النص المفهرس
صفحات 41-60
والفلوات ، ويوجدون في مواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل والقمامات والمقابر. والشيوخ الذين تقترن بهم الشياطين وتكون أحوالهم شيطانية لا رحمانية بأوون كثيراً إلى هذه الأماكن التى هي مأوى الشياطين . وقد جاءت الآثار بالنهي عن الصلاة فيها لأنها مأوى الشياطين ، والفقهاء منهم من علل النهي بكونها مظنة النجاسات . ومنهم من قال : إنه تعبد لا يعقل معناه . والصحيح أن العلة في الحمام وأعطان الإبل ونحو ذلك أنها مأوى الشياطين، وفي المقبرة أن ذلك ذريعة إلى الشرك مع أن المقابر تكون أيضاً مأوى للشياطين . والمقصود أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة على غير الوجه الشرعى ولهم أحياناً مكاشفات ولهم تأثيرات يأوون كثيرا إلى مواضع الشياطين التى نهى عن الصلاة فيها ؛ لأن الشياطين تتنزل عليهم بها وتخاطبهم الشياطين ببعض الأمور كما تخاطب الكهان ، وكما كانت تدخل فى الأصنام وتكلم عابدي الأصنام وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة ، وكما تعين عباد الأصنام وعباد الشمس والقمر والكواكب إذا عبدوها بالعبادات التى يظنون أنها تناسبها ، من تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك ؛ فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها روحانية الكواكب ، وقد نقضي بعض حوائجهم ، إما قتل بعض أعدائهم أو ٤١ إمراضه، وإما جلب بعض من يهوونه ، وإما إحضار بعض المال . ولكن الضرر الذي يحصل لهم بذلك أعظم من النفع ، بل قد يكون أضعاف أضعاف النفع . والذين يستخدمون الجن بهذه الأمور يزعم كثير منهم أن سليمان كان يستخدم الجن بها ، فإنه قد ذكر غير واحد من علماء السلف أن سليمان لما مات كتبت الشياطين كتب سحر وكفر وجعلتها تحت كرسيه ، وقالوا : كان سليمان يستخدم الجن بهذه ، فطعن طائفة من أهل الكتاب فى سليمان بهذا . وآخرون قالوا : لولا أن هذا حق حائز لما فعله سليمان ؛ فضل الفريقان ، هؤلاء بقدحهم فى سليمان ، وهؤلاء باتباعهم السحر ، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: (وَلَمَّا جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ) إلى قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بين سبحانه أن وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). هذا لا يضر ولا ينفع ؛ إذ كان النفع هو الخير الخالص أو الراجح ، والضرر هو الشر الخالص أو الراجح، وشر هذا إما خالص وإما راجح . والمقصود أن الجن إذا اعتدوا على الإنس أخبروا بحكم الله ورسوله وأقيمت عليهم الحجة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، كما يفعل ٤٢ (وَمَا كُتَّامُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا )، بالإنس ؛ لأن الله يقول : وقال تعالى: (يَتَمَعْشَرَ الِنِّ وَالْإِنسِ أَلَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُضُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل حيات البيوت حتى تؤذن ثلاثاً ، كما في صحيح مسلم وغيره عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن بالمدينة نفراً من الجن قد أسلموا ، فمن رأى شيئاً من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثاً ، فإن بدا له بعد فليقتله فإنه شيطان )) وفى صحيح مسلم أيضاً عن أبى السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته ، قال : فوجدته بصلي جلست أنتظره حتى يقضى صلاته ، فسمعت بحريكا فى عراجين فى ناحية البيت فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها ، فأشار إلي أن اجلس جلست ، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت ؟ فقلت : نعم ! فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق ، فكان ذلك الفتى بستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار ويرجع إلى أهله ، فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خذ عليك سلاحك فإنى أخشى عليك قريظة)) فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع ، فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة ، فقالت : ٤٣ اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجنى ، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ، ثم خرج فركزه فى الدار فاضطربت عليه ، فما يدرى أيها كان أسرع موناً الحية أم الفتى ؟ قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك، وقلنا: ادع الله يحييه لنا، قال: ((استغفروا لصاحبكم)) ثم قال: ((إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فَآذنوه ثلاثة أيام ، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان)»، . لمسلم أيضاً : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وفى لفظ آخر ، « إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئاً منها خرجوا عليه ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر)) وقال لهم: ((اذهبوا فادفنوا صاحبكم)). وذلك أن قتل الجن بغير حق لا يجوز كما لا يجوز قتل الإنس بلا حق، والظلم محرم فى كل حال ، فلا يحل لأحد أن يظلم أحداً ولو ( وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَىّ كان كافراً ، بل قال تعالى : أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )، والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم ، فيتصورون فى صور الحيات والعقارب وغيرها ، وفي صور الإبل والبقر والغنم ، والخيل والبغال والخمير ، وفي صور الطير ، وفى صور بني آدم ، كما أتى الشيطان قريشاً فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر، قال تعالى: (وَإِذْزَبَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ٤٤ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّى جَارٌلَّكُمْ)، إلى قوله : ( وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ). وكما روى أنه تصور فى صورة شيخ بجدي لما اجتمعوا بدار الندوة هل يقتلون الرسول أو محبسونه أو يخرجونه؟ كما قال تبارك وتعالى: ( وَإِذْ يَمْكُّرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِ جُوكٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اَللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ )، فإذا كانت حيات البيوت قد تكون جنا فتؤذن ثلاثاً فإن ذهبت وإلا قتلت ، فإنها إن كانت حية قتلت ، وإن كانت جنية فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في صورة حية تفزعهم بذلك ، والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو كان قتلا ، وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك فلا يجوز . وأهل العزائم والأقسام يقسمون على بعضهم ليعينهم على بعض ، تارة ببرون قسمه وكثيراً لا يفعلون ذلك ، بأن يكون ذلك الجني معظما عندم ، وليس للمعزم وعزيمته من الحرمة ما يقتضى إعانتهم على ذلك ، إذ كان المعزم قد يكون بمنزلة الذى يحلف غيره ويقسم عليه بمن يعظمه وهذا تختلف أحواله ، فمن أقسم على الناس ليؤذوا من هو عظيم عندم لم يلتفتوا إليه وقد يكون ذلك منيعاً، فأحوالهم شبيهة بأحوال ٤٥ الإنس لكن الإنس أعقل وأصدق وأعدل وأوفى بالعهد ؛ والجن أجهل وأكذب وأظلم وأغدر . والمقصود أن أرباب العزائم مع كون عزائمهم تشتمل على شرك وكفر لا تجوز العزيمة والقسم به فهم كثيراً ما يعجزون عن دفع الجبي ، وكثيراً ما تسخر منهم الجن إذا طلبوا منهم قتل الجني الصارع للإنس أو حبسه ، فيخيلوا إليهم أنهم قتلوه أو حبسوه ويكون ذلك نخييلا وكذبا ، هذا إذا كان الذي يرى ما يخيلونه صادقا فى الرؤية ، فإن عامة ما يعرفونه لمن يريدون تعريفه إما بالمكاشفة والمخاطبة ، إن كان من جنس عباد المشركين وأهل الكتاب ومبتدعة المسلمين الذين تضلهم الجن والشياطين ، وأما ما يظهرونه لأهل العزائم والأقسام أنهم يمثلون ما يريدون تعريفه ، فإذا رأى المثال أخبر عن ذلك وقد يعرف أنه مثال ، وقد يوهمونه أنه نفس المرئى، وإذا أرادوا سماع كلام من يناديه من مكان بعيد مثل من يستغيث ببعض العباد الضالين من المشركين وأهل الكتاب وأهل الجهل من عباد المسلمين ، إذا استغاث به بعض محبيه فقال : يا سيدي فلان ! فإن الجني يخاطبه بمثل صوت ذلك الإنسي ، فإذا رد الشيخ عليه الخطاب أجاب ذلك الإنسي بمثل ذلك الصوت ، وهذا وقع لعدد كثير أعرف منهم طائفة . ٤٦ فصل وكثيراً ما يتصور الشيطان بصورة المدعو المنادى المستغاث به إذا كان ميتاً ، وكذلك قد يكون حياً ولا يشعر بالذى ناداه ؛ بل يتصور الشيطان بصورته ، فيظن المشرك الضال المستغيث بذلك الشخص أن الشخص نفسه أجابه وإنما هو الشيطان ، وهذا يقع للكفار المستغيثين بمن يحسنون به الظن من الأموات والأحياء ، كالنصارى المستغيثين بجرجس وغيره من قدادبسهم ، ويقع لأهل الشرك والضلال من المنتسبين إلى الإسلام