النص المفهرس
صفحات 101-120
فالحمد لله الذي أرسل إلينا رسولا من أنفسنا ، يتلو علينا آيات الله ويزكينا ، ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين . وقال أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَاكُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَنَا ◌َللَّهُ لَقَدْ والدنيا كلها ملعونة ملعون جَتْ رُسُلُ رَيِّنَابِاَلْحَقّ). ما فيها إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة وأسس بنيانه عليها ، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم ، فإذا درست آثار الرسل من الأرض واحت بالكلية خرب اللّه العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة . وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر ؛ والرياح والمطر ، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته ؛ ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب ؛ بل أعظم من ذلك، وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال ، فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه فى أمره ونهيه ، وهم السفراء بينه وبين عباده . وكان خاتمهم وسيدم وأكرمهم على ربه: محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا أيها الناس! إنما أنا رحمة مهداة))، وقال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّرَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: ((إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)) ، وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل ١٠١ فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه رحمة للعالمين ومحجة للسالكين ، وحجة على الخلائق أجمعين ، وافترض على العباد طاعته ومحبته ، وتعزيره وتوقيره ، والقيام بأداء حقوقه ، وسد إليه جميع الطرق، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به واتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين ، وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين . أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، فختم به الرسالة؛ وهدى به من الضلالة ؛ وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها ؛ وتألفت بها القلوب بعد شتاتها ، فأقام بها الملة العوجاء ، وأوضح بها المحجة البيضاء ، وشرح له صدره ؛ ووضع عنه وزره؛ ورفع ذكره ؛ وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ، أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب حين حرف الكلم وبدلت الشرائح . واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم. وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم ، فهدى الله به الخلائق، وأوضح به الطريق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور ؛ وأبصر به من العمى؛ وأرشد به من الغى ، وجعله قسيم الجنة والنار، وفرق ما بين الأبرار والفجار؛ وجعل الهدى والفلاح فى اتباعه وموافقته، ١٠٢ والضلال والشقاء فى معصيته ومخالفته . وامتحن به الخلائق فى قبورهم ، فهم في القبور عنه مسؤولون وبه ممتحنون ، يؤتى العبد في قبره فيقال : ماكنت تقول فى هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله، جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه ، فيقال له : صدقت ، على هذا حييت وعليه مت ، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم نومة العروس، لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، ثم يفسح له فى قبره وينور له فيه ، ويفتح له باب إلى الجنة ، فيزداد غبطة وسروراً . وأما الكافر والمنافق فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، فيقال له : قدكنا نعلم ذلك ، وعلى ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ، ثم يضرب بمرزبة من حديد ، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان. وقد أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فى أكثر من ثلاثين موضعاً من القرآن ، وقرن طاعته بطاعته ، وقرن بين مخالفته ومخالفته كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا ذكر معه ، قال ابن عباس ١٠٣ (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) قال : - رضي الله عنه - في قوله تعالى : لا أذكر إلا ذكرت معى. وهذا كالتشهد والخطب والأذان ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فلا يصح الإسلام إلا بذكره والشهادة له بالرسالة . وكذلك لا يصح الأذان إلا بذكره والشهادة له ، ولا تصح الصلاة إلا بذكره والشهادة له، ولا تصح الخطبة إلا بذكره والشهادة له. وحذر الله سبحانه وتعالى من العذاب والكفر لمن خالفه ، قال تعالى: (لَّا تَجْعَلُواْدُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ ◌ِوَاذَا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ ، قال الإمام أحمد - رحمه أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِرُ ) الله تعالى - أي فتنة هي ؟ إنما هى الكفر. وكذلك ألبس الله سبحانه الذلة والصغار لمن خالف أمره ، كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( بعثت بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم)). ١٠٤ وكما أن من خالفه وشاقه وعاداه هو الشقى الهالك فكذلك من أعرض عنه وعما جاء به واطمأن إلى غيره ورضي به بدلا منه هو هالك أيضاً . فالشقاء والضلال فى الإعراض عنه وفى تكذيبه، والهدى والفلاح فى الإقبال على ما جاء به وتقديمه على كل ما سواه، فالأقسام ثلاثة المؤمن به ، وهو: المتبح له المحب له، المقدم له على غيره. والمعادي له والمنابذ له، والمعرض عما جاء به، فالأول هو السعيد، والآخران هما الهالكان . فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتبعين له، المؤمنين به ، وأن يحيينا على سنته ويتوفانا عليها ، لا يفرق بيننا وبينها ، إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين. ١٠٥ قال شيخ الإسلام رحمه الله (١) فصل فى توحد الملة وتعدد الشرائع وتنوعها ، وتوحد الدين الملي دون الشرعى، وما فى ذلك من إقرار ونسخ، وجريان ذلك فى أهل الشريعة الواحدة بنوع من الاعتبار، قال الله تعالى: (وَإِذِابْتَلَّ إِبْرَهِوَ رَبّهُ. ، فهذا نص فى بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) أنه إمام الناس كلهم ، وقال : ( إِنَّإِنْزَهِيوَ كَانَ أُمَّةً ) ؛ وهو : القدوة الذي يؤتم به وهو معلم الخير، وقال: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ * إِذْقَالَ لَهُ. رَبُّهُ أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إِثْرَهِمُ بَنِيِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْحَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْقَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَ ابَآئِكَ (١) تسمى ((قاعدة في توحد الملة وتعدد الشرائع)). ١٠٦ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ قَاكَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) . فقد بين أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من هو سفيه ، وأنه أمر بالإسلام فقال: ( أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ) وأن هذه وصية إلى بنيه ووصية إسرائيل إلى بنيه ، وقد اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين . ثم قال: (وَقَالُواْكُونُواْ هُودَّا أَوْنَصَرَى تَهْتَدُواْقُلْ بَلْ مِلَّةَإِزَهِمَ حَنِيفًّاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، فأمر باتباع ملة إبراهيم ونهى عن التهود والتنصر ، وأمر بالإيمان الجامع كما أنزل على النبيين وما أوتوه والإسلام له ، وأن نصبغ بصبغة الله ، وأن نكون له عابدين ، ورد على من زعم أن إبراهيم وبنيه وإسرائيل وبنيه كانوا هوداً أو نصارى، وقد قال قبل هذا: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلَتُهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم) الآية ، والمعنى : ولن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتهم ، ولا النصارى حتى تتبع ملتهم . وقد يستدل بهذا على أن لكل طائفة ملة ، لقوله تعالى : ١٠٧ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ ) وقال تعالى في آخر السورة: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّيِّهِ ) إلى آخر السورة، كما قال فى أولها: ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ). ففتحها بالإيمان الجامع ، وختمها بالإيمان الجامع ، ووسطها بالايمان الجامع . ونبينا صلى الله عليه وسلم أعطي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه وقال تعالى فى آل عمران بعد أن قص أمر المسيح ويحيى: (قُلْ يَّأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلََّنَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَبِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أُشْهَدُ واْبِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، وهي التى كتبها النبى صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم لما دعاهم إلى الإسلام ، وقال : (يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُونَ فِىّ إِنْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَكَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِةْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إَِهِيمُ بَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ)، إلى قوله: (وَإِذْ أَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ ١٠٨ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ)، إلى قوله: (وَلَهُ:أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا ) ، فأنكر على من يبغى غير دين الله. كما قال فى أول السورة: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْالْعِلْمِ قَابِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ * إِنَّالدِّينَ عِندَ اللَّهِ اُلْإِسْلَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَاءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ) فأخبر أن الدين عند الله الإسلام ، وأن الذين اختلفوا من أهل الكتاب وصاروا على ملل شتى ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم وفيه بيان أن الدين واحد لا اختلاف فيه . وقال تعالى: (قُلْ إِنَِّى هَدَنِ رَقٍ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ دِينًا فِيَمَا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) هذا بعد أن ذكر الأنبياء فقال : (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ نُهُمُ أَقْتَدِهُ ). وذكر في النحل دعوة المرسلين جميعهم واتفاقهم على عبادة الله وحده لاشريك له، فقال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) الآية. وقال: (إِنَّإِبْرَهِيوَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَّا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْيَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِةِ اجْتَبَنَّهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيٍ * وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَاحَسَنَةً وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِلَمِنَ الصَّلِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ ١٠٩ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقال: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ) إلى قوله: (مَّشْهَدِيَوْمٍ عَظِيم ) . وقال فى سورة الأنبياء: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ ، وقال بعد أن قص قصصهم: إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْفَاعْبُدُونِ ) (إِنَّ هَذِّ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ)، وقال فى آخرها ( قُلْ إِنَّمَايُوحَّ إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُسْلِمُونَ ) وقال في سورة المؤمنون: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْمِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ: أُمَِّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ فَنَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوْأَفْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُّ كُلُّ حِزْبٍ بِمَالَدَتِهِمْ فَرِحُونَ) وقال فى آخر سورة الحج التى ذكر فيها الملل الست ، وذكر ما جعل لهم من المناسك والمعابد ، وذكر ملة إبراهيم خصوصاً : (وَجَهِدُواْ فِاللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ أَحْتَبَكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ مِلّةَ ، وقال : أَبِكُمْ إَِهِيمٌ هُوَسَمَّنْكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ) الآ بة (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ) إلى قوله: (وَذَلِكَ وقال : دِينُ الْقَيِمَةِ ) ١١٠ وهذا في القرآن مذكور فى مواضع كثيرة . وكذلك فى الأحاديث الصحيحة ، مثل ما ترجم عليه البخارى فقال: ((باب ما جاء فى أن دين الأنبياء واحد)) وذكر الحديث المتفق عليه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنا معاشر الأنبياء إخوة لعلات))، ومثل صفته فى التوراة: ((لن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء ، فأفتح به أعيناً عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا)، ولهذا وحد الصراط والسبيل فى مثل قوله تعالى: (أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ) ومثل قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ ) ومثل قوله: ( اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ) ( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ الَّهِ) (وَجَهَدُواْ وقوله : فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقوله: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). والإسلام دين جميع المرسلين ، قال نوح عليه السلام : ( فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى اللَّهِ وَأَمِّرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وقال الله عن إبراهيم وبنيه ما تقدم ، وقال الله عن السحرة : ، وعن فرعون : (رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) (ءَامَنْتُ أَنَّهُ وَ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْإِسْرَهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ١١١ وقال الحواريون : (ءَامَنَّا بِاللّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، وفي السورة الأخرى: (وَأَشْهَدْ بِأَتَنَا مُسْلِمُونَ)، وقال يوسف الصديق: (تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ)، وقال موسى: (إِنْ كُنْتُمْ ءَامَنْتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَلُواْ إِنكُم مُسْلِمِينَ)، وقالت بلقيس: (رَبِّ إِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَلِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) وقال في التوراة: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْلِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرََِّّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ) قال شيخ الإسلام: وقد قررت فى غير هذا الموضع الإسلام العام والخاص، والإيمان العام والخاص، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَّبِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اُلْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). وأما تنوع الشرائع وتعددها فقال تعالى لما ذكر القبلة بعد الملة بقوله : (فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُّ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وَمَا ◌َللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) ، (وَلِكُلِّ وِجْهَةً إلى قوله : هُوَ مُوَلِّها فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ)، فأخبر أن لكل أمة وجهة ، ولم يقل جعلنا لكل أمة وجهة، بل قد يكونون م ابتدعوها كما ابتدعت النصارى وجهة المشرق ، بخلاف ما ذكره فى الشرع والمناهج ؛ فإنه قال : ، إلى قوله : ( يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُّنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اُلْكُفْرِ) ١١٢ ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، وهذه الآيات نزلت بسبب الحكم في الحدود والقصاص والديات ، أخبر أن التوراة (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرََّّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ)، وهذا عام فى النبيين جميعهم والربانيين والأحبار . ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنِيلِ بِمَآ أَنْزَلَ ثم لما ذكر الإنجيل قال : اللَّهُفِيهِ) فأمر هؤلاء بالحكم لأن الإنجيل بعض ما فى التوراة وأقر الأكثر، والحكم بما أنزل الله فيه حكم بما فى التوراة أيضاً ، ثم قال: (فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ عَمَّاجَآءَ لَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ، فأمره أن يحكم بما أنزل الله على شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) من قبله ، لكل جعلنا من الرسولين والكتابين شرعة ومنهاجا ، أي سنة وسبيلا ، فالشرعة الشريعة وهي السنة ، والمنهاج الطريق والسبيل وكان هذا بيان وجه تركه لما جعل لغيره من السنة والمنهاج إلى ما جعل له، ثم أمره أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه، فالأول نهى له أن يأخذ بمنهاج غيره وشرعته ، والثانى وإن كان حكما غير الحكم الذي أنزل نهى له أن يترك شيئاً مما أنزل فيها عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فمن لم يتبعه لم يحكم بما أنزل الله وإن لم يكن من أهل الكتاب الذين أمروا أن يحكموا بما فيها مما يخالف حكمه . ١١٣ وقال تعالى في الحج : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًالِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ) (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكَّاهُمْ نَاسِكُوَةٌ فَلَا يُنَزِ عُنَّكَ فِي الْأَمْيِ )، وذكر فى أثناء السورة : الَِّّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُفِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) فبين أنه هو جعل المناسك ، وذكر مواضع العبادات كما ذكر في البقرة الوجهة التى يتوجهون إليها ، وقال في سورة الجاثية بعد أن ذكر بنى إسرائيل: (ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَنَّعْهَا وَلَا تَشَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الآ ية ، وقال فى النسخ ووجوب اتباعهم للرسول : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَا ءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ)، إلى قوله: (وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشََّهِدِينَ). وقال: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ) الآية والتى بعدها ، وقد تقدم ما في البقرة وآل عمران من أمرهم بالإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك فى سورة النساء، وهو كثير فى القرآن . فصل قال الله تعالى لنا: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْ كُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ ١١٤ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا ) ، إلى قوله تعالى: ( وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبِيِنَتُ)، إلى قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ). فأمرنا بملازمة الإسلام إلى المات كما أمر الأنبياء جميعهم بالإسلام . وأن نعتصم بحبله جميعاً ولا نتفرق ، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ، وذكر أنه تبيض وجوه وتسود وجوه ، قال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود (أَكَفَرْتُم وجوه أهل البدعة والفرقة ، وذكر أنه يقال لهم : بَعْدَإِيَمَنِكُمْ ) ، وهذا عائد إلى قوله : (وَلَا تَمُتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) فأمر بملازمة الإسلام ، وبين أن المسودة وجوههم أهل التفرق والاختلاف، يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم ؟ وهذا دليل على كفرهم وارتدادم وقد نأولها الصحابة فى الخوارج . (أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ وَلَا تَنَفَرَّقُواْفِيهِ ) ، وهذا نظير قوله للرسل : وقد قال في البقرة : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ) (إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُوْشِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِى الآية ، وقال أيضاً : شَىْءٍ)، وقال تعالى: (فَتَقَطَّعُواْأَقْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُّ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). ١١٥ وقال تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، ( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْشِيَعًا كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، وقال تعالى: (إِنَّالدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ) الآية ( وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنُ بَعْدِمَا جَآءَ نْهُمُ الْبِنَةُ) الآية ، ونظيرها فى الجاثية . وقال اللّه تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِنِ نَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَّكُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَّا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) فصل