النص المفهرس
صفحات 161-180
اللّه لا يرى في الآخرة وليس فوق العرش، ونحو ذلك من بدع الجهمية فصفوا كتبا قدموا فيها ما يدل على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة من القرآن والحديث وكلام السلف، وذكروا أشياء صحيحة لكنهم قد يخلطون الآثار صحيحها بضعيفها ، وقد يستدلون بمالا يدل على المطلوب . وأيضاً فهم إنما يستدلون بالقرآن من جهة إخباره لا من جهة دلالته ، فلا يذكرون مافيه من الأدلة على إثبات الربوبية والوحدانية والنبوة والمعاد ؛ وأنه قد بين الأدلة العقلية الدالة على ذلك ؛ ولهذا سموا كتبهم أصول السنة والشريعة ونحو ذلك ، وجعلوا الإيمان بالرسول قد استقر فلا يحتاج أن يبين الأدلة الدالة عليه ، فذمهم أولئك ونسبوم إلى الجهل ؛ إذ لم يذكروا الأصول الدالة على صدق الرسول ؛ وهؤلاء ينسبون أولئك إلى البدعة بل إلى الكفر لكونهم أصلوا أصولا تخالف ما قاله الرسول . والطائفتان يلحقهما الملام ؛ لكونها أعرضتًا عن الأصول التى بينها اللّه بكتابه فإنها أصول الدين وأدلته وآياته، فلما أعرض عنها الطائفتان وقع بينها العداوة ؛ كما قال الله تعالى: (فَنَسُواْحَظّامِّمَّاذُكِرُواْبِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ). ١٦١ وحزب ثالث : قد عرف تفريط هؤلاء وتعدي أولئك وبدعتهم ، قذمهم وذم طالب العلم الذكي الذي اشتاقت نفسه إلى معرفة الأدلة والخروج عن التقليد إذا سلك طريقهم ، وقال : إن طريقهم ضارة وأن السلف لم يسلكوها، ونحو ذلك مما يقتضي ذمها ، وهو كلام صحيح. لكنه إنما يدل على أمر مجمل لا تتبين دلالته على المطلوب ، بل قد يعتقد طريق المتكلمين مع قوله: إنه بدعة، ولا يفتح أبواب الأدلة التى ذكرها الله فى القرآن التى تبين أن ما جاء به الرسول حق ، ويخرج الذكي بمعرفتها عن التقليد وعن الضلال والبدعة والجهل . فهؤلاء أضل بفرقهم؛ لأنهم لم يتدبروا القرآن وأعرضوا عن آيات الله التى بينها بكتابه ، كما يعرض من يعرض عن آيات الله المخلوقة، قال الله تعالى: (وَكَأَيِنِ مِّنْءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا وقال تعالى: (وَمَا تُغْنِ الْآَيَنتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمِ لَّا يُؤْمِنُونَ) . مُعْرِضُونَ ) (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَ نَا وَرَضُوْبِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَ نُواْ بِهَا وقال تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ عَنْءَايَئِنَا غَفِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُبِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وقال تعالى: (كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيَّكَ مُبَرٌَّ لِيَنَّبَّرُوْءَايَتِهِ، وَلَنَّذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلَْبِ )، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كِلِ مَثَلٍ )، وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّرِجَا لَا نُوحِيّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُمْلَا تَعْلَمُونَ * ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَفَذْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ بِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبُرِ ) الآية ، وقال تعالى : ١٦٢ مِّن قَبْلِكَ )، وقال تعالى: (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ وَبِالزُّبْرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ) ، ومثل هذا كثير لبسطه مواضع أخر . والمقصود أن هؤلاء الغالطين الذين أعرضوا عما فى القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية لا يذكرون النظر والدليل والعلم الذي جاء به الرسول، والقرآن مملوء من ذلك ، والمتكلمون يعترفون بأن فى القرآن من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين مافيه ، لكنهم يسلكون طرقا أخرى كطريق الأعراض . ومنهم من يظن أن هذه طريق إبراهيم الخليل ، وهو غالط . والمتفلسفة يقولون : القرآن جاء بالطريق الخطابية والمقدمات الإقناعية التى تقنع الجمهور ، ويقولون: إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية ، ويدعون أنهم م أهل البرهان اليقيني . وم أبعد عن البرهان فى الإلهيات من المتكلمين، والمتكلمون أعلم منهم بالعمليات البرهانية فى الإلهيات والكليات ، ولكن للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به ، بخلاف الإلهيات فإنهم من أجهل الناس بها ، وأبعدهم عن معرفة الحق فيها ، وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ ، فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل فيرنقى ؛ ولا سمين فينتقى. وهذا مبسوط في غير هذا الموضع . ١٦٣ والقرآن جاء بالبينات والهدى ؛ بالآيات البينات وهي الدلائل اليقينيات ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وقد قال الله تعالى لرسوله : الْحَسَنَةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ)، والمتفلسفة يفسرون ذلك بطرقهم المنطقية فى البرهان والخطابة والجدل ، وهو ضلال من وجوه قد بسطت في غير هذا الموضع ، بل الحكمة هي معرفة الحق والعمل به ، فالقلوب التى لها فهم وقصد تدعى بالحكمة ، فيبين لها الحق علماً وعملا فتقبله وتعمل به . وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدم عن اتباعه ، فهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب فى الحق والترهيب من الباطل . والوعظ أمر ونهي بترغيب وترهيب ، كما قال تعالى : وقال تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ) ، تَعُودُوالِمِثْلِهِ أَبَدًا ) ، فالدعوة بهذين الطريقين لمن قبل الحق ، ومن لم يقبله فإنه يجادل بالتي هي أحسن . والقرآن مشتمل على هذا وهذا ! ولهذا إذا جادل يسأل ويستفهم عن المقدمات البينة البرهانية التى لا يمكن أحد أن يجحدها ؛ لتقرير المخاطب بالحق ولاعترافه بإنكار الباطل ، كما في مثل قوله: ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِفُونَ) وقوله: (أَفَعِنَا ◌ِالْخَلْقِ الْأَوَّلَِّلَّ هُمْ فِى لَبِسِ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ )، وقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ ١٦٤ مِثْلَهُم ) ، وقوله : (أَيَحْسَبُ اَلْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى * أَوْيَكُ نُطْفَةً مِّنْ مَِّ يُعْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٌ فَخَلَقَ فَسَوَّى * ◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ * أَلَيْسَ ذَلِكَ ◌ِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْعِىَ المُؤَى)، وقوله: (أَفَرَءَ يْتُم مَّاتُمْنُونَ *ءَأَنتُمْتَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ ) وقوله : (وَقَالُوْلَوْلَا يَأْتِنَا بِتَايَةٍ مِّن رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِنَهُ مَا فِ الضُّحُفِ وقوله: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى اُلْأُولَى ) وقوله: ( أَوَلَمْيَّكُن لَّمَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ( عُلَمَتَوُ اْبَنِي إِسْرَّهَ يِلَ) عَلَيْهِمْ ) (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وقوله : إلى أمثال ذلك مما يخاطبهم باستفهام التقرير. وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ) ، المتضمن إقرارهم واعترافهم بالمقدمات البرهانية التى تدل على المطلوب ، فهو من أحسن جدل بالبرهان ؛ فإن الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم المقدمات وإن لم تكن بينة معروفة ، فإذا كانت بينة معروفة كانت برهانية . والقرآن لا يحتج فى مجادلته بمقدمة لمجرد تسليم الخصم بها كما هي الطريقة الجدلية عند أهل المنطق وغيرهم ، بل بالقضايا والمقدمات التى تسلمها الناس ، وهي برهانية ، وإن كان بعضهم يسلمها وبعضهم ينازع فيها ذكر الدليل على صحتها، كقوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْقَالُواْمَآ أَنْزَلَ الَُّ عَلَى بَشَرِ مِّنْ شَىْءٍ قُلّ مَنْ أَنْزَّلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدَى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ. ١٦٥ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم ◌َالَمْتَعَلَمُواْ أَنْتُمْوَلَآ ءَآبَاؤُكُمْ ) . فإن الخطاب لما كان مع من يقر بنبوة موسى من أهل الكتاب ومع من ينكرها من المشركين ذكر ذلك بقوله: (قُلُ مَنْ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى وقد بين البراهين الدالة على صدق موسى جَآءَ بِهِ، مُوسَى)، في غير موضع . وعلى قراءة من قرأ ببدونها كابن كثير وأبي عمرو جعلوا الخطاب مع المشركين وجعلوا قوله: (وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْتَعَلَمُواْ) احتجاجا على المشركين بما جاء به محمد ؛ فالحجة على أولئك نبوة موسى ، وعلى هؤلاء نبوة محمد ، ولكل منها من البراهين ما قد بين بعضه في غير موضع . وعلى قراءة الأكثرين بالتاء هو خطاب لأهل الكتاب ، وقوله : ( وَعُلِّمْتُم مَّالَمْتَعَلَمُواْ) بيان لما جاءت به الأنبياء مما أنكروه ، فعلمهم الأنبياء ما لم يقبلوه ولم يعلموه ، فاستدل بما عرفوه من أخبار الأنبياء وما لم يعرفوه . وقد قص سبحانه قصة موسى، وأظهر براهين موسى وآياته التى هي من أظهر البراهين والأدلة ، حتى اعترف بها السحرة الذين جمعهم فرعون ، وناهيك بذلك ، فلما أظهر الله حق موسى ؛ وأتى بالآيات التى علم بالاضطرار أنها من الله؛ وابتلعت عصاه الحبال والعصى التى أتى ١٦٦ بها السحرة بعد أن جاءوا بسحر عظيم وسحروا أعين الناس واسترهبوا الناس؛ ثم لما ظهر الحق وانقلبوا صاغرين قالوا: (ءَامَنَّابِرَبِّ الْعَلَمِينَ * فقال لهم فرعون: ( ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ. رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ). لَكَبِيُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّحْرِ فَلَأُ قَطِعَنَّ أَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْمِّنْ خِلَفِ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِي ◌ُذُوع اُلْتَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوْلَنْ تُّؤْثِرَكَ عَلَى مَاجَآءَ نَامِنَ آلْبَيْنَتِ ): من الدلائل البينات اليقينية القطعية وعلى الذي فطرنا ؛ وهو خالقنا وربنا الذي لا بد لنا منه ، لن تؤثرك على هذه الدلائل اليقينية وعلى خالق البرية، (فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَوَةَ الدُّنْيَاَ * إِنَّءَامَِّرَبِنَا لِيَغْفِرَلَنَا خَطَنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرُ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى). وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن ، يبين فى كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعا غير النوع الآخر ، كما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء متعددة، كل اسم يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر ، وليس فى هذا تكرار ، بل فيه تنويع الآيَات ، مثل : أسماء النبى صلى الله عليه وسلم إذا قيل: محمد، وأحمد، والحاشر والعاقب ؛ والمقفى ؛ ونى الرحمة ، ونى التوبة ، ونى الملحمة ، فى كل اسم دلالة على معنى ليس في الاسم الآخر ، وإن كانت الذات واحدة فالصفات متنوعة . ١٦٧ وكذلك القرآن إذا قيل فيه ؛ قرآن ؛ وفرقان ، وبيان ؛ وهدى، وبصائر، وشفاء ، ونور، ورحمة، وروح ، فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الآخر . وكذلك أسماء الرب تعالى إذا قيل : الملك ؛ القدوس ، السلام، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ؛ الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارىء؛ المصور فكل اسم يدل على معنى ليس هو المعنى الذي فى الاسم الآخر ، فالذات واحدة والصفات متعددة فهذا فى الأسماء المفردة . وكذلك فى الجمل التامة ، يعبر عن القصة بجمل تدل على معان فيها ثم يعبر عنها بجمل أخرى تدل على معان أخر ، وإن كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة ، ففى كل جملة من الجمل معنى ليس في الجمل الأخر . وليس في القرآن تكرار أصلا ، وأما ما ذكره بعض الناس من أنه كرر القصص مع [إمكان] الاكتفاء بالواحدة ، وكان الحكمة فيه : أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا ، وكان يبعث إلى القبائل ١٦٨ المتفرقة بالسور المختلفة ، فلو لم تكن الآيات والقصص مثناة متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم ، وقصة عيسى إلى قوم ، وقصة نوح إلى قوم ، فأراد الله أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ، وأن يلقيها إلى كل سمع. فهذا كلام من لم يقدر القرآن قدره. وأبو الفرج اقتصر على هذا الجواب فى قوله: ( مَّثَانِىَ ) لما قيل : لم ثنيت ؟ وبسط هذا له موضع آخر ، فإن التثنية هي التنويع والتجنيس ، وهي استيفاء الأقسام ولهذا يقول من يقول من السلف : الأقسام والأمثال . والمقصود هنا التنبيه على أن القرآن اشتمل على أصول الدين التى تستحق هذا الاسم ، وعلى البراهين والآيات والأدلة اليقينية ؛ بخلاف ما أحدثه المبتدعون والملحدون، كما قال الرازي مع خبرته بطرق هؤلاء: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما وجدتها تشفى عليلا ، ولا تروى غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: اقرأ فى الإثبات (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). واقرأ ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِبُ ) ، في النفي ( لَيْسَ كِمِثْلِهِ شَىْءٌ)، (وَلَ يُحِيطُونَبِهِ، عِلْمًا) ، قال: ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى . والخير والسعادة والكمال والصلاح منحصر في نوعين : فى العلم النافع؛ والعمل الصالح . وقد بعث اللّه محمداً بأفضل ذلك وهو الهدى ١٦٩ ودين الحق ، كما قال: (هُوَالَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) ، وقد قال تعالى : ( وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَا إِنَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ) فذكر النوعين قال الوالى عن ابن عباس يقول : أولو القوة فى العبادة ، قال ابن أبي حاتم : وروى عن سعيد بن جبير وعطاء الخراساني والحسن والضحاك والسدى وقتادة وأبي سنان ومبشر بن عبيد نحو ذلك . و ( الأبصار ) قال : الأبصار الفقه فى الدين . وقال مجاهد: ( الأبصار) الصواب في الحكم، وعن سعيد بن جبير قال : البصيرة بدين اللّه وكتابه. وعن ( أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ) قال: أولو القوة في العبادة عطاء الخراساني : والبصر والعلم بأمر الله ، وعن مجاهد وروى عن قتادة قال : أعطوا قوة فى العبادة وبصرا فى الدين . وجميع حكماء الأمم يفضلون هذين النوعين ، مثل حكماء اليونان والهند والعرب ، قال ابن قتيبة: الحكمة عند العرب العلم والعمل. فالعمل الصالح هو عبادة الله وحده لا شريك له ، وهو الدين دين الإسلام ، والعلم والهدى هو تصديق الرسول فيما أخبر به عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وغير ذلك ، فالعلم النافع هو الإيمان، والعمل الصالح هو الإسلام . العلم النافع من علم الله، والعمل الصالح هو العمل بأمر الله . هذا تصديق الرسول فيما أخبر وهذا ١٧٠ طاعته فيما أمر . وضد الأول أن يقول على الله مالا يعلم ، وضد الثانى أن يشرك بالله مالم ينزل به سلطانا ، والأول أشرف ، فكل مؤمن مسلمٍ وليس كل مسلم مؤمناً (قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامََّقُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا) ، وجميع الطوائف تفضل هذين النوعين ، لكن الذي جاء به الرسول هو أفضل ما فيها، كما قال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِى أَقُومُ ) وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى ركعتى الفجر تارة ( سورة الإخلاص ) و (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ) ففى (قُلْ يَأَيُّهَا اُلْكَفِرُونَ) عبادة الله وحده وهو دين الإسلام، وفي (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) صفة الرحمن ، وأن يقال فيه ويخبر عنه بما يستحقه وهو الإيمان ، هذا هو التوحيد القولي وذلك هو التوحيد العملي . وكان تارة يقرأ فيها فى الأولى بقوله فى البقرة: ( قُولُوَأْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوْتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، وفى الثانية: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْإِلَى كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ)، إلى قوله (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُ واْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). ١٧١ قال أبو العالية فى قوله (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *عَمَّا كَانُواْيَعْمَلُونَ)، قال : خلتان يسئل عنها كل أحد : ماذا كنت تعبد ؟ وماذا أجبت المرسلين ؟ فالأولى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، والثانية تحقيق الشهادة بأن محمداً رسول الله . والصوفية بنوا أمرم على الإرادة ولا بد منها ، لكن بشرط أن تكون إرادة عبادة الله وحده بما أمر. والمتكلمون بنوا أمرم على النظر المقتضى للعلم ولا بد منه ، لكن بشرط أن يكون علماً بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، والنظر فى الأدلة التى دل بها الرسول وهي آيات الله، ولا بد من هذا وهذا. ومن طلب علماً بلا إرادة أو إرادة بلا على فهو ضال ، ومن طلب هذا وهذا بدون اتباع الرسول فيها فهو ضال، بل كما قال من قال من السلف : الدين والإيمان قول وعمل واتباع السنة . وأهل الفقه فى الأعمال الظاهرة يتكلمون فى العبادات الظاهرة ، وأهل التصوف والزهد يتكلمون في قصد الإنسان وإرادته ، وأهل النظر والكلام وأهل العقائد من أهل الحديث وغيرهم يتكلمون فى العلم والمعرفة والتصديق الذي هو أصل الإرادة ، ويقولون : العبادة لا بد فيها من القصد، والقصد لا يصح إلا بعد العلم بالمقصود المعبود ، وهذا صحيح ، ١٧٢ فلا بد من معرفة المعبود وما يعبد به ، فالضالون من المشركين والنصارى وأشباههم لهم عبادات وزهادات لكن لغير اللّه أو بغير أمر الله، وإنما القصد والإرادة النافعة هو إرادة عبادة الله وحده، وهو إنما يعبد بما شرع لا بالبدع . وعلى هذين الأصلين يدور دين الإسلام: على أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع ، وأما العلم والمعرفة والتصوف فمدارها على أن يعرف ما أخبر به الرسول، ويعرف أن ما أخبر به حق ، إما لعلمنا بأنه لا يقول إلا حقاً وهذا تصديق عام، وإما لعلمنا بأن ذلك الخبر حق بما أظهر الله من آيات صدقه ، فإنه أنزل الكتاب والميزان ، وأرى الناس آياته فى الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القرآن حق . فصل وأما ((العمليات)) وما يسميه ناس: الفروع، والشرع، والفقه ، فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان ، فما شيء مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بين ذلك، وقد قال تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )، وقال تعالى: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ ١٧٣ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ) . وقال تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَبُثْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) . وقال تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ اُلْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ)، وقال تعالى: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَرِ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُهُمُ اَلْيَوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أُخْتَلَفُواْفِيَةٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، فقد بين سبحانه أنه ما أنزل عليه الكتاب إلا ليبين لهم الذي اختلفوا فيه، كما بين أنه أنزل جنس الكتاب مع النبيين ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهِ ذَالِكُمُ اللَّهُرَبِعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ)، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَ هُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَّهُمْ مَا يَتَّقُونَ) ، فقد بين للمسلمين جميع ما بتقونه ، كما قال: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّاحَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا آضْطَرِرْتُمُ إِلَيْهِ)، وقال تعالى: (فَإِن تَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة الرسول بعد موته وقوله : (فَإِن تَنَزَعْنُمْ) شرط، والفعل نكرة فى سياق الشرط ، فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول ، ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه. ١٧٤ والرسول أنزل الله عليه الكتاب والحكمة كما ذكر ذلك فى غير موضع ، وقد على أمته الكتاب والحكمة كما قال: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ) وكان يذكر فى بيته الكتاب والحكمة ، وأمر أزواج نبيه ( وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّمِنْ ءَايَتِ اللَّهِ بذكر ذلك فقال : وَالْحِكْمَةِ) ، فآيات الله هي القرآن ، إذ كان نفس القرآن يدل على أنه منزل من الله، فهو علامة ودلالة على منزله، و (الحكمة ) قال غير واحد من السلف : هي السنة . وقال أيضاً طائفة كمالك وغيره : هي معرفة الدين والعمل به . وقيل غير ذلك ، وكل ذلك حق ؛ فهي تتضمن التمييز بين المأمور والمحظور ؛ والحق والباطل ؛ وتعليم الحق دون الباطل ، وهذه السنة التى فرق بها بين الحق والباطل . وبين الأعمال الحسنة من القبيحة ؛ والخير من الشر ، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كلام نحو هذا ، وهذا كثير فى الحديث والآثار ، يذكرونه فى الكتب التى تذكر فيها هذه الآثار ، كما يذكر مثل ذلك غير واحد فيما يصفونه فى السنة ، مثل ابن بطة واللالكانى والطلمنكى ، وقبلهم المصنفون فى السنة كأصحاب ١٧٥ أحمد، مثل عبد الله والأثرم وحرب الكرماني وغيرهم، ومثل الخلال وغيره. والمقصود هنا تحقيق ذلك ، وإن الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين . وأما إجماع الأمة فهو في نفسه حق ، لا تجتمع الأمة على ضلالة ، وكذلك القياس الصحيح حق ؛ فإن اللّه بعث رسله بالعدل وأنزل الميزان مع الكتاب ، والميزان يتضمن العدل وما يعرف به العدل ، وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك ، والله ورسوله يسوى بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين . وهذا هو القياس الصحيح وقد ضرب الله في القرآن من كل مثل، وبين القياس الصحيح وهي الأمثال المضروبة ما بينه من الحق ، لكن القياس الصحيح يطابق النص ، فإن الميزان يطابق الكتاب، والله أمر نبيه أن يحكم بما أنزل وأمره أن يحكم بالعدل ، فهو أنزل الكتاب وإنما أنزل الكتاب بالعدل ، قال تعالى : ( وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ) (وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ) وأما إجماع الأمة فهو حق ، لا تجتمع الأمة - ولله الحمد - على ضلالة، كما وصفها الله بذلك فى الكتاب والسنة فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، ١٧٦ وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر ، كما وصف نبيهم بذلك في قوله: (الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْتُوبَا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَآلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ)، وبذلك وصف المؤمنين فى قوله : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) ؛ فلو قالت الأمة فى الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف فى ذلك ولم تنه عن المنكر فيه ، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُوْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ، والوسط العدل الخيار ، وقد جعلهم الله شهداء على الناس ، وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول . وقد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال: ((وجبت وجبت))، ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً فقال: ((وجبت وجبت))، قالوا : يا رسول الله ! ما قولك وجبت وجبت؟ قال: ((هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت : وجبت لها الجنة ، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً فقلت : وجبت لها النار، أنتم شهداء الله فى الأرض)). فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل ، فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء فقد أمر به، وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه ، ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله ١٧٧ في الأرض ، بل زكام الله فى شهادتهم كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه أنهم لا يقولون عليه إلا الحق ، وكذلك الأمة لا نشهد على الله إلا بحق (وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ)، والأمة منيبة إلى الله وقال تعالى : فيجب اتباع سبيلها . وقال تعالى: (وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ . فرضي وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ ) عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة . فدل على أن متابعهم عامل بما يرضى الله، والله لا يرضى إلا بالحق لا بالباطل. وقال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا). وكان عمر بن عبد العزيز يقول كلمات كان مالك يأثرها عنه كثيراً قال : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستعمال لطاعة الله ، ومعونة على دين اللّه، ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها، فمن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله تعالى ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا . والشافعي رضى الله عنه لما جرد الكلام فى أصول الفقه احتج بهذه الآية على الإجماع، كما كان هو وغيره ومالك ذكر عن عمر ابن عبد العزيز ، والآية دلت على أن متبع غير سبيل المؤمنين مستحق ١٧٨ للوعيد ، كما أن مشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى مستحق للوعيد ، ومعلوم أن هذا الوصف يوجب الوعيد بمجرده ، فلو لم يكن الوصف الآخر يدخل فى ذلك لكان لا فائدة فى ذكره . وهنا للناس ثلاثة أقوال : قيل : اتباع غير سبيل المؤمنين هو بمجرد مخالفة الرسول المذكورة فى الآية . وقيل : بل مخالفة الرسول مستقلة بالنم فكذلك اتباع غير سبيلهم مستقل بالدم ، وقيل : بل اتباع غير سبيل المؤمنين يوجب الذم كما دلت عليه الآية ، لكن هذا لا يقتضي مفارقة الأول، بل قد يكون مستلزماً له ، فكل متابع غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر مشاق للرسول ، وكذلك مشاق الرسول متبع غير سبيل المؤمنين ، وهذا كما في طاعة الله والرسول فإن طاعة الله واجبة وطاعة الرسول واجبة ، وكل واحد من معصية اللّه ومعصية الرسول موجب للذم وهما متلازمان ، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله . وفى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أطافي فقد أطاع الله : ومن أطاع أميري فقد أطاعني ؛ ومن عصائى فقد عصى الله؛ ومن عصى أميري فقد عصانى))، وقال: ((إنما الطاعة فى المعروف))، يعني: إذا أمر أميري بالمعروف فطاعته من طاعتى ، وكل من عصى الله فقد عصى الرسول ؛ فإن الرسول يأمر بما أمر الله ١٧٩ به ، بل من أطاع رسولا واحداً فقد أطاع جميع الرسل ومن آمن بواحد منهم فقد آمن بالجميع ، ومن عصى واحداً منهم فقد عصى الجميع ومن كذب واحداً منهم فقد كذب الجميع ؛ لأن كل رسول بصدق الآخر ويقول : إنه رسول صادق ويأمر بطاعته ، فمن كذب رسولا فقد كذب الذي صدقه ومن عصاه فقد عصى من أمر بطاعته . ولهذا كان دين الأنبياء واحداً ، كما فى الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد )). وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَاُلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ أَلِدِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْفِيهِ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَِّكُمْأُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ فَنَّقُونِ * فَتَقَطّعُوْ أَقْرَ هُمْ بَيْنَهُمْ زُبُّ كُلُ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَحُونَ)، وقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ الَهِالَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِننَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا مُنِيِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * يَعْلَمُونَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلُّ حِبٍ بِمَالَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). ودين الأنبياء كلهم الإسلام كما أخبر اللّه بذلك في غير موضع، ١٨٠