الذين يستغيثون بالموتى والغائبين ، يتصور لهم الشيطان في صورة ذلك المستغاث به وهو لا يشعر . وأعرف عدداً كثيراً وقع لهم في عدة أشخاص يقول لي كل من الأشخاص : إنى لم أعرف أن هذا استغاث بى، والمستغيث قد رأى ذلك الذي هو على صورة هذا ، وما أعتقد أنه إلا هذا. وذكر لي غير واحد أنهم استغاثوا بى ، كل يذكر قصة غير قصة صاحبه ، فأخبرت كلاً منهم أنى لم أجب أحداً منهم ولا علمت باستغائته ، فقيل: ٤٧ هذا يكون ملكا ، فقلت : الملك لا يغيث المشرك ، إنما هو شيطان أراد أن يضله . وكذلك يتصور بصورته ويقف بعرفات ، فيظن من يحسن به الظن أنه وقف بعرفات ، وكثير منهم حمله الشيطان إلى عرفات أو غيرها من الحرم ، فيتجاوز الميقات بلا إحرام ولا تلبية ، ولا يطوف بالبيت ولا بالصفا والمروة ، وفيهم من لا يعبر مكة ، وفيهم من يقف بعرفات ويرجع ولا يرمي الجمار ، إلى أمثال ذلك من الأمور التى يضلهم بها الشيطان حيث فعلوا ما هو منهى عنه فى الشرع ، إما محرم وإما مكروه ليس بواجب ولا مستحب ، وقد زين لهم الشيطان أن هذا من كرامات الصالحين ، وهو من تلبيس الشيطان ، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب ، وكل من عبد عبادة ليست واجبة ولا مستحبة وظنها واجبة أو مستحبة فإنما زين ذلك له الشيطان وإن قدر أنه عفى عنه لحسن قصده واجتهاده ، لكن ليس هذا مما يكرم الله به أولياءه المتقين، إذ ليس فى فعل المحرمات والمكروهات إكرام ، بل الإكرام حفظه من ذلك ومنعه منه ؛ فإن ذلك ينقصه لا يزيده ، وإن لم يعاقب عليه بالعذاب فلا بد أن يخفضه عما كان ويخفض أتباعه الذين يمدحون هذه الحال ويعظمون صاحبها ، فإن مدح المحرمات والمكروهات وتعظيم صاحبها هو من الضلال عن سبيل الله، وكلما ازداد العبد فى ٤٨ البدع اجتهاداً ازداد من الله بعداً لأنها تخرجه عن سبيل الله ؛ سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى بعض سبيل المغضوب عليهم والضالين . ـل إذا عرف الأصل في هذا الباب فنقول : يجوز بل يستحب وقد يجب أن يذب عن المظلوم وأن ينصر ؛ فإن نصر المظلوم مأمور به بحسب الإمكان، وفى الصحيحين حديث البراء بن عازب قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وتشميت العاطس ، وإرار القسم أو المقسم ، ونصر المظلوم ، وإجابة الداعى ، وإفشاء السلام . ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب : وعن شرب بالفضة؛ وعن المياثر ، وعن القسي، ولبس الحرير؛ والإستبرق، والديباج)). وفي الصحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوما، قلت: يا رسول الله! أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال : تمنعه من الظلم ، فذلك نصرك إياه )» وأيضاً ففيه تفريج كربة هذا المظلوم . وفى صحيح مسلم عن أبى ٤٩ هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله فى الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه )). وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقى قال: ((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)) لكن ينصر بالعدل كما أمر الله ورسوله ، مثل الأدعية والأذكار الشرعية ، ومثل أمر الجنى ونهيه كما يؤمر الإنسي وينهى ، ويجوز من ذلك ما يجوز مثله في حق الإنسي ، مثل أن يحتاج إلى انتهار الجنى وتهديده ولعنه وسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبى الدرداء قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعناه يقول: ((أعوذ بالله منك ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً)) وبسط بده كأنه يتناول شيئاً ، فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله ! قد سمعناك نقول فى الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك! قال: ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات ، ثم قلت : ألعنك بلعنة اللّه التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ، ثم أردت أخذه ، ووالله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة)) ففى هذا الحديث الاستعاذة منه ٥٠ ولعنته بلعنة الله، ولم يستأخر بذلك فمد يده إليه . وفى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي ، فأمكننى الله منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول فرده (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِ مُلْكَا لاَ يَتْبَغِ لِأَحَدٍمِنْ بَعْدِىّ) أخى