إذا كان الله تعالى قد أمرنا بطاعة الله وطاعة رسوله وأولى الأمر منا، وأمرنا عند التنازع فى شيء أن ترد. إلى الله وإلى الرسول ، وأمرنا بالاجتماع والائتلاف ، ونهانا عن التفرق والاختلاف ، وأمرنا ١١٦ أن نستغفر لمن سبقنا بالإيمان ، وسمانا المسلمين ، وأمرنا أن ندوم عليه إلى المات . فهذه النصوص وما كان في معناها توجب علينا الاجتماع فى الدين كاجتماع الأنبياء قبلنا في الدين ، وولاة الأمور فينا م خلفاء الرسول ، قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء ، كما هلك فى قام نى ، وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء ويكثرون ، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : أوفوا بيعة الأول فالأول ، وأدوا لهم الذي لهم ، فإن الله سائلهم عما استرعام))، وقال أيضاً: ((العلماء ورثة الأنبياء))، وروى عنه أنه قال: «وددت أني قد رأيت خلفائي ! قالوا : ومن خلفاؤك ؟ قال: الذين يحيون سنتى يعلمونها الناس))، فهؤلاء هم ولاة الأمر بعده وهم الأمراء والعلماء ، وبذلك فسرها السلف ومن تبعهم من الأمة كالإمام أحمد وغيره ، وهو ظاهر قد قررناه في غير هذا الموضع . فالأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها ، ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام المحض ، وهم أهل السنة والجماعة . وما تنوعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة فهو بمنزلة ما تنوعت فيه الأنبياء ، قال (قَدْ الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَهَدُ واْفِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، وقال تعالى: ١١٧ جَاءَ كُمْ مِّنَ اْللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ مُبِيرٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ( سُبُلَ السَّلَمِ)، وقال: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَدْ خُلُواْ فِى السِّلْمِ كَافَةً)، والتنوع قد يكون فى الوجوب تارة وفي الاستحباب أخرى . فالأول مثل ما يجب على قوم الجهاد وعلى قوم الزكاة وعلى قوم تعليم العلم ، وهذا يقع فى فروض الأعيان وفى فروض الكفايات . ففروض الأعيان مثل ما يجب على كل رجل إقامة الجماعة والجمعة في مكانه مع أهل بقعته ، ويجب عليه زكاة نوع ماله بصرفه إلى مستحقه لجيران ماله ، ويجب عليه استقبال الكعبة من ناحيته ، والحج إلى بيت اللّه من طريقه، ويجب عليه بر والديه وصلته ذوى رحمه ، والإحسان إلى جيرانه وأصحابه ومماليكه ورعيته ، ونحو ذلك من الأمور التى تتنوع فيها أعيان الوجوب وإن اشتركت الأمة فى جنس الوجوب ، وتارة تتنوع بالقدرة والعجز ، كتنوع صلاة المقيم والمسافر ؛ والصحيح والمريض ، والآمن والخائف . وفروض الكفايات تتنوع تنوع فروض الأعيان ، ولها تنوع يخصها وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره ، فقد تتعين في وقت ومكان ، وعلى شخص أو طائفة ، وفى وقت آخر أو مكان آخر على شخص آخر أو طائفة أخرى ، كما يقع مثل ذلك فى الولايات والجهاد والفتيا والقضاء وغير ذلك . ١١٨ وأما في الاستحباب فهو أبلغ ؛ فإن كل تنوع يقع فى الوجوب فإنه يقع مثله في المستحب ، ويزداد المستحب بأن كل شخص إنما يستحب له من الأعمال التى يتقرب بها إلى الله تعالى، التى يقول الله فيها: ((وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )) ما يقدر عليه ويفعله وينتفع به ، والأفضل له من الأعمال ما كان أنفع له ، وهذا يتنوع تنوعا عظيما، فأكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ليس هو الأفضل مطلقاً ؛ إذ أكثرهم لا يقدرون على الأفضل ولا يصبرون عليه إذا قدروا عليه ، وقد لا ينتفعون به ، بل قد يتضررون إذا طلبوه ، مثل من لا يمكنه فهم العلم الدقيق إذا طلب ذلك ، فإنه قد يفسد عقله ودينه ، أو من لا يمكنه الصبر على مرارة الفقر ولا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى ، أو لا يقدر على دفع فتنة الولاية عن نفسه والصبر على حقوقها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل ((إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادى من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك)) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لما سأله الإمارة: ((يا أبا ذر! إنى أراك ضعيفا، وإنى أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم)). وروى عنه أنه قال للعباس عمه: ((نفس تنجيها خير من إمارة لا يحصيها ))، ولهذا إذا قلنا : هذا العمل أفضل، فهذا قول مطلق . ١١٩ ثم المفضول يكون أفضل فى مكانه ويكون أفضل لمن لا يصلح له الأفضل ، مثال ذلك أن قراءة القرآن أفضل من الذكر بالنص والإجماع والاعتبار . أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه))، وقوله عن الله: ((من شغله قراءة القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين))، وقوله: ((ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه))، وقول الأعرابى له إنى لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلمنى ما يجزينى فى صلاتى، فقال: ((قل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)). وأما الإجماع على ذلك فقد حكاه طائفة ، ولا عبرة بخلاف جهال المتعبدة . وأما الاعتبار فإن الصلاة يجب فيها القراءة ؛ فإن عجز عنها انتقل إلى الذكر ولا يجزيه الذكر مع القدرة على القراءة ، والمبدل منه أفضل من البدل الذى لا يجوز إلا عند العجز عن المبدل . ١٢٠