النص المفهرس
صفحات 81-100
أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ: إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَ تُهُمْ إِيمَنَّاوَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ فَزَادَتُهُمْ رِجْسًا إِلَى رِحْسِهِمْ وَمَا تُواْوَهُمْ كَفِرُونَ) وقال تعالى: ( يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا ) وقال تعالى: (قَدْ جَآءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِيرٌ * يَهْدِى بِهِ اُللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِبِإِذْنِهِ، وقال تعالى : ( فَالَّذِينَ وَيَهْدِ يهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )، ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ اُلَّذِىَّ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحَا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اَللَّهِ الَّذِى لَهُ, مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ )، وقال تعالى: ( أُتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ )، وقال تعالى: ( الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ )، وقال تعالى: ( وَاَلَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَالْمُصْلِحِينَ )، وقال تعالى: ( وَأَشَعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمُ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ). ٨١ ـمل قد أمرنا الله تعالى باتباع ما أنزل إلينا من ربنا وباتباع ما يأتي منه من الهدى ، وقد أنزل علينا الكتاب والحكمة ، كما قال تعالى : ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِنَبِ وَاَلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم ◌ٍِ ) (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ) والحكمة من الهدى ، قال تعالى : والأمر باتباع الكتاب والقرآن يوجب الأمر باتباع الحكمة التى بعث بها الرسول ، وباتباعه وطاعته مطلقاً . وقال تعالى: (وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّمِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) وقال تعالى: (رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكَبِهِمْ)، وقال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ )، وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّاللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاُلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ )، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمِّعِنَ رَسُولًا ٨٢ مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَنِهِ، وَيُزَكِيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ ◌ُبِينٍ * وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْبِهِمَّ وَهُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . وقد أمر بطاعة الرسول في نحو أربعين موضعاً ، كقوله تعالى : ( قُلْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَالرَّسُولَْ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّاللَّلَ يُحِبُّ الْكَفِينَ ) وقوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِنِ تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ الْمُبِينُ)، وقوله: ( قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِنْ تَوَلَّوَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَاخِلَ وَعَلَيَّكُمْ مَّا ◌ُمِّلْتُةٌّ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ وَأْوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ ) ، إلى قوله: (وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ )، إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْبِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْمَعَهُ, عَّ أَمْيٍ جَامِع لَّمْـ يَذْهَبُواْحَقّ يَسْتَعْذِئُوهُ) إلى قوله: (أَوْتُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلْبِرُ) وقوله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوْأَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْاللَّهَ تَوَابَا رَّحِيمًا * فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْتَسْلِيمًا) وقوله تعالى: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) ، وقوله تعالى: ( وَمَآءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ ) وقوله ٨٣ (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ تعالى : وقوله تعالى : وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ). إلى قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا )، وقوله تعالى: ( وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّلَهُ نَارَجَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيَهَا أَبَدًا)، وقوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُواْرَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَاسَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَ السَّبِيلَا * رَبَّنَاءَ اتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا) وقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَوَبِلَتِى لَيْنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانَا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَفِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا ) فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم يجد ما قاله منصوصاً بعينه فى الكتاب ، كما أن تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وإن لم نجد ما فى الكتاب منصوصاً بعينه فى حديث عن الرسول غير الكتاب . فعلينا أن نتبع الكتاب وعلينا أن تتبع الرسول ، واتباع أحدهما هو اتباع الآخر ؛ فإن الرسول بلغ الكتاب ، والكتاب أمر بطاعة الرسول . ولا يختلف الكتاب والرسول ألبتة ، كما لا يخالف الكتاب بعضه بعضاً، قال تعالى: (وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِلَوَجَدُ واْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا ). ٨٤ والأحاديث كثيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى وجوب اتباع الكتاب وفى وجوب اتباع سنته صلى الله عليه وسلم، كقوله: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو تهيت عنه ، فيقول : بيننا وبينكم هذا القرآن ، فما وجدنا فيه من حلال حللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا وإنه مثل القرآن أو أعظم)) ، هذا الحديث فى السنن والمسانيد ، مأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم من عدة جهات ، من حديث أبي ثعلبة وأبى رافع وأبي هريرة وغيرهم . وفى صحيح مسلم عنه من حديث جابر أنه قال فى خطبة الوداع: ((وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله تعالى))، وفى الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قيل له : هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا! قيل : فكيف كتبه على الناس الوصية ؟ قال : أوصى بكتاب الله . وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسر القرآن، كما فسرت أعداد الصلوات، وقدر القراءة فيها، والجهر والمخافتة ، وكما فسرت فرائض الزكاة ونصبها ، وكما فسرت المناسك وقدر الطواف بالبيت ، والسعي ورمي الجمار ونحو ذلك . وهذه السنة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب ٨٥ اتباعها ، وقد يكون من سنته ما يظن أنه مخالف لظاهر القرآن وزيادة عليه ، كالسنة المفسرة لنصاب السرقة والموجبة لرجم الزاني المحص ، فهذه السنة أيضاً مما يجب اتباعه عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وسائر طوائف المسلمين ، إلا من نازع فى ذلك من الخوارج المارقين الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: (( يحقر أحدكم صلانه مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ؛ فإن فى قتلهم أجراً عند اللّه لمن قاتلهم يوم القيامة)). وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة فى وصفهم وذمهم والأمر بقتالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أحمد بن حنبل: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه ، وقد روى مسلم في صحيحه حديثهم من عشرة أوجه ، كأنها هي التى أشار إليها أحمد بن حنبل ، فإن مسلماً أخذ عن أحمد . وقد روى البخاري حديثهم من عدة أوجه ، وهؤلاء أولهم قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم: يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل. فمن جوز عليه أن يظلمه فلا يعدل كمن يوجب طاعته فيما ظلم فيه؛ لكنهم يوجبون اتباع ما بلغه عن الله، وهذا من جهلهم وتناقضهم، ولهذا قال النبى ٨٦ صلى الله عليه وسلم: ((ويحك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟!))، وقال: ((لقد خبت وخسرت إن لم أعدل))، أي : إن اتبعت من هو غير عادل فأنت خائب خاسر. وقال: ((أيأمني من في السماء ولا تأمنوني؟!))، يقول : إذا كان الله قد اتتمنى على تبليغ كلامه أفلا تأمنوني على أن أؤدي الأمانة إلى الله ؟ قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ ). وفى الجملة فالقرآن يوجب طاعته فى حكمه وفي قسمه ، ويذم من يعدل عنه فى هذا أو هذا، كما قال تعالى فى حكمه: ( فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا )، وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَرْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَن يَكْفُرُواْبِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلاَ بَعِيدًا * وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ قُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِ يهِمْ ثُمَّ جَاءُ وَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُواْأَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَلَهُمُ الرَّسُولُ ٨٧ لَوَجَدُ واْاللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )، وقال تعالى: (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّيَتَوَلَّى فَرِقٌ مِّنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَّ وَمَا أُوْلَئِكَ بِلْمُؤْمِينَ * وَإِذَا دُعُوْإِلَى الَهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمََّهُمْإِذَا فَرِيْقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لٌَّالْحَقُّ يَأْنُواْإِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَمِ ارْنَا بُوَأَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَادُعُوْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرُبَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اَلْفَائِزُونَ ). وقال فى قسمه للصدقات والفىء : قال فى الصدقات: (وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَ إِن لَّمْ يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْمَآءَ اتَمُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْحَسْبُنَا ◌َللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اُللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ) وقال