سليمان الله خاسئاً)) فهذا الحديث يوافق الأول ويفسره، وقوله: ((ذعته)) أى : خلفته ، فبين أن مد اليد كان لخنقه ، وهذا دفع لعدوانه بالفعل وهو الختق ، وبه اندفع عدوانه فرده الله خاسئاً . وأما الزيادة وهو ربطه إلى السارية فهو من باب التصرف الملكى الذي تركه لسليمان ، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يتصرف فى الجن كتصرفه فى الإنس تصرف عبد رسول ، بأمرم بعبادة الله وطاعته لا يتصرف لأمر يرجع إليه وهو التصرف الملكي ؛ فإنه كان عبداً رسولا وسليمان نبي ملك ، والعبد الرسول أفضل من التى الملك كما أن السابقين المقربين أفضل من عموم الأبرار أصحاب اليمين ، وقد روى النسائى على شرط البخارى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى فأناه الشيطان ، فأخذه فصرعه خنقه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( حتى وجدت برد لسانه على بدي، ولولا ٥١ دعوة سليمان لأصبح موثقاً حتى يراه الناس )). ورواه أحمد وأبو داود من حديث أبى سعيد، وفيه: (( فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين : الإبهام والتى تليها » ، وهذا فعله فى الصلاة ، وهذا مما احتج به العلماء على جواز مثل هذا في الصلاة، وهو كدفع المار ، وقتل الأسودين ، والصلاة حال المسايفة . وقد تنازع العلماء فى شيطان الجن إذا مر بين يدي المصلي : هل يقطع ؟ على قولين هما قولان في مذهب أحمد ، كما ذكرها ابن حامد وغيره : أحدهما : يقطع لهذا الحديث ؛ ولقوله لما أخبر أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة: ((الكلب الأسود شيطان))، فعلل بأنه شيطان . وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الكلب الأسود شيطان الكلاب ، والجن تتصور بصورته كثيراً ، وكذلك بصورة القط الأسود ؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره ، وفيه قوة الحرارة . ومما يتقرب به إلى الجن الذبائح ، فإن من الناس من يذبح للجن وهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وروى أنه نهى عن ذبائح الجن ، وإذا برئ المصاب بالدعاء والذكر وأمر الجن ونهيهم وانتهاريم ٥٢ وسبهم ولعنهم ونحو ذلك من الكلام حصل المقصود ، وإن كان ذلك يتضمن مرض طائفة من الجن أو موتهم فهم الظالمون لأنفسهم ، إذا كان الراقى الداعي المعالج لم يتعد عليهم كما يتعدى عليهم كثير من أهل العزائم ، فيأمرون بقتل من لا يجوز قتله، وقد يحبسون من لايحتاج إلى حبسه؛ ولهذا قد تقاتلهم الجن على ذلك ، ففيهم من تقتله الجن أو تمرضه، وفيهم من يفعل ذلك بأهله وأولاده أو دوابه . وأما من سلك فى دفع عداوتهم مسلك العدل الذي أمر الله به ورسوله فإنه لم يظلمهم ، بل هو مطيع الله ورسوله فى نصر المظلوم وإغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب بالطريق الشرعي التى ليس فيها شرك بالخالق ولا ظلم للمخلوق ، ومثل هذا لا تؤذيه الجن ، إما لمعرفتهم بأنه عادل ؛ وإما لعجزم عنه . وإن كان الجن من العفاريت وهو ضعيف فقد تؤذيه ، فينبغي لمثل هذا أن يحترز بقراءة العوذ ، مثل آية الكرسى والمعوذات ، والصلاة ، والدعاء ، ونحو ذلك مما يقوى الإيمان ويجنب الذنوب التى بها يسلطون عليه ، فإنه مجاهد فى سبيل الله ، وهذا من أعظم الجهاد ، فليحذر أن ينصر العدو عليه بذنوبه ، وإن كان الأمر فوق قدرته فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فلا يتعرض من البلاء لما لا يطيق . ومن أعظم ما ينتصر به عليهم آية الكرسي ، فقد ثبت فى صحيح ٥٣ البخاري حديث أبى هريرة قال : وكلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ زكاة رمضان ، فأناني آت جمل يحثو من الطعام ، فأخذته وقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنى محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة ، قال : فخليت عنه ، فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ )) قلت: يا رسول الله! شكى حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله، قال: ((أما إنه قد كذبك وسيعود)) فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته ، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: دعنى فإنى محتاج وعلى عيال لا أعود، فرحمته خليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هريرة ما فعل أسبرك؟)) قلت : يا رسول الله شكى حاجة وعيالا فرحمته خليت سبيله قال: (( أما إنه قد كذبك وسيعود)) فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته ، فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات ، تزعم أنك لاتعود ثم تعود ، قال: دعنى أعلمك كمات ينفعك الله بها ، قلت : ما هن ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك حتى يختم فاقرأ آية الكرسى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ الْحَىُّالْقَيُّومُ) الآية ، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى . ٥٤ تصبح ، محليت سبيله ، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما فعل أسيرك البارحة؟ )) قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها خليت سبيله ، قال : ما هي ؟ قلت : قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم وقال لي: « لن يزال عليك الآية: (اللّهُلَا إِلَهَإِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ) من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح » وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النى صلى الله عليه وسلم: (( أما إنه قد صدقك وهو كذوب ، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟)) قلت : لا. قال: ((ذاك شيطان)). ومع هذا فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير في دفع الشياطين وإبطال أحوالهم ما لا ينضبط من كثرته وقوته، فإن لها تأثيراً عظيما فى دفع الشيطان عن نفس الإنسان وعن المصروع وعن من تعينه الشياطين ، مثل أهل الظلم والغضب وأهل الشهوة والطرب ، وأرباب السماع المكاء والتصدية ، إذا قرئت عليهم بصدق دفعت الشياطين ، وبطلت الأمور التى يخيلها الشيطان ، ويبطل ما عند إخوان الشياطين من مكاشفة شيطانية وتصرف شيطاني ، إذ كانت الشياطين يوحون إلى أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله ٥٥ المتقين ، وإنما هي من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم والضالين . والصائل المعتدى يستحق دفعه سواء كان مسلماً أو كافراً، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد)) ، فإذا كان المظلوم له أن يدفع عن مال المظلوم ولو بقتل الصائل العادى فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته ؟ ! فإن الشيطان يفسد عقله ويعاقبه فى بدنه ، وقد يفعل معه فاحشة إنسي بإنسي ، وإن لم يندفع إلا بالقتل جاز قتله . وأما إسلام صاحبه والتخلي عنه فهو مثل إسلام أمثاله من المظلومين. وهذا فرض على الكفاية مع القدرة ، ففي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ))، فإن كان عاجزاً عن ذلك أو هو مشغول بما هو أوجب منه أو قام به غيره لم يجب وإن كان قادراً ، وقد تعين عليه ولا يشغله عما هو أوجب منه وجب عليه . وأما قول السائل : هل هذا مشروع ؟ فهذا من أفضل الأعمال ، وهو من أعمال الأنبياء والصالحين ؛ فإنه ما زال الأنبياء والصالحون ٥٦ يدفعون الشياطين عن بنى آدم بما أمر الله به ورسوله، كما كان المسيح يفعل ذلك ، وكما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، فقد روى أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه من حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق قال : حدثنى أم أبان بنت الوازع بن زارع بن عامر العبدي ؛ عن أبيها أن جدها الزارع انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق معه بابن له مجنون - أو ابن أخت له - قال جدي : فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن معي ابنالي - أو ابن أخت لي - مجنون، أتيتك به ندعو الله له، قال: ((انتنى به)) قال : فانطلقت به إليه وهو فى الركاب ، فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين ، وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أدنه منى، اجعل ظهره مما يلنى )) قال : بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله ، فجعل بضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطيه، ويقول: ((اخرج عدو الله! اخرج عدو الله!)) فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول ، ثم أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، فدعا له بما فمسح وجهه ودعا له ، فلم يكن فى الوفد أحد بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضل عليه . وقال أحمد فى المسند : ثنا عبد الله بن نمير ؛ عن عثمان بن حكيم أنا عبد الرحمن