القرآن للرجعية ، وأولئك
قالوا : بل هي لهما .
ودلالات النصوص قد تكون خفية ، فخص الله بفهمهن بعض الناس،
كما قال علي : إلا فها يؤتيه الله عبدا في كتابه .
وقد يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه ، كتيمم الجنب فإنه بين
في القرآن فى آيتين ولما احتج أبو موسى على ابن مسعود بذلك قال :
الحاضر : ما درى عبد الله ما يقول إلا أنه قال : لو أرخصنا لهم فى
هذا لأوشك أحدهم إذا وجد المرء البرد أن يتيمم ، وقد قال ابن عباس
وفاطمة بنت قيس وجابر : إن المطلقة فى القرآن هي الرجعية بدليل قوله :
وأي أمر يحدثه
(لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) ،
بعد الثلاثة ؟
(وَأَتِمُواْالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
وقد احتج طائفة على وجوب العمرة بقوله :
لِلّهِ)، واحتج بهذه الآية من منع الفسخ، وآخرون يقولون: إنما أمر
١٩٨

بالإتمام فقط ، وكذلك أمر الشارع أن يتم ، وكذلك في الفسخ قالوا:
من فسخ العمرة إلى غير حج فلم يتعها أما إذا فسخها ليحج من عامه
فهذا قد أتى بما تم مما شرع فيه ؛ فإنه شرع في حج مجرد فأتى بعمرة
في الحج ، ولو لم يكن هذا إتماماً لما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم
أصحابه عام حجة الوداع .
وتنازعوا فى الذي بيده عقدة النكاح وفي قوله: (أَوْلَمَسُْمُ
النِّسَآءَ ) ، ونحو ذلك مما ليس هذا موضع استقصائه .
وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها بنص جلى ولا خفي
فهذا ما لا أعرفه .
والجد لما قال أكثرم : إنه أب استدلوا على ذلك بالقرآن بقوله :
(كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ )، وقال ابن عباس : لو كانت الجن نظن
أن الإنس تسمى أبا الأب جدا لما قالت: (وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّرَيْنَا ) يقول:
إنما هو أب لكن أب أبعد من أب .
وقد روى عن على وزيد أنهما احتجا بقياس ، فمن ادعى إجماعهم
على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا فقد غلط ، ومن ادعى أن من
المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا بالرأي والقياس فقد غلط ، بل
١٩٩

كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم، فمن رأى دلالة الكتاب
ذكرها ، ومن رأى دلالة الميزان ذكرها ، والدلائل الصحيحة لا تتناقض
لكن قد يخفى وجه اتفاقها أو ضعف أحدها على بعض العلماء .
وللصحابة فهم فى القرآن يخفى على أكثر المتأخرين ، كما أن لهم
معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين .
فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول ، وعرفوا من أقواله
وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين
الذين لم يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم مما اعتقدوه من إجماع أو قياس .
ومن قال من المتأخرين : إن الإجماع مستند معظم الشريعة فقد
أخبر عن حاله ؛ فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك ،
وهذا كقولهم : إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة
النصوص عليها ؛ فإنما هذا قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتها
على الأحكام ، وقد قال الإمام أحمد - رضي الله عنه - إنه ما من
مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها ، فإنه لما فتحت
البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها
بالكتاب والسنة ، وإنما تكلم بعضهم بالرأي فى مسائل قليلة ، والإجماع
لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه؛ إذم أهل الإجماع فلا إجماع
قبلهم ، لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح ؛ اقض بما فى كتاب
٢٠٠