فى الفيء (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاُلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَاءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ ج فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَدِهِمْ) الآيات الثلاث . فالطاعن فى شيء من حكمه أو قسمه - كالخوارج - طاعن في ٨٨ كتاب الله مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مفارق الجماعة المسلمين ، وكان شيطان الخوارج مقموعا لما كان المسلمون مجتمعين في عهد الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعثمان ، فلما افترقت الأمة فى خلافة علي رضي الله عنه وجد شيطان الخوارج موضع الخروج ، فرجوا وكفروا عليا ومعاوية ومن والاهما ، فقاتلهم أولى الطائفتين بالحق علي بن أبى طالب ، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تمرق مارقة على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق). ولهذا لما ناظرهم من ناظرم كابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهما بينوا لهم بطلان قولهم بالكتاب والميزان ، كما بين لهم ابن عباس ، حيث أنكروا على علي بن أبي طالب قتاله لأهل الجمل ، ونهيه عن اتباع مديرم والإجهاز على جريحهم وغنيمة أموالهم وذراريهم ، وكانت حجة الخوارج أنه ليس فى كتاب الله إلا مؤمن أو كافر، فإن كانوا مؤمنين لم يحل قتالهم ، وإن كانوا كفاراً أبيحت دماؤهم وأموالهم وذراريهم ، فأجابهم ابن عباس بأن القرآن يدل على أن عائشة أم المؤمنين ، وبين أن أمهات المؤمنين حرام ، فمن أنكر أمومتها فقد خالف كتاب الله، ومن استحل فرج أمه فقد خالف كتاب الله. وموضع غلطهم ظنهم أن من كان مؤمناً لم يبح قتاله بحال ، وهذا مما ضل به من ضل من الشيعة ، حيث ظنوا أن من قاتل عليا كافر ؛ ٨٩ فإن هذا خلاف القرآن، قال تعالى: (وَإِنَ طَايِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَائِلُواْالَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِاللَّهِ فَإِن ج فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ، فأخبر إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوْبَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ ) سبحانه أنهم مؤمنون مقتتلون ، وأمر إن بغت إحداهما على الأخرى أن تقاتل التى تبغى ، فإنه لم يكن أمر بقتال أحدهما ابتداء ، ثم أمر إذا فاءت إحداهما بالإصلاح بينهما بالعدل ، وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ )، فدل القرآن على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي ، وأنه يأمر بقتال الباغية حيث أمر الله به. وكذلك عمر بن عبد العزيز لما ناظرم وأقروا بوجوب الرجوع إلى ما نقله الصحابة عن الرسول من فرائض الصلاة بين لهم عمر أنه كذلك يجب [ الرجوع] إلى ما نقلوه عنه صلى الله عليه وسلم من فريضة الرجم ونصاب الزكاة ، وأن الفرق بينهما فرق بين المتماثلين ، فرجعوا إلى ذلك. وكذلك ابن عباس ناظرهم لما أنكروا تحكيم الرجال بأن الله قال فى الزوجين : إذا خيف شقاق بينهما أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وقال: (إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحَايُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ)، وأمر أيضاً أن يحكم في الصيد بجزاء ( مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُم بِهِ ذَوَاعَدَّلٍ مِّنَكُمْ)، فمن أفكر التحكيم مطلقاً فقد خالف كتاب الله تعالى، وذكر ابن عباس أن ٩٠ التحكيم في أمر أميرين لأجل دماء الأمة أولى من التحكيم في أمر الزوجين ؛ والتحكيم لأجل دم الصيد . وهذا استدلال من ابن عباس بالاعتبار وقياس الأولى ، وهو من الميزان ، فاستدل عليهم بالكتاب (يََّيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِيِ والميزان ، قال الله تعالى : اُلْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِ نَزَ عْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَ كُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). أمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منا ، وأمر إن تنازعنا فى شيء أن ترده إلى الله والرسول ، فدل هذا على أن كل ما تتنازع المؤمنون فيه من شيء فعليهم أن يردوه إلى الله والرسول ، والمعلق بالشرط يعدم عند عدم الشرط ، فدل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا لم يكن هذا الأمر ثابتاً، وكذلك إنما يكون لأنهم إذا لم يتنازعوا كانوا على هدى وطاعة لله ورسوله فلا يحتاجون حينئذ أن يؤمروا بما م فاعلون من طاعة الله والرسول . ودل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا بل اجتمعوا فإنهم لا يجتمعون على ضلالة، ولو كانوا قد يجتمعون على ضلالة لكانوا حينئذ أولى بوجوب الرد إلى الله والرسول منهم إذا تنازعوا ، فقد يكون أحد الفريقين مطيعا لله والرسول . فإذا كانوا مأمورين في هذا الحال بالرد إلى الله والرسول ليرجع إلى ذلك فريق منهم - خرج عن ذلك - فلأن يؤمروا بذلك ٩١ إذا قدر خروجهم كلهم عنه بطريق الأولى والأحرى أيضاً ، فقد قال لهم (وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُ واْنِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذَ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا ) . فلما نهام عن التفرق مطلقاً دل ذلك على أنهم لا يجتمعون على باطل ؛ إذ لو اجتمعوا على باطل لوجب اتباع الحق المتضمن لتفرقهم ، وبين أنه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخواناً، كما قال: (هُوَ الَّذِى أَيَدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) ، فإذا كانت قلوبهم متألفة غير مختلفة على أمر من الأمور كان ذلك من تمام نعمة الله عليهم؛ ومما من به عليهم ، فلم يكن ذلك اجتماعا على باطل؛ لأن الله تعالى أعلم بجميع الأمور . انتهى والحمد لله رب العالمين . ٩٢ وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبى القاسم بن محمد بن تيمية الحرانى - رضي الله عنه ونور ضريحه - : الحمد لله رب العالمين. ((قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة)» وبيان أن السعادة والهدى في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الضلال والشقاء في مخالفته ، وأن كل خير فى الوجود . إما عام وإما خاص فمنشؤه من جهة الرسول ، وأن كل شر فى العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به ، وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادم باتباع الرسالة . والرسالة ضرورية للعباد ، لا بد لهم منها ، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء ، والرسالة روح العالم ونوره وحياته ، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور ؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ماطلعت عليه شمس الرسالة ، وكذلك العبد ما لم تشرق فى قلبه شمس الرسالة وبناله من حياتها وروحها فهو فى ظلمة ؛ وهو من الأموات ، قال الله ٩٣ تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِى اُلُظُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا) ، فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل فأحياء الله بروح الرسالة ونور الإيمان ، وجعل له نوراً يمشي به فى الناس . وأما الكافر فميت القلب فى الظلمات . وسمى الله تعالى رسالته روحا، والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة، (وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَ مَاكُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِّنَبُ قال الله تعالى : وَلَا الْإِيمَنُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًّا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) فذكر هنا الأصلين ، وهما : الروح ، والنور . فالروح الحياة ، والنور النور . وكذلك يضرب اللّه الأمثال للوحي الذي أنزله حياة للقلوب ونوراً لها بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض ، وبالنار التى يحصل بها النور، وهذا كما فى قوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ج فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًّا وَمِمَايُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلِيَةٍ أَوْ مَنِعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءَ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ). فشبه العلم بالماء المنزل من السماء ؛ لأن به حياة القلوب ، كما أن ٩٤ بالماء حياة الأبدان ، وشبه القلوب بالأودية لأنها محل العلم كما أن الأودية محل الماء، فقلب يسع علماً كثيراً وواد يسع ماء كثيراً ، وقلب يسع علماً قليلا وواد يسع ماء قليلا ، وأخبر تعالى أنه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء ، وأنه يذهب جفاء ، أي: يرمى به ويخفى ، والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر، وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات فإذا ترابى فيها الحق ثارت فيها تلك الشهوات والشبهات ، ثم تذهب جفاء ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي ينفع صاحبه والناس ، ج وقال: ( وَمِقَايُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقّ وَالْبَطِلَ ) ، فهذا المثل الآخر وهو الناري . فالأول للحياة ، والثاني للضياء. ونظير هذين المثالين : المثالان المذكوران في سورة البقرة فى قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَنَارًا)، إلى قوله: (أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ ) إلى آخر الآية . وأما الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حي، وإن كانت حياته حياة بهيمية ، فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التى سبيها سبب الإيمان ، وبها يحصل للعبد السعادة والفلاح فى الدنيا والآخرة ؛ فإن الله سبحانه جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده فى تعريفهم ما ينفعهم وما يضرم ، وتكميل ما يصلحهم فى معاشهم ومعادهم وبعثوا جميعاً بالدعوة إلى الله وتعريف الطريق الموصل إليه ، وبيان حالهم بعد الوصول إليه . ٩٥ فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر ، وذكر أيام الله فى أوليائه وأعدائه، وهي القصص التى قصها على عباده والأمثال التى ضربها لهم . والأصل الثانى يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة ، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه . والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر ؛ والجنة والنار ؛ والثواب والعقاب . وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر ، والسعادة والفلاح موقوفة عليها ، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل ؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة ، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه ، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه . وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب؛ فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان ، وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه مونا لا ترجى