بن عبد العزيز ؛ عن يعلى بن مرة قال: لقد رأيت من ٥٧ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي ، لقد خرجت معه فى سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبى لها ، فقالت : يا رسول الله ! هذا صبى أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء ، يؤخذ في اليوم ما أدرى كم مرة ، قال : ((ناولينيه))، فرفعته إليه فجعله بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغر «فاه» فنفت فيه ثلاثاً، وقال: (( بسم الله أنا عبد الله اخسأ عدو الله)) ثم ناولها إياه ، فقال : القينا فى الرجعة فى هذا المكان فأخبرينا ما فعل ، قال: فذهبنا ورجعنا فوجدناها فى ذلك المكان معها شياء ثلاث، فقال : ما فعل صبيك ؟ فقالت : والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئاً حتى الساعة فاجترر هذه الغنم ، قال : انزل خذ منها واحدة ورد البقية . وذكر الحديث بتمامه . ثنا وكيع قال : ثنا الأعمش ؛ عن المنهال بن عمرو ؛ عن يعلى بن مرة ؛ عن أبيه قال وكيع : مرة يعنى الثقفي ، ولم يقل : مرة عن أبيه: أن امرأة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم معها صى لها به لم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اخرج عدو اللّه أنا رسول اللّه)) قال : فبرأ ، قال : فأهدت إليه كبشين وشيئاً من أقط وشيئاً من سمن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خذ الأقط والسمن، وخذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر )). ٥٨ ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ؛ عن عطاء بن السائب ؛ عن عبد الله ابن حفص ، عن يعلى بن مرة الثقفي قال : ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث ، وفيه قال: ثم سرنا فمررنا ماء فأنته امرأة بابن لها به جنة ، فأخذ النبى صلى الله عليه وسلم بمنخره فقال: ((اخرج إنى محمد رسول الله)) قال: ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته المرأة بجزر ولبن ، فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا من اللبن ، فسألها عن الصبى فقالت : والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريباً بعدك . ولو قدر أنه لم ينقل ذلك لكون مثله لم يقع عند الأنبياء ؛ لكون الشياطين لم تكن تقدر [أن](١) تفعل ذلك عند الأنبياء وفعلت ذلك عندنا ، فقد أمرنا الله ورسوله من نصر المظلوم والتنفيس عن المكروب ونفع المسلم بما يتناول ذلك وقد ثبت فى الصحيحين حديث الذين رقوا بالفاتحة ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((وما أدراك أنها رقية))، وأذن لهم في أخذ الجعل على شفاء اللديغ بالرقية ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للشيطان الذي أراد قطع صلاته: ((أعوذ بالله منك، ألعنك بلعنة الله التامة ثلاث مرات ))، وهذا كدفع ظالمي الإنس من الكفار والفجار ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإن كانوا لم يروا الترك ولم يكونوا يرمون بالقسى الفارسية ونحوها مما يحتاج إليه فى قتال ، فقد (١) اضيفت حسب مفهوم السياق ٥٩ ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه أمر بقتالهم ، وأخبر أن أمته ستقاتلهم ، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسى الفارسية ، ولو قوتلوا بالقسى العربية التى تشبه قوس القطن لم تغن شيئاً ؛ بل استطالوا على المسلمين بقوة رميهم ، فلا بد من قتالهم بما يقهرم . وقد قال بعض المسلمين لعمر بن الخطاب : إن العدو إذا رأيناه قد لبسوا الحرير وجدنا في قلوبنا روعة ، فقال: وأنتم فالبسوا كما لبسوا . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فى عمرة القضية بالرمل والاضطباع؛ ليرى المشركين قوتهم ، وإن لم يكن هذا مشروعا قبل هذا ، ففعل لأجل الجهاد ما لم يكن مشروعا بدون ذلك . ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجن عنه إلى الضرب ، فيضرب ضرباً كثيراً جداً، والضرب إنما يقع على الجنى ولا يحس به المصروع ، حتى يفيق المصروع ويخبر أنه لم يحس بشيء من ذلك ، ولا يؤثر فى بدنه ، ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة أو أكثر أوأقل، بحيث لو كان على الإنسى لقتله ، وإنما هو على الجنى والجى يصيح ويصرخ ، ويحدث الحاضرين بأمور متعددة كما قد فعلنا نحن هذا وجربناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلق كثيرين . ٦٠