الحياة معه أبداً، أو شقى ٩٦ شقاوة لا سعادة معها أبداً ، فلا فلاح إلا باتباع الرسول ، فإن الله خص بالفلاح أتباعه المؤمنين وأنصاره ، كما قال تعالى: (قَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنزِلَ مَعَهُ, أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ ) ، أي : لا مفلح إلا م ، كما قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما أنزل إلى رسوله وما أنزل من قبله ، ويوقنون بالآخرة وبالهدى والفلاح ، فعلم بذلك أن الهدى والفلاح دائر حول ربع الرسالة وجوداً وعدما . وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء وبعث به جميع الرسل ، ولهذا قص الله علينا أخبار الأمم المكذبة للرسل وما صارت إليه عاقبتهم ، وأبقى آثارهم وديارهم عبرة لمن بعدم وموعظة. وكذلك مسخ من مسخ قردة وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم ، وكذلك من خسف به ؛ وأرسل عليه الحجارة من السماء ، وأغرقه في اليم ؛ وأرسل عليه الصيحة ، وأخذه بأنواع العقوبات ، وإنما ذلك بسبب مخالفتهم للرسل وإعراضهم عما جاءوا به ، واتخاذم أولياء من دونه . وهذه سنته سبحانه فيمن خالف رسله وأعرض عما جاؤوا به ٩٧ واتبع غير سبيلهم ؛ ولهذا أبقى الله سبحانه آثار المكذبين لتعتبر بها ونتعظ ؛ لئلا نفعل كما فعلوا فيصيبنا ما أصابهم ، كما قال تعالى: ( إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًّاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآءَايَةً بِنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )، وقال تعالى: ( ثُمَّ دَمَّرْنَا ، أي : اُلْأَخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَهُونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِلَيْلِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) تمرون عليهم نهارا بالصباح وبالليل، ثم قال: ( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )، وقال تعالى فى مدائن قوم لوط: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ * إِنَّفِى ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَوَسِمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) ، يعنى : مدائهم بطريق مقيم براها المار بها . وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) . وهذا كثير فى الكتاب العزيز : يخبر الله سبحانه عن إهلاك المخالفين للرسل ونجاة أتباع المرسلين ؛ ولهذا يذكر سبحانه فى سورة الشعراء قصة موسى وإبراهيم ، ونوح وعاد وتمود ، ولوط وشعيب ، ويذكر لكل فى إهلاكه لمكذبيهم والنجاة لهم ولأتباعهم، ثم يختم القصة بقوله: (إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ، محتم القصة باسمين من أسمائه تقتضيها الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تلك الصفة ، وهو : ( العزيز الرحيم ) فانتقم من أعدائه بعزته ، وأنجى رسله وأتباعهم برحمته . ٩٨ ــل والرسالة ضرورية فى إصلاح العبد فى معاشه ومعاده ، فكما أنه لا صلاح له فى آخرته إلا باتباع الرسالة ، فكذلك لاصلاح له فى معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة ؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع ؛ فإنه بين حركتين: حركة يجلب بها ما ينفعه ؛ وحركة بدفع بها ما يضره . والشرع هو النور الذي يبين ماينفعه وما يضره ، والشرع نور الله فى أرضه وعدله بين عباده ، وحصنه الذي من دخله كان آمناً . وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس ؛ فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم ؛ فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب ، بل التمييز بين الأفعال التى تضر فاعلها في معاشه ومعاده ، كنفع الإيمان والتوحيد ؛ والعدل والبر والتصدق والإحسان ؛ والأمانة والعفة؛ والشجاعة والحلم ؛ والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وصلة الأرحام وبر الوالدين ، والإحسان إلى الماليك والجار ؛ وأداء الحقوق ؛ وإخلاص العمل لله والتوكل عليه؛ والاستعانة به والرضا بمواقع القدر به؛ والتسليم لحكمه والانقياد لأمره ؛ وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه ؛ ٩٩ وخشيته فى الغيب والشهادة؛ والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه ؛ واحتساب الثواب عنده ؛ وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به؛ وطاعته فى كل ما أمروا به؛ مما هو نفع وصلاح للعبد فى دنياه وآخرته؛ وفى ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته . ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار فى المعاش والمعاد ، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم : أن أرسل إليهم رسله ؛ وأنزل عليهم كتبه ؛ وبين لهم الصراط المستقيم . ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل أشر حالا منها، فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية ، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية ، وأسوأ حالا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم . وفى الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله عنه؛ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً ، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير . وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وانتفعوا وزرعوا . وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً. فذلك مثل من فقه فى دين الله تعالى ونفعه ما بعثنى اللّه به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به )) متفق على صحته . ١٠٠